قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
والفرد ما قيّدته بثقةِ أوجمعٍ أو قصرٍ على روايةِ
انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى القسم الثالث والعشرين وهو (الحديث الفرد) .
الفرد: من التفرّد، وهو عدم المشاركة أو يقال الوتر.
اصطلاحًا: عرّف بعدّة تعريفات: -
التعريف الأول:
ما قيّدت روايته بثقةٍ أوجمعٍ أوقصرٍ. وهذا هو تعريف المؤلف - رحمه الله تعالى - وعليه يكون الفرد عنده قد يكون صحيحًا وقد يكون ضعيفًا.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: والفرد ما قيّدته بثقةِ أوجمع أو قصر على روايةِ.
فقوله " على روايةِ ": ليس معناه على رواية أو روايتين أي هناك قول آخر. كلا، وإنما فيه تقديم وتأخير فمقصوده: أن الفرد ما قيّدت روايته بثقةٍ أوجمعٍ أوقصرٍ، ويمكن أن تكون "رواية" معطوفة على قصر، فقولنا قصرٍ على رواية: أي تفرّد بهذا الإسناد.
التعريف الثاني:
الفرد هو المنكر، وهذا هو تعريف الإمام البرديجي - رحمه الله تعالى ـ.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلقَ
فالفرد عند البرديجي - رحمه الله تعالى - من قسيم الضعيف.
التعريف الثالث:
أن الفرد هو الغريب، والغريب قد مرّ معنا تعريفه.
وجميع التعريفات مستخدمة فقد يحكم على المنكر بأنه فرد فإذا أردت أن تضعّف تقول هذا حديث فرد، وقد تحكم على الفرد بأنه تفرّد فلان عن فلان، وقد تحكم على الغريب بأنه فرد.
إذًا لا نستطيع أن نرجّح لأنها اصطلاحات مستخدمة.
[ ١٠٤ ]
إذًا نرجع إلى تعريف المؤلف - رحمه الله تعالى - قال:والفرد ما قيدت روايته بثقة أوجمع أو قصر.
فقوله " بثقة ": يعني قيّدت روايته بأنه لم يروِ هذا الإسناد إلا هذا الثقة، ولا يمتنع أن يكون قد رواه ضعفاء، فأنت مثلًا تقول تفرّد به فلان أي الثقة، لكن لا يمتنع أن يكون قد رواه ضعفاء غيره، لكن لما قلت تفرد به فلان أي هو المقبول فقط أما ما عداه فلا يحتاج أن نقول بأنهم ضعفاء.
وقوله " أو جمع ": أي مجموعة، أهل بلد، فتقول: هذا الحديث تفرّد به أهل مصر، أو هذا الحديث تفرد به أهل الشام كما يذكر ذلك أبوداود - رحمه الله تعالى - في سننه كثيرًا، وكذلك الحاكم - رحمه الله تعالى - يقول: هذه السنة تفرّد بها أهل مصر، أو هذه السنّة تفرّد بها أهل الشام، أو هذه السنة تفرد بها أهل الكوفة وغير ذلك، ولهذا بعض العلماء لما يسند له الحديث يقول هذا إسناد كوفي أو إسناد شامي.
وعندي لوقال المؤلف - رحمه الله تعالى - " أو مصر " بدل " أو جمع "، لكان أحسن لأن قوله " أو جمع " كأنه رواة كثرة، وهذا غير مقصود المؤلف ﵀، وإنما يقصد " بجمع " أي جهه ومجموعة معيّنة معروفة.
فيكون البيت:-
والفرد ما قيّدته بثقةِ أومصر أو قصر على روايةِ
حتى إنه سيكون هناك محسنات بديعيّة في النظم جيّدة.
وقوله " أو قصرٍ على روايةِ ": أي لم يرو هذا الإسناد بتمامه إلى آخره إلا هذا الراوي وعنه انتشر، يعني تقول مثلًا:لا يرويه عن ابن جريج إلا معمر أو هشام بن حسان أو ابن لهيعة وغيرهم، وعنهم رواه الناس وانتشر، كما قلنا في رواية يحيى بن سعيد في حديث (إنما الأعمال بالنيات) تفرّد به وعنه انتشر إذًا هذا فرد، فتقول تفرّد به يحيى بن سعيد.
مسألة: حكم الحديث الفرد.
حكمه يختلف باختلاف التعريف، فعلى حسب اختيارنا للتعريف في الحدّ يكون الحكم.
فعلى تعريف البرديجي - رحمه الله تعالى ـ: يكون حكمه ضعيفًا.
[ ١٠٥ ]
وعلى تعريف المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: قد يكون صحيحًا وقد يكون ضعيفًا، وهكذا.
مسألة: مظانّ الأفراد، أين أجد الحديث الفرد؟
أهل العلم ألفوا فيها كتب، فلمسلم - رحمه الله تعالى - كتاب في " الأفراد "، ومعجم الطبراني من مظانّ الأفراد فتجده يقول تفرد به فلان عن فلان أو لا أعلمه يرويه عن فلان إلا فلان، ومسند البزّار أيضًا من مظان الأفراد، وكثير من كتب " العلل " من مظان الأفراد.