سبق أن ذكرنا عن جماعة من مترجمي أبي الحسن التِّبريزي أنه درَّس في (المدرسة الطرنطائية)، هكذا قال ابن رافع في "الوفيات" (٢/ ١٧).
وسبقت عبارة الصفدي في "أعيان العصر" (٣/ ٤٠٩ - ٤١٠):
"وحضرتُ دروسه للطلبة .. وتوجَّهتُ إليه يومًا وهو بالمدرسة الطرنطائية .. " ومنهم من قال إنه كان يدرس بالمدرسة الحساميّة. قال ابن الملقن في "العقد المذهب" (٤١٥) عن المترجم: "وقدم مصر، فنزل بالحساميّة، فأحدث ابنُ واقفها له بها تصدُّرًا، حضرتُ فيه عنده، وأنا الآن متصدر به، وأضيف إليه التدريس بها أيضًا".
فالظاهر أنه نزل في هذه المدرسة عند أول قدومه، ومن ثم عرف الناس علمه، فأُذِن له بالتدريس بها.
قال ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٧٣): "وكان يسكن المدرسة الحسامية، مدرسة حسام الدين طرنطاي، وجدّد له ولد حسام الدين بها تصديرًا، فلما مات المدرس قرره في تدريسها".
[ ٨٤ ]
ويفيدنا هذا أمورًا:
الأول: أنه -كما قلنا- سكن هذه المدرسة عند أول قدومه مصر.
الثاني: جدِّد له ذلك بعد وفاة بانيها من قبل ولده.
الثالث: أن أبا الحسن التبريزي درَّس في هذه المدرسة بعد وفاة المدرس بها، وقرره على ذلك ولد واقفها أيضًا.
الرابع: انتفع كثير من الطلبة بالمصنف في أثناء تدريسه في هذه المدرسة، ويكفيه فخرًا أن يكون أمثال الصفدي وابن الملقن ممن تتلمذ عليه فيها.
قال المقريزي في "السلوك" (٢/ ق ٣/ ٦٩٨) عن المترجَم: "مدرّس المدرسة الحسامية طُرنطاي بالقرافة"، قال: "وانتفع بالقراءة عليه جماعة".
وقال السيوطي في "بغية الوعاة" (٢/ ١٧١): "ولي تدريس الحسامية، وحدَّث"، فكان وقت أبي الحسن التبريزي -رحمه الله تعالى- موزعًا في هذه المدرسة بين تحديثه فيها، وتدريسه الفقه، ولا سيما "الحاوي الصغير" للقزويني، وإفتائه الناس والعامة، وتدريسه اللغة والمنطق والحساب، وكذا تدريسه كتبه التي ألفها في الحديث. وسيأتي أنه كان يدرس الأحاديث التي جمعها في الأحكام، وبيان عدم صحتها، وهذا يدلل على أثر إقباله على الحديث في علومه، وبركة ذلك عليه، وأنه لم يكن متعصبًا جامدًا، ولو حفظ لنا أثره فيما كتبه في الفقه، لزادنا ذلك وضوحًا، والله أعلم.
ومن خلال ما مضى يظهر لنا أن ما في "تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٤٦٧) عن تقي الدين السبكي فيما نقل من خطه: "وولي تدريس الخشَّابيَّة" تحريف، وأن صواب "الخشابية": "الحسامية".
[ ٨٥ ]
قال ابن تَغْري بَرْدي في "النجوم الزاهرة" (١٠/ ١٤٥) معرفًا بأبي الحسن التبريزي: "مدرِّس مدرسة الأمير حسام الدين طُرْنَطاي المنصوري بالقاهرة".
فهذه المدرسة كانت في القاهرة (^١)، وهي في (القرافة) تحديدًا، كما أفاده المقريزي فيما نقلناه عنه قريبًا.
ولمحقق "النجوم الزاهرة" (^٢) بحث مطوّل بديع في تحديد مكان هذه المدرسة اليوم، نسوقه بتصرف يسير قال عن (المدرسة الحسامية):
"هذه المدرسة ذكرها المقريزي في "خططه" باسم المدرسة الحسامية (ص ٣٨٦ ج ٢)، فقال: إن هذه المدرسة بخط المسطاح تجاه سوق الرقيق، ويسلك منها إلى درب العداس وإلى حارة الوزيرية من القاهرة، بناها الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري نائب السلطنة بمصر إلى جانب داره وجعلها برسم الفقهاء الشافعية، ولم يذكر المقريزي تاريخ إنشائها.
