٤١ - الحسن والغريب بالنسبة إلى الحسن والصحيح أربعة أقسام:
_________________
(١) = قال أبو عبيدة: تغاير استخدام الترمذي بين (الحسن) و(المليح) يبعد الاحتمال المذكور، وأن الاستعمال الأول اصطلاحي محض، والثاني لغوي محض، فتأمل! انظر (المليح) في "شرح علل الترمذي" (١/ ١٤٣)
[ ١٨٤ ]
غريب حسن صحيح، على ما يقول الترمذي كثيرًا.
وغريب حسن دون الصحيح.
وغريب صحيح دون الحسن.
وغريب دون الصحيح والحسن، وهذا القسم ضعيف، والله أعلم.
فائدة جليلة [في شرط الأئمة الخمسة في كتبهم]:
٤٢ - قال الشيخ الحافظ محمد بن الطاهر المقدسي (^١): "إن الأئمة الخمسة: البخاريَّ، ومسلمًا، وأبا دود، والترمذيَّ، والنسائي، لم ينقل عن أحد منهم أنه قال: شرطي في إخراج الحديث كذا، لكن لما سبر كتبهم، واستقرئ رواياتهم علم بذلك شرط كل واحد منهم.
[شرط البخاري ومسلم في "الصحيحين"]:
فشرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمعَ على ثقة نَقَلَته إلى الصَّحابيَّ المشهور، فإنْ كان للصَّحابي راويان فصاعدًا، فحسن، وإن لم يكن إلا راوٍ واحد، وصَحَّ الطَّريق إلى ذلك الراوي أخرجاه أيضًا، إلا أنَّ مسلمًا أخرج حديث قوم تركهم البخاري لشُبهة وقعت في نفسه بما لا يزيل العدالة والثقة استغناء بغيرهم، كحمَّاد بن سَلَمة (^٢)، وسهيل بن أبي صَالح (^٣)، وداود بن أبي هِند (^٤)، وأبي الزبير (^٥)،
_________________
(١) "شروط الأئمة" (ص ٨٥ - ٩٨)، بتصرف واختصار.
(٢) انظر: "تهذيب التهذيب" (٤/ ١١ - ١٣)، وانظر ما سيأتي قريبًا.
(٣) انظر: "تهذيب التهذيب" (٤/ ٢٣١)، وانظر ما سيأتي قريبًا.
(٤) انظر: "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٧٧).
(٥) انظر: "تهذيب التهذيب" (٩/ ٣٩٠ - ٣٩٢).
[ ١٨٥ ]
وعلاء بن عبد الرحمن (^١)، وغيرهم (^٢)؛ لما تكلم في سُهَيل بن أبي صَالح
_________________
(١) انظر: "تهذيب التهذيب" (٨/ ١٦٦).
(٢) أفرد الحاكم في كتابه "المدخل إلى الصحيح" (الباب الثامن) في (من عيب على مسلم إخراج حديثه، والإجابة عنه) (٤/ ٩٥ - ٢٠١)، وأورد تحته ثمانية وتسعين نفسًا، ومن ضمنهم (ص ١٠٦ رقم ٤) (حماد بن سلمة). وقال: "لم يخرج له في الأصول إلا في حديثه عن ثابت". قلت: انظر "صحيح مسلم" (٣٣) وقال: "فأما حديثه عن غير ثابت، فإنه أخرج له في الشواهد أحا ديث معدودة" وساقها، قلت: انظرها في "صحيح مسلم" - على ترتيب سياق الحاكم - (٦٤٧، ٦٧٧، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٨٠٩، ١٨٢١، ٢٣٥١، ٢٣٦١، (٥٨٠)، ٢٨٦٢) وما بين (الهلالين) لم يقف عليه محققه حفظه الله تعالى. وأما سهيل بن أبي صالح، فترجم له الحاكم (ص ١١٣، ١١٥ رقم ٩) وقال عنه: (أحد أركان الحديث، وقد أكثر مسلم الرواية له في الشواهد والأصول، إلا أن الغالب على إخراجه حديثه في الشواهد" وقال: "وشيخنا مسلم قد جهد في إخراجه وقرنه في أكثر رواياته بحافظ لا يدافع حفظه، فسلم بذلك من قول من نسبه إلى سوء الحفظ". قلت: ولمسلم مثة وثلاثة عشر حديثًا لسهيل: انظر - على سبيل المثال - منها: الأرقام (٥٥، ١٠١، ١٣٢، ١٨٨، ٢٤٤، ٨٥٧، ٨٨٦، ٩٧١، ١١٥٣، ١٥١٥، ..)