لم أظفر بتفصيل عن نشأته في بطون الكتب التي ترجمت له، ولكني ظفرتُ -فيما بعد- بكلام جيد للصفدي في "أعيان العصر وأعوان النصر" (٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨) نقله على لسان صاحب الترجمة، قال (^١): "سمعت من (^٢) "جامع الأصول" على القُطب الشِّيرازي (^٣)، وبعض "الوسيط" على شمس الدين بن المؤذّن، وأخذت النّحو والفقه عن ركن الدين الحديثي (^٤)، وعلم البيان من النِّظام الطُّوسي، والحكمة والمنطق عن السيّد برهان الدين عُبَيْد الله (^٥) "، و"شرحَ الحاجبيّة" عن السيّد ركن الدين (^٦) المؤلف، وأجازَني شمسُ الدين العُبَيْدي (^٧)، وعِلْمَ الخلاف عن علاء الدين
_________________
(١) = قلت: سبقه ابن قاضي شهبة في "تاريخه" (١/ ٤٦٧)، فأرخ ولادته سنة سبع وسبعين، وكذلك فعل ابن رافع في "الوفيات" (١٧/ ٢).
(٢) وكلامه بنوع اختصار في "تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٤٦٧).
(٣) عبارة ابن قاضي شهبة في "تاريخه" (١/ ٤٦٧): "وسمع بعض .. ".
(٤) محمود بن مسعود بن مُصْلح (ت ٧١٠ هـ) ترجمته في "أعيان العصر" (٥/ ٤٠٩)، "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٣٧)، "طبقات ابن قاضي شهبة" (٣/ ٩١).
(٥) هو الحسن بن محمد العلوي، توفي بالموصل سنة (٧١٥ هـ)، ترجمته في "الدرر الكامنة" (٢/ ١٦)، "شذرات الذهب" (٦/ ٨)، "الكشف" (٢/ ٣٧٦) وفي "تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٤٦٧): "الزكي"!
(٦) في "تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٤٦٧): "عُبيد" فقط.
(٧) الأستراباذي، حسن بن محمد، ترجمته في أعيان العصر (٢/ ١٩٦).
(٨) عبد الكافي العبيدي (ت ٧٠٧ هـ)، ترجمته في "ذيل العبر" (٣٩).
[ ٧٤ ]
النُّعمان الخوارزمي (^١)، وإقليدس وأوطاوَقس وبادوسيوس، والحساب والهيئة عن فيلسوف الوقت كمال الدين حسن الشيرازي الأصبهاني، و"الوجيز" في الفقه عن شيخ الزمان حمزة الأردبيلي (^٢)، وعلم الجبر والمقابلة والمسَاحة والفرائض عن الصلاح موسى، و"شرح السُّنَّة" و"المصابيح" عن فخر الدين جار الله الجَنْدَرَاني والبَستي تاج الدين الملقّب بالشيخ الزاهد عن الشيخ شمسى الدين التبريزي عن الركن السجاسي عن القطب الأبهري عن أبي النجيب السهروردي (^٣) عن أحمد الغزالي عن أبي [بكر] النيسَابوري عن محمّد النّساج عن الشِّبلي عن الجنيد.
وأدركت كمال الدين أحمد بن عَرَبشاه بأردبيل، دعَا لي، ولقَّننِي الذكرَ عن أوحد الدين الكرماني، وأدركت شيخًا كبيرًا أجاز لي، أدرك الفخر الرازي، وأدركت ناصر الدين البيضاوي، وما أخذتُ عنه شيئًا، وجالست ابن المطهَّر الحلِّيّ، وما أخذت عنه لتشيّعه.
واشتغلت وأنا ابن عشرين إلى تسع وعشرين سَنَة، وأفْتَيْتُ ولي ثلاثون سنة، ووُلِّيت الخانقاه والتدريس وأنا ابن ثلاث وثلاثين، وخَرَجت إلى بغداد بَعد ست عشرة وسبع مئة، وأتيت المشهدَ والحلّة والسلطانيّة ومَراغة، وحججتُ، ثم دخلتُ مصر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة".
قال أبو عبيدة: مما سبق يظهر لنا ما يلي:
أولًا: تفنن أبي الحسن التِّبريزي، وإتقانه لكثير من العلوم، وعدم
_________________
(١) ترجمته في: "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٣٧).
(٢) في "تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٤٦٧) و"طبقاته" (٣/ ١٨٨): "سراج الدين الأَرْدَبيلي".
(٣) عبد القاهر بن عبد الله بن محمد (ت ٥٦٣ هـ)، ترجمته في "السير" (٢٠/ ٣٧٥).
