وصفه غير واحد بأنه -﵀- "لازم شَغْلَ الطَّلبة بأصناف العلوم إلى أن توفِّي"، كذا في "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٣٨) و"شذرات الذهب" (٦/ ١٤٩).
_________________
(١) المراد أنَّ الصَّمم اشتدَّ عليه، قال المقريزي (٢/ ٣/ ٦٩٨) عنه: "وقد اشتدَّ صممه".
[ ٨٠ ]
وقال الحسن بن عمر بن حبيب في "تذكرة النبيه" (٣/ ٨٩) عنه: "وتصدى لشغل الطلبة في أصناف العلم من تفسير وفقه وأصول ونحو وبيان ومنطق وجدل وفرائض وحساب، وجبر ومقابلة ومعقول ومنقول، وانتفع الناسُ به، ومكث على هذا سنين، ولم تقتصر الإفادة منه على طلبة العلم وإنما جلس للفتوى" وقال ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (١٠/ ١٤٥) عن صاحبنا: "كان فقيهًا عالمًا بارعًا، أفتى ودرّس سنين".
وقال عنه الذهبي -فيما نقل ابن السبكي وابن قاضي شبهة في "طبقاته" (٣/ ١٨٨) وابن العماد (٦/ ١٤٩) وغيرهم-: "كثير التلاميذ"، وقال السيوطي في "حسن المحاضرة" (٢/ ٤٧٢): "تخرج به فضلاء القاهرة"، ومما يدل على كثرتهم تصدره بالتدريس في (المدرسة الحسامية)، وسبق أن ابن الملّقن تتلمذ عليه فيها، وستأتي كلمة مطوّلة عنها.
وقد قصد صاحبنا كبار العلماء، للاستفادة منه، والأخذ عنه، ولكنه كان خيِّرًا صالحًا متواضعًا، لا يهجم على تدريس ما لم يتقنه. ولذا ذكر الصفدي في "أعيان العصر" (٣/ ٤٠٩ - ٤١٠) مشاهدًا إقبال الطلبة عليه: "أخذ عنه جماعة وانتفعوا وترَقَّوا من حضيض الجهل وارتفعوا، وأقرأ الناس المنقول والمعقولَ، وتفرَّد بفنونه، فلو شاء لم يَدع قائلًا يقول، وحضرتُ دروسه للطلبه، وسمعتُ عبارته إلّا أنها في عجمتها تُوْرِدُ من الدُرّ مُخشلبه، واعترف المشايخ بفضله، وأصاب الأغراض والشواكل (^١) بنبال نَبْله.
ولم يزل بمصر على حاله إلى أن سكنت تلك العبارات، وبطلت تلك الإشارات.
_________________
(١) هي الفرق المتشعبة عن الطريق الأعظم.
[ ٨١ ]
وتوجّهتُ إليه يومًا، وهو بالمدرسة الطرنطائية، ومعي كتاب "كشف الحقائق" لأثير الدين الأبهري (^١)، وطلبت الاشتغال فيه عليه فقال: ما عندي عليه شرح، وكلامه عَقِد، ففارقته، وسمعت غير واحد من المصريين أنّه أقرأ "الحاوي" من أوله إلى آخره في شهر واحد تسع مرات (^٢).
وكان يشغل في هذه العلوم التي ذكرها كلها، وعلى الجملة، فكان في عصره عديم النظير".
وقال عنه ابن رافع في "الوفيات" (٢/ ١٧): "درَّس وأفتى"، وسبق عنه أنه درس أيضًا في (المدرسة الطرنطائية)، فقال: "ودرّس بالطرنطائية، وناظر وكثرت طلبته". ودروسه كانت تشمل جميع العلوم، فقال في "الوفيات" (٢/ ١٧):
"وشغل الناس بالعلم على أصنافه من تفسير، وفقه، وأصول، ونحو، وبيان، ومنطق، وجدل، وحساب، وجبر، ومقابلة، ومعقول ومنقول". وقال السيوطي في "بغية الوعاة" (٢/ ١٧١): "فانتفع به الناس،
_________________
(١) (ت ٦٦٣ هـ) انظر "كشف الظنون" (٢/ ١٤٨٩).