، وأما داود بن أبي هند فلم يذكره الحاكم، وأما أبو الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرسُ المكي، فترجم له الحاكم (١١٦ رقم ١٢) وقال: "احتج به مسلم في مواضع كثيرة، وأخرج عامة حديثه في الشواهد). قلت: وأخرج مسلم لأبي الزبير مثتين وحديثًا واحدًا، وآفته التي اشتهر بها التدليس، وله في "صحيح مسلم" (٩٠) رواية صرح فيها بالسماع، و(١١١) رواية عنعن فيها، وانظر حصرها مع دراستها في كتاب "روايات المدلسين في صحيح مسلم جمعها - تخريجها - الكلام عليها"، للأخ عواد الخلف (ص ٢٢٣ - ٣٦٣). وأما العلاء بن عبد الرحمن، فذكره الحاكم (١٥٣ رقم ٤٧) وقال: "اعتمده مسلم في كل ما يصح عنه من الرواية عن أبيه وغيره" إذا كان الراوي عنه ثقة، وله في "صحيح مسلم" نحو (٧٠) حديثًا انطر منها على سبيل =
[ ١٨٦ ]
في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة (^١)، وتكلَّموا في حماد بأنه أدخل في حديثه ما ليس منه، وعند مسلم لم يصح هذا الكلام (^٢)، فأخرج أحاديثهم
_________________
(١) = المثال -: (٤٦، ١٥٧، ١٨٨، ٢٣٣، ٢٥١، ٢٦٩، ١٣٨١، ١٦١٠، …) وللدكتور سلطان العكايلة دراسة عليهم نال بها الماجستير، وهي بعنوان "الرواة المتكلم فيهم في صحيح مسلم"، وللدكتور عبد الله دمفو "رجال مسلم الذين ضعّفهم ابن حجر في التقريب ورواياتهم في الصحيح"، وهي منشورة. وفي آخر "الأجوبة للشيخ أبي مسعود عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم" (ص ٣٢٩): (فصل من الرواة الذين انتقد على مسلم الإخراج عنهم). وينظر كتابي "الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح" (٢/ ٤٣٠).
(٢) نشر الأستاذ محمد مصطفى الأعظمي ضمن كتابه "دراسات في الحديث النبوي" (٢/ ٤٨٩ - ٥٠٠) هذه (الصحيفة)، ودرسها فيه دراسة مستفيضة، وحدث سهيل عن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على ثقة الرجل، ويدل على تمييزه ما سمعه من أبيه وليس بينه وبين أبيه أحد، وبين ما سمع من غيره. ولذا كان النسائي إذا تحدث بحديث لسهيل، قال: سهيل - والله - خير من أبي اليمان. قال السلمي في "سؤالاته للدارقطني" (١٤٨) سألته: لم ترك البخاري سهيلًا في الصحيح؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، وأورد كلام النسائي. وانظر: "هدي الساري" (٤٠٨)، "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٢٨٧)، "نصب الراية" (١/ ٣٤١)، "صيانة صحيح مسلم" (٩٤).
