قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
مسلسل قل ما على وصف أتى مثلُ أما والله أنباني الفتى
كذاك قد حدثنيه قائما أو بعد أن حدثني تبسمًا
انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى القسم الثامن وهو (الحديث المسلسل)، وهو من مباحث الإسناد.
[ ٤٨ ]
مسلسل: اسم مفعول من سَلْسَلً يُسَلْسِل، والمسلسل: مأخوذ من السلسة، وعادة السلسلة أن تكون أجزائها متشابهه مع بعضها، ولما تشابه أجزاء السند قالوا عنه إنه مسلسل، وقيل إن لفظ المسلسل مأخوذ من الماء السَّلسَال من سَلْسَ الماء إذا كان عذبًا ٍ طعمه جيد، فقالوا إن المسلسل من أجمل أنواع التحمل ففيه جمال في تحمله وفي وصفه.
ولا يمتنع أن يكون المسلسل مأخوذ من هذين المعنيين، فكلاهما في الحديث المسلسل.
المسلسل: عرفه المؤلف - رحمه الله تعالى - بأنه " الحديث الذي جاء على وصف " ونحن نزيد "واحد"، فيكون الحديث المسلسل:" هو الذي جاء على وصف واحد "، فهناك وصف في هذه السلسلة متشابهه فجميع أجزاء الإسناد فيه شيء متشابه.
ونأتي بتعريف آخر للمسلسل: " هو ما توارد إسناده أو طريقة تحمله على وصف واحد ".
هذا أدق في التعريف.
قال الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:
مسلسل الحديث ما تواردا فيه الرواة واحدا فواحدا
حالا لهم أوصفا أو وصف سند كقول كلهم سمعت فاتَّحد
نستطيع أن نقسم المسلسل إلى عدة أقسام:
القسم الأول:
أن يكون التشابه في الرواة مثلا بأي نوع من أنواع التشابه.
مثاله: أن يكون أسماء كل الرواة محمد، أو يكون كل أسماء الرواة مبدوء بحرف العين، أو يكون كل الرواة بصريين أو مصريين أو شاميين أو حجازيين، أو يكون كل الرواة أئمة، أو يكون كل الرواة أصحاب عاهات، أو يكون الرواة كلهم ضعفاء.
القسم الثاني:
أن يكون التشابه في قول أو فعل موجود.
مثاله: مثال القول: قول معاذ "والله إني لأحبك " وهذا يسمى مسلسل " المحبة "، فكل راوٍ يقول لمن سيحدثه " والله إني لأحبك "، أو حديث مسلسل بالأولية فيقول التلميذ حدثني شيخي وكان أول ما سمعت منه وهكذا إلى نهاية السند، أومسلسل بالآخرية فيقول التلميذ حدثني شيخي وكان آخر ما سمعت منه وهكذا إلى نهاية السند، أو مسلسل التحريك وهكذا.
[ ٤٩ ]
مثال الفعل: أن يبتسم الراوي ثم يروي الحديث ويسمى المسلسل بالتبسم.
القسم الثالث:
أن يكون التشابه في حال موجود حال التحمل.
مثاله: كقول المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
كذاك قد حدثنيه قائما
مسألة: هل كل السلاسل موصولة إلى رسول الله - ﷺ -؟
ليست كل السلاسل موصولة إلى رسول الله - ﷺ -، فبعض السلاسل موجودة إلى الأئمة، كمسلسل مالك المشهور يسمى " مسلسل أقبل على شأنك ".
قال الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى ـ: " وعامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة لكذب رواتها "، وهو قد صدق - رحمه الله تعالى ـ، فبعض الناس يريد أن يغرب فيدخل بعض الأوصاف على السند، كالحديث المسلسل بالأولية " الراحمون يرحمهم الرحمن " هذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فعبد الله حدث أبا قابوس مولى له وأبو قابوس حدث عمرو بن دينار وعمرو بن دينار حدث سفيان بن عيينة، وليس فيه " أول ما سمعت "، لكن بعض تلاميذ سفيان كان أول ما سمع من سفيان هذا الحديث، فكان يقول سمعت من سفيان وكان أول حديث سمعت منه عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رحمهما الله تعالى ـ، فجاء بعض الرواة ولم يكتف بهذا بل جعل سفيان بن عيينة قال وكان أول حديث سمعته من عمرو بن دينار، وجعل عمرو بن دينار يقول وكان أول حديث سمعته من أبي قابوس، وجعل أبا قابوس يقول وكان أول حديث سمعته من عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وجعل عبد الله بن عمرو ﵄ يقول وكان أول حديث سمعته من رسول الله - ﷺ -. فانظر إلى الإغراب كيف! حتى انتقده بن الصلاح - رحمه الله تعالى - في مقدمته.
