اعتنى أبو الحسن التبريزي في كتابه "الكافي" هذا عناية مميزة، وأَتى على جُلّ ما عند ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث"، وأعاد ترتيبه، وزاد عليه فروعًا عديدة، ونكّت عليه تنكياتٍ مفيدةً، مما جعل الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - يقول في ترجمته له: "اختصر "علوم الحديث" لابن الصلاح اختصارًا مفيدًا" (^١).
وقال ابن قاضي شهبة: "اختصر "علوم الحديث" اختصارًا حسنًا" (^٢).
واستفاد أبو الحسن التبريزي في ترتيب اختصاره لمادة كتاب "علوم الحديث" لابن الصلاح من كتاب شيخه بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) المسمى "المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي" (^٣) فجعل الكتاب في مقدمتين، وأربعة أبواب، وخاتمة.
فجعل المقدمة الأولى في مناقب الحديث وأصحابه، والمقدمة الثانية في بيان ألفاظ مستعملة على اصطلاح هذا الشأن.
بينما اكتفى ابن جماعة بالمقدمة الثانية، وجعل الأبواب أربعة أيضًا
_________________
(١) الدرر الكامنة (٣/ ٧٣).
(٢) تاريخ ابن قاضي شهبة (١/ ٤٦٨).
(٣) طبع مرتين، ويقوم أخونا الشيخ عبد الباري فتح الله السَّلفي - حفظه الله تعالى - الآن بتحقيقه على عدة نسخ خطية.
[ ٢٤ ]
ولكنه سماها (أطراف)، قال في (ديباجة) كتابه (ص ٢٦): "ورتبته على مقدمة، وأربعة أطراف".
وهذه الأبواب الأربعة عند أبي الحسن التبريزي مقارنًا بما في "المنهل الروي":
الباب الأول: في متن الحديث، وقسمه التبريزي إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في أقسامه: الصحيح، والحسن، والضعيف.
وتعرض فيه للحديث الحسن عند الترمذي، وأنواع التركيب التي استخدمها معه، والفرق بين الحسن والصحيح.
ثم أتى للضعيف، وأنه على أصناف، وذكر أنواعه من حيث عدم الاتصال ومحال الانقطاع، وبدأ بالمعلَّق، وذكر المعلقات في "الصحيحين"، ثم انتقل إلى ما سقط من آخره - وهو ذكر الصحابي - ثم ما سقط منه التابعي، وفرع فروعًا؛ تعرض فيها إلى ما رواه بعضهم مرسلًا وبعضهم متصلًا، وجرَّه هذا إلى الحديث عن زيادة الثقة، ثم ذكر المرسل الخفي.
ثم ذكر أنواع الضعيف لا من جهة عدم اتصال إسناده، وجعله ستة أصناف:
١ - الموضوع، وذكر فيه: أسباب الوضع، وأصناف الوضّاعين - وجعلهم خمسة -، وطرق معرفة الحديث الموضوع، وجعلها ثلاثة.
٢ - المقلوب.
٣ - المضطرب.
٤ - المدرج، وجعله على ثلاثة أقسام.
٥ - في بيان المعلّل والشاذ والمنكر.
[ ٢٥ ]
٦ - في بيان الغريب والعزيز وضدهما، وقسمه إلى قسمين، وبحث تحته: المشهور، والمتواتر.
وجره هذا إلى الكلام على:
الفصل الثاني: الاعتبار والمتابعات والشواهد، وما يدخل فيها، ثم رجع إلى تقسيم الغريب والمفرد إلى خمسة أقسام على حسب الاعتبارات والشواهد.
ثم ختم هذا الباب بقوله:
الفصل الثالث: بقية ما يتعلَّق بالمتن، وجعله ثلاثة أنواع:
الأول: في مختلف الحديث، وجعله على قسمين، وجعل القسم الثاني على ضربين.
الثاني: في ناسخ الحديث ومنسوخه، وذكر أهميته، والضرورة إليه، وعدَّد الأمور التي يعرف بها النسخ، وجعلها أربعة.
الثالث: المصحَّف، وبيَّن مكان وقوعه، ومثَّل عليه.
وبهذا ختم الباب الأول.
ونجد في "المنهل الروي" الذي قرأه أبو الحسن التبريزي على مؤلفه ابن جماعة - رحمهما الله - نحوه، ففيه:
الطرف الأول: في الكلام على المتن وأقسامه، وأنواعه، قال: "فأقسامه ثلاثة: الصحيح، والحسن، والضعيف، وأنواعه ثلاثون: … وسردهم" (^١)، وزاد فيه: (المسلسل) و(غريب الحديث)، بينما جعل التبريزي هذين النوعين في (الباب الثاني) كما سيأتي، فالملاحظ أن
_________________
(١) المنهل الروي (ص ٢٦ - ط دار الفكر).