(٣) قوله: "وعند مسلم لم يصح" فيه نظر! بدليل طريقة معاملته مع رواياته في "صحيحه"، وسبقت إلماحة قوية للحاكم قريبًا، ويعجبني - غاية - كلام الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة" (ص ٦٠ - ٦١): "وعلى هذا يُعتَذَرُ لمسلم في إخراجه حديث حماد بن سَلَمة، فإنه لم يخرج إلا رواياته عن المشهورين نحو ثابت البُنَاني وأيوب السَّختْياني، وذلك لكثرة ملازمته ثابتًا وطول صحبته إيّاه حتى بقيت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط، وأما حديثه عن آحاد البصريين فإن مسلمًا لم يخرج منها شيئًا؛ لكثرة ما يوجد في رواياته عنهم من الغرائب، =
[ ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وذلك لقلة ممارسته لحديثهم. وعلى هذا ينبغي أن يُسْبرَ حال الشخص في الرواية بعد ثبوت عدالته، فمهما حصل الفهمُ بحال الراوي على النحو المذكلور، وكلان الراوي محتويًا على الشرائط المذكورة؛ تَعَيَّنَ إخراجُ حديثه منفردًا كان به أو مشاركًا". ومنه تعلم مدى دقّة مسلم في انتقائه وأنه ما وضع في "صحيحه" شيئًا إلا بحجة، وما ترك شيئًا إلا بحجة، فللَّه دره ما أبعد غوره! وأثقب بصره! وفي مثل هذا يقول ابن القيم في "الزاد" (١/ ٣٦٤): "ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعف حديث سيئ الحفظ، فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن، والله المستعان". وناقش العراقيُّ ابن طاهر في قوله هذا؛ فقال في "شرحه على الألفية" (ص ٢١ - ٢٢). "ما قاله ابن طاهر ليس بجيّد، حيث قال: (المتفق على ثقة نقلته)! لأن النسائي ضعف جماعةَ أخرج لهم الشيخان أو أحدُهما؛ غير أن تضعيف النسائي لهم بدون تبيين السبب، وقد ذكر علماء الجرح أن الجرح الذي لم يبين سببه غير مفيد للجرح، ولكن يوجب الريبة والتوقف في غير المشاهير بالعدالة والأمانة؛ فلا يؤثر فيهم". ورد السيوطيُّ اعتراض العراقي؛ فقال: "وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين". ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل الذي بنينا عليه أمرهما، وقد يخرجان عنه لمرجّح يقوم مقامه، ولا شك أن مسلمًا خاصة خرج من شملهم الستر والصدق، وفيهم من تكلم فيه، ولكن كان له (ذوق) و(نقد) في ذلك، كما بسطناه قريبًا. وانظر "فتح المغيث" (١/ ٤٦)، و"توضيح الأفكار" (١/ ١٠١).
[ ١٨٨ ]
لإزالة الشُّبهة عنده، وأما أبو داود والنسائي فإن أحاديث كتابيهما ثلاثة أقسام:
قسم على شرط "الصحيحين" أو مخرَّج فيهما (^١)، وقسم صحيح على شرط أنفسهما، فحكى أبو عبد الله بن منده (^٢) أن شرطهما إخراج أحاديث قوم لم يجمع على تركهم، فإذا صحَّ الحديثُ باتّصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، فيكون هذا القسم من الصحيح.
قلت: لكن دون القسم الأول في الرُّتبة، وسبيله سبيل الصحاح التي ما أوردها البخاري ومسلم في كتابيهما، والله أعلم.
وقسم أحاديثُ أخرجاها من غير قطع منهما بصحته، وقد أبانا علَّتها بما يعرفه أهل العلم، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لأنه رواية قوم لها، واحتجاجهم بها أقوى من رأي الرجال.
[شرط أبي عيسى الترمذي في "جامعه"]:
وأما أبو عيسى الترمذي فقسَّم كتابه أربعة أقسام:
الأول: صحيح مقطوع به، وهو ما وافق البخاريَّ ومُسلمًا.
الثانن: ما هو على شرط أبي داود والنسائي كما بيَّنا آنفًا.
والثالث: كالقسم الثالث لهما أخرجه وبيَّن علته وضعفه.
_________________
(١) بيّنت مقداره ومواطنه فيما يخص "سنن أبي داود" في تعليقي على شرحه "الإيجاز" للنووي وهو من منشورات الدار الأثرية، عمان.
(٢) قال في "شروط الأئمة" (ص ٧٣): "وسمعت محمد بن سعد البارودي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، وكان أبو داود كذلك يأخذ ماخذه، ويخرج الإسناد الضعيف؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال".
[ ١٨٩ ]
والرابع: أخرجه وأبان هو عنه، وقال: "ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعضُ الفقهاء. … " (^١)، فعلى هذا الأصل كل حديث احتجَّ به محتجّ أو عمل بموجبه عامل أخرجه (^٢)، سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد ازاح عن نفسه، فإنه تكلم على كلِّ حديث بما فيه، وكان من طريقه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي في حُكْمٍ، وقد صَحَّ الطريق إليه، وأخرج حديثه في الكتب الصِّحاح، فيورد في الباب ذلك الحكمَ عن صحابيٍّ آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون إليه كالطريق إلى الأول، إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان (^٣)، ويعدّ جماعة، وفيهم الصحابي الأكثر الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه.
