قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يَشُِذّ أو يعل
ابتدأ المؤلف - رحمه الله تعالى - بأول أقسام الحديث، وهو (الحديث الصحيح) .
فأهل الفن قسموا الحديث باعتبار القبول والرد إلى قسمين: مقبول، ومردود.
وأنا ذكرت لكم في درس سابق بأن التقسيم بالاعتبار فأسألك ماهو اعتبارك عندما تسألني ما أقسام الحديث؟ فتقول باعتبار القبول والرد.
فأقول باعتبار القبول قسمين: صحيح، وحسن.
أو تقسيمه باعتبار الطرق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: متواتر، ومشهور، وآحاد.
وباعتبار الرد إلى عدة أقسام، فأهل العلم قسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام: الصحيح والحسن والضعيف، باعتبار القبول والرد.
والإمام البيقوني - رحمه الله تعالى ـ، عرف الصحيح بشروطه وأوصافه، وهذا نوع من أنواع الحدود، أن يذكر التعريف بذكر الشروط، وأحيانا يكون التعريف بالمثال، وأحيانا يكون التعريف بالماهية، وكلها صحيحة في تقريب العلم.
الصحيح: لغة: هو ضد المريض.
اصطلاحا: عرفه المؤلف بقوله:
أولها الصحيح وهو مااتصل إسناده ولم يشُِذّ أو يعل
يرويه عدل ضابط عن مثله
قال وهو: ما اتصل.
الاتصال هو أول أوصاف للصحيح وأول رسم له، وهو أن يكون متصلا، يخرج ما انقطع.
ما معنى الاتصال؟ هو أن يروي كل راوٍ عمن سمعه.
يخرج: أن يروي عمن لم يسمعه منه مطلقا بأي نوع من عدم السماع.
إذا يخرج المنقطعات بأنواعها كما سيأتي، فمن أنواع المنقطعات: المنقطع، والمرسل، والمدلَّس، والمعضل، والمعلق، فهذه كلها منقطعات فليست متصلة.
ثم قال إسناده:
الإسناد: هو جملة الطريق الموصلة إلى الحديث. فكل طريق توصلك إلى الحديث يسمى إسنادا.
[ ١٣ ]
والإسناد عند أهل الحديث يطلق على عدة إطلاقات:-
الإطلاق الأول: ما رفع إلى النبي - ﷺ -، فكل حديث يروى بإسناد إلى النبي - ﷺ -، فإنه مسند، فإذا كان يروى بإسناد إلى أبي هريرة فليس بمسند، وإذا كان يروى بإسناد إلى بن سيرين فليس بمسند.
الإطلاق الثاني: كل طريق يوصلك إلى حديث مرفوع أو موقوف، وهذا ذكره ابن الصلاح - رحمه الله تعالى ـ.
الإطلاق الثالث: كل حديث يوصلك إلى النبي - ﷺ - ويكون متصلا، وهذا رجحه الحاكم، فلا بد أن يكون إلى النبي - ﷺ -، ويكون متصلًا، فالمرسلات ليست مسنده على هذا القول.
الإطلاق الرابع: المسند كل طريق يروى بطريق التحمل، فلو جاءنا مثلا الإمام أحمد ويروي عن الزهري وبينهما راوٍ فهذا يسمى مسندًا، فتقول روى الإمام أحمد بالإسناد أو تقول رواه أحمد مسندا إلى الزهري، وهذا الإطلاق أعم وأشمل وهو أكثر في الإطلاق.
ثم قال المؤلف: ولم يَشُِذّ.
يصح أن تقول يَشُذّ أو يَشِذّ، شذّ يَشُذّ يَشِذّ فقط، من باب فَعِلَ يأتي منها يَفْعِلُ ويَفْعُل هذا قياسي، وأما يَفْعَل فهو سماعي ليس على القياس.
ورأيت في بعض النسخ: ولم يُشَذّ، وعندي أنها ضعيفة - ضعيف هذا الضبط - فليس هناك داعيًا في أن نجعلها مبنية للمجهول.
قال المؤلف: ولم يشُِذّ.
