وَلِيَ الرامهرمزي القضاء ببلاد خوزستان، وكان من أقران القاضي التنوخي، وذكر المحسن بن علي التنوخي أنه كان خليفة لأبيه على القضاء (^١).
وللرامهرمزي مكانة رفيعة عند أهل العلم، فقد أثنوا عليه، وشهدوا له بالتقدم في علوم الحديث والأدب والشعر وغيرها، فمن ذلك:
قال ابن إسحاق النديم: «قاضٍ حسن التأليف، مليح التصنيف، يسلك طريقة الجاحظ، قال لي ابن سوار الكاتب: إنه شاعر. وقد كان سمع الحديث ورواه».
وقال السمعاني: «كان فاضلًا مكثرًا من الحديث، ولي القضاء ببلاد الخوز».
وقال الرشيد العطار: «كان أحد العلماء المرضيين، وأعيان المحدثين، وأكابرهم المصنفين».
وقال الذهبي: «الرامهرمزي الإمام الحافظ البارع، محدث العجم».
وقال أيضًا: «وكان من أئمة هذا الشأن، ومن تأمَّل كتابه في علم الحديث لاح له ذلك».
وقال أيضًا: «وكان أحد الأثبات، أخباريًّا شاعرًا».
_________________
(١) ينظر: «الفرج بعد الشدة» للتنوخي (١/ ١٢٤، ١٨٠) (٤/ ٣٣٠، ٣٣٩) وغيرها من المواضع.
[ ٢٢ ]
وقال أيضًا: «حافظ متقن، واسع الرحلة».
وقال أيضًا: «كتب وجمع وصنف، وساد أصحاب الحديث، وكتابه المذكور ينبئ بإمامته».
وقد مدح الرامهرمزيُّ عضد الدولة أبا شجاع بمدائح، وبينه وبين الوزير المهلَّبي وأبي الفضل ابن العميد مكاتبات ومجاوبات.
وبعد ذلك صار الرامهرمزي إلى أبي الفضل ابن العميد، فلما فتشه شدا منه علمًا غزيرًا، وقبس أدبًا كثيرًا، وقال الرامهرمزي: إن أعجب الأستاذ معرفتي صَحِبتُه وتعلقتُ به وأقمتُ عنده وبين يديه.
وكتب الرامهرمزي إلى منزله برامهرمز: بسم الله الرحمن الرحيم، قد وردتُ من الأستاذ الرئيس على ضياء باهر، وربيع زاهر، ومجلس قد استغرق جميعَ المحاسن، وحفَّ بالأشراف والأكارم، وجلساء أقرانٍ أعدادِ عامٍ، كأنهم نجوم السماء، من طالبيٍّ رخو المعاطف، صُلب المكاسر، جامعٍ إلى شرف الحسب دينًا وظُرفًا، وإلى كَرم المحتد حرمة وفضلًا، وكاتب حصيف، وشاعر مفلق، وسمير أنيق، وفقيه جَدِلٍ، وشجاع بطل:
كرام المساعي لا يَخاف جليسهم إذا نطق العوراء غَرْبَ لسان
إذا حُدِّثوا لم تخشَ سوءَ استماعهم وإن حَدَّثوا أدَّوْا بحُسن بيان
ووضعنا الزيارة حيث لا يُزري بنا كرمُ المزور، ولا يعاب الزور، يجدُّ الأستاذ عندي كل يوم مكرمة وميرة، تطويان مسافة الرجاء، وتتجاوزان غايات الشكر
[ ٢٣ ]
والثناء، والبشر والدعاء، فزاد الله في تبصيره حقوق زوّاره، وتيسيري لشكر مبارِّه (^١).
وقال القاضي الرامهرمزي: كتب إليَّ بعض وزراء الملوك يسألني إجازة كتاب ألفته لابن له، فكتبت الكتاب له ووقعت عليه:
يا أبا القاسم الكريم المحيا زانك الله بالتقى والرشاد
وتولاك بالكفاية والعزْ زِ وطول البقاء والإسعاد
إلى آخر الأبيات التي ذكرها (^٢).
وقال أبو منصور الثعالبي مثنيًا على الرامهرمزي ومنوِّهًا بمكانته في الأدب: القاضي الرامهرمزي من أنياب الكلام وفرسان الأدب، وأعيان الفضل وأفراد الدهر، وجملة القضاة الموسومين بمداخلة الوزراء والرؤساء، وكان مختصًّا بابن العميد، تجمعهما كلمة الأدب ولُحمة العلم، وتجري بينهما مكاتبات بالنثر والنظم، وهكذا كانت حاله مع المهلَّبي الوزير، وهو الكاتب إليه لما استوزر:
الآن حين تعاطى القوسَ باريها وأبصر السمتَ في الظلماء ساريها
الآن عاد إلى الدنيا مُهلَّبها سيفُ الوزارة بل مصباح داجيها
تضحي الوزارةُ تُزهى في مواكبها زهو الرياض إذا جاءت غواديها
_________________
(١) ينظر: «معجم الأدباء» (٢/ ٩٢٣ وما بعدها) ففيها مكاتبات أخرى للرامهرمزي لم أنقلها خشية الإطالة.
(٢) «المحدث الفاصل» (بعد رقم ٥١٢).
[ ٢٤ ]
تاهت علينا بميمونٍ نقيبتُه قلَّتْ لمقداره الدنيا وما فيها
معز دولتها هنئتَها فلقد أيدتها بوثيقٍ من رواسيها
فأجابه المهلَّبي بهذه الأبيات:
مواهب الله عندي ما يدانيها سعيٌ ومجهودُ وُسْعِي لا يوازيها
واللهَ أسأل توفيقًا لطاعته حتى يوافق فعلي أمرَه فيها
وقد أتتنيَ أبيات مهذَّبة ظريفة جزلةٌ رقَّتْ حواشيها
ضَمَّنْتَها حُسنَ إبداعٍ وتهنئةً أنت المهنَّى بباديها وتاليها
فثِقْ بنيل المنى في كل منزلة أصبحتَ تعمرها مني وتبنيها
فأنت أول موثوق بنيته وأقرب الناس من حال ترجِّيها
ومن مُلح ابن خلاد الرامهرمزي قوله في نفسه:
قل لابن خلَّاد إذا جئتَه مستندًا في المسجد الجامعْ
هذا زمان ليس يحظى به حدثنا الأعمش عن نافعْ
وقوله وقد طولب بالخَراج:
يا أيها المكثر فينا الزَّمْجره ناموسُه دفتره والمحبرهْ
قد أبطل الديوان كُتْبَ السحره والجامِعَيْن وكتاب الجمهرهْ
هيهات لن يعبر تلك القنطره نحو الكسائيِّ وشعر عنترهْ
ودغفل وابن لسان الحمَّره ليس سوى المنقوشة المدوَّرهْ
[ ٢٥ ]
وقوله:
غناء قليل مالك ومحمد إذا اختلفت سُمر القنا في المعارك
تجمَّل بمال واغْدُ غير مُذمَّم بمِشراط حجَّام ومنوال حائكِ (^١)