_________________
(١) "العلل الصغير" (٥/ ٧٣٦ - مع "جامع الترمذي") وتتمة عبارته: "ما خلا حديثين" وذكرهما. وانظر لهما: "شرح علل الترمذي" لابن رجب (١/ ٣٢٤)، "الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين" (ص ٣٤٧) للعتر، "دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب" (٢٩٨)، تعليق العلامة أحمد شاكر على "مسند أحمد" (٩/ ٤٩ - ٩٢)، "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" لابن الملقن (٤/ ٨١ - ٨٣)، "العرف الشذي على جامع الترمذي" (ص ٤٨٦ - ٤٨٧)، "شرح العيني على سنن أبي داود" (٥/ ٨٠)، "التعليقات الحافلة على الأجوبة الفاضلة" (ص ٧٠ - ٧١)، "الانتهاء لمعرفة الأحاديث التي لم يفتِ بها الفقهاء" (ص ٣٧٢ - ٤٤٥)، كتابي "فقه الجمع بين الصلاتين" (١١٤ - ١١٧).
(٢) همّه الأحاديث المشهورة على ألسنة فقهاء زمانه، بل العلماء بالجملة، لذا فكتابه "جامع" وليس بـ"سنن".
(٣) صنفتْ في هذا مصنفات منها: "اللباب" لابن حجر، ولعله مفقود! وأفرده بالتصنيف العراقي كما في "نكته على ابن الصلاح" ونشر خمسة مجلدات من "كشف النقاب عما يقوله الترمذي وفي الباب" طبع في الباكستان لمحمد حبيب الله مختار، وصل فيه إلى (باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود).
[ ١٩٠ ]
[تعقب الحاكم في "المدخل" في ذكره شرط المتفق عليه]:
وأما ما ذكر أبو عبد الله الحاكم في "المدخل" (^١) من أن الشرط المتفق عليه بين البخاري ومسلم في الإخراج أن يرويه الصّحابيُّ المشهورُ عن رسول الله - ﷺ -، وله راويان ثقتان، ثم يروي عنه التابعيُّ المشهورُ بالرواية عن الصَّحابي، وله راويان ثقتان، ثم يروي عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة يكون فيها شيخ البخاري ومسلم حافظًا
_________________
(١) "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل" (ص ٣٨) وعبارته: "اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحييح، ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية، عن الرسول - ﷺ -، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، والرواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح، والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث" انتهى كلامه، وقَبِلَه أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي (ت ٥٨١ هـ) في جزئه "ما لا يسع المحدّث جهله" (ص ٢٧)! ومال إليه ابن العربي في أوائل "شرحه على البخاري" ثم رجع عنه في "شرحه على الموطأ"، وقال فيه: "وهو مذهب باطل" نقله السيوطي في "التدريب" (١/ ٧١)، وفي "علوم الحديث" (ص ٢٤٢) للحاكم، جعل هذا شرطًا لصحة الحديث مطلقًا ولم يقيده بالشيخين. واعترض عليه الحازمي بقوله في "شروط الأئمة" (ص ١٢٩) فقال: "فهذا غير صحيح طردًا وعكسًا، بل لو عكس القضية وحكم كان أسلم له، وقد صَرَّح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث وهو أبو حاتم محمد بن حبان البستي" ثم نقل قوله. وتعقب الحافظ ابنُ حجر الحازمي فقال في "نكته" (١/ ٢٤٠): "والظاهر أن الحاكم لم يرو ذلك، وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه".
[ ١٩١ ]
متقنًا مشهورًا بالعدالة، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح، فهذا شرط حسن لو كان موجودًا فيما أخرجاه في كتابيهما، لكن ليس كل ما في كتابيهما كذلك، فإن البخاري أخرج حديث قيس بن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي: "ذهب الصالحون أولًا فأولًا" (^١)، وليس لمرداس راوٍ غير قيس (^٢)، وأخرج حديث المسيب بن حَزْن في وفاة أبي طالب (^٣)، ولم يرو عنه غير ابنه سعيد (^٤)، وأخرج حديث الحسن البصري، عن عمرو بن تَغْلِب: "إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إليّ" (^٥) الحديث، ولم يروِ عن عَمرو غيرُ الحسن (^٦)، هذا في أشياء كثيرة عند البخاري.
_________________
(١) في "صحيح البخاري" برقم (٤١٥٦).
