قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
وما يخالف ثقةٌ فيه الملا فالشاذ
انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى القسم الواحد والعشرين وهو (الحديث الشّاذ) .
ومادة " شاذّ ": مأخوذة من شَذّ يَشِذُّ أو شَذّ يَشُذُّ شذوذًا، وقد سبق هذا.
الشاذ لغة: هو الإنفراد والتفرد، تقول شذّ عن القوم أي تفرّد، هذا هو المعنى اللغوي وتوسّع في المعنى اللغوي بناءً على لوازمه، فإن من شذّ عن شيء عن مجموعته أوعن أشباهه أو عن نظائره، فإنه تفرّد وخالفهم وتفرّق عنهم، تقول تفرّق القوم شذَرَ مذَرْ مع أنهم قوم لكن لمّا تفرقوا أصبح كل واحد منهم لوحده، فلما جاء التفرّق صار فيه مخالفة وتخالف، فلوازم الشذوذ هو المخالفة، ولا يلزم أن يكون مع الشذوذ مخالفة من حيث المدلول اللغوي، لكن نقول إذا كان هناك شذوذ عن نظائره أو عن مجموعته يلزم أن يكون هناك مخالفة لكن إذا كان هو شذّ لوحده ليس عن مجموعة قد لا يطلق عليه أنه خالف.
فمن هنا اختلف أهل العلم - رحمهم الله تعالى - في المعنى الاصطلاحي.
التعريف الأول:
[ ٩٧ ]
ما يخالف ثقةٌ فيه الملا،أي ما خالف فيه الثقة الناس،وهذا هو تعريف المؤلف - رحمه الله تعالى ـ.
إذًا عندنا وصفان في هذا التعريف:
١) المخالفة.
٢) أن تكون من ثقة.
وهذا هو تعريف الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى ـ، فقد أخذ المؤلف - رحمه الله تعالى - تعريفه من الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى ـ، وعلى تعريفه يكون من قسيم الضعيف، وهو الراجح.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:-
وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه
التعريف الثاني:
ما تفرّد به الثقة، وهذا هو تعريف الحاكم - رحمه الله تعالى ـ، إذًا هو ذكر وصفًا وترك وصفًا آخر، فترك المخالفة.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ: -
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط
والحاكم - رحمه الله تعالى - عندما عرّف هذا التعريف، هل معناه أنه يضعّف حديث (إنما الأعمال بالنيات)، فقد تفرّد به الثقات، وهل يضعّف حديث (نهى عن بيع الولاء وهبته) .؟
لا يلتزم بهذا فهو مصطلح، فالحاكم - رحمه الله تعالى - قد يصِحُّ عنده الحديث وهو شاذّ وقد يضعّف، ولهذا تجد الحاكم - رحمه الله تعالى - في مستدركه يقول: وهذا حديث صحيح شاذّ وشذوذه بيّن. يعني أن عنده تفرّد فقط، فلا يلتزم أن يكون ضعيفًا، وبهذا نحلُّ الإشكال عن قول الحاكم - رحمه الله تعالى ـ.
إذًا عند الحاكم - رحمه الله تعالى - هل الشاذّ من قسيم الضعيف،أو هل هو من قسيم الصحيح؟
لا. وإنما هو على القسمين، فقد يكون صحيحًا وقد يكون ضعيفًا.
التعريف الثالث:
هو ما تفرّد به الراوي برواية ما.
إذًا في هذا التعريف نظر إلى التفرد فقط، ولم ينظر إلى المخالفة، ولم ينظر إلى ثقة المخالف، وهذا هو تعريف الخليلي - رحمه الله تعالى ـ، وعلى تعريفه يكون الشاذّ من قسيم الضعيف.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:-
[ ٩٨ ]
وللخليلي مفرد الراوي فقط
مسألة:
الشذوذ إما أن يكون في الإسناد وإما أن يكون في المتن:-
١) في الإسناد، وصفته: أن يخالف الثقّة الناس في إسناد الحديث بأي مخالفة كانت، فمثلًا الثقات يروونه موصولًا وهو يرويه مرسلًا، أو العكس، أو الثقات يروونه موقوفًا وهو يرويه مرفوعًا، أو العكس، أو الثقات يروونه من مسند أبي هريرة - ﵁ -، وهو يرويه من مسند ابن عباس - ﵁ -، أو الثقات يجعلون شيخ الزهري أبا سلمة، وهو يجعل شيخ الزهري سعيد بن المسيب - رحمهم الله تعالى ـ.
