لقد اعتنى أهل العلم -لاسيما أصحاب الحديث- بكتاب «المحدث الفاصل» أيما اعتناء، وآثار هذه العناية ظاهرة في مصنفات العلماء قرنًا بعد قرن، رواية وقراءة ونقلًا.
فهذا الإمام الكبير والحافظ النِّحرير أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (المتوفى سنة ٣٨٥ هـ) قد روى هذا الكتاب وحدث به عن الرامهرمزي.
وقد رواه الحافظ زكي الدين المنذري، عن ابن الجوزي كتابة، عن ابن خيرون إذنًا، عن الجوهري كتابة، عن الدارقطني، عن الرامهرمزي. كما هو مثبت في سماعات نسخة كوبريلي.
وقال السخاوي: «وكذا حدث الحافظ زكي الدين المنذري بالمحدث الفاصل بخمس أجايز متوالية، عن ابن الجوزي، عن أبي منصور بن خيرون، عن الجوهري، عن الدارقطني، عن مصنفه؛ لكونه علا فيه بها درجة عما لو حدث به بالسماع المتصل عن أصحاب السِّلفي، عنه، عن المبارك بن عبد الجبار، عن الفالي، عن النهاوندي، عن مصنفه» (^١).
وهذا الخطيب البغدادي كثيرًا ما ينقل من هذا الكتاب في كتبه مثل: «الكفاية»، و«الجامع لأخلاق الراوي»، و«تقييد العلم»، و«تاريخ بغداد» وغيرها. ويروي الخطيب هذا الكتاب عن علي بن أحمد بن علي المؤدب، عن أحمد ابن إسحاق النهاوندي، عن الرامهرمزي.
_________________
(١) «فتح المغيث» (٢/ ٢٧٦).
[ ٣٦ ]
وأيضًا استفاد منه ابن عساكر في كتبه مثل: «تاريخ دمشق»، وابن الجوزي في كتبه مثل «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم»، وكلاهما يرويه من طريق الخطيب (^١).
واستفاد منه الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في «مسألة التسمية»، ويروي الكتاب عن المبارك بن عبد الجبار، عن الفالي، عن النهاوندي، عن الرامهرمزي (^٢).
واستفاد منه السمعاني كثيرًا في «أدب الإملاء والاستملاء»، ويرويه عن الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي، عن المبارك بن عبد الجبار، عن علي بن أحمد المؤدب، عن النهاوندي، عن الرامهرمزي.
وقد سمعه الحافظ أبو طاهر السِّلفي، بقراءة الحافظ المؤتمن الساجي، على المبارك بن عبد الجبار بن الطيوري، عن الفالي المؤدِّب، عن ابن خَرْبان النهاوندي، عن الرامهرمزي.
يقول السِّلفي: «كان المؤتمن لا تمل قراءته، قرأ لنا على ابن الطيوري كتاب «الفاصل» للرامهرمزي في مجلس» (^٣).
وبعد ذلك تصدر الحافظ السِّلفي لروايته، فسمعه جمٌّ غفير من الحفاظ
_________________
(١) ينظر: «تاريخ دمشق» (١/ ٣٣٠) (٢٧/ ٥٨)، و«المنتظم» (١٠/ ٢٧١) (١٣/ ٢٨٧). وقد سبق أن ابن الجوزي يرويه أيضًا بالإجازة.
(٢) ينظر: «مسألة التسمية» (ص: ٤٨).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣١٠).
[ ٣٧ ]
والعلماء والفقهاء، وكل من وقفت عليه يروي هذا الكتاب -بعد عصر السِّلفي- فإنما يرويه من طريق السِّلفي، عن المبارك بن عبد الجبار بن الطيوري به.
فمن هؤلاء الحفاظ الذين يروون الكتاب عن السِّلفي أو من طريقه، وينقلون منه في مصنفاتهم: القاضي عياض، وابن بشكوال، وابن خير الإشبيلي، وعلي بن المفضل المقدسي، والرشيد العطار، والذهبي، والتاج السبكي، والوادي آشي، ومحيي الدين الحنفي، والعلائي، وابن رُشيد السبتي، وبرهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي، وابن حجر العسقلاني، والبقاعي، والسخاوي، والشوكاني وغيرهم (^١).
وقد استفاد المصنفون في علوم الحديث من هذا الكتاب استفادة عظيمة، فكما ذكرنا من قبل أن الخطيب البغدادي استفاد كثيرًا من هذا الكتاب، فكذلك
_________________
(١) ينظر: «معجم السفر» للسِّلفي (ص: ١٠٣)، و«الإلماع» لعياض (ص: ٢٣، ٢٧، ٤١، ٤٦، )، و«فهرسة ابن خير الإشبيلي» (ص: ١٥٢)، و«الأربعون على الطبقات» لعلي بن المفضل المقدسي (ص: ١٢١)، و«غرر الفوائد المجموعة» للرشيد العطار (ص: ٣٢٥)، و«سير أعلام النبلاء» (١١/ ٤٧) (١٦/ ٧٤)، و«تاريخ الإسلام» (٣٦/ ١٩١)، و«معجم الشيوخ» للسبكي (ص: ٤٩٧)، و«طبقات الشافعية» له أيضًا (٢/ ٩١)، و«برنامج الوادي آشي» (ص: ٢٧٠)، و«الجواهر المضية» لمحيي الدين الحنفي (٢/ ٧٢)، و«إثارة الفوائد» للعلائي (١/ ١٦٦)، و«السنن الأبين» لابن رشيد السبتي (ص: ٤٨)، و«التبيين لأسماء المدلسين» لسبط ابن العجمي (ص: ٥٨)، و«تغليق التعليق» (٢/ ٧٤)، و«المعجم المفهرس» (ص: ١٥٣)، و«نظم اللآلي» (ص: ١٣٧) ثلاثتهم لابن حجر، و«الجواهر والدرر» للسخاوي (١/ ١٨٦)، و«الفتح الرباني» للشوكاني (٣/ ١٥٤٢).
[ ٣٨ ]
استفاد منه القاضي عياض في كتابه القيم «الإلماع»، وكذلك ابن الصلاح في «علوم الحديث»، وكل من أتى بعده ممن صنف في اصطلاح أهل الحديث مثل العراقي والزركشي وابن حجر والبقاعي والسخاوي والسيوطي وغيرهم.