٥٤ - فإذا قال الصحابي: كُنَّا نفعل، كذا، نظر؛ فإن أضاف إلى زمان النبي - ﷺ - فهو من قبيل المرفوع، لأن الظاهر أن رسول الله - ﷺ -: اطلع على ذلك وأقرهم، وتقريره حجة مرفوعة كما بيَّنَّا.
٥٥ - ومنه قول الصَّحابي: كنا لا نرى بأسًا بكذا ورسول الله - ﷺ - فينا، أو كان كذا وكذا على عهده، أو كانوا يفعلون كذا في حياته، أو كنا نعزل والقرآن ينزل (^١)، فكل ذلك وأشباهه (^٢) مرفوعٌ مسندٌ مخرَّج في كتب المساند.
وإن لم يضف إلى زمانِ رسول الله - ﷺ -، بل قال الصَّحابي: كنا نفعل كذا، أو كان الصَّحابة يعملون كذا؛ فهو أيضًا حُجَّةٌ لا لكونه مرفوعًا، بل لكونه ظاهرًا في الإجماع (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" برقم (٥٢٠٩)، ومسلم في "صحيحه" برقم (١٤٤٠).
(٢) مثل: "أوجب علينا كذا … " و"حرم علينا كذا … " أو "أُبيح لنا كذا … " أو "أُحل لنا كذا … "، وهذا أظهر في الرفع، ويبعد تطرّق أي احتمال من احتمالات المعكرين على رفعه، ومثله: "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك"، وانظر الثمر المستطاب" (٢/ ٤٠٤)، "التعليقات الرضية" (٣/ ٦٣)، "الإرواء" (٢/ ٢٣).
(٣) هذه العبارات لها جهتان: جهة الفعل، وهو صادر عن الصحابة، فتكون موقوفة، وجهة التقرير، وهو مضاف إلى النبي - ﷺ -، من حيث إن الأمر أو الفعل أو النهي لا يصدر إلا منه، والفطرة لا تدرك إلا بخبر. ولاحظ أن قوله (كنا) على الجمع يعطي حجية أقوى من قول الواحد، واحتمال أن يخفى هذا القول بحيث لا يطلع عليه النبي - ﷺ - ضعيف، فالظاهر من حال الصحابي مع عدالته، ومعرفته بأوضاع اللغة، أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي من غير شك، نفيًا للتلبيس عنه ما يوجب على سامعه =
[ ٢٢٧ ]
وذكر الحاكم فيما روى عن المغيرة بن شعبة قال: "كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يقرعون بابه بالأظافر" (^١) أن هذا يتوهّمه مَن ليس من أهل
_________________
(١) = اعتقاد الأمر والنهي مما ليس هو أمر ولا نهي، وهنالك عبارات ينقدح فيها من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قول: "كنا نقول … " أو "نفعل " مثل قولهم: "كان يُقال كذا" و"كنا لا نرى بأسًا" لأنها من الرأي، ومستنده قد يكون تنصيصًا أو استنباطًا، أفاده ابن حجر في "نكته على ابن الصلاح" (٢/ ٥١٧). ويعلم مما تقدم أن المذكور حجة لرفعه، وعلى هذا مذهب إمامي الدنيا البخاري ومسلم في "صحيحهما"، وهو عند مسلم أظهر، ولذا لم يذكره ابن حجر لما لفط الموقوف عند مسلم في كتابه: الوقوف على الموقوف"، وانظر كتابي "بهجة المنتفع" (ص ١٥٦).
(٢) أخرجه الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٤٥) - ومن طريقه أبو عمرو الداني في "جزء في علوم الحديث في بيان المتصل … " رقم (٥٢ - بتحقيقي)، والسلفي في "المجاز والمجيز" (ص ١٤٤)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (٢/ ١٧١ - ١٧٢)، رقم (٦٥٩) -: حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ بأسداباذ، ثنا محمد بن أحمد الزيبقي، ثنا زكريا بن يحيى المنقري، ثنا الأصمعي، حدثنا كيسان مولى هشام بن حسان، عن محمد بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن المغيرة بن شعبة قال: "كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يقرعون بابه بالأظافير". وعند السلفي: "كيسان مولى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين" فأسقطه. نعم، بخط المؤتمن الساجي في حاشيته على "المعرفة": "كذا في كتابه، ومحمد بن سيرين مشهور، ولا يعرف محمد بن حسان". قلت: ولذا أسقطه بعض نساخ الأصل كما في هامشه، وفي هامش نسخ أخرى منه: "كذا وقع عن محمد بن حسان، وصوابه عن هشام بن حسان، والله أعلم". قال أبو عبيدة: ليس كذلك، والصواب ما صوّبه البيهقي، ودليله: ما قاله السخاوي "فتح المغيث" (١/ ٢١٣) بعد ذكره لتخريج الحاكم له، =
[ ٢٢٨ ]
الصَّنعة مسندًا، يعني: مرفوعًا لذكر رسول الله - ﷺ -، وليس بمسندٍ، بل هو موقوف، وكذلك قاله الخطيب (^١).
