والسُّنَّة لما كادت أن يتطرَّقَ إليها طَعْنُ بعضِ الأبالسة، وتلبيس الملاحدة بوضْعِ الحديث، والكذِبِ على رسول الله - ﷺ - قام بنصرها وتقويمها، وتسديدها وتصحيحها العلماءُ الجهابذةُ، والأمناءُ
_________________
(١) أخرجه الدارمي في "السنن" (١/ ١٤٥) والمروزي في "السنة" (ص ٢٨)، وابن بطة في "الإبانة" (رقم ٨٨، ٨٩) والهروي في "ذم الكلام" (ص ٧٤، ٧٥)، وابن شاهين في "السنة" (٤٨)، والخطيب في "الكفاية" (٤٧)، من طرق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير تارة وعن مكحول أخرى. وأخرجه البيهقي - كما في "مفتاح الجنة" (ص ١٩٩) - من قول الأوزاعي، وصححه ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ٢٩١)، وهو في القسم الضائع من "المدخل إلى السنة". وقال ابن عبد البر في بيان معنى الأثر؛ في "جامع بيان العلم (٢/ ١١٩٤): "يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه"، وانظر تعليقي على "الموافقات" (٤/ ٣٤٥).
(٢) بخلاف الكتب السابقة، فإنه موكول حفظها بحفظ أصحابها لها، لقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]. فوكل الحفظ إليهم، فجاز التبديل عليهم، وقال في القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فلم يجز التبديل كليهم، انظر "الموافقات" للشاطبي (٢/ ٩٢) وتعليقي عليه.
[ ١١١ ]
الجَحَاجِحَة (^١)، وحفظوا على هذه الأمة دينَهم، وزادوا على إيمانهم بالغيب يقينَهم، فَمَنْ عَرَفَ للإسلام حَفه، وأوجبَ للرسول - ﷺ - حُرمَتَه، وآثر طريقتَه على كلِّ طريق، ونظر فيها بتَحقيقِ وتدقيق، وعظّم من عظَمَ الله شأنه، وأعلى مكانه - لم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول وأتباع الوحي، وأوعية الدين، وخَزَنةِ العلم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، كيف وهم أثبتوا السّنّة بإسنادهم كابرًا عن كابر، فنقلوا سيرَه وممشاه، ووصفوا ما كان عليه وشواهده، وجاءوا بأقواله وأفعاله، وأحواله في سَفَره وحَضرِه، وظعنه وإقامته، ومنامه وَيَقظته، من إشارةٍ وتصريحٍ، وقِيامٍ وقُعودٍ، ومأْكلٍ ومَشربٍ، ومَلْبسٍ ومَركَبٍ، وما كان سبيل الرِّضى والسُّخط، والإنكار والقبول، حتى القلامة من ظُفُره ما كان يصنع بها، والنُّخامة من فِيهِ كيف يلفظُها، وأين وضعها.