٢) في المتن، صفته: أن يأتي الثقة فيزيد لفظةً في الحديث لا يرويها الثقات الآخرون، فمثلًا لفظة (إنك لا تخلف الميعاد)، أو لفظة (فوضع أصبعيه في أذنيه)، فهو يزيدها والثقات الآخرون لا يزيدونها، أو مثلًا الثقات يروونه بصيغة معيّنة، ويأتي راوٍ آخر فيرويه بلفظة أخرى فمثلًا في حديث ميمونة ﵂ قال رسول الله - ﷺ -: (هلا استمتعتم بإهابها)، فجاء سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - فقال: (هلا دبغتموه) وهي نفس المعنى، ولكنه ذكرها بهذه اللفظة وهذا يشكل، وهي مسألة فقهيّة مشهورة، إذًا هو رواه بنفس المعنى العام لكن اللفظة مختلفة، فهل يحكم عليها بالشذوذ أم لا؟ هذا على الخلاف الفقهي.
إذًا هناك شذوذ إسناد وهناك شذوذ متن، ولا يلزم من شذوذ الإسناد شذوذ المتن، بأن يزيد زيادة في الإسناد أما المتن فهو نفس رواية الثقات، وكذلك لا يلزم من شذوذ المتن شذوذ الإسناد، بأن يكون الإسناد واحد تمامًا عند الثقات وعنده هو، لكنه هو زاد لفظة وهم لم يزيدوها.
وممكن أن يجتمع شذوذ الإسناد وشذوذ المتن،فيجعله من مسند ابن عبّاس - ﵁ - ويزيد لفظة، والثقات يروونه من مسند أبي هريرة - ﵁ - ولا يزيدون هذه اللفظة.
[ ٩٩ ]
إذًا هي ليست كالعلة، وقد ذكرنا الفرق بين الشذوذ والعلة، عندما تكلمنا عن شروط الحديث الصحيح.
مسألة: حكم الحديث " الشاذّ ".
حكمه الضّعف، سواءٌ كان في اللفظة فتضعّف اللفظة أو كان في الإسناد فيضعّف الإسناد.
بم يسمى إذا أخرجناه عن الصحة؟
إما أن يسمى شاذًا هذا هو الأصل في الإصطلاح، والمقابل له يسمى محفوظًا، فإذا قيل المحفوظ كذا، علمت أن هناك إسنادًا شاذًا أو متنًا شاذًا، إذًا " الشاذ " ضعيفٌ، له قسيمٌ صحيح وهو " المحفوظ ".
مسألة: كيف نحكم على الإسناد بأنه شاذ ومتى نحكم عليه بأن هذا الإسناد شاذ أو أن هذا المتن شاذ؟
اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول: أننا نحكم عليه من خلال الكثرة والقلّة، فإذا كان الرجال الذين رووى بهذه الصيغة أكثر من الرجال الذين رووى بالصيغة الأخرى فنعتمد الأكثر فالأكثر هو " المحفوظ " والأقل هو " الشاذّ "، لأنه قد لا يكون ثقة واحدًا فقط الذي خالف قد يكون اثنين مقابل عشرين، أو ثلاثة مقابل عشرين مثلًا.
القول الثاني: أننا نحكم عليه من خلال قوة الثقة - أيهما أوثق من الآخر فكلهم ثقات - والحفظ والضبط، فإذا رأينا عشرين راويًا مع راويين أو ثلاثة ورأينا أن هؤلاء الاثنين أو الثلاثة أضبط وأحفظ من هؤلاء العشرين فإننا نجعل رواية الاثنين أو الثلاثة هي " المحفوظة "، ورواية العشرين هي " الشاذّة ".
القول الثالث: أننا نحكم عليه من خلال القرائن، فننظر مثلًا إلى مداومة وطول صحبته هذا الراوي، وكثرة مخالفته أو قلة مخالفته، وهل حكم الأئمة بأن روايته هي أصح الروايات عن فلان هذا، وهل الذين خالفوه ليسوا بذاك الضبط والقوة، إذًا عندي عدّة اعتبارات للحكم على " الشاذ " أو الحكم على " المحفوظ "، وهذا القول هو الصواب وهو إعمال القرائن فأنا قد أحكم على رواية شخص واحد بالصحة وقد لا أحكم عليها بالصحة.
[ ١٠٠ ]
إذًا هل عبارة " زيادة الثقة مقبولة " أو " من حفظ حجّة على من لم يحفظ " صحيحة؟
العبارتين اطلاقها غير صحيح، فقد تكون زيادة الثقة " شاذّة "، وقد تكون زيادة الثقة " محفوظة ".