قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ:
مشهور مروي فوق ما ثلاثة
انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى القسم العاشر وهو (الحديث المشهور) .
والمشهور هو من قسم الآحاد، وقيل بأن المشهور قسم ثالث لوحده.
مشهور: اسم مفعول، عرفه المؤلف فقال: مروي فوق ما ثلاثة، إذا الأربعة فما فوق مشهور عند المؤلف - رحمه الله تعالى ـ.
[ ٥٦ ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: مشهور مروي فوق ما ثلاثة: " ما " هنا نقول بأنها زائدة، فالأصل: مشهور مروي فوق الثلاثة، و" ما " تأتي زائدة، وقد وردت في القرآن كثيرًا، مثل قول الله جل وعلا: ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ البقرة٨٨، وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ النساء١٥٥، وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ آل عمران١٥٩، وهكذا تكون زائدة بمعنى صلة للتأكيد والتكرار.
هل نقول في القرآن شيء زائد؟
هذا اصطلاح، والزيادة في المبنى زيادةٌ في المعنى، ولهذا بعض الناس لا يقول حرف زائد بل يقول حرف " صلة " تأدبًا، لكنه حرفٌ زائدٌ مبنى زائدٌ معنى.
مسألة: اختلف أهل العلم في " المشهور "، هل المراد به هو ما رواه أربعة فقط، أو هو ما رواه أربعة ولم يصل إلى حد التواتر؟
المراد به هو الثاني: ما رواه أربعة ولم يصل إلى حد التواتر، وعلى رأي بن حجر ﵀: هو ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر.
إذًا المشهور ليس بعدد معين، ويعبر عنه البعض بـ " المستفيض "، إذًا المشهور والمستفيض بمعنى واحد، وبعض الأحناف وبعض المحدثين فرق بين المشهور والمستفيض بما لا طائل تحته.
؟ تنبيه:
[ ٥٧ ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - الحديث العزيز والحديث المشهور، وهذا التقسيم مبني على تقسيم أهل الأصول، فتقسيم الحديث إلى متواتر ومشهور وآحاد، إنما هو من تفصيلات أهل الأصول، وليس تفصيلات المحدثين، وهذا من العلوم التي دخلت على أهل السنة والجماعة، وعلى أهل الاصطلاح، وهو من التقسيمات غير المجدية وغير النافعة، وليس لها فائدة ولا ثمرة، فتقسيم الحديث إلى متواتر ومشهور وآحاد تقسيم لا ثمرة له، بل إن أهل الكلام أدخلوا هذا التقسيم على أهل السنة لغرض فاسد وهو إبطال حجية أحاديث الآحاد في صفات الله جل وعلا وأفعاله وأسمائه وما هو مستحق له من الكمالات فدرجوا على نفي أحاديث الصفات بتقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد ثم قالوا المتواتر قطعي الدلالة قطعي الثبوت، والآحاد ظني الدلالة، ثم استنتجوا قاعدة فقالوا إن صفات الله لا تثبت إلا بالقطعيات والأحاديث الآحادية إنما هي ظنيّة، إذًا لا نثبت صفات الله جل وعلا بسبب هذا الوارد، فأصبح هذا التقسيم طاغوتًا ينفى به صفات الباري جل وعلا، ولهذا كسر أهل العلم هذه القاعدة، فنقول إن هذا غير صحيح، فلو قسمنا نقول هذا غير صحيح، لو قسمنا الأحاديث إلى متواترة وإلى آحاد من باب التقاسيم والاعتبارات لا إشكال، لكن نقول إن صفات الله تثبت بالآحاد وتثبت بالأحاديث المتواترة وتثبت بالأحاديث المشهورة، فإن الرسول - ﷺ - خبره واحدٌ من السماء ومع ذلك هو متواتر فالله جل وعلا أرسل بشرًا واحدًا لينشر الدين كله ومع ذلك لم يكن هذا خبره خبر آحاد، ولم يُعذَر المشركون بأنهم ما تبعوا الرسول لأن خبره خبر آحاد، فلم يأته التواتر حتى الآن!، بل إن الله جل وعلا أقام به الحُجة والمحَجّة،فهذا التقسيم تقسيم باطل يجب أن ينفى وأن يطرد إذا كان يستنبط منه ما سبق من ردّ أحاديث الصفات إذا كان حديث آحاد، ثم نذهب إلى أهل الأصول فننظر أن أهل الأصول من أهل السنة
[ ٥٨ ]
والجماعة قالوا أن خبر الآحاد يفيد العمل القطعي، ولا إشكال عندهم في هذا، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، كابن عبد البر والإمام أحمد - رحمهم الله تعالى - بل إن المرداوي - رحمهم الله تعالى - نقل الإجماع على أنه يفيد العمل. فإذا كان يفيد العمل بغض النظر أنه يفيد العلم القطعي أو العمل النظري أو العلم الظني، هذا لا إشكال فيه مادام أنه يفيد العمل.
فتقسيم الأحاديث باعتبار الطرق: متواترة وآحاد، هو تقسيم جيد، لكنه لما كان يستنبط منه ما يستنبط أصبح تقسيمًا فاسدًا ولا بدّ أن نردّه إذا كان يستنبط منه هذا الاستنباط، أما إذا كان أحد أهل السنة والجماعة يقسّم ويعتبره اعتبارًا من حيث الطرق فلا إشكال، فهذا اعتبار صحيح، لكن إذا كان يستنبط منه بأن الآحاد ما نأخذ منها أحاديث الصفات بناءً على أن الصفات لا تثبت إلا من طريق قطعي الدلالة أو قطعي الثبوت فإن هذا لا بد أن يكسر ولا بد أن يردّ، ثم نقول أيضًا إن أهل الأصول وأهل الكلام مجموعهم يقول أن أحاديث الآحاد تفيد العمل، يعني أن الإنسان يجب عليه أن يعمل، أما العلم هل هو فعلًا العلم المكتسب من هذا الحديث قطعي فالإنسان يقطع به أو هو ظني؟ نقول هذا لا ثمرة له مادام أنه يجب عليك أن تعمل سواء كان العلم قطعيًّا أو العلم ظنيًّا يجب عليك أن تعمل به فإن هذا محدود الفائدة، ثم إننا نقول إن هذا تقسيم حادث، أحدثه أهل الكلام.