[ ٧٥ ]
اقتصاره على العلوم الشرعية، بل أتقن علم الجبر، والحساب، والمساحة، والمقابلة، والهيئة، والفلسفة، ولذا مدحه أبو الفضل العراقي بقوله عنه: "أحد العلماء الجامعين بين علوم شتى، وكان إمامًا في الفقه والأصول والكلام والنحو والطب والهندسة"، كذا في "تاريخ ابن قاضي شهبة" (١/ ٤٦٨)، وقال عنه السيوطي في "حسن المحاضرة" (١/ ٤٧٢): "كان عالمًا في علوم كثيرة"، وقال ابن قاضي شهبة في "طبقات الشافعية" (٣/ ١٨٨) عنه: "المتضلع بغالب الفنون من المعقولات والفقه والنحو والحساب والفرائض"، وكذا في "شذرات الذهب" (١/ ١٤٩).
ثانيًا: كثرة مسموعاته وإجازاته، وعلوّه ببعضها.
ثالثًا: تنوّع شيوخه، سواء في الفنون المختلفة، أو في البلاد المتعددة، وأخذه عن أعيان شيوخ زمانه وأوانه.
رابعًا: تصوفه، وأخذه الطريقة، وبهذا وصفه غير واحد، فنقل ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٣٨) عن الذهبي (^١) قوله عنه: "من مشايخ الصوفية"، ونعته الصفدي في "الوافي بالوفيات" (٢١/ ١٤٤) بـ (الصوفي).
خامسًا: بُعده وترفُّعه عن الأخذ عن علماء الشيعة، فعلى الرغم من مجالسته لمقدّمهم في زمنه -وهو ابن المطهر الحلّي- إلا أنه لم يأخذ عنه، بسبب رداءة مذهبه.
سادسًا: انشغاله بعلم الحديث جاء متأخِّرًا بعد تضلُّعه بالمعقولات
_________________
(١) لم يترجمه في "تاريخ الإسلام" ولا في "المعجم المختص" ولا في "معجم الشيوخ".
[ ٧٦ ]
والفقه والنحو والحساب والفرائض ببلده، ولذا قال ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٣٨):
"قلت: كان ماهرًا في علوم شتى، وعُنِيَ بالحديث بالآخِرة، وسمع بدمشق ومصر، من جماعة من مشيختنا".
وهذا أدق من قول السيوطي في "بغية الوعاة" (٢/ ١٧١) عنه: "ولم يكن له خبرة بالحديث" فهذا صحيح في أول حياته، إلا أنه اعتنى به عناية جيدة بعد ذلك، ولا سيما في حجه وبعد قدومه لمصر، فقد ذكرت كتب التراجم أنه حج سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وهي السنة التي دخل بها مصر.
قال تلميذه ابن الملقّن في "العقد المذهب" (٤١٥) عنه: "حج من بلاده سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وقدم مصر … "، ولا ننسى ما تقدم نقله بواسطة الصفدي عن المصنف نفسه من قوله: "وحججت ثم دخلتُ مصر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة"، وقال ابن حجر في "الدرر" (٣/ ٧٣) على إثرها: "وكان دخوله لها من مكة مع الركب المصري".
وعبارة ابن قاضي شهبة في "تاريخه" (١/ ٤٦٧): "وقدم من بلاده حاجًّا، ثم قدم مع الركب المصري القاهرة سنة اثنتين وعشرين، وسمع بها من جماعة، منهم: عليّ بن عمر الواني، ويوسف الخُتَنِي، والدَّبّوسي، وابن جماعة، وهذه الطبقة"، بينما اختصر ذلك في "طبقات الشافعية" (٣/ ١٨٨)، وعبارته (^١): "ودخل بغداد بعد سنة ست عشرة، وحج، ثم دخل مصر سنة اثنتين وعشرين".
قلت: ومما يؤكد ذلك ما ظفرت به في آخر نسخة الأسكوريال من
_________________
(١) هي بالحرف في "شذرات الذهب" (٦/ ١٤٩) أيضًا.
[ ٧٧ ]
كتاب "المنهل الروي" (^١) -وهي بخط صاحبنا أبي الحسن- ما نصه:
"قرأت جميع هذا الكتاب، وهو "المنهل الروي في مختصر علوم الحديث" على مصنّفه المذكور -أدام الله بركة أنفاسه بين المسلمين- من نسخة مقابلة بهذه في مجالس، آخرها العشر الآخر من ذي الحجة، حجة ثنتين وعشرين وسبع مئة، وقد كتبه الفقير إلى الله أبو الحسن علي بن أبي محمد عبد الله بن الحسن الأَرْدَبيلي ثم التِّبريزي، حمد الله عواقب أموره بما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبي محمد وآله أجمعين".
فقراءته ونسخه لهذا الكتاب -وهو في علم المصطلح- يدل على تعنّيه وحرصه، وهذا في بداية أمره، وإلا فانتهى به الأمر إلى أنه لم يقنع بمختصر شيخه ابن جماعة، بل عمل هو على اختصار "علوم الحديث" لابن الصلاح، وسيأتي الفرق بينهما.
