قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
وقل غريب ما روى راوٍ فقط
انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى القسم السابع عشر وهو (الحديث الغر يب) .
الغريب: هو ما رواه راوٍ فقط، هكذا عرّفه المؤلف - رحمه الله تعالى ـ.
إذًا نقول الحديث " الغريب ": هو الذي رواه راوٍ فقط.
فكل حديث يرويه راوٍ فقط فإنه "غريب"، وشمل هذا التعريف "الغريب المطلق" و"الغريب النسبي".
فإذا جاء حديث يرويه صحابي ويرويه عن الصحابي خمسة رجال، فيرويه مثلًا عن أبي هريرة - ﵁ - أبو سلمة، ومحمد بن سيرين، والأعرج، ووهب بن منبه، وجماعة، فرواه عن الأعرج مثلًا جماعة، ورواه عن محمد بن سيرين جماعة، ورواه عن وهب بن منبه جماعة، ورواه عن أبي سلمة الزهري فقط ورواه عن الزهري جماعة، فهذا غريب نسبي غريب بالنسبة إلى أبي سلمة - رحمه الله تعالى ـ، فلم يروه عن أبي سلمة - رحمه الله تعالى - إلا الزهري، وليس هو غريب مطلق لأن أبا سلمة - رحمه الله تعالى - متَابَع، والزهري - رحمه الله تعالى - رواه أيضًا عنه جماعة.
[ ٨٢ ]
وشمل هذا التعريف " الغريب المطلق "، فمثلًا لا يرويه عن عمر - ﵁ - إلا علقمة بن إبراهيم فقط، ولا يرويه عنه إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد، فهذه غرابة مطلقة.
فتعريف المؤلف - رحمه الله تعالى - شمل كلا النوعين، وهذ هو الصواب أن الغرابة يحق أن يقال لها غريب في " الغرابة المطلقة " و" الغرابة النسبية ".
مسألة: أقسام الغرابة.
القسم الأول:
غريب سندًا ومتنًا: وهو أن يكون الإسناد غريبًا بهذا المتن، فلا يروى هذا المتن إلا بهذا الإسناد، وكذلك الإسناد غريب بالنسبة إلى تركيبه فلا يوجد هذا الإسناد بهذا التركيب إلا لهذا الحديث فقط.
مثل حديث حمّاد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق أواللبّة؟ فقال النبي - ﷺ -: (لو طعنت في فخذها لأجزأتك)، فهذا المتن غريب فليس لهذا المتن إلا هذا الإسناد، أيضًا هذا الإسناد ما روي إلا لهذا الحديث، إذًا هو غريب سندًا ومتنًا، وأيضًا غريب في تركيب إسناده، لا يروى هذا الإسناد إلا لهذا المتن فقط.
القسم الثاني:
غريب متنًا لا سندًا، مثل حديث (إنما الأعمال بالنيات) .
والقسمة العقلية تقول غريب سندًا لا غريب متنًا.
مثال: سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وهذا إسناد ليس غريب فهو يروى لكثير من المتون، لكن هناك متون تفرد بها سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فما رويت إلا بهذا الإسناد.
مسألة: الفرق بين الغريب والفرد.
اختلف أهل العلم هل هناك فرق بينهما أم أنهما شيء واحد، على أقوال: -
القول الأول: أنه ليس هناك فرق بين الغريب وبين الفرد.
[ ٨٣ ]
القول الثاني: أن بينهما فرقًا، فالفرد هو " الغريب المطلق "، والغريب هو " الغريب النسبي "، إذًا أيهما أعمّ؟ الفرد، فليس هناك " غريب مطلق " و" غريب نسبي "، بل هناك " فرد مطلق " و" غريب نسبي ".
القول الثالث: أن " الفرد " أعم من الغريب من حيث أنه يطلق على التفرد لأهل بلد أو لأهل مصر أو على تلامذة عالِم معين، بينما " الغريب " لا يطلق إلا على غرابة الرواية، يعني هذا يروي راوٍ فقط عن راوٍ، لكن لو جاءنا أهل بلد " الكوفة " مثلًا يتفردون بهذا الحديث عن فلان فهذا لا نقول عنه " غريب " بل نقول عنه " فرد ".
القول الرابع: أن " الغريب " لا يلزم منه ضعف ولا صحّة، فقد يكون " الغريب " صحيحًا وقد يكون ضعيفًا، و" الفرد " لا يكون إلا منكرًا وهذا رأي البرديجي - رحمه الله تعالى ـ.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ: -
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلقَ، والصواب في التخريج
فهو يرى أن " الفرد " ضعيف، و" الغريب " قد يكون صحيحًا وقد يكون ضعيفًا.
مسألة: حكم الحديث " الغريب ".
اختلف فيه أهل العلم على أقوال:
القول الأول: أنه ضعيفٌ مطلقًا.
القول الثاني: أنه صحيح مطلقًا.
القول الثالث: أنه قد يكون صحيحًا وقد يكون ضعيفًا بإعمال شروط الحديث الصحيح، فليست غرابته ملزمة للضعف ولا ملزمة للصحة، وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم.
مسألة:
هناك من أهل العلم من قال بأن " الغريب " عند الترمذي - رحمه الله تعالى - إذا قال غريب فقط وليس " غريب صحيح " أو غيره بأنه ضعيف، وهذا عليه بعض الأئمة فليس هو رأيًا معاصرًا، وهذا ليس على إطلاقه وإن كان الأكثر فيه هو الضعف، فليس هذا قاعدة مطّردة وإن كان الكثير منها ضعيف.