هذا هو الوصف الثاني للحديث الصحيح، ولم يشُِذّ: أي أن هذا الإسناد لم يكن شاذا، والشذوذ هو المخالفة أو هو الإنفراد، وسيأتي زيادة بيان - إن شاء الله - على معنى الشذوذ، عند قول المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:-
وما يخالف ثقة به الملا فالشاذ
فالشذوذ عند أهل اللغة: الإنفراد، وقال بعضهم إن الشذوذ هو المخالفة، وهذا الخلاف سينبني عليه الخلاف العظيم في معنى الشذوذ.
هل الشاذ هو المخالف أو هو المنفرد؟
[ ١٤ ]
بناءً على اختيارنا سينشأ الخلاف، فلو جاء حديث لم يخالف، لكنه مفرد، فإنه يكون شاذًا إذا قلنا أن بأن الشاذ هو التفرد.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:-
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط وللخليلي مفرد الراوي فقط
فالخليلي انتزع معنى الإنفراد من اللغة، فقال الشاذ هو المفرد، فعنده يلزم أن يكون حديث (إنما الأعمال بالنيات) حديث شاذًا.
جاء الإمام الشافعي وقال: الشاذ هو المخالف، وهو له أصل في اللغة، فيلزم من التفرد المخالفة هكذا قال، فلا يطلق على الإنسان أنه تفرد إلا إذا تميز ولا يتميز إلا إذا روى شيئا لم يروه غيره أو خالفهم، إما بمتن أو إسناد، وسيأتي تحرير الكلام - إن شاء الله - في معنى الشذوذ.
إذا نقول الشاذ: قيل بأنه التفرد وهذا رجحه الخليلي، وقيل بأنه المخالفة وهذا رجحه الشافعي - رحمه الله تعالى ـ، والحاكم - رحمه الله تعالى - لم يشترط المخالفة أيضا.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط
مثال على الشذوذ:
روى الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه من حديث سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه " أنه رأى بلالًا يؤذن فتتبع فاه وجلس يلتفت يمينًا وشمالًا في الحيعلتين ". رواه عن سفيان جماعة منهم بن المبارك ووكيع وجماعة كثيرة من الأئمة فكل طبقة سفيان يروون هذا الحديث كل تلاميذ سفيان الثوري يروون هذا الحديث، وهي رواية البخاري، جاء عبد الرزاق وهو إمام من الأئمة فزاد " ووضع أصبعيه في أذنيه " فعبد الرزاق ذكر هذه اللفظة وعشرة لم يذكروها عن سفيان، فنحن الآن بين روايتين، رواية جماعة لم يذكروا " ووضع أصبعيه في أذنيه " ورواية عبد الرزاق ذكر" ووضع أصبعيه في أذنيه " فنحن الآن أمام زيادة وتفرد وأمام مخالفة.
[ ١٥ ]
وقولنا " أمام مخالفة " هنا معترك النقاش الذي سنذكره - إن شاء الله - هل هو خالف؟ بعضهم هو خالف وبعضهم يقول هو لم يخالف بل زاد، فيقول بعضهم لا هو زاد فهذا يترجم الزيادة بالتفرد، وهذا يقول لكنه خالف فهذا يترجم الزيادة بالمخالفة.
فإذا قلنا بأن الشذوذ هو المخالفة: فإننا سنصنف زيادة عبد الرزاق بالشذوذ، وسيأتي زيادة بيان عند مسألة زيادة الثقة، وأن زيادة الثقة وأن الشذوذ وأن المخالفة كلها تدور في باب واحد.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:
وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه
فعبد الرزاق خالف الملا، وكيع وبن المبارك وغيرهم فهؤلاء أئمة، وعبد الرزاق لنا فيه نظر آخر وهو أنه فقيه فلما يتكلم تؤثر فيه لغة الفقهاء، فليس هو فقط حافظ بل يسمع كلامًا للتابعي "بأنه وضع أصبعه في أذنيه "، ويسمع كلامًا للإمام " بأنه وضع أصبعه في أذنيه " فيتأثر، ولهذا رواية الفقهاء المحدثين تختلف عن رواية المحدثين الخلّص، فرواية المحدثين الخلّص أحيانا قد تكون أقوى من رواية الفقهاء المحدثين، وأحيانا تكون رواية الفقهاء المحدثين أقوى من رواية المحدثين الخلّص.
