إن من أهم الواجبات على المحقق المحافظةَ على نص المؤلف كما تركه، فنص المؤلف واجب الاحترام، وإن اتفاق الأصول الخطية العتيقة المتقنة المتعددة المخارج على شيء لَأمارة قوية على أنه هكذا وقع في نسخة المؤلف، لاسيما وإذا عضدتها المصادر التي نقلت من الكتاب، فما على المحقق حينئذ إلا أن يُثبت ذلك في متن الكتاب وإن كان خطأ، ثم ينبه في الحاشية على وجه الخطأ في النسخ الخطية.
وهذه هي جادة الأئمة الحفاظ أهل العلم والتحقيق، وخذ على ذلك مثالًا واحدًا حتى لا أطيل: ذكر الخطيب البغدادي في ترجمة أحمد بن سعيد الجمال من «تاريخ بغداد» بسنده عن ابن سعيد أنه قال: أحمد بن سعيد الجمال بغدادي، سمعت أحمد بن محمد بن أبي خيثمة يثني عليه. ثم قال الخطيب: «كذا في الأصل، والصواب محمد بن أحمد بن أبي خيثمة» (^١).
فعلى هذا؛ فليس من مهام المحقق أن يُثبت الصواب في متن الكتاب مخالفًا للأصول الخطية؛ فقد يكون الخطأ هو الذي ثبت عن المؤلف، وليس المؤلف بمعصوم من الخطأ.
ويزداد المصاب عندما يهجم كثير من المحققين -بقلة علمهم- على تخطئة الأصول الخطية، ويكونون هم المخطئين، ويكون لما وقع في الأصول الخطية وجه صحيح يُحمل عليه الكلام ويصح به.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٧٩).
[ ٥٦ ]
وقد وقع المحقق الفاضل -غفر الله لنا وله- في مثل هذا؛ إذ إنه قد أقدم على تخطئة الأصول الخطية في العديد من المواضع، وأثبت ما يظنه صوابًا في متن الكتاب، وقد يكون ما أثبته خطأ، وما في الأصول الخطية هو الصواب، وأحيانًا يخالف الأصول الخطية لا لخطئها، بل لأن ما أثبته أصح أو أصوب أو أنسب كما زعم!
وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
- وقع فيها (رقم: ١٠٩): «وتيَّه السهر ألبابهم».
ثم ذكر في الحاشية أن الذي في النسخ الأربع التي اعتمد عليها: «السكر»، ثم قال: «والأنسب ما أثبتناه».
أقول: وكأنه رأى أن السُّكْر غير مناسب هنا؛ لأن القائل بصدد الثناء على أهل الحديث وما يلاقونه من تعب ومشقة في طلب الحديث، فكيف يشربون المسكر!
إلا أن ما اتفقت عليه الأصول الخطية صحيح، والمعنى: أذهب التعبُ والسهر عقولَهم، فكأنهم سُكارى، والله أعلم.
- وقع فيها (بعد رقم: ١٧٥): «وأبو بكر بن (محمد) بن عمرو بن حزم الأنصاري».
ثم قال في الحاشية: «لم تُذكر في الأصل -يعني: ما بين القوسين- ولا يوجد أبو بكر بن عمرو، والمشهور أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ».
[ ٥٧ ]
أقول: بل لم تُذكر هذه الزيادة في الأصول كلها، وأبو بكر بن عمرو بن حزم هو نفسه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولكن نُسب في الأصول إلى جده.
- وقع فيها (رقم: ٢٤٥): «ألا أعلمك كلمات إذا أراد الله بعبد خيرًا علمه إياهن».
وذكر في الحاشية أن في الأصول عنده: «علمهن إياه»، ثم قال: «وما أثبتناه أصوب».
أقول: وما في الأصول صواب أيضًا، وأتت به الرواية في كتب الحديث، وشرحه أهل العلم بلا نكير، فلماذا إذن مخالفة الأصول؟ !
- وقع فيها (بعد رقم: ٣٥٣): «وحديث أبي سعيد: حرصنا أن يأذن لنا رسول الله - ﷺ - في الكتاب فأبى - أحسب أنه كان محفوظًا في أول الهجرة وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن».
وكتب في الحاشية: «في النسخ جميعها: «فأحسبه إن» وما أثبتناه أفصح».
أقول: لا أدري أي فصاحة هذه؟ ! فإنه بهذا التصرف اليسير قد غيَّر المعنى وأفسده، فالذي يريد أن يقوله المؤلف: إنه يظن أن هذا الحديث -إن كان محفوظًا صحيحًا- فهو في أول الهجرة حين كان لا يؤمن الاشتغال بالقرآن وقد نُسخ بعد ذلك. فكلامه هنا يتضمن الطعن في الحديث والشك في صحته، وإلا فهو منسوخ.
والمعنى على ما غيَّره المحقق: أظن أن الحديث كان محفوظًا في أول الهجرة حين كان لا يؤمن الاشتغال بالقرآن.
[ ٥٨ ]
ولا تفيد هذه العبارة المغيَّرة ما تفيده عبارة المؤلف، فانظر شؤم مخالفة الأصول!
- وقع فيها (رقم: ٤٠٠): «قيل للزهري: ما لك لا تروي عن الموالي؟ قال: بلى قد رويت عنهم، ولكن إذا كان عندي أبناء المهاجرين والأنصار، لا أبالي على أيهم اتكأت، فما لي (لا) أروي عنهم، ولكن قد رويت عنهم، منهم سليمان بن يسار ».
وقال في الحاشية: «زيادة على الأصل ليستقيم المعنى».
أقول: بل هي زيادة على الأصول كلها، وقد أفسدت المعنى. والمعنى واضح بدونها، وهو: إذا كنتُ أروي عن أبناء المهاجرين والأنصار وفيهم الكفاية، فلماذا أروي عن الموالي؟ ولكني مع ذلك قد رويت عن الموالي.
- وقع فيها (رقم: ٧١٩): «إذا كثر الملاحون غرقت السفينة».
وكتب في الحاشية: «في الأصول جميعها: كثرت».
أقول: والذي في الأصول صواب أيضًا على مذهب الكوفيين الذين يؤنثون الفعل مع جمع المذكر السالم، كما في «شرح الأشموني لألفية ابن مالك» (١/ ٤٠١) وغيره. ويلاحظ هنا أن قائل هذا المثل هو سفيان الثوري، وهو كوفي!
* * *
[ ٥٩ ]