_________________
(١) = قال: "أخرجه - أي البيهقي - عنه عن راوٍ، ورواه أبو نعيم في "المستخرج على علوم الحديث" له عن راوٍ آخر، كلاهما عن أحمد بن عمر الزَّيبقي … " به، وساقه، وفيه: "عن كيسان مولى هشام بن حسان - في رواية أبي نعيم - عن هشام بن حسان، وفي رواية الآخرين عن محمد بن حسان، زاد البيهقي: هو أخو هشام بن حسان، وهو حسن الحديث" قال: "ثم اتفقوا عن محمد بن سيرين، زاد أبو نعيم في روايته: عن عمرو بن وهب ثم اتفقوا عن المغيرة " به. فالخلاف فيه قديم، ومما يؤكده: أن عبيد الله بن عبد الرحمن رواه عن زكريا المِنْقَري، أخرجه من هذا الطريق: ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٧/ ٥٦) وفيه: "كيسان مولى هشام بن حسان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين " به. "فائدة": نقل السيوطي في "تدريب الراوي" (١/ ١٨٧) عن ابن حجر قوله: "تعب الناس في التفتيش عليه من حديث المغيرة، فلم يظفروا به"! وهو مشهور عن أنس بن مالك بلفظ: "وكانت أبواب النبي - ﷺ - تقرع بالأظافير" أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٢٨)، وفي "الأدب المفرد" (رقم ١٠٨٠)، والخطيب في "الجامع" (١/ ١٦٦)، والبزار (رقم ٢٠٠٨ - زوائده: كشف الأستار)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٣٦٥)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٣٥٠)، وانظر "صحيح الجامع" (رقم ٨٩٣٦).
(٢) في "الجامع" (٢/ ٢٩١)؛ فقد قال: "فهذا يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسندًا لذكر رسول الله - ﷺ - فيه، وليس بمسند، وإنما هو موقوف على صحابي، حكى فيه عن غير النبي - ﷺ - فعلًا". قال أبو عبيدة: ولي هنا ملاحظات: الأولى: نقل كلام الحاكم أيضًا: أبو عمرو الداني في "جزئه … " (فقرة رقم ٥٤ - بتحقيقي)، والسخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٢١١). =
[ ٢٢٩ ]
وقال الشيخ تقي الدين (^١): "بل هو مرفوعٌ، لكونه أحرى باطلاعه - ﷺ -، فكان مراد الحاكم أنه موقوفٌ من جهة اللفظ، وهو كذلك".
[تعقب ابن الصلاح]:
قلت: في صحة هذا الحديث بحث، لما طعن بعض الحفاظ في رواته، وعلى تقدير الصِّحة (^٢)؛ فإن ثبت عدم اطلاعه - ﷺ - فهو من قبيل الموقوف، وإلا فهو مرفوع (^٣)، إذ لا فرق بينه وبين قوله: "كانوا يفعلون كذا"، "كانوا لا يرون بأسًا بكذا في حياته"، كيف نجعل هذا مرفوعًا مطلقًا، ونجعل ذاك مرفوعًا معنى، وموقوفًا بحسب اللفظ؟ والله أعلم.
٥٦ - وأما إذا قال الصَّحابيُّ: أُمرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا، فالصَّحيح أنه مسنذ مرفوع أيضًا عند علماء الحديث والأصوليين، لأن مطلق الاسم بظاهره يصرف إلى من إليه الأمر والنهي، وكذلك قول الصحابي: من السُّنَّة كذا، إذ لا يراد عند الإطلاق إلا سنَّة النبي - ﷺ -،
_________________
(١) = الثانية: في قول المغيرة بيان أدب الصحابة مع رسول - ﷺ -، وإجلالهم له، كما عُرف ذلك منهم في حقه، وإن علله السهيلي في "الروض الأنف" (٤/ ٢٦٨) بقوله: "لأن بابه لم يكن له حلق يطرق بها" ولذا تعقبه ابن حجر في "الفتح" (١١/ ٤٤ - ط دار السلام) فقال على إثره: "والذي يظهر أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك توقيرًا وإجلالًا وأدبًا"، وقال قبله: "وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب، وهو حسن من قَرُب محله عن بابه، أما من بَعُد عن الباب بحيث لا يبلغ صوت القرع بالظفر، فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه".
(٢) "المقدمة" (ص ٤٩).
(٣) هو كذلك، كما بيّنَّاه في التخريج.
(٤) انظر كتابي "بهجة المنتفع" (ص ٢٩٥ - ٢٩٧).
[ ٢٣٠ ]
ومنه قول أنس: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" (^١).
ولا فرق بينَ أن يُضيف إلى زمان النَّبي - ﷺ - أو أطلق.