فمتى تكون رواية الفقيه المحدث أقوى؟ ومتى تكون رواية المحدث الخالص أقوى؟
تكون رواية الفقيه المحدث أقوى عندما يكون الخلاف في مسألة تنبني على مسألة فقهية في اللفظ، فإن الفقيه يكون حذِرا عند ذكره للرواية فيعرف ما الذي يلزم منها إذا قال كذا فيلزم منها كذا، فيلتزم بالرواية بالنص، أما المحدثين الخلص يتوسعون في الرواية بالمعنى أحيانا المحدث لا يبالي فيظن اللفظة هذه مثل اللفظة هذه، فيروي الحديث كما يفهمه من الحديث فقط، فهنا تكون رواية الفقيه أقوى.
[ ١٦ ]
وتكون رواية المحدث أقوى من الفقيه المحدث في مثل المثال المذكور - زيادة عبد الرزاق - فإذا وجدنا أن المحدثين رووى هذا اللفظ ولم يذكروا زيادة فقهية بينما هذا الفقيه زاد لفظة فقهية فتقول اقتبسها من فقهه ولم يقتبسها من الحديث فهنا تكون رواية المحدث الخالص أقوى.
قال المؤلف: ولم يُعلّ.
هذا هو الوصف الثالث للحديث الصحيح أن لا يكون معلّلًا.
العلة: الأصل هي المرض.
اصطلاحًا: هي " وصف يقع في الإسناد أو المتن لا يدركه إلا جِلّة - أي خواص - المحدثين "، فليست العلة سهلة واضحة، فليست العلة هي الانقطاع فقط، ما يقصدون هذا مع أن الانقطاع جزء من أجزاء العلة لكن هم لا يقصدون هذا، هم يقصدون العلة الخفية.
فمثلًا يقولون فلان لم يسمع من فلان هذا الحديث، أو فلان يخالف هذا الحديث، أو فلان أدخل متنًا في متن، فهذا كيف نعرفه.
نضرب مثالًا: لو أتينا لحديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - - كما عند أبي داود - عن النبي - ﷺ - قال: " من أدخل فرسا بين فرسين " - يعني وهو لا يُؤمن أن يُسْبَق - " فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمِنَ أن يُسْبَق فهو قمار " فهذا من حديث السبق.
فهذا إسناد ظاهره الصحة، وسلسلة الزهري هذه رواها البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى ـ، وسفيان هذا من رجال مسلم، جاء أبو حاتم الرازي - رحمه الله تعالى - وأعلّ هذا الحديث بطريقة عجيبة فقال: " لا يشبه أن يكون عن النبي - ﷺ - وأحسن أحواله أن يكون من كلام سعيد ".
فسفيان ماذا فعل قد تداخلت الأسانيد عليه فأدخل هذا الإسناد لهذا المتن، هذا رأي أبو حاتم الرازي - رحمه الله تعالى ـ.
وقال أبو داود - رحمه الله تعالى ـ: رواه معمر وشعيب وعقيل، عن الزهري، عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا.
[ ١٧ ]
وقال يحيى بن معين - رحمه الله تعالى - عن هذا الحديث: باطل وخطأ على أبي هريرة - ﵁ -.
فهؤلاء لم يجلسوا مع بعض ولم يتفقوا، فهذه علّة خفيّة وليست واضحة، فهذه ليست ميسّرة لنا أبدًا.
ولهذا بن مهدي - رحمه الله تعالى - يقول: " كلامنا على الأحاديث عند الجهال كهانة "، هذا طبعًا إذا حسنوا اللفظ ولم يقولوا تخرصًا، وقال بعض الحفاظ: " معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل ".