(٢) كذا قال مسلم في "المنفردات والوحدان" (ص ٢٨ - ٢٩)، والدارقطني في "الإلزامات" (ص ٧٨)، وأبو الفتح الأزدي في "المخزون" (رقم ٢٢٩) والحاكم في "علوم الحديث" (١٥٨). وقيل: إن لزياد بن علاقة رواية عن مرداس، والتحقيق أن هنالك (مرداس بن عروة) صحابي آخر، انظر: "الإصابة" (٣/ ٤٠١)، "التهذيب" (١٠/ ٨٥)، "فتح الباري" (١١/ ٢٥١)، "تحفة الأشراف" (٨/ ٣٧٠).
(٣) في "صحيح البخاري" برقم (١٣٦٠، ٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١) و"صحيح مسلم" (٢٤) أيضًا وخرجتهُ بتفصيل في مقدمتي لكتاب "أدلة معتقد أبي حنيفة في أبوي النبي - ﷺ -" لعلي القارقي، وللمسيب حديث آخر في "الصحيحين" وثالث في "صحيح البخارى"، انظر: "تحفة الأشراف" (٨/ ٣٨٧).
(٤) كذا قال مسلم في "المنفردات" (ص ٣١ - ٣٢) والحاكم في "المعرفة" (١٥٩) والدارقطني في "الإلزامات" (ص ٨٤)، وانظر: "فتح المغيث" (٣/ ١٨٨)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٤٨١).
(٥) في "صحيح البخاري" برقم (٩٢٣)، وله حديث آخر في "صحيح البخاري" (٢٩٢٧) وهو: "إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا أقوامًا … "، وينظر "تحفة الأشراف" (٨/ ١٤٠ - ١٤١).
(٦) كذا قال مسلم في "المنفردات" (ص ٤٦) وأبو الفتح "الأزدي في =
[ ١٩٢ ]
وأما مسلم فاخرج حديث الأغر المزني: "إنه ليغان على قلبي" (^١) ولم يرو عنه غير أبي بُردة (^٢)، وأخرج حديث أبي رفاعة العدوي (^٣)، ولم يروِ عنه غير حُميد بن هِلَال العَدَويّ (^٤)، وأخرج حديث رافع (^٥) بن عَمرو الغِفَاري (^٦)، ولم يروِ عنه غيرُ عبدِ الله بن الصَّامت (^٧)، هذا في أشياء
_________________
(١) = "المخزون" (رقم ١٧٥) والدارقطني في "الإلزامات" (ص ٨٥) والحاكم في "المعرفة" (١٥٨) وابن الجوزي في "التلقيح" (٤٠٧)! ولكن ذكر ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٢٢) وابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢/ ٥١٨) أن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضًا.
(٢) في "صحيح مسلم" برقم (٢٧٠٢).
(٣) كذا قال الدارقطني في "الإلزامات" (ص ٩٣)، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ٩٥): "روى عنه أهل البصرة أبو بردة بن أبي موسى وغيره، ويقال: إنه روى عنه ابن عمر، ويقال: إن سليمان بن يسار روى عنه. وأيضًا روى عنه معاوية بن قرة"، انظر "التهذيب" (١/ ٣٦٥).
(٤) في "صحيح مسلم" برقم (٨٧٦) وهو حديث أبي رفاعة قال: "انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه!! قال: فأقبل عليَّ رسول الله - ﷺ - وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ - وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها".
(٥) كذا قال الدارقطني في "الإلزامات" (ص ٩٣ - ٩٤) وروى عنه صلة بن أشيم أيضًا: انظر "الإصابة" (٤/ ٧٠)، "التهذيب" (١٢/ ٩٦).
(٦) في الأصل: "عامر"، والصواب ما أثبت.
(٧) في "صحيح مسلم" برقم (١٠٦٧) من حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ - حديث: "قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز .. " ثم قال عبد الله بن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟ فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله - ﷺ -.
(٨) كذا قال الدارقطني في "الإلزامات" (ص ٩٤) وقد روى عنه ابناه: =
[ ١٩٣ ]
كثيرة (^١)، وهكذا في التَّابعين وأتباعهم ومن روى عنهم إلى عصر الشَّيخين كثير فيمن لم يروِ عنه إلا واحد، فعلم أن القاعدة التي أسسها الحاكم لهما ليست بمطردة، ثم يلزم أن تكون أحاديث "المستدرك أصح من أحاديث "الصحيحين" التي لم يوجد فيها الشَّرط الذي شرطه الحاكم لهما، ووجد في حديث بزعمه، وهذا بمعزل عن الإنصاف لما فيه، والله أعلم.