المراسيل الخفيُّ إرسالها، وهي تدرك بالاتساع في الرواية، والجمع لطرق الأحاديث، مع المعرفة التامة، والمذكور في هذا الباب منه ما عرف فيه الإرسال بمعرفة عدم السماع من الراوي عنه، أو عدم
_________________
(١) لم يقبل مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١/ ٢٥) هذا الاعتذار، وقال: "وليس لقائل أن يقول: الشيخ - أي: ابن الصلاح - إنما حكاه عن غيره فلا يرد عليه، لأنه ذكره للتمثيل، وقرّره ورضي به، ولو كان عنده فيه رد على قائله لردّ، كعادته". وأيّده ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧) فقال بعد إيراد كلام الترمذي وابن الصلاح: "وتعقب الشيخ تاج الدين التبريزي كلام الشيخ محيي الدين" بقوله: "إنما مثل به حكاية عن الترمذي فلا يرد عليه شيء". انتهى. وهذا التعقب غير مرضيٍّ، لأن الإيراد على المصنف من جهة عدم مطابقة المثال للمسألة المفروضة ولو كان حاكيًا، لأنه أقره فرضية، وعلى تقدير عدم الورود من هذه الحيثية، فيرد عليه من جهة تغييره لعبارة الترمذي، لأن الترمذي لم يطلق تفرد مالك به كما بينه شيخنا عنه". قلت: يريد شيخه العراقي، وكلامه في "التقييد والإيضاح" (ص ١١١ - ١١٢)، وتتمة كلامه: "ثم راجعت كتاب الترمذي فوجدته في (كتاب الزكاة) قد أطلق كما حكاه عنه المصنف. ولفظه [برقم ٦٧٦]: "حديث ابن عمر - ﵁ - رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - نحو حديث أيوب، وزاد فيه: "من المسلمين". ورواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه: "من المسلمين". وفي "كتاب العلل المفرد" [٥/ ٧٥٩ - آخر "الجامع"] قد قيد كما حكاه عنه شيخنا: فكأن ابن الصلاح نقل كلامه من (كتاب الزكاة) ولم يراجع كلامه في "العلل"، والله أعلم".
[ ٢٤٤ ]
الالتقاء (^١)، كما في حديث العوَّام بن حَوشب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان النبي - ﷺ - إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، نهض وكبر" (^٢).
وروي فيه عن أحمد بن حنبل الإمام انه قال: "العوَّام لم يَلْقَ ابنَ أبي أوفى" (^٣).
ومنه ما يحكم بإرساله بمجيء الحديث من وجه آخر بزيادة شخص أو أكثر، كالحديث الذي ذكرناه في مثال المنقطع.
٦٥ - النوع الثاني من الضعيف:
وهو الذي ضعفه ليس لعدم اتِّصال إسنادِه، وذلك ستَّةُ أصناف:
_________________
(١) انظر: "معرفة علوم الحديث" للحاكم (١٦٧)، "جزء في علوم الحديث" لأبي عمرو الداني (فصل ١١) (ص ٨٧ - بتحقيقي) وشرحي له "بهجة المنتفع" (ص ٢٥٢).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير والبزار في "مسنده" (٥/ ٤٩)، رقم (٢٨٦١)، وأبو يعلى - كما في "المطالب العالية" -، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٢) وابن حزم في "المحلى" (٤/ ١١٧) من طريق الحجاج بن فروخ عن العوام بن حوشب عن ابن أبي أوفى به، وقال ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ١٧٠): "ولا يثبت حديث ابن أبي أوفى عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، نهض فكبر؛ لأن الذي رواه الحجاج بن فروخ وهو شيخ مجهول، والعوام بن حوشب لم يسمع من ابن أبي أوفى". وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٥): "حجاج بن فروخ ضعيف جدًّا".