[ ٢٦ ]
ابن جماعة في "المنهل الروي" سرد الأنواع سردًا، ولم يعمل على التقسيم والتنويع، بينما كان أبو الحسن التبريزي أكثر دقة منه، وأحسن تنويعًا، إذ ضمَّ كلَّ مجموعة من هذه الأنواع إلى فصل، ونوّع في كلّ فصل على وجه مليح، ح إذ العلاقة بين كلّ نوع متجانسة، وبينها رابط حسن.
وأما الباب الثاني عند صاحبنا أبي الحسن التبريزي فهو: في السند، وهو كذلك عند ابن جماعة في "المنهل الروي" قال فيه (ص ٢٧): "الطرف الثاني: في السند وما يتعلق به، وهو أحد عشر نوعًا" وسردها.
بينما جمع التبريزي بين بعض هذه الأنواع في فصول، واشتركا فيمن تقبل روايته ومن ترد روايته، فهو (النوع) الأول من هذا (الطرف الثاني) عند ابن جماعة، بينما جعله التِّبريزيُّ (الفصلَ) الأول من (الباب) الثاني.
وجعل ابن جماعة تحت هذا النوع (ثلاثة عشر فصلًا) وسماها التبريزي (مسائل)، وبحثها فيه تحت (أربعة عشرة مسألة)، في تفريع وتنويع وبسط وتمثيل أوعب وأزيد.
والذي زاده هنا التبريزي:
المسألة الرابعة عشرة: في بيان ألفاظ مستعملة في هذا الشأن من الجرح والتعديل (^١).
فتغيَّر التنويع عند التبريزي، ولم يتقيد بترتيب فصول شيوخه ابن جماعة في هذا (الطرف).
_________________
(١) وهي في (الفصل السادس) من "المنهل الروي" (ص ٦٥).
[ ٢٧ ]
وأما (الفصل الثاني) من هذا الباب عند التبريزي فهو في تقسيم السند)، قال: "وفيه ثلاثة أنواع" (^١). وهي:
الأول: في المسلسل.
الثاني: المزيد في متصل الأسانيد.
الثالث: التدليس، وحكم المدلِّس.
وسبق أن موقع (المسلسل) عند ابن جماعة في "الطرف الأول: في الكلام على المتن)! وافتتح التبريزي أبو الحسن قوله عنه: "وهو نعت للإسناد" (^٢). وأما النوعان الآخران فهما عند ابن جماعة في (الطرف) أو (الباب) نفسه.
ثم ذكر أبو الحسن من هذا الباب: (الفصل الثالث: فيما يقع في الإسناد من العُلوِّ والنُّزول) وفرَّعه إلى تسعة أنواع، وهي على وجه مبسوط فيه بالنسبة إلى ما في "المنهل الروي" (ص ٦٩ - ٧١).
وأما النوع الأول فجعله طرفين- واستخدامه (الطرف) هنا غير استخدام شيخه ابن جماعة، إذ هي عند الأخير بمعنى (الباب) - وقسم الطرف الأول إلى خمسة أقسام، وهكذا أخذ يفرعِّ في سائر الأنواع الثمانية المتبقية؛ في تقسيم دقيق، وتفريع متسلسل سهل ينبئ عن حُسن ملكة في التأليف، وفهم جيد لهذا العلم، وارتباط مباحثه مع بعضها بعضًا.
وأما الباب الثالث: فهو (فيما يتعلّق بالسند والمتن) هكذا بوَّب عليه التبريزي، بينما قال ابن جماعة: (الطرف الثالث: في تحمل
_________________
(١) الكافي قبل فقرة (١٠٠).
(٢) الكافي فقرة (١٠٠).
[ ٢٨ ]
الحديث وطرق نقله وضبطه وروايته وآداب ذلك وما يتعلق به) (^١) وجعله في ستة أنواع:
النوع الأول: في أهلية التحمّل.
النوع الثاني: في طرق تحمل الحديث، وهي ثمانية - على اتفاق في بعضها، واختلاف في بعض - وهي: السماع، القراءة على الشيخ - وذكر تحته ثمانية فروع -، الإجازة المجردة - وقسمها إلى ثمانية أنواع، وذكر بعد ذلك ثلاثة فروع -، المناولة - وجعلها نوعين، وذكر فرعًا - والكتابة، والإعلام، والوصية، والوجادة.