(٢) في مطبوع "طبقات ابن قاضي شهبة" (٣/ ١٨٩) و"الدرر" (٣/ ٧٣): "سبع مرات" وزادا: "وكان يرويه عن علي بن عثمان عن مصنّفه"، وفيه أيضًا (٣/ ٧٣ - ٧٤) وفي "شذرات الذهب" (٦/ ١٤٩) نقلًا عن الذهبي: "وأقرأ "الحاوي" كله في نصف شهر، فراوه عن شرف الدين علي بن عثمان العفيفي عن مصنفه". قلت: ولا يبعد تكرر الإقراء كما هو معلوم، ثم وجدت عبارة الذهبي في "تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨) وفيه: "العَقيقي" بدل "العفيفي" وسبق على وجه ثالث "العتقي"! فليحرر بالنظر في "تاريخ ثغر عدن" (ص ١٨٥)، "تحفة الزمن" (١/ ٤٦٦).
[ ٨٢ ]
كالبرهان الرشيدي، والمحبّ ناظر الجيش"، وقال: "ولي تدريس الحسامية، وحدّث".
وعبارة ابن حجر في "الدرر" (٣/ ٧٣) نقلًا عن شيخه العراقي -وهو عصري المصنف-: "انتفع الناس به، وتخرج به مثل الشيخ برهان الدين الرشيدي (^١) [والقاضي محب الدين] (^٢) ناظر الجيش وشهاب الدين بن النقيب" (^٣) ونقل فيه (٣/ ٧٤) عن ابن أيبك الصفدي قوله عن التبريزي: "كان يقرأ للطلبة من كتبه، ثم يشرح لهم".
وظفرتُ بتلميذين آخرين في كتاب: "إرشاد الطالبين إلى شيوخ قاضي القضاة محمد بن عبد الله بن ظهيرة جمال الدين" لغرس الدين خليل بن محمد الأقفهسي (ت ٨٢١ هـ)، هما:
الأول: محمد بن أحمد بن أحمد بن حاتم الأنصاري الشافعي، أبو البقاء وأبو الفتح تقي الدين (ت ٧٩٣ هـ).
قال الأقفهسي في "الإرشاد" (١/ ٣١٢) في ترجمته: "وأخذ الفقه عن العلّامة تاج الدين علي بن عبد الله التِّبْريزي وغيره".
_________________
(١) اسمه إبراهيم بن لاجين بن عبد الله الرشيدي، ترجمته في "الدرر الكامنة" (١/ ٢٩)، "شذرات الذهب" (٦/ ١٥٨).
(٢) سقطت من مطبوع "الدرر" -وهو كثير السقط والتحريف- وهي مثبتة في نقل ابن قاضي شهبة في "تاريخه" (١/ ١٦٨) و"طبقاته" (٣/ ١٨٩)، واسمه محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم القاضي محب الدين، ناظر الجيوش بالديار المصرية، كان إمامًا كبيرًا عالمًا باللغة وغيرها، ترجمته في "غاية النهاية" (٢/ ٢٨٤) وشهاب الدين هو أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم البعلبكي، ترجمته في "طبقات ابن قاضي شهبة" (٣/ ٢٢٩).
(٣) زاد ابن قاضي شهبة: "والشيخ صدر الدين الحلبي، وآخرون".
[ ٨٣ ]
الآخر: إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن أبي المجد اللخمي الشافعي، المعروف بـ (ابن الأُمْيُوطي) (ت ٧٩٠ هـ).
قال الأقفهسي في "الإرشاد" (٣/ ١٣٥٩): "وتفقه على الشيخ مجد الدين الزَّنكلوني والتاج التبريزي وغيرهما".
وقال ابن حجر في "المجمع المؤسس" (١/ ٢٣٩) عنه: "واشتغل في الفقه وغيره، وأخذ عن مجد الدين الزَّنكلوني، وتاج الدين التِّبريزي".