إذًا نقول العلة المقصود بها: العلة الخفية وليست العلة الظاهرة، وهناك احتراز آخر وهو: أن تكون العلة قادحة، فليست أي علة تقدح في الحديث، فقد يكون الحديث فيه علة ولكنه ليس ضعيفا بل صحيحا، فمثلا فلان يروي عن فلان وأحاديثه ضعيفة، لكن هذا الحديث جزم أهل العلم بأن هذا الراوي قد سمع من شيخه هذا الذي كان ضعيفا فيه وضبط هذا المتن.
إذًا نجعل وصفين لقوله " أويعل ":
الوصف الأول: أن تكون علة خفية.
الوصف الثاني: أن تكون علة قادحة.
مسألة:
بين العلة والشذوذ عموم وخصوص مطلق، فكل شذوذ علة وليس كل علة شذوذًا، إذا الشذوذ نوع من أنواع العلة، فليست كل علة شذوذ.
قد يقول قائل: لماذا المؤلف جاء بهذا الوصف " الشاذ " مادام أن الشاذ داخل في العلة، وجزء من أجزائها؟
نعم، هذا اعتراض قال به بعض أهل العلم وله وجاهته، ولكن من قال به أجاب عن هذا الإيراد بقوله: ذكر الشذوذ بسبب ارتباطه في الإسناد والمتن، لأجل ذلك ذكره المؤلف وأفرده، فإذا وجد شذوذ في المتن لابد أن يكون هناك شذوذ في الإسناد، وإذا وجد شذوذ في الإسناد لابد أن يكون هناك شذوذ في المتن، هكذا أجاب.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - الوصف الرابع للحديث الصحيح وهو " أن يكون عدلًا ".
قال عدل: العدالة هي صفة تبعث صاحبَها على ملازمة التقوى والمروءة.
[ ١٨ ]
فقولنا " ملازمة التقوى ": يخرج الكافر فهو ليس بعدل إذا من شروط الرواية أن يكون مسلما، وبعض الناس يقول أين اشتراط الإسلام؟ نقول يؤخذ من صفة العدالة.
وقولنا " المروءة ": يخرج من تنخرم مروءته بفعل معصية أو بمخالفة عرف، هكذا عند المحدثين.
فإن قلّت هذه العدالة قلّت درجة الصحة، فإذا كان الراوي غير ملازم للتقوى تماما لكنه مسلم ويفعل الطاعات ويترك بعض المحرمات لكنه يقارف بعضها، نقول تقلّ درجة العدالة الآن فتقلّ درجة صحة حديثه، لا ينزل إلى مرتبة الرد ولا يرتفع إلى درجة الصحة التامة بحيث يكون حديثه صحيح تام.
ثم قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: ضابط، هذا هو الوصف الخامس للحديث الصحيح وهو" أن يكون ضابطًا ".
الضبط: " هو إيصال الحديث كما سمعه من شيخه "، فإذا روى الراوي بمثل ما رواه شيخه فإنه يكون ضابطًا.
وصفة الضبط لها طريقان:-
الطريق الأول: أن يكون ضابطا ضبط الفؤاد " ضبط الصدر "، فما سمعه يحفظه ويتقنه فلا يعرف عنه أنه كثير الخلل في مروياته، وقولنا " ضبط الصدر": ليس معناه أنه لا يخطئ فليس هناك أحد ما يخطئ، كل الأئمة حفظ عنهم الخطأ، ولكن الخطأ عنده قليل.
الطريق الثاني: ضبط كتاب، وهذا هو أقوى الضبط.
وصفة ضبط الكتاب: هو أن يحمي كتابه من أن يحرّف وقلمه من أن يغيّر، فكتابه مضبوط، ما عرف عنه أن كل من أتاه يطلب كتابه أعطاه إياه، سواء كان عدلا أم لا، وللأئمة كلام كثير في ضبط الكتاب.
قال بن حبان - رحمه الله تعالى ـ: كاتب الليث منكر الحديث جدًا يروي عن الأثبات ما ليس من حديث الثقات وكان صدوقًا في نفسه وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جارٍ له كان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح ويكتب بخط يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدث به.
فإذا لابد أن يكون هناك ضبط كتاب أو ضبط صدر.