النوع الثالث: في كتابة الحديث وضبطه، وذكر تحته عشرة فصوله.
النوع الرابع: في رواية الحديث، وسرد تحته ستة عشر فصلًا.
النوع الخامس: في أدب الراوي، ووراءه خمسة فصول.
النوع السادس: في أدب طالب الحديث، ووراءه ستة فصول، ولم يشبع الكلام عليه، اكتفاءً بقوله: "وقد بسطت من الآداب في هذا النوع وفي الذي قبله في كتابي "في أدب العالم والمتعلم" ما لا يحتمله هذا المختصر، فمن أراده فعليه به، أوما في فنّه" (^٢).
بينما بسط أبو الحسن التبريزي - رحمه اللّه تعالى - الكلام على هذا الباب المشترك بين السند والمتن، وخالف شيخه ابن جماعة ابتداءًا في التسمية، إذ جعلها فيما يتعلق بالسند والمتن)، وفصل في فحوى هذا الباب لما قال: "وذلك يشتمل على كيفية سماع الحديث، وتحمّله،
_________________
(١) المنهل الروي (٧٩).
(٢) المنهل الروي (١١٠).
[ ٢٩ ]
وصفة ضبطه وروايته، وآداب رُواته وطالبيه" (^١) وجعل هذا الباب فصولًا، ورتَّبها بطريقة علمية دقيقة، وتنويع سهل، وتقسيم بديع، وتفريع فيه حصر، على هذا النحو:
الفصل الأول: في أهلية التحمل، وبحث تحته: وقت التحمل، زمن كتابة الحديث، أول زمان يصح فيه سماع الصغير.
الفصل الثاني: في طرق تحمل الحديث من السماع والإجازة والمناولة وغيرها، وذكر الأنواع الثمانية المذكورة آنفًا في كلام ابن جماعة، ولكن في صنيع التبريزي تفصيل وتفريع أوعب، وتمثيل أكثر وأسهب، وهكذا يقال في جميع الأقسام والفروع المبحوثة تحت كلّ نوع من الأنواع الثمانية.
الفصل الثالث: في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده، وذكر تحته اثني عشر فرعًا، فزاد في التفريع اثنين بالنسبة إلى ما عند شيخه ابن جماعة.
الفصل الرابع: في رواية الحديث وشروط أدائه، وزاد أيضًا فرعين بالنسبة إلى ما عند ابن جماعة، فختمه بـ (الفرع الثامن عشر).
الفصل الخامس: في آداب المحدث وطالب الحديث وما يتعلّق بهما (^٢)، وجعله طرفين:
الأول: في آداب المحدّث، وسرد جملة حسنة من ذلك.
_________________
(١) الكافي (ص ٤٦٣).
(٢) لاحظ جمع التبريزي لهما في فصل واحد، بينما فرقهما ابن جماعة، فجعل النوع الخامس خاصًّا في آداب الراوي، والنوع السادس في أدب طالب الحديث، وتقدم بيان ذلك عنه.
[ ٣٠ ]
الثاني: في آداب طالب الحديث، وسرد جملة حسنة من ذلك.
ثم ختمه ببيان طرق العلماء في تصنيف الحديث، وشيء من آداب التأليف، واستوعب تحته النوعين الخامس والسادس التي عند شيخه ابن جماعة، مع زيادة في الاختيار، واستطراد في بعض النقول.
وأما الباب الرابع: - وهو الأخير - فهو عند أبي الحسن التبريزي بعنوان (في أسماء الرجال، وطبقات الحفاظ، وما يتعلّق بها) (^١) بينما عنون عليه ابن جماعة (الطرف الرابع: في أسماء الرجال وطبقات العلماء وما يتصل بذلك)، وقال: "والكلام فيه في أحد وعشرين نوعًا … " (^٢) وسردها.
بيد أنك تجد عند أبي الحَسَن فصولًا، فذكر (الفصل الأول: في الصحابة) وفيه أنواع: النوع الأول: في الصحابي. الثاني: في عدالتهم. الثالث: أكثر الصحابة حديثًا. الرابع: جعله في عدد الصحابة وطبقاتهم وأولهم إسلامًا. الخامس: جعله في أفضلية الصحابة. السادس: جعله في آخر الصحابة موتًا.
وجعل الفصل الثاني في التابعين، وفيه أبحاث.
والفصل الثالث: في أتباع التابعين، قال: "ولم يورده الشيخ تقي الدين، وفيه أبحاث" (^٣) وهو ليس عند ابن جماعة، وهكذا يستفيد من حسن ترتيب كتاب شيخه ابن جماعة، ويزيد على مادته مادة إضافية تارةً، ومباحث وفروع في داخل الفصول والفروع والمسائل تارة أُخرى.
