١٧٩ - سمعتُ أحمد بن هارون البَرْدِيجي يقول: أبو الزَّعْراء الذي روى عن أبي الأَحْوَص، وروى عنه سُفيان الثَّوْري وعَبِيدة بن حُمَيْد وسُفيان بن عُيَيْنة، اسمُه عَمْرو بن عَمْرو، وهو ابن أخي أبي الأَحْوص.
قال: وأبو الزَّعْراء الذي روى عن مُحِلِّ بن خَلِيفة، روى عنه عبد الرحمن بن مَهْدي وعبد الله بن داود، اسمه يحيى بن الوليد بن المُسَيَّب.
١٨٠ - حدثنا أحمد بن هارون، حدثنا علي بن محمد بن أبي الخَصِيب الكوفي، حدثنا وَكِيع (^١)، عن سُفيان، عن أبي الزَّعْراء (^٢)، عن أبي الأَحْوَص، عن عبد الله قال: ليس أحدٌ يُولَدُ عالِمًا، وإنَّما العِلْمُ بالتَّعَلُّم (^٣).
_________________
(١) هو في «الزهد» لوكيع (٥١٨).
(٢) هو عمرو بن عمرو، كما سبق في كلام المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٦١٢٣) -ومن طريقه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٦١٥) - وأبو خيثمة في «العلم» (١١٥)، وأحمد بن حنبل في «الزهد» (٨٩٩) كلهم من طريق وكيع به.
[ ٣٠٤ ]
وأبو الزَّعْراء هو في عَدَد التابعين، وروى عن عبد الله بن مسعود، وروى عنه سَلَمة بن كُهَيل، اسمُه عبد الله بن ماهان.
من المُشْكِل أيضًا أسامٍ مُفْردة يُغْلَط بها إلى أشكالِها في الصورة؛ لغُموضِها وظهورِ إشكالِها (^١):
تَعْلى (^٢) بن عُبَيد بن تَعْلى، بالتاء منقوطة من فوقه، يَشْتبه بيَعْلى، إلَّا أنَّ يَعْلى في الأسامي أكثر وأشهر.
عُلْبة بالباء مِثال قُلْبة، وهو أبو ذَوَّاد بن عُلْبة، يَشْتبه بعُلَيَّة المُنْتَسِب إليها إسماعيل بن عُلَيَّة.
عِمَارة بكسر العين، أبو أُبَي بن عِمَارة (^٣)، الذي روى حديثَ المَسْح: «امسَحْ مَا بَدَا لَكَ» (^٤) يَشْتبه بعُمَارة.
مُحَرَّر مثل مُكَرَّر، وهو مُحَرَّر بن أبي هُرَيرة، يشتبه بمُحْرِز، إلَّا أنَّ مُحْرِزًا أشهر، ومُجَزِّز المُدْلَجي.
_________________
(١) كذا ضبطه بكسر الهمزة في النسخ، ولعل فتح الهمزة أكثر مناسبة للسياق؛ إذ المعنى أن هذه الأسماء خفية غير مشهورة، وأشكالها ظاهرة مشهورة، فيحصل الغلط من ذلك، والله أعلم.
(٢) ضبطه في ج بكسر أوله، وكذا قيده في «تبصير المنتبه» (٤/ ١٤٩٦) وغيره، والضبط بفتح أوله من ظ، س، أ، ي، وكذا قيده الدارقطني في «المؤتلف» (٤/ ٢٣٣٥).
(٣) كذا، وفي مصادر التخريج الآتية: «أبي بن عمارة» بدون «أبو». وينظر: «الإصابة» (١/ ١٧٩).
(٤) أخرجه أبو داود (١٥٨)، وابن ماجه (٥٥٧)، والحاكم (٦٠٧). وضعفه أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن حبان، والدارقطني، وابن عبد البر. وينظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٢٨٤ رقم ٢٢١).
[ ٣٠٥ ]
مُيَسَّر مِثال مُكَرَّر بالسين، أبو محمد بن مُيَسَّر (^١)، الذي روى حديثَ سورة الإخلاص (^٢)، يَشْتبه بمُبَشِّر.