(٣) انظر: "جامع التحصيل" (ص ٢٤٩). والمراد أن العوَّام مع معاصرته لابن أبي أوفى، إلا أنه لم يلقه، فكان هذا مثلًا للمرسل الخفي.
[ ٢٤٥ ]
٦٦ - الصنف الأول:
[الموضوع]:
الحديث الموضوع، وهو المصنوع، المختلق، وهو شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان؛ إلا إذا كان مقرونًا ببيان وضعه للطعن فيه، بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقُها في الباطن، فإنه يجوز روايتها في الترغيب والترهيب (^١)،
_________________
(١) ليس كذلك عند المحققين، ومنهم ابن معين، فيما حكاه عنه ابن سيد الناس في "عيون الأثر" وهو مذهب ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي"، وبه جزم ابن حزم في "الإحكام" (١/ ١٣٦) بل هذا مذهب إمامي الصنعة البخاري ومسلم، ونص عليه مسلم في (مقدمة) "صحيحه" (١/ ٢٩)، ونقله عنهم جميعًا القاسمي في "قواعد التحديث" (ص ٩٤)، وينظر له كتابي "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح" (٢/ ٥٨٦). ومن قال بهذه القاعدة أجراها في محلها، خلافًا من يتستر وراءها، ويروّج الكذب على النبي - ﷺ - من حيث يشعر أو لا يشعر. ووضح شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٦٥ - ٦٨) المحل الذي تجري فيه بقوله: "وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يُحتَجُّ به، فإن الاستحباب حكم شرعي، فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملًا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا لم يختلف العلماء في الاستحباب، كما يختلفون في غيره، بل هو أصل الدين المشروع". ثم بيَّن مراد العلماء من العمل بالحديث الضعيف في الفضائل، فقال: "وإنما مرادهم بذلك أنْ يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله، أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع؛ كتلاوة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والصدقة، والعتق، والإحسان إلى الناس، وكراهة الكذب والخيانة، ونحو ذلك، فإذا رُوي حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها، وكراهة بعض الأعمال وعقابها؛ =
[ ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه، إذا روي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع؛ جازت روايته والعمل به؛ بمعنى: أن النفس ترجو ذلك الثواب، أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنها تربح ربحًا كثيرًا، فهذا إنْ صَدق نَفَعه، وإنْ كذب لم يضرّه". ثم ذكر مثالًا للعمل بالحديث الضعيف بشرطه، فقال: "ومثال ذلك: الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات، وكلمات السلف والعلماء، ووقائع العلماء، ونحو ذلك ممالا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي؛ لا استحباب ولا غيره، ولكنْ يجوز أن يُذكَر في الترغيب والترهيب، والترجية والتخويف، فما عُلِم حسنه أو قبحه بأدلّة الشرع، فإنَّ ذلك ينفع ولا يضر، وسواء كان في نفس الأمر حقًّا أو باطلًا، فما عُلِم أنه باطل موضوع لم يجز الالتفات إليه، فإنّ الكذب لا يفيد شيئًا، وإذا ثبت أنه صحيح أثبِتَتْ به الأحكام، وإذا احتمل الأمرين رُوي لإمكان صدقه، ولعدم المضرّة في كذبه، وأحمد إنما قال: "إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد". ومعناه: أننا نروي في ذلك بالأسانيد، وإن لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم، وكذلك قول من قال: يُعمل بها في فضائل الأعمال، إنما العمل بها بما فيها من الأعمال الصالحة؛ مثل التلاوة والذكر، والاجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة. ونظير