يُعتبرُ بيان رواية الرَّاوي عَمَّن دونَهُ في اللُّقي، أو السِّنِّ أو في المقدار، أحد فنون عِلمِ الرِّجال الَّتي عني بها العُلماءُ، ووَضعوا فيها المؤلَّفات٢.
وهو نَوعٌ مُهمٌ تدعو إليه الهممُ العليَّةُ، والأنْفُسُ الزَّكيَّةُ، ولذا قيلَ: لايكون الرَّجُلُ مُحدِّثًا حتَّى يأْخُذَ عَمَّن فَوقهُ، ومثلهُ، ودونه، وفائدةُ ضبطه الخوف مِن ظنِّ الانقلاب في السَّنَدِ مَعَ مافيه مِنَ العَمَل بقولهِ صلّى الله عليه
_________________
(١) ٢ انظر: الرسالة المستطرفة: ١٦٣.
[ ٣٢ ]
وسلَّم: "أنْزلوا النَّاسَ منازلهم" ١، ومِن الفائدة أيضًا: أن لايتوهم كون المَرْويّ عنه أكبر وأفضل مِنَ الرَّاوي، لكونه الأغلب٢، والأصلُ فيه رواية النبيّ ﷺ في خطبته حديث الجَسَّاسة عن تَميمٍ الدَّاريِّ٣.
وهو أقسام:
أحدُها: أن يكون الرَّاوي أكبر سِنًّا، وأقَدَمَ طبقةً مِنَ المَرْوِيِّ عنه، كرِوايةِ كُلٍّ مِنَ الزُّهريِّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريِّ عن تلميذهما الإمام الجليل مالك بن أنسٍ في خلقٍ غيرهما مِمَّن روى عن مالك مِن شيوخه، بحيث أفردهم الرَّشيدُ العَطَّارُ في مُصَنَّف سَمَّاه: (الإعلامُ بِمَن حَدَّثَ عَن مالكِ بن أنسٍ مِن مشايخهِ السَّادة الأعلام) ٤.
الثاني: أن يكون الرَّاوي أكبر قَدْرًا – لا سِنًاّ - مِنَ المَرْويِّ عنهُ، أي أكبر وأعلم، كرواية مالك، وابن أبي ذِئبٍ عن شيخهما عبد الله بن دينار وأشباهه..٥.
_________________
(١) ١ فتح المغيث: ٣/١٥٧. وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح: ٢٧٦، صحيح مسلم بشرح النووي: ١/٥٥، وتدريب الرَّاوي: ٢/٢٤٤. ٢ انظر: علوم الحديث لابن الصلاح: ٢٧٦، اختصار علوم الحديث لابن كثير: ١٩٦، فتح المغيث: ٣/١٥٧، تدريب الراوي: ٢/٢٤٤. ٣ انظر: معرفة علوم الحديث: ٤٨، حديث تميم الداري في شرح مسلم للنووي: ١٨/٨١ كتاب الفتن، باب قصة الجَسَّاسة، فتح المغيث: ٣/١٥٧، تدريب الراوي: ٢/٢٤٤. ٤ انظر: معرفة علوم الحديث: ٤٨، فتح المغيث: ٣/١٥٧-١٥٨، تدريب الراوي: ٢/٢٤٤. ٥ انظر: معرفة علوم الحديث: ٤٩، فتح المغيث: ٣/١٥٨، تدريب الراوي: ٢/٢٤٥.
[ ٣٣ ]
الثالث: أن يكونَ الرَّاوي أكبر في السِّنِّ، والقَدْرِ مِنَ المَرْويِّ عَنْهُ، كرِوَاية كثيرٍ مِن العُلماءِ عن تَلامِذتِهِم، مثل رِواية عبد الغني بن سعيد الأزْدي المتوفَّى سنة (٤٠٩هـ)، عن الخطيبِ البغداديّ، المتوفَّى سنة (٤٦٣هـ) ١، ورواية أحمد بن محمد بن غالب البَرْقَانيّ (ت٤٢٥هـ)، عن الخطيب البغداديّ.
ولقد صَنَّفَ الإمامُ أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ إبراهيم البغداديّ الورَّاق (ت٤٠٣؟) كتاب (مارواه الكبار عن الصِّغار، والآباء عن الأبناء) ٢.
_________________
(١) ١ انظر: فتح المغيث: ٣/١٥٨، تدريب الراوي: ٢/٢٤٥. ٢ الرسالة المستطرفة: ١٦٣.
[ ٣٤ ]