مُنْيَة مِثال مُدْيَة، يَعْلى بن مُنْيَة، يَشْتبه بمُنَبِّه أبي (^٣) وَهْب بن مُنَبِّه، وهَمَّام بن مُنَبِّه، ومُنْيَة التي يُنْسَب إليها يَعْلى هي أُمُّه، وأبوه أُمَيَّة، ومَن نسبه إلى أُمِّه قال: مُنْيَة مثل مُدْيَة، ومَن نسبه إلى أبيه فقال: أُمَيَّة.
فَصِيل مثل بَعِير، بالفاء والصاد غير مُعْجَمة، أبو الحَكَم بن فَصِيل، يَشْتبه بفُضَيل.
خِرِّيت مثل خِمِّير، أبو الزُّبَير بن الخِرِّيت، يَشْتبه بحُرَيث.
سِيَابة، بالسين غير مُعْجَمة مكسورة السين، سِيَابة بن عاصم، يَشْتبه بشَبَابة، إلَّا أنَّ شَبَابة أكثرُ في الأسماء.
زُيَيْد، بياءين تصغير زيد، يَشْتبه بزُبَيْد.
عَقَّار بن المُغِيرة يَشْتبه بغِفَار.
_________________
(١) كذا، وفي مصادر التخريج الآتية: «محمد بن ميسر» بدون «أبو»، وكذا ترجم له المزي في «تهذيب الكمال» (٢٦/ ٥٣٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٢١٩)، والترمذي (٣٣٦٤) من طريق أبي سعد محمد بن ميسر الصاغاني، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، أن المشركين قالوا للنبي - ﷺ -: يا محمد، انسب لنا ربك الحديث. ورجح الترمذي أن الصواب أنه من مرسل أبي العالية.
(٣) في أ، ي: «بن»، والمثبت من ظ، س، ك، ج، حاشية أ مصححًا عليه ومنسوبًا لنسخة طبقات السماع.
[ ٣٠٦ ]
مُعَمَّر بن سُليمان الرَّقِّي يَشْتبه بمَعْمَر.
عُبَاد يَشْتبه بعَبَّاد.
يُسَير يَشْتبه ببُشَير (^١).
أبو حِبَرة، بالحاء مكسورة وبالباء منقوطة بواحدة، هو الذي روى عن علي، بصري، واسمُه شِيحَة بن عبد الله، يَشْتبه بأبي خَيْرة وأبي خُبْزة.
الحَنِيذ بن عبد الرحمن (^٢)، الذي روى حديثَ أَعشى هَمْدان (^٣)، وقولَه للنبي - ﷺ - مُسْتَعدِيًا على امرأتِه:
يا سَيِّدَ النَّاسِ ودَيَّانَ العَرَبْ (^٤)
_________________
(١) في س، أ مصححًا عليه: «بنُسَير»، والمثبت من ظ، ك، ي، ج، حاشية كل من س، أمنسوبًا فيهما لنسخة.
(٢) في مصادر التخريج الآتية وغيرها: «الجنيد بن أمين»، والله أعلم.
(٣) كذا، وفي مصادر التخريج وكتب التراجم: «أعشى بني مازن»، وهو غير أعشى همدان، قال ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (١/ ٥٨٥): «أعشى بني مازن الذي أتى النبي - ﷺ - فأنشده: يا مالك الناس وديان العرب قد تقدم حديثه. والأعشى الآخر: الشاعر الهمداني: اسمه: عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن نظام بن جشم بن عبد الجن بن زيد بن حرب بن قيس بن عامر بن مالك بن جشم بن حاشد بن خيران ابن نوف بن همدان. وهذا الهمداني يكنى: أبا صبح» اهـ.
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات «المسند» (٦٨٨٦)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٢١٥)، وابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٥٣) من طريق الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن بهصل الحرمازي، قال: حدثني أبي أمين بن ذروة، عن أبيه ذروة بن نضلة، عن أبيه نضلة بن طريف: أن رجلا منهم، يقال له: الأعشى، واسمه: عبد الله بن الأعور، كانت عنده امرأة يقال لها: معاذة فذكره بطوله. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٣٣١): «رواه عبد الله بن أحمد، والطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم». وينظر: «السلسلة الضعيفة» (٥٧١٢).