هذا قول النبي - ﷺ - في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو: "بلّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". مع قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم"؛ فإنه رخَّص في الحديث عنهم، ومع هذا نهى عن تُصَدِّيقهم وتُكَذِّيبهم، فلو لم يكن في التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخّص فيه وأمر به، ولو جاز تصديقهم بمجرد الإخبار لما نهى عن تصديقهم؛ فالنفوس تنتفع بما تظن صدقه في مواضع" ثم قرر أنه: لا يجوز التقدير والتحديد بأحايث الفضائل، فقال: "فإذا تضمّنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرًا =
[ ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وتحديدًا؛ مثل صلاة في وقت معيّن بقراءة معينة، أو على صفة معينة لم يجز ذلك؛ لأن استحباب هذا الوصف المعتن لم يثبت بدليل شرعي، بخلاف ما لو رُوي فيه: "مَن دخل السوق فقال: لا إله إلا الله … كان له كذا وكذا"؛ فإن ذكر الله في السوق مستحب؛ لما فيه من ذكر الله بين الغافلين … فأما تقدير الثواب المرويّ فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته … فالحاصل؛ أن هذا الباب يُروى ويُعمَل به في الترغيب والترهيب، لا في الاستحباب، ثم اعتقاد موجبه، وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف على الدليل الشرعي". وهذا تحرير بديع، وكلام دقيق، وتصوّر عميق، قلَّ أن تجده مجموعًا بهذا التحرير والتحقيق، وهو ليس خاصًّا به، وإنما قال به جمع حتى من المتساهلين في إيراد الأحاديث الضعيفة، من مثل علي القاري، قال في "المرقاة" (٢/ ٣٨١): "إن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل وإن لم يعتضد إجماعًا" كما قاله النووي، محله الفضائل الثابتة من الكتاب والسنة". ومن المهم هنا أن يعلم مطلقو الاستدلال بهذه العبارة أن العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ليس على إطلاقه عند القائلين به، فقد قال الحافظُ ابن حجر في "تبيين العجب" (ص ٣ - ٤): "اشتُهر أن أهل العلم يتساهلون في إيراد الأحاديث في الفضائل، وإن كان فيها ضعف ما لم تكن موضوعةً، وينبغي مع ذلك اشتراطُ أن يعتقدَ العاملُ كونَ ذلك الحديثِ ضعيفًا، وأن لا يُشهر ذلك؛ لئلا يعملَ المرءُ بحديث ضعيف فيُشرِّعٌ ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهَّال فيظن أنه سنة صحيحة، وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله - ﷺ -: "مَن حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبَيْن"، فكيف بمن عمل به؟! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل؛ إذ الكل شرع". فهذه شروطٌ ثلاثة مهمّة لجواز العمل به: =
[ ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١ - أن لا يكون موضوعًا.
(٢) أن يعرف العاملُ به كونه ضعيفًا.
(٣) أن لا يُشهر العمل به. ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من العلماء - فضلًا عن العامة - متساهلين بهذه الشروط، فهم يعملون بالحديث دون أن يعرفوا صحته من ضعفه، وإذا عرفوا ضَعْفَه لم يعرفوا مقداره، وهل هو يسيرٌ أو شديد يمنعُ العملَ به، ثم هم يشهرون العملَ به كما لو كان حديثًا صحيحًا! ولذلك كثُرَت العبادات التي لا تصحُّ بين المسلمين، وصَرَفَهم عن العبادات الصحيحة التي وَرَدت بالأسانيد الثابتة. ثم إنَّ هذه الشروط تُرجِّحُ ما ذهبنا إليه من أن الجمهورَ لا يُريد المعنى الذي رجَّحناه آنفا؛ لأنَّ هذا لا يُشترط فيه شيءٌ من هذه الشروط كما لا يخفى. ويبدو لي أنَّ الحافظ -﵀- يَميل إلى عدم جواز العمل بالضعيف بالمعنى المرجوح لقوله فيما تقدم: " … ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل؛ إذ الكلُّ شرعٌ". وهذا حق؛ لأن الحديث الضعيف الذي لا يوجد ما يعضدُه يحتمل أن يكون كذبًا، بل هو على الغالب كذب موضوع، وقد جزم بذلك بعض العلماء فهو ممَّن يشمله قوله - ﷺ -: " … يُرى أنه كذبٌ" أي: يظهر أنه كذلك، ولذلك عقَّبه الحافظ بقوله: "فكيف بمن عمل به؟ "، ويؤيِّد هذا ما قاله ابن حبان في "صحيحه" على الحديث: "فكل شاكٍّ فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح، داخل في الخبر". فنقول كما قال الحافظ: "فكيف بمن عمل به …؟! ". فهذا توضيحُ مراد الحافظ بقوله المذكور، وأمَّا حَمله على أنه أراد الحديث الموضوع، وأنه هو الذي لا فرق في العمل به في الأحكام أو الفضائل، كما فعل بعض مشايخ حلب المعاصرين، فبعيد جدًّا عن صياق كلام الحافظ، إذ هو في الحديث الضعيف لا الموضوع كما لا يخفى! ولا ينافي ما ذكرنا أنَّ الحافظ ذكر الشروطَ للعمل بالضعيف كما ظنَّ =
[ ٢٤٩ ]
دون التوحيد والأحكام، وينبغي مع ذلك أن يحترز عن لفظ الجزم، فلا يقول فيه: قال رسول الله - ﷺ -، وحدَّث، ونحو ذلك، بل يقول: روي عن رسول الله - ﷺ -، وبلغني عنه، أو مثل ذلك من الألفاظ غير الجازمة (^١).
_________________
(١) = ذلك الشيخُ لأننا نقول: إنما ذكرها الحافظُ لأولئك الذين ذكر عنهم أنهم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل ما لم تكن موضوعة، فكأنه يقول لهم: إذا رأيتم ذلك فينبغي أن تتقيَّدوا بهذه الشروط، وهذا كما فعلته أنا في هذه القاعدة، والحافظ لم يُصرِّح بأنه معهم في الجواز بهذه الشروط، ولا سيما أنه أفاد في آخر كلامه أنه على خلاف ذلك كما بيّنا، أفاد ذلك شيخنا الألباني رحمه الله تعالى، وله كلام بديع - غاية - حول هذه المسألة، جمعناه - ولله الحمد - من جميع كتبه في كتابنا "قاموس البدع" وهو مطبوع متداول. وينظر أيضًا "نقض قواعد في علوم الحديث" للعلامة أبي محمد الراشدي السندي (ص ٨٢ - ٨٦) مع تعليق محققه أخينا البحاثة النابه صلاح مقبول.
(٢) هذا يؤكد ما سبق أن نبهنا عليه في الهامش السابق من ضرورة بيان ضعف الحديث في حال ذكره، ولو كان ذلك بطريق ما اصطلحوا عليه؛ مثل: (رُوي) ونحوه، قال شيخنا الألباني في مقدمة "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ٥٢):) ولكني أرى أن هذا لا يكفي اليوم؛ لغلبة الجهل، فإنه لا يكاد يفهم أحد من كتب المؤلف، أو قول الخطيب على المنبر: "روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: كذا وكذا … " أنه حديث ضعيف، فلا بد من التصريح بذلك، كما جاء في أثر علي - ﵁ -، قال: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله". أخرجه البخاري، ولنعم ما قال الشيخ أحمد شاكر -﵀- في "الباعث الحثيث" (ص ١٠١): "والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال؛ لأن ترك البيان يوهم المطّلع عليه أنه حديث صحيح، خصوصًا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يُرجَع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حُجّة لأحد إلا بما صح عن رسول الله - ﷺ - من حديث صحيح أو حسن". وزاد المصنف في كتابه "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٢١ - ٢٢) في =
[ ٢٥٠ ]
ثم الكلام في سبب وضعه ومعرفته:
[سبب الوضع]:
٦٧ - أما سبب الوضع فأمران:
الأول: ما وقع لا عن تَعمُّدٍ، بل لغَلَطٍ أو سَهوٍ، كما وقع عن طائفة ضاعت كتبُهم، فحدَّثوا عن حفظهم مع سوء الحفظ، فرفعوا الموقوف، وأدرج في حديثهم ما ليس منه، فرووا مِنْ غَير تنبُّهٍ (^١).