وبالبحث تبين:
أولًا: أن هذه المدرسة أنشئت في سنة ٦٨٤ هـ.
ثانيًا: أن خط المسطاح يشمل اليوم المنطقة التي يتوسطها عطفه الصاوي المتفرعة من شارع درب سعادة.
ثالثًا: أن سوق الرقيق مكانه بيت محمد بن سويدان وهو من البيوت الأثرية، يملكه الآن ورثة علي باشا برهام بعطفة الصاوي تجاه جامع أبي الفضل.
_________________
(١) لها ذكر في "الدارس في تاريخ المدارس" (١/ ١٢٥) للنُّعيمي.
(٢) (١٠/ ١٤٥ - ١٤٦) طبعة دار الكلتب والوثائق بالقاهرة، والمحقق العلّامة أحمد زكي العدوي.
[ ٨٦ ]
رابعًا: أن درب العدّاس هو الطريق التي يشغلها اليوم القسم البحري من شارع درب سعادة في المسافة بين الأزهر ومدخل حارة الصاوي.
خامسًا: حارة الوزيرية تشمل المنطقة التي تشرف على القسم الأوسط من شارع درب سعادة فيما بين مدخل حارة الصاوي وسكة النبوية.
سادسًا: أن المدرسة الحسامية حل محلها جامع أبي الفضل بعطفة الصاوي بالقاهرة، يؤيد ذلك أنه يوجد بجوار هذا الجامع تربة الأمير طرنطاي منشئ المدرسة الحسامية، وبها تابوت عليه بعد البسملة: "هذا قبر العبد الفقير إلى الله تعالى الأمير حسام الدين طرنطاي الملكي المنصوري، توفي يوم الخميس ٢٤ من شهر ذي القعدة سنة ٦٨٩ هـ". وكان قد دفن بجوار زاوية الشيخ عمر السعودي بن أبي العشائر بالقرافة نقلت جثته إلى المدرسة الحسامية بالقاهرة، ويوجد بجوار قبر الأمير طرنطاي قبر آخر باسم الشيخ أبي الفضل، ولهذا عرفت المدرسة باسم جامع أبي الفضل، ومكتوب بإِزاء سقف الجامع ما يبين أن الأمير عثمان جاويش تابع المرحوم حسن كتخدا القصدغلي جدّده في سنة ١١٤٠ هـ، وهي الآن جامع صغير قديم، والظاهر أن علي باشا مباؤك لم يوصله بحثه إلى الحقيقة بدليل أن ما ذكره في "الخطط التوفيقية" عن المدرسة الحسامية وعن جامع أبي الفضل لا يتفق والواقع، فإنه لما تكلم عن المدرسة المذكورة (ص ٦ ج ٦) قال: إن هذه المدرسة قد تخرّبت ولم يبق منها إلا المحراب، وأخذ منها قطعة في مطهرة جامع المغربي الذي كان يعرف قديمًا بالمدرسة الزمامية بسوق النمارسة (تجار الصيني).
وأقول: إن سوق النمارسة هو الذي يعرف اليوم بشارع السلطان
[ ٨٧ ]
الصاحب وشارع اللبودية المتفرعين من شارع الأزهر، وفضلًا عن أن جامع المغربي هو جامع آخر غير المدرسة الزمامية فإن ما ذكره مبارك باشا لا ينطبق على مكان المدرسة الحسامية، بل ينطبق على مكان المدرسة الصاحبية.
ولما تكلم مبارك باشا على جامع أبي الفضل (ص ٥٣ ج ٤) قال: إن هذا الجامع هو المدرسة القطبية التي ذكرها المقريزي، وقال: إنها في خط سويقة الصاحب داخل درب الحريري.
وأقول: إن المدرسة القطبية قد خربت من قديم وزال أثرها، وليس لها أية علاقة بجامع أبي الفضل الذي هو المدرسة الحسامية كما ذكرنا، والله تعالى أعلم".