لفضيلة الشيخ: طارق بن عوض الله بن محمد حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فمما لا شك فيه أن أفضل ما أُنفقت فيه الأوقات وبُذل فيه الجهد هو خدمة سنة رسول الله - ﷺ -، بتمييز ما يصح منها مما لا يصح، وتحرير أصولها وقواعدها، وبيان معانيها، ودفع مشكلها، وتوضيح متشابهها، وتقديمها للأمة غضة طرية، لا تشوبها شائبة ولا تدخلها شبهة.
ولا شك أنه ينبغي ربط الناس بتراث علمائهم الذين حفظ الله بهم الدين، ورفع بهم راية الإسلام؛ فإن العناية بكتب علماء المسلمين وتحقيقها وتصحيحها والتعليق عليها وإخراجها في صورة رائقة وثوب قشيب، ضرورة مُلِحَّة لا تقل أهمية عن الخدمة العلمية للقضايا الكلية والمسائل الجزئية، بل إن ذلك مما يعين المسلمين على الاستفادة من هذا التراث الاستفادة الكاملة، وحسن تفهُّم ما فيه من علم، ثم العمل به على بصيرة.
وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي الفاضل كتاب «المحدث الفاصل» للإمام
[ ٩ ]
أبي محمد الرامهرمزي، وهو يُعَد عند أهل العلم أول كتاب صُنف في هذا العلم الشريف علم الحديث والاصطلاح، وقد كانت عناية العلماء بهذا الكتاب عناية فائقة، والاستفادة منه كبيرة، والتعويل عليه عظيمًا، وما زال العلماء ينهلون منه ويستفيدون ويرجعون إليه إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم ينل الكتاب حتى يومنا هذا حظه الكامل من التحقيق والتصحيح، والإخراج الجيد، والنسخة الوحيدة المطبوعة منه غير لائقة بالمرة؛ لكونها مليئة بالتصحيفات والتحريفات والأخطاء.
وقد أطلعني أخي الفاضل محمد محب الدين أبو زيد على عمله في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه على ست مخطوطات، مع التعليق على المواضع التي تحتاج إلى تعليق، وتخريج الأحاديث والآثار، فوجدته عملًا مفيدًا للباحث في علوم الحديث، قد كان الكتاب في حاجة إليه منذ زمن، ولكن شاء الله - ﷿ - أن يدَّخر لأخينا محب الدين ذلك الفضل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فأسأل الله - ﷿ - أن يجعله في ميزان حسناته وأن يتقبله منه بفضله. كما أنه قد ذيل هذا الكتاب بفهارس علمية تفيد الباحث في الوقوف على ما تناثر من مادة علمية في هذا الكتاب الجليل، فمنها فهرس للقرآن، وفهرس للأحاديث والآثار، وفهرس للأشعار، وفهرس للمسائل والفوائد.
ولا يخفى على مشتغل بالعلم عالم بأصوله ومناهج أئمته أن تحقيق كتب أصول الحديث المتقدمة في غاية الأهمية؛ فإن في ذلك توثيقًا للمادة العلمية وتحقيقًا لأصولها، وهي وإن كانت موزعة في كتب علوم الحديث المتأخرة ككتاب ابن الصلاح وغيره؛ فإن ذلك لا يغني عن مصادرها الأصلية حفظًا لها ومعرفة
[ ١٠ ]
بأصحابها، ناهيك عن أن العلماء الذين ذكروا هذه المادة في كتبهم من المتأخرين إنما ذكروها مختصرة، وبالرجوع إلى أصولها يتبين كثير من التفصيل الذي لا تجده في الكتب المختصرة.
وأيضًا فإن معرفة هذه الكتب المتقدمة يفيد في الوقوف على أسانيد المقالات العلمية التي ينقلها أصحاب هذه الكتب عمن قبلهم؛ فإن الرامهرمزي والخطيب البغدادي وكذلك الحاكم النيسابوري إنما يذكرون أقوال من تقدمهم من أهل العلم بالأسانيد إليهم، وهذه ميزة لا توجد في الكتب المختصرة.
وما مثل من يكتفي بالكتب المختصرة عن الكتب المتقدمة إلا كمثل من يهجر كتب الحديث المعروفة كالكتب الستة ونحوها مكتفيا بكتب التخريج والمجاميع التي صنفها العلماء المتأخرون، وهذا يؤدي إلى ضياع هذه الأصول، بل ربما يتطور الزمان فتجد تلك الكتب المتأخرة أصولًا لمن يجيء بعدنا، فيُكتفى بكتب أخرى مختصرة عن الرجوع إليها والاستفادة منها، وهذا أمر خطير وشر مستطير.
وكتاب الرامهرمزي هذا من الكتب العظيمة الجليلة، ويكفي دليلًا على هذا أن إمامًا في مكانة الخطيب البغدادي، وهو عمدة المتأخرين في هذا العلم حتى قال الإمام ابن نقطة: «كل من أنصف عَلم أن المحدثين عيال على الخطيب البغدادي». فهذا الإمام الخطيب البغدادي على مكانته تلك المعروفة وجلالته في هذا العلم قد كان يرجع كثيرًا إلى كتاب «المحدث الفاصل» للرامهرمزي، يقتبس منه ويروي عنه، وفي هذا دليل قوي على عظم مكانة هذا الكتاب وأهميته في هذا العلم الشريف.
[ ١١ ]
ثم وجدنا القاضي عياض في «الإلماع» كثير النقل عنه أيضًا فتارة يوافقه وتارة يخالفه، لكنه لم يستغن عنه في مسألة من المسائل التي تناولها، ثم جاء ابن الصلاح في كتاب «علوم الحديث» له فاقتبس أيضًا من «المحدث الفاصل» واعتبر بأقوال الإمام الرامهرمزي سواء وافقه أو خالفه، ولا أدل من ذلك على عظم وجلالة مكانة هذا الكتاب.
وأخيرًا فأسأل الله - ﷿ - أن يتقبل من أخينا الفاضل هذا المجهود الطيب الذي بذله في خدمة هذا الكتاب القيم، وأن يجعله في ميزان حسناته، وأن يعينه ويوفقه إلى الاستمرار في هذا الطريق، وفي خدمة تراث علمائنا عليهم رحمة الله، كما أسأله ﷾ أن يوفِّق كل من سار على نفس الدرب إلى ما يحبه ويرضاه.
والحمد لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا، والصلاة والسلام على عبده المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب
طارق بن عوض الله بن محمد
الأربعاء ٢٩ من محرم ١٤٣٧ هـ
١١ من نوفمبر ٢٠١٥ م
[ ١٢ ]