الثاني: أن يقع الوضع عن تعمُّد، وذلك ثلاثة أنواع:
الأول: أنَّ قومًا رووا حديثًا فأخطأوا، ثم عرفوا - وجه الصَّواب، وأصروا على الخطأ، ولم يرجعوا استنكافًا.
الثاني: أن قومًا رووا عن الكذابين، ودلَّسوا أسماءهم (^٢)، وهم في
_________________
(١) = هذا الموطن - قوله: "والحديث باعتبار الوضع والضعف على ثلاثة أقسام: "قسم مقطوع بوضعه: إما باعتراف واضعه بَعدَ أن تَابَ، إذ قَبلَ التوبةِ لا يمكن أن يُجزم بأنه موضوعٌ لجوازِ أن يَكذِب. وإما ببيان الجهابذة حيث استكشفوا حاله وتبينوا: إما بأنه مخالف لصريح العقل مع عدم قبوله التأويل، وقسم ضَعُفَ لما بيّناه، وقسم متردد بين النوعين لشدة تزلزله وكثرة اضطرابه لشبه الموضوع، ولعدم تحقق وضعه لشبه الضعيف الذي ليس له لقب خاص، والاحتياط في هذا القسم أن لا يجزم بأنه موضوع، وكثير من هذا القسم عدَّه الحافظ أبو الفرج من "الموضوعات" فلذلك عابوه، وعند التحقيق مرجع الضعيف إلى القسمين بوضوع وغير موضوع".
(٢) زاد المصنف في "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٢٢) عليه: "أو كما وقع عن طائفة اختلطت عقولهم في أواخر أعمارهم، فخلطوا في الرواية سندًا أو متنًا، أو كانوا ممن يُلقَّن، فيتلقَّن؛ فيروي، ومن هذا الصنف جماعة".
(٣) وقع هذا من لهم منزلة ومكانة في علم الحديث، ولا سيما في مجالس المذاكرة، قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٣٣٩)، عن (بقية): "نعم، والله صح هذا عنه أنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعة كبار =
[ ٢٥١ ]
مرتبة الكاذبين، لما صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من روى عني حديثًا يُرَى أنه كَذِب فهو أحد الكذَّابين" (١).
ويلحق به ما روى قوم عن طائفة ما رأوهم مثل من روى عن إبراهيم بن هدبة، عن أنس، وكان بواسط يروي عن أنس، ويحدث عن شريك، فقيل له حين حدث عن أنس: لعلك سمعته من شريك! فقال
_________________
(١) = فِعله، وهذه بلية منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وما جربوا على ذلك الشخص الذين يسقطون ذكره بالتدليس، أنه تعمد الكذب، هذا أمثل ما يعتذر به عنهم". وقال في "السير" (٩/ ٢١٦)، عن (الوليد): "قلت: البخاري ومسلم قد احتجا به، ولكنهما ينتقيان حديثه، ويتجنبان ما ينكر له، وقد كان في آخر عمره ذهب إلى الرملة، فأكثر عنه أهلها".
(٢) الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٩٤ - ٩٥ رقم ٦٩٠) ومن طريقه الخطيب في "الجامع" (٢/ رقم ١٢٨٧)، والبيهقي في "جزء الجويباري" (رقم ٩ - بتحقيقي) واللفظ المذكور هو أحد لَفْظَي (١) أحمد في "المسند" (٤/ ٢٥٢ و٢٥٥)، وباللفظ الآخر أخرجه مسلم في "المقدمة" (١/ ٦٢) عن شعبة وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن المغيرة رفعه. وعن شعبة أخرجه الطبراني في "جزئه" (١١٩ رقم ١١٣١)، وابن حبان في "مقدمة المجروحين" (١/ ٧)، وابن عدي في "مقدمة الكامل" (١/ ٢٩)، وفي "الكامل" (٢/ ٨١٤)، والحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (١٠٣). وعن سفيان أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ٥٩٥ رقم ٥٦٦٦) - ومن طريقه ابن ماجه في "المقدمة" (١/ ١٥ رقم ٤١) - والترمذي (٥/ ٣٦ رقم ٢٦٦٢)، والطبراني في "جزئه" (١١٨ رقم ١٣٠)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (رقم ٥٣٣)، والطحاوي في "المشكل" (١/ ١٧٥)، والبغوي =
(٣) اللفظ الآخر: "الكاذِبَيْن".