[ ١٩ ]
إذا تحصل لنا خمسة شروط للحديث الصحيح كما ذكرها المؤلف قال:
" ما اتصل " الاتصال. ١)
. " لم يَشُذ " عدم الشذوذ ٢)
. " لم يعل " عدم العلة ٣)
" يرويه عدل " أن يكون الراوي عدلا. ٤)
" ضابط " أن يكون الراوي ضابطا. ٥)
: ونستطيع أن نرتبها ترتيبا أحسن من هذا فنقول
الحديث الصحيح هو: " ما اتصل إسناده برواية عدل تام الضبط من غير شذوذ ولا علة قادحة "، هذا هو أكثر ما يعرف به العلماء، ولكن مع النظم أحيانا لا تستطيع أن ترتب.
مسألة: أين توجد هذه الأحاديث الصحيحة بهذه الأوصاف؟
هذه الأوصاف توجد فيما حكم عليه الأئمة بالصحة، فكل ما حكم عليه الأئمة بالصحة، فإن هذه الأوصاف فيه ومظانها في الصحيحين.
مسألة: هل استوعب الصحيحان الأحاديث الصحيحة؟ كلا، لجوابين:
١) أن البخاري - رحمه الله تعالى - هو نفسه ذكر بأنه لم يتعهد بأن يذكر كل الأحاديث الصحيحة في هذا الكتاب.
٢) أن البخاري - رحمه الله تعالى - نفسه سئل عن عشرات من الأحاديث فيقول " صحيح "، وهو غير موجود في الصحيح، فلو قلبت سنن الترمذي مثلا لوجدت أن البخاري يُسأل عن كثير من الأحاديث فيقول " صحيح " وهو غير موجود في الصحيحين.
إذًا اعتراض بن عبد البر - رحمه الله تعالى - الكثير - حقيقة - على البخاري في قوله عن بعض الأحاديث حينما يسأل عنها وهي غير موجودة في الصحيحين " هو حديث صحيح " فيقول الإمام بن عبد البر، ولماذا لم يذكره في صحيحه إذًا، فهذا إلزام غير لازم، لأن البخاري نفسه قال أنا لم أتعهد أن أذكر كل الأحاديث الصحيحة، فهذا ملحظ مهم جدًا، فمظان الأحاديث الصحيحة في الصحيحين لكنها غير حاصرة فتجد أحيانًا الصحيح في سنن أبي داود وعند الترمذي وعند الحاكم وعند أحمد وعند بن ماجة وغيرهم، لكن مظانها الأكثر في الصحيحين، فهذا أمر مهم يجب أن ننتبه له.
[ ٢٠ ]
مسألة: الصحيحين لم يستوعبا الأحكام الشرعية، ذهب بعض الأفاضل إلى أن الصحيحن استوعبا أصول الأحكام، وهذا غير صالح في نظري، فهناك أشياء كثيرة من الأحكام، وهي من الأصول لم تُذكر في الصحيحين، وأما قول بعض الأئمة كابن رجب أو بن عبد البر - رحمهما الله تعالى - أوغيرهما، فهي عبارات أغلبية يقولون: فيها معظم أو أكثر، وتجوّز المعاصرون فجعلوها قواعد كليّة.
تنبيه:
علينا أن ننتبه لبعض عبارات الأئمة في بعض أصولهم في إطلاق الصحة، وفي إطلاق أصله، فبعض الأئمة كالإمام البغوي - رحمه الله تعالى - في المصابيح جعل له أصلا في وصفه للصحة ووصفه للحسن قال " الصحاح كل ما كان في الصحيحين، والحسان كل ما كان في السنن "، فهو أراد أن يجعل له اصطلاحا فقط فهو وما أراد، بدليل أن البغوي في شرح السنة يذكر حديث لأبي داود ويقول هذا حديث صحيح.
مثال لحديث اتصف بالشروط الخمسة للحديث الصحيح: الأحاديث كثيرة، ولكن نأخذ إسنادًا كالشمس: قال الإمام أحمد حدثني الشافعي حدثني مالك حدثني نافع حدثني بن عمر. فهذا إسناد ذهبي إمامي مشرق، ولم يأت هذا الإسناد على هذا النسق إلا في أربعة أحاديث جمعها الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في موضع واحد، وساقها مساق حديث واحد.
فقال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي أنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (لا يبيع بعضكم على بيع بعض ونهى عن النجش ونهى عن بيع حَبَلِ الْحَبَلَة ونهى عن المزابنة. والمزابنة بيع التمر بالثمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلًا) .
فنقول عن هذا الإسناد " إسناد صحيح ".
قس على ذلك حديث البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر، فهذ إسناد بهذا الأوصاف التي ذكرت.
[ ٢١ ]
فقول المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: " معتمد في ضبطه ونقله ": هذا من تكميل البيت وإلا فقد انتهت الأوصاف وهذا كثير جدًا تجده في المنظومات يريد أن يبدأ ببيت جديد أوبمسألة جديدة فيحتاج إلى إكمال وأحيانا يذكر مثال ويتممه بمثال آخر.
انتهينا الآن من الحديث الصحيح، وقد ذكر أهل العلم مسائل كثيرة في هذا الباب منها:-
مسألة: ما أصح الأسانيد؟
نقول ليس هناك إسناد نقول عنه إنه أصح الأسانيد، فمن الذي يحكم بأنه أصح الأسانيد.
فلما آتي لمالك عن نافع عن بن عمر - ﵁ -، ولما آتي للزهري عن سعيد عن أبي هريرة - ﵁ -، كيف أرجح؟ فكلا رجال هذين الإسنادين أئمة عدول ثقات ضابطون، فالاختيار لأحد الإسنادين تحكّم، لكن أهل العلم اصطلحوا اصطلاحًا أجود من هذا الكلام وهو قولهم " أصح الأسانيد بالنسبة لصحابي ما " فهذا جيد.
فلما آتي لابن عمر ﵄ فله إسنادان من أفضل الأسانيد:-
١) مالك عن نافع عن بن عمر، هذا من أفضل الأسانيد.
٢) الزهري عن سالم مولى بن عمر عن بن عمر، فهذا إسناد لابن عمر كالشمس.
ولما آتي لأبي هريرة - ﵁ - هناك أسانيد كثيرة:-
١) معمر عن همام بن المنبه عن أبي هريرة، فهذه سلسلة ذهبية روى لها البخاري ومسلم كثيرًا.
٢) أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فهذا أيضا إسناد لأبي هريرة كالشمس.
٣) الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
ولما آتي لابن مسعود - ﵁ - أقول مثلًا:-
- منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن بن مسعود، هذا إسناد ذهبي.
هذا جيد أن الإنسان يحفظ هذه السلاسل، ولهذا جعل أهل العلم السلاسل معرفة لمن أراد أن يحفظ ويعرف الرجال.
قد يقول قائل: كيف أعرف السلاسل المطوّلة التي تدور عليها الأسانيد، فهناك أسانيد تدور عليها الأحاديث، فإذا حفظها الإنسان سقط عنه ثلاثة أرباع الأسانيد.
[ ٢٢ ]
كيف أعرف مظان هذه الأسانيد؟ أفضل ما أرى في معرفة هذه السلاسل هو أن يعتمد الإنسان على كتاب المزي - رحمه الله تعالى - في " تحفة الأشراف " في أطراف الكتب الستة أطراف المسانيد.
فالمزي - رحمه الله تعالى - يرتّب الأسانيد حسب الترتيب الهجائي، فإذا جاء لأحد الصحابة كأبي هريرة - ﵁ -، جعل له ترتيبًا جديدًا هجائيًا، فمثلًا لما يأتي إلى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ -، تجد أن سعيدًا مكثرًا من الرواية عن أبي هريرة - ﵁ -، فيقوم بترتيب الرواة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ -، فيبدأ ببكير بن عبد الله الأشج وهكذا هجائيًا، فإذا وصل إلى محمد بن شهاب الزهري، وجد أنه مكثرًا من الرواية عن سعيد بن المسيب، فيرتب الرواة عن الزهري ترتيبًا هجائيًا، فيبدأ بإبراهيم بن سعد وهكذا هجائيًا مرةً أخرى.
إذًا أصبح عندي سلسلة وهي: عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ -.