شاع بين بعض طلبة العلم أن كتاب «المحدث الفاصل» وغيره من كتب الاصطلاح المتقدمة المسندة مثل: «معرفة علوم الحديث» للحاكم النيسابوري، و«الكفاية»، و«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» كلاهما للخطيب البغدادي، و«الإلماع» للقاضي عياض - لا فائدة منها الآن؛ لأنها وُضعت قبل استقرار الاصطلاح، أما وقد استقر الاصطلاح على يد ابن الصلاح، ومن بعده كالعراقي وابن حجر العسقلاني والسخاوي والسيوطي، فيُكتفى بهذه الكتب المتأخرة عن كتب المصطلح المسندة المتقدمة.
وهذا خطأ ظاهر، وقصور واضح، وسأبين ضعف هذه المقولة ووهاءها في النقاط التالية:
أولًا: أن اعتماد المتأخرين في تقرير الاصطلاح إنما هو على هؤلاء المتقدمين، فكما كانت كتب المتقدمين أصلًا لهم، يجب أن تكون أصلًا لنا، ولا يصح أن نعتمد على الفرع ونترك الأصل؛ إذ لو فعلنا ذلك لضعف فهمُ الاصطلاح عندنا، ولأصبحنا مقلدين للمتأخرين دون فهمٍ لأدلتهم وأصولهم. ولو اعتمدنا على الأصل وعرفنا المسائل الحديثية بأدلتها التفصيلية من الكتاب والسنة وأقوال أصحاب الحديث الأُول، لقويت عندنا المعرفة ولصرنا إلى الاجتهاد أقرب منا إلى
[ ٣٩ ]
التقليد، فكما قيل: إذا قرأتَ للمتقدمين فُقْتَ المتأخرين، وإذا قرأتَ للمتأخرين جعلوك في ركابهم.
ثانيًا: أن هذا الكتاب -وكذلك غيره من كتب الاصطلاح المسندة- يوقفنا على آراء علماء الحديث المتقدمين في كثير من مسائل المصطلح بالأسانيد إليهم، وغالبا ما تُذكر هذه الآراء في كتب المتأخرين عارية من الأسانيد، فيستطيع الباحث بمطالعة هذا الكتاب أن يقف على صحة ما نُقل عنهم أو ضعفه عن طريق دراسة هذه الأسانيد وفحصها.
ثالثًا: قد يُرجح بعض المتأخرين قولًا ما، أو يقرر مسألة ما من مسائل المصطلح، فنستطيع بالرجوع إلى هذا الكتاب أن نعرف هل خالف هذا المتأخر قول علماء الحديث المتقدمين الذين هم أئمة الحديث وفرسانه وعليهم الاعتماد في تقرير مسائل الاصطلاح أم لا؟
فكتب الاصطلاح المسندة المتقدمة هي الميزان الذي نزن به ترجيحات المتأخرين وأقوالهم.
رابعًا: أنه بموجب القاعدة السلفية العظيمة: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها» يجب علينا الرجوع إلى السلف الصالح وهم أهل الحديث الأُول وهم واضعو هذا الاصطلاح، فكما نرجع إليهم في تقرير الاعتقاد، يجب علينا أن نرجع إليهم في تقرير الاصطلاح، لاسيما وقد أصاب علم المصطلح كغيره من علوم الشرع على أيدي هؤلاء المتأخرين شوائب كثيرة من علم المنطق والكلام المذمومين على لسان السلف الصالح - ﵁ - ت
[ ٤٠ ]
ولن تجد من يحكي لك أقوال علماء الحديث المتقدمين في مسائل الاصطلاح موثقة بأسانيدها إلا في هذا الكتاب وما شابهه.
خامسًا: أن هذا الكتاب الذي بين يديك يشتمل على كثير من النصوص -من أحاديث وآثار ونقولات- لم أجدها في غيره من الكتب، عدد هذه النصوص (٢٥٠) نصًّا تقريبًا، وهي أكثر من ربع نصوص الكتاب.
فإذا استُغني بكتب المتأخرين عن هذا الكتاب، وأُهملت هذه النصوص التي لا توجد في كتب المتأخرين، وفيها ما فيها من الفوائد والعلوم والعبر والعظات، لضاع جزء من العلم بسبب هذا الإهمال.
سادسًا: يوجد في هذا الكتاب كثير من المسائل والمصطلحات الحديثية التي لا يكثر التعرض لها في كتب المصطلح المتأخرة، وقد لا يُتعرض لها أصلًا مثل:
مصطلح «التلقين» فالمشهور عند المتأخرين أنه تلقين المحدث ما ليس من حديثه، وهو مذموم. أما في هذا الكتاب فلفظ «التلقين» هو سؤال التلميذ للشيخ عن الحديث حتى يحدثه به، وليس هذا بمذموم.
وكذلك الكتب التي تُروى عن طريق المناولة، ذُكرت في هذا الكتاب باسم «كتب الأمانة».
كذلك فإنه قد يشير المتأخرون لمسألة ما مجرد إشارة، أو يتعرضون لها باختصار، وتراها مفصلة في هذا الكتاب مذكورة بأدلتها وأقوال السلف فيها، وذلك مثل مسألة التقديم والتأخير في المتن والإسناد.
[ ٤١ ]
قال السيوطي: «والمسألة أشار إليها المصنف -يعني: النووي- كابن الصلاح، ولم يفرداها بالكلام عليها، وقد عقد الرامهرمزي لذلك بابًا، فحكى عن الحسن والشعبي وعبيدة وإبراهيم وأبي نضرة الجواز إذا لم يغير المعنى » (^١).
ومن المسائل المهمة التي لم يفصلها المتأخرون، واستفاض فيها الرامهرمزي استفاضة بارعة، هي مسألة اختلاف ألفاظ التحديث.
قال السيوطي: «فائدة: عقد الرامهرمزي أبوابا في تنويع الألفاظ السابقة، منها:
الإتيان بلفظ الشهادة، كقول أبي سعيد: «أشهد على رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن الجر أن ينتبذ فيه»، وقول عبد الله بن طاوس: «أشهد على والدي أنه قال: أشهد على جابر بن عبد الله أنه قال: أشهد على رسول الله - ﷺ - أنه قال: أُمرت أن أقاتل الناس » الحديث، وقول ابن عباس: «شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر » الحديث في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح.
ومنها: تقديم الاسم، فيقول: فلان حدثنا أو أخبرنا.
ومنها: سمعت فلانًا يأثر عن فلان.
ومنها: قلت لفلان: أحدثك فلان أو أكتبتَ عن فلان؟
ومنها: زعم لنا فلان عن فلان.
ومنها: حدثني فلان وردَّ ذلك إلى فلان.
_________________
(١) «تدريب الراوي» (١/ ٥٥٧).
[ ٤٢ ]
ومنها: دلني فلان على ما دل عليه فلان.
ومنها: سألت فلانًا فألجأ الحديث إلى فلان.
ومنها: خذ عني كما أخذته عن فلان.
وساق لكل لفظة من هذه أمثلة» (^١).
ومن المسائل الحديثية التي لم أجدها في كتب المتأخرين، وعقد لها الرامهرمزي بابًا هي: مسألة الجمع بين الرواة، وكيف يقول المحدث إذا جمع بين الرواة.
أقول: وقد يكون بعض من أشاع هذه المقولة الباطلة أُتي من نقصٍ ما في علمه وفهمه؛ فإنه لما ضاق ذرعًا بكتب المتقدمين وما فيها من أسانيد لم يعرف صحتها من ضعفها، وعبارات لم يستطع فهمها، وإشارات ورموز لم يقدر على حلِّها، تحير وجفَّ، ولم يتواضع فيسأل أهل العلم عنها، ولم يكتفِ بذلك بل ذهب ينفِّر طلبة العلم عنها، ويدَّعي أن لا فائدة منها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأختم هذا المبحث بهذه الكلمة القيمة للأستاذ العلامة السيد أحمد صقر - ﵀ -، حيث قال عند وصفه لكتاب «الإلماع»: «وقد عدَّه ابن حجر في «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر» أول الكتب المؤلفة في المصطلح بعد كتب الخطيب، ووصفه بأنه كتاب لطيف، في حين أنه وصف «المحدث الفاصل» لابن خلاد بعدم الاستيعاب، و«معرفة علوم الحديث» للحاكم بعدم التهذيب، و«معرفة أبي نعيم» بالخصاصة إلى التعقيب.
_________________
(١) «تدريب الراوي» (١/ ٤٣٩)، وقد ساق الرامهرمزي أبوابًا أخرى لم يذكرها السيوطي.
[ ٤٣ ]
ولا يساورني ريب في أن ابن حجر قد أساء الحديث عن تلك الكتب الثلاثة، وقسط في حكمه عليها، ولعل مردَّ ذلك إلى أنه نظر إليها باعتبار صلاحيتها لأن تكون متونًا تُحفظ وتُشرح، فلما لم يجدها كذلك قال فيها ما قال.
ومنطق الإنصاف يقضي بعدم قرنها بمتن من المتون المنتزعة من مقدمة ابن الصلاح، بل يأبى وضع تلك المقدمة في مصافها؛ فإن بينها وبينهم مفازة تتيه جهود المادحين لها، وتضيع أصواتهم الناعقة بفضلها» اهـ (^١).
* * *
_________________
(١) مقدمة تحقيقه لكتاب «الإلماع» (ص: ٢٩ - ٣٠).
[ ٤٤ ]