ومن أدلة عنايته وتقدمه -بل إبداعه- في هذا العلم: تصنيفه فيه، وصبره على بعضها (^٢)، كما سيأتي عند الحديث على مؤلفاته، ولذا سمع عند قدومه مصر من جماعة من المحدثين، ورحل من مصر إلى دمشق، يتتبع السماعات والإقراء والاستفادة، "واستكتب كتاب "ميزان الاعتدال" في الجرح والتعديل" (^٣)، وعمل على ترتيبه، كما سيأتي قريبًا عند الكلام على مؤلفاته، ومما يدل على ذلك أيضًا ما ذكره في كتابنا هذا فقرة رقم (٩٩) من وقوع غير حديث مسلسل له بإسناده.
ولذا قال ابن رافع في "الوفيات" (٢/ ١٧) عنه: "سمع من علي بن
_________________
(١) هو اختصار لـ"علوم الحديث" لابن الصلاح، فمادته مادة كتابنا "الكافي".
(٢) انظر كلام ابن الملقن الآتي قريبًا.
(٣) طبقات الشافعية الكبرى (١٠/ ١٣٨).
[ ٧٨ ]
عمر الواني ويوسف الخُتني، وغيرهما"، وعبارته في "منتخب المختار" (١٤٧ - ١٤٨): "قَدِمَ (^١) فسمع عليّ بن عمر الواني، ويونس الدبابيسي، ويوسف الخُتَني، وابن جماعة، وكتب الطباقَ، وحصّل جملة من الكتب الحديثيّة، وَشغَل في فنون ودرّس بالطرنطائية، وناظر، وكثرت طلبته. وصنَّف في التفسير والحديث والأصول، وأقرأ "الحاوي" كلَّه في نصف شهر، رواه عن شرف الدين علي بن عثمان العتقي (^٢) عن مصنِّفه".
وقال ابن قاضي شهبة في "تاريخه" (١/ ٤٦٧): "وكتب بخطه بعض الطباق".
قلت: والمراد بكتابته (الطباق): أي طباق سماعات الكتب والأجزاء الحديثية، وهذا يدل على عنايته بعلم الحديث، ودقته فيه، وحرصه على ضبط كتبه، وجودة خطه.
ثم وجدتُ كلمة مهمة لأبي الفضل العراقي، نقلها عنه ابن قاضي شهبة في "تاريخه" (١/ ٤٦٨) في ترجمة المؤلف، توضّح بجلاء انشغال أبي الحسن التبريزي بعلم الحديث، وانكبابه عليه، وحرصه على تحصيل كتبه، وتصنيفه في أبوابه، وتدريسه ما صنفه، وهذا نصها: "وأكبَّ بالقاهرة على علم الحديث، فحصَّل منه كتبًا كثيرة نفيسة، رواية وكتابة ودراية، كـ"الموطأ" و"الكتب الستة" و"مسند أحمد" و"المعجم الكبير" للطبراني و"السنن" للبيهقي، و"الحلية" لأبي نعيم، و"دلائل النبوة" للبيهقي، وغير ذلك، ثم ذكر أنه صنف كتابًا في الأحكام، وآخر في الأحاديث الضِّعَاف، قال: "وحدَّث بها".
_________________
(١) أي: إلى مصر.
(٢) سيأتي على وجهين آخرين: "العفيفي" و"العقيقي".
[ ٧٩ ]
سابعًا: رحل المصنف إلى أكثر من بلد، سبق ذكر بعضها، واستقر به المقام في مصر، وقد اعتنى ابن الملقن في كتابه "العقد المذهب" (٤١٥) بتفصيل مجريات ما حصل له بمصر، فقال بعد سياق اسمه: "نزيل القاهرة، وكان فاضلًا عن علوم كثيرة، من أعرف الناس "بالحاوي الصغير"، وبالأصول، والحساب، حج من بلاده سنة اثنين وعشرين وسبع مائة، وقدم مصر فنزل بالحسامية، فأحدث ابن واقفها له بها تصدرًا، حضرت فيه عنده وأنا الآن متصدر به، وأضيف إليه التدريس بها أيضًا، وحصل له في آخر عمره صمم بحيث أنه كان يقرئ والكتاب بيده ويشير إلينا هل فهمتم (^١)، صنف في الحساب، وشرح "المصباح"، وعمل أحكامًا في علم الحديث وأسمعها، سمعت عليه بعضها سماها "القسطاس" تعب عليها كثيرًا، وأفرد أحاديث الضعفاء في جزئين، وكان خيِّرًا ملازمًا للعبادة والبر".
وقال ابن حبيب في "تذكرة النبيه" (٣/ ٨٩): "وكانت إقامته بالقاهرة المحروسة، وبها توفي رحمه الله تعالى".
وقال ابن قاضي شهبة في "طبقات الشافعية" (٣/ ١٨٨) والسيوطي في "حسن المحاضرة" (١/ ٤٧٢): "نزيل القاهرة".