التعليق على الكتاب -بتخريج نصوصه أو ترجمة أعلامه أو شرح غامضه- من الأمور المهمة التي يجب أن يقوم بها المحقق على أتم وجه.
ولكن لابد من مراعاته لمقصود المؤلف من إيراده النص، فقد يكون إنما أورده لفائدة معينة، أو لفظة محددة، فيجب أن يكون التخريج أو التعليق منصبًّا على هذه الفائدة أو اللفظة.
فلا يصح أبدًا أن يورد المؤلف النص للاستدلال على مسألة حديثية مثلًا، ويقع فيه عرضًا لفظة فقهية أو عقدية أو غير ذلك، فيترك المحقق تخريج المسألة الحديثية والتعليق عليها، ثم يستفيض في تخريج المسألة الفقهية أو العقدية والتعليق عليها، فيكون المؤلف في واد والمحقق في واد آخر.
وهذا ما وقع فيه المحقق الفاضل -غفر الله لنا وله- فإن كثيرًا من تخريجاته وتعليقاته لا علاقة لها بموضوع الكتاب ولا بمقصود المؤلف من إيراده للنص، وقد وقع له ذلك في عشرات المواضع، وإليك مثالين فقط على ذلك:
المثال الأول: ساق المؤلف في فصل: «من قاله على لفظ الشهادة» (ص: ٤٦٢) (^١) بسنده عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: «أشهد على رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن الجر أن ينتبذ فيه، وعن الزبيب والتمر أن يخلط بينهما، وعن البسر والتمر أن يخلط بينهما».
_________________
(١) هذا الرقم وكذلك ما سيأتي في المثال الثاني هو لطبعة الدكتور عجاج.
[ ٦٠ ]
فهنا قد أورد المؤلف الحديث في الفصل المذكور؛ ليبين أن من الرواة من يستخدم لفظ الشهادة في التحديث، فيقول: أشهد على فلان بأنه قال كذا.
فيجب عند تخريج هذا الحديث أن يذكر المحقق المصادر التي ذكرت قول أبي سعيد: «أشهد على رسول الله - ﷺ - » فقط؛ لأن هذا هو مقصود المؤلف من إيراده له.
ولكن المحقق لم يفعل ذلك، بل خرج الحديث من الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، وليس في أي من هذه المصادر هذا اللفظ المراد.
ولم يكتف بذلك! بل ذهب يذكر اختلاف العلماء في علة النهي عن الجمع بين الزبيب والتمر وبين الرطب والبسر وانتباذهما، واستفاض في ذلك في تعليقة طويلة تقارب الصفحة، فصار في واد والمؤلف في واد آخر!
المثال الثاني: ساق المؤلف في فصل: «من قال: أنبأني فلان عن فلان» (ص: ٤٨١) بسنده عن شعبة أنه قال: أنبأني أبو إسحاق، حدثنا البراء بن عازب أن رسول الله - ﷺ - أمر رجلا إذا أخذ مضجعه أن يقول: «أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك » الحديث.
فهنا قد أورد المؤلف هذا الحديث في الفصل المذكور؛ ليبين أن من الرواة من يستخدم لفظ الإنباء في التحديث، فيقول: «أنبأني فلان عن فلان».
فيجب عند تخريج هذا الحديث أن يذكر المحقق المصادر التي ذكرت قول شعبة: «أنبأني أبو إسحاق » فقط؛ لأن هذا هو مقصود المؤلف من إيراده له.
[ ٦١ ]
ولكن المحقق لم يفعل ذلك، فخرج الحديث من الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، وليس في أي من هذه المصادر هذا اللفظ المراد.
واللفظ المراد أخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة» (١/ ٨٧)، والبيهقي في «الآداب» (٦٨٣) كلاهما من طريق شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق فذكره.
* * *
[ ٦٢ ]