[ ٢٥٢ ]
لهم: أقولُ لكم الصدقَ المحضَ: أنس عن شريك (^١).
وما روي عن مسلم بن الحجّاج، أن يحيى بن أكثم دخل مع أمير المؤمنين حمص، فرأى شيخًا يدَّعي التحديثَ، فقال: يا شيخُ مَن لقيتَ؟ فقال: استغنيتُ بشيخي عن جميع الناس، قال: ومَن لقي شيخُك؟ قال: الأوزاعي، قال: الأوزاعي عن من؟ قال: عن مكحول، قال: مكحول عن من؟ قال عن سُفيان، قال: سفيان عن من؟ قال: عن عائشة، قال له يحيى: يا شيخ أراك تعلو إلى أسفل (^٢).
وما روي عن الدارقطني، عن الحافظ ابن حبّان البُستي قال (^٣): دخلتُ باجروان (^٤) الجامع، فلما فرغنا من الصَّلاةِ قام بين أيدينا شاب
_________________
(١) = في "شرح السنة" (١/ ٢٦٦)، والسلفي في "معجم السفر" (٢٦ رقم ٥١)، وابن الجوزي في "مقدمة الموضوعات" (١/ ٥٢). وعن قيس بن الربيع عن حبيب: أخرجه الطبراني في "جزئه" (١١٩ رقم ١٣٢).
(٢) انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" (٢/ ١٤٣)، "الكامل" (١/ ٢٠٨) "المجروحين" (١/ ١١٤)، "لسان الميزان" (١/ ١١٩)، وأسند القصة المذكورة ابن حبان في مقدمة "المجروحين" (١/ ٧٠ - ٧١) والحاكم في "المدخل إلى معرفة الإكليل" (٥٥) والخطيب في "الكفاية" (١٨١ - ١٨٢). وهي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٤٦٧)، و"المعيار في علل الأخبار" للمصنف (١/ ٢٣). وزاد فيه مثالين آخرين، فانظرهما فيه، وقارن الثاني بما في كتابي "قصص لا تثبت" (٢/ ٩٤ - ٩٩).
(٣) ذكرها ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٤٧) والسيوطي في "اللآليء المصنوعة" (٢/ ٤٧١) والمصنف في "المعيار" (١/ ٢٥).
(٤) في كتابه "المجروحين" (١/ ٨٥).
(٥) في مطبوع "المجروحين": "تاجران مدينة بين الرقة وحران" وفي طبعة الشيخ حمدي (١/ ٨١): "باجروان"! وكذا في الأصل، و"الموضوعات" =
[ ٢٥٣ ]
فقال: حدَّثنا أبو خليفة قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا شعبة، عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من قضى لمسلم حاجته؛ فعل الله به كذا وكذا"، فلما فرغ دعوتَه، فقلتُ: رأيتَ أبا خَليفة؟ فقال: لا، فقلت: كيف تروي عنه ولم تره؟ قال: إنَّ المناقشةَ معنا مِنْ قلَّة المروءة، أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد، وكلما سمعتُ حديثًا ضممتُه إلى هذا الإسناد!
النوع الثالث:
أنَّ قومًا تعمدوا الكذبَ صريحًا، لا لغَلَطٍ، ولا لروايةٍ عن كذاب، وهم خمسة أصناف: