قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
عزيز مروي اثنين أو ثلاثة
انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى القسم التاسع وهو (الحديث العزيز) .
[ ٥٢ ]
في أول الكتاب قسم المؤلف - رحمه الله تعالى - الحديث باعتبار الصحة والضعف والاحتجاج وعدم الاحتجاج " صحيح، حسن، ضعيف "، وهنا قد انتقل إلى تقسيم الحديث باعتبار آخر باعتبار كثرت الطرق.
فنقول المحدثون قسموا الحديث باعتبار كثرة الطرق إلى ثلاثة أقسام:-
١) المتواتر.
٢) الآحاد.
٣) المشهور.
وبعض أهل العلم جعلها قسمين:-
١) المتواتر.
٢) الآحاد.
فالحديث المتواتر: هو ما رواه عدد لا يمكن حصرهم يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب وينسبونه إلى شيء محسوس.
وينقسم المتواتر إلى قسمين:
١) المتواتر اللفظي: أي يكون اللفظ واحدًا.
٢) المتواتر المعنوي: أي يكون الموضوع واحدًا، والألفاظ مختلفة.
أما الآحاد: هو ما لم يكن متواترًا، وينقسم إلى عدّة أقسام - إذا قلنا أن القسمة ثنائية:
١) الحديث المشهور: سيذكره المؤلف بعد هذا القسم.
٢) الحديث العزيز: هذا هو الذي في بابنا.
٣) الحديث الغريب: سيذكره المؤلف.
خلاصة:
هناك طرق لا تحصى وهذا هو " المتواتر".
وهناك طرق تحصى وهذا هو " الآحاد "، فإذا أحصيت بواحد فيسمى " الغريب "، وإذا أحصيت باثنين أو ثلاثة فيسمى " العزيز "، وإذا أحصيت بأكثر من ثلاثة ما لم يصل إلى حد التواتر فيسمى " المشهور ".
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
عزيز مروي اثنين أو ثلاثة
[ ٥٣ ]
" العزيز ": من عَزّ يَعِزُّ، أو عَزّ يَعَزُّ، أو عَزّ يَعُزُّ، وعزيز: فعيل، تقول عَزّ الرجل إذا قوي ومنه العزة وهي القوة والغلبة، ويقال عَزّ الشيء إذا قلّ أو ضعف، وهذا يسمى في اللغة " الأضداد "، فعندنا في اللغة الكلمات: إما أن تكون مترادفة وإما أن تكون متضادة، وإما أن تكون مشتركة، فهناك معنى له عدة كلمات فهذا يسمى " الكلمات المترادفة "، وهناك كلمة لها معاني متضادة وهذا ما يسمى " بالأضداد " مثل " العزيز "، وهناك كلمة لها عدّة معاني وهذا يسمى " المشترك " مثل كلمة " العين " لها عدّة معانٍ، إذًا " العزيز " من الأضداد، وما المقصود به في هذا الباب هل من قوي أم من قلّ وضعف؟
" العزيز " من كلا الاشتقاقين إما لأنه ضعف لأنه لا يرويه إلا اثنين أو ثلاثة فهذا ضعيف فهناك أحاديث يرويها سبعة أو ثمانية، وإما لأنه قوي فقد كان يرويه واحد فروى معه آخر فيكون قوي.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: " عزيزُ "، أصلها بالتنوين " عزيزٌ " ولكن لضرورة النظم حذف التنوين.
العزيز: هو ما رواه راويين أو ثلاثة رواة.
مسألة: هل العزّة في طبقة من طبقات الإسناد، أوهي في كل الإسناد؟
القول الأول: أن العزّة لابد أن تكون في كل طبقة من طبقات الإسناد ففي كل طبقة يرويه اثنين أو ثلاثة، فمثلًا يروي عن الرسول - ﷺ - صحابيين، ويروي عن أحد الصحابيين تابعيين، وعن أحد التابعيين اثنين من تابعي التابعين وهكذا إلى آخر رجل يروي كالبخاري أو الإمام أحمد، وهذا رأي بعض المحدثين وأهل المصطلح.
[ ٥٤ ]
وهذا القول غير صحيح ألبته، وقد ردّه الإمام بن حبان - رحمه الله تعالى - فقال: " لا يوجد هذا الحديث "، وقد صدق - رحمه الله تعالى ـ، وقد تعقب بعض المحدّثين ابن حبان - رحمه الله تعالى - فقال " بن حبان - رحمه الله تعالى - لم يستوعب الأحاديث "، فنقول لهذا المتعقِّب " وهل أنت استوعبت الأحاديث، فأخرجته لنا! "، سيقول: لا، نقول إذًا لا تخالف، فالنافي عليه الدليل، فأنت الآن تقول هو لم يستوعب، فأثبت أنت أنه لم يستوعب بإثبات حديث يتمثّل ويتصف بهذه الصفات.
القول الثاني: أن العزّة لا يشترط أن تكون في كل طبقة من طبقات الإسناد، فالعزيز ينطبق على ما رواه اثنين أو ثلاثة ولو في طبقة من طبقات الإسناد، فإذا جاءنا حديث لم يروه إلا اثنين من الصحابة ثم رواه جمع من التابعيين فنقول هذا حديث " عزيز في طبقة الصحابة " ولا إشكال، وكذلك لو جاءنا حديث رواه جمع من الصحابة ولم يروه عن أحد من الصحابة من التابعيين إلا اثنين أو ثلاثة، فنقول هذا حديث " عزيز في طبقة التابعيين "، وهذا هو القول الصحيح.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
عزيز مروي اثنين أو ثلاثة
قال: " أو ثلاثة "، هل ما رواه ثلاثة يعدّ من أقسام " الحديث العزيز "؟
اختلف أهل العلم في ذلك على قولين:
القول الأول: أن ما رواه ثلاثة يعدّ من " الحديث العزيز"، وهذا اختاره بن الصلاح - رحمه الله تعالى - وتبعه على ذلك المؤلف - رحمه الله تعالى ـ.
القول الثاني: أن ما رواه ثلاثة يعدّ من " الحديث المشهور "، وهذا مال إليه الحافظ بن حجر ﵀، والعزيز عنده لا يكون إلا ما رواه اثنين فقط.
ولا نستطيع أن نرجح بين القولين، لأن كلا القولين استخدمه أهل العلم وجعله اصطلاحا له، فكيف لنا أن نرجح بينهما!؟ .
مسألة: " هل العزّة شرط من شروط الصحة "؟
[ ٥٥ ]
اشترط هذا الشرط " أبو علي الجُبّائي " من المعتزلة، ومعنى ذلك أن رواية الواحد عنده ضعيفة، وينسب أهل المصطلح هذا الرأي للحاكم - رحمه الله تعالى ـ، وعندي أن هذه النسبة غير صحيحة، فالحاكم لا يقول بهذا الرأي أبدًا، بدليل أنه صحح أحاديث في مستدركه هي غرائب - أي هي رواية واحد ـ، وقد صحح حديث (إنما الأعمال بالنياتالحديث) . وصحح حديث (كلمتان خفيفتان على اللسان الحديث) وهو فرد.
إذًا لماذا نسب هذا الرأي للحاكم - رحمه الله تعالى ـ؟
لما كان الحاكم - رحمه الله تعالى - يتكلم عن شرط البخاري - رحمه الله تعالى - قال: " إن شرط البخاري في الحديث الصحيح أن يكون الحديث عنده عزيزًا " فظن بعض أهل المصطلح أنه يتكلم عن شرط الحديث الصحيح، وهذا غير صحيح، إذًا ليس هناك أحد يشترط هذا الشرط إلا من كان يردّ الحديث الفرد مطلقًا، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله ـ.
مثال للحديث العزيز:
أهل المصطلح يمثلون بحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) .
قالوا إنه رواه صحابيان: أنس، وأبو هريرة ﵄.
ورواه عن أنس اثنان: قتادة، وعبد العزيز بن صهيب.
ورواه عن قتادة اثنان: شعبة وسعيد بن أبي عروبة.
ورواه عن عبد العزيز بن صهيب اثنان: إسماعيل بن عُليّة، وعبد الوارث.