[ ٣٠٧ ]
يَشْتبه بالجُنَيد، وأكثر رواة الحديث يُصَحِّفون فيه (^١).
١٨١ - حدثني أبي، حدثنا أبو داود، حدثني رجل، عن ابن عائشة، عن سعيد الحَرِيري (^٢). قال: فقلنا: هذا سعيد الجُرَيري. قال: كان يبيع الجِرار، ثم صار يبيع الحَرِير. فقلنا: هذا رجل مِن العرب مِن بني جُرَير. فقال: فعل اللهُ بالعرب، ما أقبحَ أسماءها (^٣).
١٨٢ - سمعتُ محمد بن جعفر الشَّعِيريَّ (^٤) يقول: اطَّلَعْتُ في كتاب رجل ممَّن زَعم أنَّه جَمَعَ حديثَ يونُسَ بن عُبَيد، فإذا قد صدَّر بما روى يونس عن الزُّهْري! فقلتُ: إنَّ يونُسَ لم يروِ عن الزُّهْري شيئًا. وإذا هو قد غَلِط بيونسَ بن يزيد، وظن أنَّه يونسُ بن عُبَيد.
_________________
(١) قال ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (١/ ٣٩٧): «ذكر الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» أن المحدثين يقولونه: «الجنيد» بجيم ونون مصغر، وأهل التحقيق يقولونه: «حنيذ» بفتح المهملة وكسر النون وآخره مُعْجَمة بوزن عظيم».
(٢) أسفل الحاء علامة إهمال في النسخ كلها، وصحح عليه في س، أ.
(٣) ذكره الزركشي في «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (١/ ٨٧).
(٤) الشعيري بفتح الشين وكسر العين المهملة، وهو من شيوخ أبي بكر الإسماعيلي. ينظر: «معجم شيوخ الإسماعيلي» (١/ ٤٣٤ رقم ٩٣)، و«تاريخ بغداد» (٢/ ٥٠٢)، و«تكملة الإكمال» لابن نقطة (٣/ ٥٢٢).
[ ٣٠٨ ]
١٨٣ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن مَعْدان، حدثنا أحمد بن حَرْب المَوْصلي قال: سمعتُ محمد بن عُبَيد (^١) يقول: جاء رجلٌ وافرُ اللِّحية إلى الأعمش، فسأله عن مسألةٍ مِن مسائل الصلاة يحفظُها الصِّبيان، فالتفتَ إلينا الأعمشُ، فقال: انظرُوا لِحيةً تحتمل حفظَ أربعة آلاف حديث، ومسألتُه مسألةُ الصِّبيان (^٢).
١٨٤ - حدثنا عبد الله، حدثنا أحمد بن حَرْب، حدثنا محمد بن عُبَيد قال: سمعتُ الأعمش يقول: إذا رأيتُ الرجلَ البَهِيَّ ليس عنده - يعني حديثًا - اشتهيتُ أنْ أصفعَه (^٣).
١٨٥ - حدثني سَهْل بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عُقبة الشَّيْباني، حدثنا هارون بن حاتم، حدثنا عَثَّام بن علي قال: سمعتُ الأعمش يقول: إذا رأيتَ الشيخَ ولم يكتب الحديثَ فاصفَعْه؛ فإنَّه مِن شيوخ القَمْراء.
قلتُ لابن عُقبة: ما معنى شيوخ القَمْراء؟ قال: شيوخ دُهْرِيُّون (^٤)، يجتمعون
_________________
(١) هو الطنافسي.
(٢) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٥٩)، وفي «نصيحة أهل الحديث» (ص: ٣٦) من طريق المصنف به. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٤٧) من طريق أحمد بن حرب الموصلي به.
(٣) أخرجه ابن المقرئ في «معجمه» (٤٧٨)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص: ١٣٥) من طريق أبي معاوية الضرير عن الأعمش بنحوه.
(٤) الضبط بضم الدال من ظ، س، ك، ي، وضبطه في أ بالضم والفتح والكسر جميعًا. والدُّهري، بالضم: الرجل الكبير المُسِن. وبالفتح: الملحد. ولم أجد الكسر. وينظر: «تاج العروس» (د هـ ر).
[ ٣٠٩ ]
في ليالي القَمَر، فيتحدَّثون بأيام الخُلَفاء، ولا يُحسِنُ أحدُهم أنْ يتوضَّأَ للصلاة (^١).
١٨٦ - حدثنا أبو جعفر الحَضْرَمي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي، حدثنا الفَضْل بن موسى، عن محمد بن عُبَيد الله، عن أبي إسحاق، قال: كان يختلفُ شيخٌ معنا إلى مَسْروق، وكان يسألُه عن الشيء فيُخبرُه، فلا يَفهم، فقال: أتدري ما مَثَلُك؟ مَثَلُك مَثَلُ بَغْلٍ هَرِمٍ حَطِمٍ جَرِبٍ، دُفِع إلى رائِض، فقيل له: عَلِّمه الهَمْلَجة (^٢).
قال القاضي: فهذا بابٌ مِن العِلم جَسِيم، مقصورٌ عِلمُه على أهل الحديث الذين نَشئوا فيه، وعُنُوا به صغارًا، فصار لهم رِياضةً، ولا يَلحق بهم مَن يَتكلَّفه على الكِبَر، وإنَّك لترى البَهِيَّ مِن الرِّجال، المُشارَ إليه في فنونٍ مِن العلم، وضُروبٍ مِن الأدب، يتصرَّف في أيِّها شاء بعبارةٍ وبيان وذكاء ولَسَنٍ (^٣)، وهو (^٤) مع ذلك في رُوَاء (^٥) وشَيْبة، ولِبَاسِ مُروءة (^٦)، فإذا انتهى إلى إسنادِ حديث تستولي
_________________
(١) أخرجه الخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص: ٦٧) من طريق سهل بن إسماعيل به.
(٢) هَرِم: كبير وضعيف. حَطِم: كبير السن. رائض: مَن يعلم البغل ونحوه السير. هملج البغل: مشى مشية سهلة في سرعة. «المصباح المنير» (هـ ر م، ح ط م، هـ م ل ج)، و«تاج العروس» (ر وض). وهذا الأثر أخرجه القاضي عياض في «الإلماع» (ص: ٢٤٠) من طريق المصنف.
(٣) اللَّسَن، بفتحتين: الفصاحة. «مختار الصحاح» (ل س ن).
(٤) قوله: «ولسن وهو» وقع في ي: «وليس هو»، والمثبت من ظ، س، ك، أ.
(٥) رُواء، بالضم: المنظر الحسن. «النهاية في غريب الحديث» (ر وي).
(٦) قوله: «ولباس مروءة» وقع في س، أ مصححًا عليه: «ولباس ومروءة»، والمثبت من ظ، ك، ي، حاشية أوكتب بجواره: «بغير واو في الأصل».
[ ٣١٠ ]
الحَيرةُ عليه، فلا يدري أيَّ طريقٍ يَركب فيه (^١)، فيُقدِّم ويؤخِّر، ويُصَحِّف ويُحَرِّف.
وأيُّ شيءٍ أقبحُ مِن شيخ لنا يَتصدَّر منذ زمان، كتب بخطِّه: «وَكِيع عن شُقَيق (^٢)، عن الأعمش»، نحوًا من عشرين حديثًا، يَفتح (^٣) القافَ فيها كلِّها، وينقطها، ويُحَلِّقها، ولا يَعرف سُفيان من شَقِيق (^٤)، ولا يُفَرِّق بين عَصْرَيْهما، ولا يُمَيِّز عَصْرَ وَكِيع مِن عَصْرِ كُبَراء التابعين والمُخَضْرِمة (^٥)،
ثم هو مع ذلك إذا تكلَّم أشار بإصبَعِه، وإذا أفتى في بَلْوى غَمَّض (^٦) تَكَبُّرًا عينيه، فهذا يُسْتَقْبَحُ مِن حيث استُقْبِحَ تَحَيُّرُ أبي خَيْثمة والنَّفَرِ الذين اجتمعوا معه على المُذاكرة حين سُئلوا عن الحائض تُغَسِّلُ (^٧) الموتى (^٨).
_________________
(١) «فيه» ليس في ك، وأثبته من ظ، س، أ، ي.
(٢) الضبط بضم الشين وفتح القاف من النسخ كلها، إلا في ي فبضم الشين فقط، وضبطه في حاشية أبفتح الشين والقاف معًا.
(٣) في ك، أ: «بفتح» ونصب ما بعده فيهما، والمثبت من ظ، س، ي.
(٤) الضبط بفتح الشين من أ، وبكسر القاف من ظ، س، وضبطه في ي بضم الشين.
(٥) في س: «المخضرمة» بدون واو، والمثبت من ظ، ك، أ مصححًا ومضببًا على الواو، ي. والضبط بكسر الراء من ك، ي، وضبطه في أ بالكسر والفتح معًا، والوجهان صحيحان. والمخضرم: من أدرك الجاهلية والإسلام. ينظر: «تاج العروس» (خ ض ر م).
(٦) في س: «أغمض»، والمثبت من ظ، ك، أ، ي، وكلاهما صحيح. ينظر: «المصباح المنير» (غ م ض).
(٧) الضبط بضم التاء وفتح الغين وتشديد السين المكسورة من س، أ، ي، وضبطه في ظ، ك بفتح التاء وسكون الغين وكسر السين.
(٨) سبق هذا (رقم ١٤٥)، وعلقت عليه هناك.
[ ٣١١ ]
وإنْ كان ما حُكِي عن أبي موسى (^١) حقًّا، وأنَّه سُئل -كما زعموا- عن فأرة وقعت في بئر؟ فقال: «البِئْرُ جُبَارٌ (^٢)» (^٣). فهو أقبحُ مِن هذا كلِّه.
١٨٧ - حدثني عُمر بن الحسن الواسطي، حدثنا (^٤) جُنَيد بن حَكِيم، حدثنا محمد بن أبي عَتَّاب، حدثنا أبو الوليد قال: حَضَرتُ شُعْبة وسُئل عن فأرة وقعت في صِحْناة (^٥)، فلم يُحسن يُجيب عنها (^٦).
_________________
(١) أظنه أبا موسى الزمن محمد بن المثنى العنزي، ثقة ثبت مات سنة (٢٥٢ هـ). «تقريب التهذيب» (٦٢٦٤).
(٢) الضبط بضم الجيم من س، ك، أ، وضبطه في حاشية أبالفتح، ولم أقف عليه. ومعنى: «البئر جُبار» قيل: هي البئر القديمة التي لا يُعلم لها حافر ولا مالك فيقع فيها الإنسان أو غيره فهو جبار، أي هدر. وقيل: هو الأجير الذي ينزل إلى البئر فينقيها ويخرج شيئا وقع فيها، فيموت. «النهاية في غريب الحديث» (ب أر).
(٣) لم أجد هذه القصة عن أبي موسى، ولا أُراها تصح، وكأن المصنف يذهب إلى عدم صحتها أيضًا، وإن صحت عنه فإنما تُحمل على المزاح على الأرجح، والله أعلم.
(٤) في ك: «حدثني»، والمثبت من ظ، س، أ، ي.
(٥) الصِّحْناة، بكسر الصاد: إدام يُتَّخذ من السمك الصغار، وهي كلمة فارسية، وتسميها العرب الصير. «تاج العروس» (ص ح ن).
(٦) أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٢٨٣) عن سليمان بن حرب عن شعبة. أقول: وامتناع شعبة عن الجواب -أو عدم إحسانه للجواب- ليس بمنقص من قدره، فقد يكون الامتناع عن الجواب لسبب غير عدم العلم، كأن يكون كره السؤال عن هذه المسألة، أو لا يرى السائل أهلًا لِأن يُجاب، أو أنه سأل تعنتًا أو استهزاءً أو غير ذلك، ولعل شعبة لم يجب السائل عن مسألة الصحناة، لأنها كلمة فارسية، فلم يعرفها، أو أنها كانت من طعام المترفين، وقد يؤيد عدم معرفته لها ما ذكره أبو زيد الأنصاري أن رجلًا سأل الحسن عن الصحناة فقال: وهل يأكل المسلمون الصحناة؟ قال أبو زيد: ولم يعرفها الحسن لأنها فارسية، ولو سأله عن الصير لأجابه. وينظر: «لسان العرب» (ص ح ن).
