قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة اتصلت
انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى القسم السادس والعشرين وهو (الحديث المدرج) .
مدرج: اسم مفعول.
الإدراج لغة: هو الإدخال.
اصطلاحًا: ما زيدت بعض ألفاظ من الرواة في الحديث، وهكذا عرّفه المؤلف - رحمه الله تعالى ـ.
والمؤلف - رحمه الله تعالى - ذكر تعريف قسمٍ واحد من أقسام المدرجات، وهو المدرج في المتن فهو قال: من بعض ألفاظ. فلم يذكر الإدراج في الإسناد فكأنه خصّ باب الإدراج في المتون فقط، وهذا غير صحيح.
والتعريف الصحيح هو: ما زيد في إسناده أو متنه مما ليس منه.
فالمدرج قسمين:
القسم الأول:
إدراج في الإسناد، وصفته: أن يأتي الراوي فيدرج في إسناده متنًا غير المتن الذي هو له.
مثاله:
[ ١١٤ ]
قصة ثابت بن موسى لما دخل على شريك وهو يملي على التلاميذ ويقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -، ثم سكت سكتة لطيفة، فلما نظر إلى وجه ثابت عند دخوله قال شريك: (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)، وكان يقصد ثابتًا لزهده وورعه، إلا أن ثابتًا ظن أن هذا هو متن ذلك الإسناد، فكان يحدّث به.
وإلا فإن الحديث الذي ذكر متنه شريك هو: (إذا نام أحدكم فإن الشيطان يعقد على رأسه ثلاث عقدالحديث) .
وكذلك مما يمثل به، أن بعض الرواة يجد حديثًا متنه واحد، لكن إسناده مختلف، وهو كله عن أبي هريرة - ﵁ - مثلًا، فيأتي إلى لفظة في أحد الحديثين فيجعلها في الحديث الآخر، مثل حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسواالحديث) .
فقوله: (ولا تنافسوا) مدرجة من كلام سعيد بن أبي مريم وليست هي في هذا الحديث، بل هي في حديث آخر من حديث مالك عن أبي الزناد عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدواالحديث) .
القسم الثاني:
إدراج في المتن.
وصفته: أن يذكر الراوي بعض الألفاظ التي هي غير موجودة في الحديث، فيدرجها.
وهو ثلاث صور:-
الصورة الأولى: إدراج في أول المتن.
مثاله:
حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: أسبغوا الوضوء (ويل للأعقاب من النار) .
فقوله: (أسبغوا الوضوء) مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة - ﵁ -.
الصورة الثانية: إدراج في وسط المتن.
مثاله:
[ ١١٥ ]
حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي عند البخاري قالت: (كان رسول الله - ﷺ - يذهب إلى غار حراء فيتحنّث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد) .
فقوله في الحديث: (وهو التعبد) مدرج في الحديث من كلام الزهري - رحمه الله تعالى ـ.
الصورة الثالثة: إدراج في آخر المتن.
مثاله:
حديث أبي هريرة - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء) فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل.
فقوله في الحديث " فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل " مدرج من كلام أبي هريرة - ﵁ -.
مسألة: ما هو الطريق لمعرفة الإدراج في الأحاديث؟
يدرك الإدراج في الحديث بأحد الأمور التالية:
١) من خلال تتبع الأسانيد، فأجد في بعض الأحيان أن أبا هريرة - ﵁ - يقول: قلت: " فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل ".
٢) أن ينص الراوي على الإدراج بأن يقول ثم قال أبو هريرة - ﵁ -: " فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل ".
٣) من خلال تأمل المعنى، فأحيانًا تذكر أشياء لا يمكن أن يقولها النبي - ﷺ - فواضح أن الذي ذكرها هو الراوي.
٤) أن ينصّ بعض أهل الأئمة المطلعين على الإدرج، كشعبة، ووكيع، وأحمد، ويحيى بن معين، وابن المديني، والبخاري وغيرهم - رحمهم الله تعالى ـ.
وقد اهتمّ أهل العلم في المدرجات إهتمامًا عظيمًا فألفوا فيه كتب، ومن أعظم الكتب في هذا كتاب " الفصل للوصل المدرج في النقل " للخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى ـ، وهو مطبوع في مجلّدين.
وكذلك للحافظ بن حجر - رحمه الله تعالى - كتاب في هذا، وكذلك هناك لبعض المعاصرين كتاب في هذا.
مسألة: حكم الإدراج.
قال بن عثيمين - رحمه الله تعالى - في شرحه على البيقونية ما نصّه:
[ ١١٦ ]
إن كان يتغيّر المعنى بالإدراج فإنه لا يجوز إلا ببيانه.
وإن كان لا يتغيّر به المعنى مثل: حديث الزهري (والتحنّث التعبّد) فإنه لا بأس به، وذلك لأنه لا يعارض الحديث المرفوع، وإذا كان لايعارضه فلا مانع من أن يُذكر على سبيل التفسير والإيضاح.
وإذا تبيّن الإدراج فإنه لا يكون حجة، لأنه ليس من قول النبي - ﷺ - فلا يحتج به.