ويقول الحافظ العراقي - رحمه الله تعالى ـ:
ومنه ذو نقص بقطع السلسله كأولية، وبعضٌ وصله
[ ٥٠ ]
فما وصل إلا من طرق واهية موضوعة، ولكن من أجل الإغراب، حتى ألف السيوطي كتابا اسمه " المسلسلات الكبرى " كل المسلسلات الكبرى وصلها إلى خمسة وثمانين حديثًا، ثم ألف كتابا آخر اسمه " المسلسلات الجياد "، يعني أجود ما في الباب.
قاعدة:
لا يصح أي مسلسل إلى زماننا هذا، وأحسن ما في الباب " مسلسل سورة الصف ".
ما هو مسلسل سورة الصف؟
كل شيخ يقول سمعت من شيخي سورة الصف ثم يقرأها عليه، فأحد الصحابة سمع سورة الصف من رسول الله - ﷺ - ثم هذا الصحابي رواها إلى تلميذه فأسمعه إياها، فكان كل شيخ يقرأ سورة الصف على تلميذه ويقول سمعت سورة الصف، فالمسلسل هو " سمعت سورة الصف ".
مسألة: ما معنى قولنا " لا يصح في المسلسل حديث "؟
نقول الكلام في الإسناد وليس في المتن، أي لا يصح مسلسل في الصفة لا بد أن تنقطع، فمن وصلها فلا يصح الإسناد، نعم هناك أسانيد مسلسلة في بعض أجزاء الحديث صحيحة لا إشكال فيه، لكن نقول لا يصح إسناد مسلسل من مبتدأه إلى رسول الله - ﷺ - بصفة واحدة، لا بد أن تجد في أسانيدها ضعف.
مسألة: هل يلزم من ضعف أسانيد المسلسلات ضعف المتون؟
لا. فكثير من الأحاديث المسلسلة أحاديثها صحيحة، فمثلا حديث " يا معاذ والله إني لأحبك " هذا حديث صحيح، لكنه ليس متصلًا بهذه السلسلة " والله إني لأحبك " إلى آخر الإسناد، فتجد في بعض طبقات الإسناد ليس فيه " والله إني لأحبك "، وإلا فإن النبي - ﷺ - قال لمعاذ بن جبل - ﵁ - " والله إني لأحبك "، ومعاذ قال للصُنَابَحي، والصُنَابَحي قالها للحُبُلي هذا ما فيه إشكال،
لكن هل هذه إلى وقتنا هذا؟ لا. وهذا لا يضر، فالحديث المسلسل ترف ليس من أصول علم المصطلح لأنه لا يؤثر على صحة أو ضعف.
[ ٥١ ]
إذًا نفرق بين مسألتين وانتبهوا لها، بين حكمنا على صيغ التحمل والسلسلة، وبين حكمنا على الأحاديث، فحديث مسلسل " المحبة" صحيح، وحديث مسلسل ثم قبض على لحيته ثم قال آمنت بالقدر فهذا أيضا حديث صحيح، لكن هل سلاسل هذه صحيحة هذا هو الكلام عليها، إذا نفرق بين مسألتين، بين صحة الحديث المسلسل من حيث الإسناد من حيث السلسلة هل هي تثبت أم لا، ومن حيث المتن، فمن حيث المتن لا علا قة له بالإسناد، فقد يكون المسلسل صحيحا، وقد يكون ضعيفا، وقد يكون المتن صحيح والسلسلة ضعيفة، فهناك أحاديث مسلسلة في مسلم لكن مسلمًا - رحمه الله تعالى - لم يذكر أنه مسلسل كحديث " التربة " ففي غير مسلم - رحمه الله تعالى - جعلوه من الأحاديث المسلسلة.
بعض المحدثين قال: من فوائد المسلسل هو قوة الضبط ومعرفة أن الراوي سمع ممن فوقه، فإذا قال مثلًا " والله إني لأحبك " فلا حاجة لأن نقول هل سمع منه أو لا، لكن كل من جاء بالمسلسل نحن نعرف حتى لو لم يقل " والله إني لأحبك " أن فلان سمع من فلان، بدون هذه اللفظة.
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
مسلسل قل ما على وصف أتى مثلُ أما والله أنباني الفتى
فيأتي كل راوي فيقول " والله أنبأني فلان " فيحلف عليه فهذا مسلسل بالقسم.
ثم قال:
كذاك قد حدثنيه قائما
فكل راوي يقول حدثني فلان وهو قائم، إذًا هذا مسلسل بالقيام.
ثم قال:
أو بعد أن حدثني تبسما
فكل راوي يقول حدثني فلان وهو متبسم، إذًا هذا مسلسل بالتبسم.