[ ٣١٢ ]
قال القاضي: وليس للراوي المُجَرَّد أنْ يتعرَّضَ لِمَا لا يَكْمُل له، فإنَّ تركَه ما لا يَعْنِيه أولى به وأَعْذرُ له، وكذلك سبيلُ كلِّ ذي عِلْمٍ.
وكان حَرْب بن إسماعيل السِّيرْجَاني (^١)، قد أكثر مِن السماع وأَغفل الاستبصارَ، فعمل رسالةً سمَّاها «السُّنَّة والجماعة» تَعَجْرف فيها، واعترض عليها بعضُ الكَتَبة من أبناء خُراسان ممَّن يتعاطى الكلامَ، ويُذكر بالرِّيَاسة فيه والتقدُّم، فصنَّفَ في ثَلْب رُواة الحديث كتابًا (^٢)،
تَلَقَّطَ (^٣) فيه مِن كلام يحيى بن مَعِين وابن المَدِيني، ومِن كتاب «التَّدليس» للكَرَابيسي (^٤)،
وتاريخ ابن أبي
_________________
(١) ضبطه في س بفتح الراء، والضبط بسكون الراء من أ، وكذا قيده السمعاني في «الأنساب» (٧/ ٣٤١). والسيرجاني هذا هو الإمام العلامة الفقيه أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني، تلميذ أحمد بن حنبل، توفي سنة (٢٨٠ هـ). وسيرجان، بكسر السين: مدينة بين كرمان وفارس. وينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٢٤٤)، و«معجم البلدان» (٣/ ٢٩٥).
(٢) وهذا الذي اعترض على رسالة حرب، وطعن في أهل الحديث، هو أبو القاسم البلخي الكعبي المعتزلي الهالك سنة (٣١٩ هـ)، نقل ياقوت في «معجم البلدان» (٣/ ٢٩٦) عن بعض أهل العلم أنه قال: «حرب بن إسماعيل لقي أحمد بن حنبل - ﵁ - وصحبه، وله مؤلفات في الفقه، منها كتاب «السنة والجماعة»، شتم فيه فِرَق أهل الصلاة، وقد نقضه عليه أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي» اهـ. ولعل كتابه هذا الذي أشار إليه المصنف هو كتاب «قبول الأخبار ومعرفة الرجال»، وهو مطبوع بدار الكتب العلمية، وقد رأيته طعن فيه على أهل الحديث بما فيهم الصحابة - ﵁ - ت، فبئس ما صنع، والله الموعد.
(٣) في ي: «تلفظ»، ومحتمل للوجهين في ظ، والمثبت من س، ك، أ، ج.
(٤) قال ابن حجر في ترجمة أبي القاسم البلخي المعتزلي من «لسان الميزان» (٤/ ٤٢٩): «واشتمل كتابه في المحدِّثين على الغض من أكابرهم، وتتبُّع مثالبهم، سواء كان ذلك عن صحة أم لا، وسواء كان ذلك قادحًا أم غير قادح، حتى إنه سرد كتاب الكرابيسي في المدلِّسين، فأوهم أنَّ التدليس بأنواعه عيب عظيم، وحسبُك ممن يَذكر شعبة فيمن يُعدُّ كثير الخطأ، وعقد بابًا أورد فيه مما يروونه مما ليس له معنى بزعمه، وبابًا فيما يروونه متناقضًا لسوء فهمه» اهـ. وكتاب «التدليس» عابه جمعٌ من أهل العلم على الكرابيسي وذموه، كأحمد بن حنبل وأبي ثور؛ لِمَا فيه من الطعن على أهل الحديث، وفي ذلك يقول ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٢/ ٨٩٣): «وقد تسلَّط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث، كابن عباد الصاحب ونحوه، وكذلك بعض أهل الحديث ينقل منه دسائس، إما أنه يخفى عليه أمرها، أو لا يخفى عليه، في الطعن في الأعمش ونحوه، كيعقوب الفسوي وغيره» اهـ.
[ ٣١٣ ]
خَيْثمة، والبُخاري، ما شَنَّع (^١) به على جماعة من شيوخ العلم، خَلط الغَثَّ بالسَّمين، والمَوْثوقَ بالظَّنِين، وادَّعى دعاوى لم يَضبط أكثرها، ولا عَرف وجوهَ (^٢) التَّصَرُّف فيها، وتَسَاخَف في حكاياتٍ أوردها، ورواياتٍ أسندها إلى رجال له، ممَّن لا يَعُدُّ كلامَه (^٣) مِن عملِه، ولا له واعظٌ يزجره مِن نفسِه.
ولو أنصف لأَيقن أنَّ الغامِزَ على حِزبه أكثرُ، والخلافَ الواقعَ بين كُبَراء أهلِ مقالتِه أوسعُ، وما يَلْحقُ به وبهم من أنواع الشَّنَاعة أعظمُ، ولَقَادَه الإنصافُ إلى أنْ يحكمَ على نفسِه بمثل ما حَكم به على خَصمِه، فإنَّه ذكر ابنَ شِهاب الزُّهْري فيمن ذكر، وعَيَّره بتقليد الأعمال (^٤)، وأنَّه عَزَّر رجلًا فمات، وهو مع هذا القول في ابن شِهاب، حاملُ سيفٍ تارةً، وصاحبُ قَلَمٍ أخرى، يَمضيان على غير مُراده،
_________________
(١) في ي: «يُشَنِّع»، والمثبت من ظ، س، ك، أ.
(٢) في المطبوعة: «وجود» خطأ، والمثبت من جميع النسخ.
(٣) «لا يعد كلامه» الضبط على صيغة المبني للمعلوم من ظ، س، ك، وضبطه في ي على صيغة المبني للمجهول، وضبطه في أ بالوجهين معًا.
(٤) يعني والله أعلم: أنه تقلَّد أعمالًا لبني أُمية كالقضاء، وينظر: ترجمة الزهري من «تاريخ الإسلام» (٣/ ٥٠٣).
[ ٣١٤ ]
ويعصيان اللهَ في عباده، على أنَّ ما حَكى (^١) عن ابن شهاب نادرٌ شاذٌّ، وأمرُه حاضرٌ مُشاهدةً (^٢)، ولو اقتصر على ما بيَّن من دلائل التوحيد، وعظَّم من شأن الوعيد، لكان كأحد المُتَكلِّفين الذين يأمرون ولا يأتَمِرون، ويقولون ما لا يفعلون، وجديرٌ أنْ يَعْقِلَ اللسانَ عن الخَطَل، ويَقْرُنَ العلمَ بصالح (^٣) العمل، مَن كان ذا فَهْم ثاقب، ولسان بَيِّن؛ ليكونَ العملُ داعيًا، والعلمُ هاديًا، واللسان مُعَبِّرًا.
ولو كان حَرْبٌ مؤيَّدًا مع الرواية بالفهم؛ لأَمسك مِن (^٤) عِنانِه، ودَرَأَ (^٥) ما يخرج مِن لسانِه (^٦)، ولكنه ترك أَوْلاها، فأمكن القارَةَ مَن راماها (^٧)، ونسأل اللهَ أنْ ينفعنا بالعلم، ولا يجعلنا من حَمَلةِ أسفاره، والأشقياء به، إنَّه واسعٌ لطيفٌ قريبٌ مُجيبٌ.
* * *
_________________
(١) الضبط بفتح الحاء من س، ك، ي، وضبطه في أ بالضم.
(٢) «حاضر مشاهدة» الضبط بالتنوين بالضم في الأولى والتنوين بالفتح في الثانية من س، أ، ي، وضبطه في ظ، ك بضم الأولى والتنوين بالكسر في الثانية.
(٣) في ظ، س، ك، ي: «بمصالح»، والمثبت من أ، ج.
(٤) في ك: «عن»، والمثبت من ظ، س، أ، ي.
(٥) في س: «ودرى»، ومحتمل للوجهين في ظ، ي، والمثبت من ك، أ. ودرأ: دفع. «مختار الصحاح» (د ر أ).
(٦) حرب الكرماني إمام فقيه، ولم يصلنا كتابه هذا لنرى ماذا قال فيه، فالله أعلم بحقيقة الحال.
(٧) في المثل المشهور: «أنصف القارة من راماها»، يُضرب مثلًا لمساواة الرجل صاحبه فيما يدعوه إليه، والقارة قبيلة عربية كانت تُجيد الرمي. ينظر: «جمهرة الأمثال» (١/ ٥٥).
[ ٣١٥ ]