_________________
(١) الكافي (٦٨٣).
(٢) المنهل الروي (١١١).
(٣) الكافي (٧٢٩).
[ ٣١ ]
وأما الخاتمة؛ فهي عند أبي الحسن التبريزي بعنوان (في أحوال سيد المرسلين على سبيل الإجمال) (^١) ولم يخل آخر كتاب ابن جماعة من شيء من ذلك مع زيادات في فوائد مختلفة، استفاد التبريزي منها، فضمَّها إلى أصل مادة الكتاب. فذكر ابن جماعة - مثلًا - في آخره (أصحاب المذاهب) (^٢) وهي في "الكافي".
وختم ابن جماعة كتابه بـ (سبعة من الحفاظ أحسنوا التصنيف، وعظم بهم (^٣) الانتفاع) وهي كذلك في "الكافي" ولكن في صلب الكتاب.
وإنْ كان السيوطي قد انتقد ترتيب كتاب ابن الصلاح بقوله في "تدريب الراوي" (١/ ٦٠ - ط العاصمة): "لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، بأن يذكر ما يتعلق بالمتن وحده، وما يتعلق بالسند وحده، وما يشتركان معًا، وما يختص بكيفيّة التحمل والأداء وحده، وما يختص بصفات الرواة وحده" (^٤)، فالمتأمل فيما صنع ابن جماعة - وتبعه المصنف - يجد أن السيوطي يرضى ترتيبهما، بل أُعجب بصنيعهما (^٥)، لدرجة أنه اعترض بفعلهما وحسن عرضهما، على ابن الصلاح،
_________________
(١) الكافي (٨٧٧).
(٢) المنهل الروي (١٤٢ - ١٤٣).
(٣) في مطبوع "المنهل": "به"!
(٤) أصل هذا الكلام لابن حجر في "نكته" (١/ ٩٤ - ٩٥ - مكتبة الفرقان).
(٥) سار عليه في "ألفيته" التي نظم فيها "علوم الحديث" لابن الصلاح، فقدَّم وأخَّر في مباحثه اتِّباعًا للمصنف وشيخه ابن جماعة، وأخذ في "شرحها" المسمى "البحر الذي زخر" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣) على ابن الصلاح نحو ما تقدم عنه في "التدريب"، واعتذر عنه بقوله: "لأنه جمع متفرقات هذا الفن من كتب مطولة في هذا الحجم اللطيف، ورأى أن تحصيله وإلقاءَه إلى طالبيه أهم من تأخير ذلك إلى تحصيل العناية التامة بحسن ترتيبه".
[ ٣٢ ]
فاعتراض ابن جماعة والمصنف بالعمل، وترجمه السيوطي إلى القول، فحسب!
ولنترك المجال لمن رتب الكتاب، ولنقرأ عبارتي ابن جماعة والمصنف، ليتبيّن لنا الغرض من هذا الترتيب:
قال ابن جماعة في (ديباجة) "منهله": "ومنذ تكرر سماعي له، وبحثي وعكوفي على فوائده، وحثِّي؛ لم أزل حريصًا على تلخيص ألفاظه لنفسي، وتخليص خلاصة محصوله، لتقريب مراجعتي له ودرسي، وترتيبه على ما هو أسهل عندي وأولي، وأخلى من الاعتراض عليه، حتى قدّر الله وجود هذا المختصر" (^١).
وأما المصنِّف أبو الحسن التبريزي، فقد أشار إلى هذا بقوله في (ديباجته) أيضًا، وعبارته بعد ذكره كتاب ابن الصلاح ومدحه لي:
" … رأيت أن أختصره على ما رُئي لي أنه أيسر وأجمل، وأضبط لفوائد هذا الفن وأسهل، بحذف ما يرى كالمكرر في إطنابه، وإضافة ما لا بُدّ للطالب منه في كلّ بابه" (^٢).
فأشار - ﵀ - ولم يفصح عن ترتيب مادته؛ لأنه مسبوق - كما قدمنا - بذلك، والمتأمل في عبارته: "على ما رُئي لي أنه أيسر وأجمل … وأسهل .. و.. إضافة ما لا بد للطالب منه في كلّ بابه"، يجد أنه يشير إلى ذلك، وكذا قوله - بعد -: "فاختصرتُ حسب ما أردتُ" (^٣).
_________________
(١) المنهل الروي (٢٦).
(٢) الكافي (١٠٥).
(٣) الكافي (١٠٥).
[ ٣٣ ]