مرد هذا الاختلاف إلى أسباب، منها:
السبب الأول: أن المصنف غالبا إذا صنف كتابه فإنه لا يزال يزيد فيما صنف أبوابا، أو أحاديث، أو يحذف بعض الأحاديث أو الأبواب، ولهذا يحصل تباين بين نسخ الكتاب (^١)، ومن المعلوم أن الرواة الذين سمعوا هذه الكتب كثر، فبعضهم يتلقى النسخة المتقدمة، وبعضهم يحضر العرض الأخير للكتاب، فتختلف الروايات لذلك، وهذا ما وقع في موطأ مالك، وصحيح البخاري، وسنن أبي داود، وجامع أبي عيسى، وغيرها من كتب السنة المشهورة.
قال القاضي عياض: (قال عتيق الزبيري: وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه سنة، ويسقط منه، حتى بقي هذا، ولو بقي قليلًا لأسقطه كله.
وقال القطان: كان علم الناس في زيادة، وعلم مالك في نقصان، ولو عاش مالك لأسقط علمه كله، يعني: تحريًا.
وقال سليمان بن بلال: لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث -أو قال أكثر-، فمات وهي ألف حديث ونيف، يلخصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين، وأمثل في الدين) (^٢).
_________________
(١) ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في "الفهرست" لابن النديم (ص: ٩١)، في كلامه عن كتاب "لجمهرة في علم اللغة" لابن دريد، قال: (مختلِف النسخ، كثير الزيادة والنقصان؛ لأنه أملاه بفارس، وأملاه ببغداد من حفظه، فلما اختلف الإملاء زاد ونقص، ولما أملاه بفارس على غلامه تعلم من أول الكتاب، والباقية التي عليها المعول هي النسخة الأخيرة، وآخر ما صح من النسخ نسخة أبي الفتح عبد الله بن أحمد النحوي، لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه).
(٢) "ترتيب المدارك" (٢/ ٧٣).
[ ١ / ١٣٩ ]
وقال ابن حزم: (آخر ما روي عن مالك موطأ أبي مصعب، وموطأ حذافة، وفيهما زيادة على الموطآت نحو من مائة حديث) (^١).
_________________
(١) "تذكرة الحفاظ" للذهبي (٢/ ٥٢). قال بشار عواد في مقدمة تحقيقه لهذه الرواية (ص ٤١ - ٤٢): (وتمتاز رواية أبي مصعب عن غيرها بميزات عدة منها: الأولى: أنها آخر رواية نقلت عن الإمام مالك، رواها ثقة من أصحابه، فهي تمثل إذا النشرة الأخيرة التي ارتضاها مالك لكتابه. الثانية: أنها الرواية المدنية الوحيدة التي وصلت إلينا كاملة، وفى هذا أهمية كبيرة لأنها أخذت عنه ودونت في المدينة، ومنها انتشرت في الآفاق. الثالثة: أنها واحدة من الروايات التي كانت متداولة بين أهل العلم إلى عصور متأخرة في حين أهمل الكثير من الروايات الأخرى مما يدل على أهميتها. الرابعة: أن فيها زيادات لا نجدها في غيرها من الموطآت. وقد نقلنا قبل قليل قول ابن حزم في الزيادات الحي احتوتها، ولكنه أمر يحتاج إلى توضيح وبيان واستدراك، وكما يأتي:
(٢) إن الزيادات التي وقفنا عليها في رواية أبي مصعب من الأحاديث المسندة ومن غير الموجودة في رواية يحيى بن يحيى المصمودي هي خمسة عشر حديثا فقط.
(٣) كما وقفنا على حديثين مرسلين عند يحيى وهما متصلان في رواية أبى مصعب.
(٤) ووقفنا على بلاغ في رواية يحيى هو متصل في رواية أبي مصعب.
(٥) وفي رواية أبي مصعب ستة أحاديث مرسلة، ولا ذكر لها في رواية يحيى أيضًا. فهذه أربعة وعشرون حديثا متصلة لم ترد أصلا، أو لم ترد متصلة في رواية يحيى.
(٦) لكن نلاحظ في الوقت نفسه أن رواية أبي مصعب تضمنت تسعة أحاديث مرسلة، وبلاغا واحدا جاءت في رواية يحيى متصلة.
(٧) ووقفنا في رواية أبي مصعب على بلاغ واحد لم يرد في رواية يحيى.
(٨) وزادت رواية أبي مصعب على رواية يحيي باثنين وثلاثين نصا من موقوفات الصحابة.
(٩) كما زادت رواية أبي مصعب على رواية يحيى بسبعة عشر نصا من أقوال التابعين وأفعالهم. =
[ ١ / ١٤٠ ]
وقال ابن العربي: (ذكر القاضي ابن المنتاب أن مالكا روى مائة ألف حديث، جمع منها في موطئه عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالاعتبار والآثار حتى عادت إلى خمسمائة) (^١).
قلت: وهذا فيه نظر، قال البخاري عن ابن المديني: له - أي: مالك - نحو ألف حديث (^٢). يعني بذلك: الأحاديث المرفوعة دون الآثار، والآثار نحو ذلك، فما نقل عن ابن المنتاب لا شك أنه غير صحيح، وقد يكون وقع في هذا النقل خطأ أو تصحيف.
وإنما ذكرت "الموطأ" دون غيره؛ لأن الاختلاف فيه أكثر بكثير من غيره، وبدراسة هذا الاختلاف يتبين أنه ليس بمؤثر، لأن مؤلف أي كتاب له الحق أن يزيد بعض الأشياء كأحاديث أو تبويبات أو غيرها، أو يحذف بعض ما ذكره، كما أن بعض الزيادات مرجعها إلى تلاميذ المؤلف، فبعض التلاميذ يعتني بأقوال شيخه في حكمه على الحديث - كما في رواية ابن العبد لسنن أبي داود - أو أقواله الفقهية - كما في رواية أبي مصعب الزهري (^٣) فيضمها إلى الكتاب.
وأما الاختلاف بين متون الأحاديث وألفاظها فهذه لا تكاد توجد، فالألفاظ واحدة، وإذا أردت أن تتأكد من ذلك فانظر إلى النسخة اليونينية لصحيح البخاري فإنه قد بذل جهدا كبيرا في استقصاء الاختلافات بين
_________________
(١) = ٩ - ثم امتازت رواية أبي مصعب بأن تضمنت ثمانية وستين قولا لمالك لم ترد في رواية يحيى بن يحيى المصمودي).
(٢) "القبس في شرح الموطأ" (١/ ٣٣٢).
(٣) "تهذيب الكمال" (٢٧/ ١١٠).
(٤) سبق في كلام بشار عواد أن في رواية أبي مصعب ثمانية وستين قولا لمالك لم ترد في رواية يحيى بن يحيى المصمودي. قلت: وقد يكون هناك في رواية يحيى بن يحيى زيادات لم يذكرها أبو مصعب.
[ ١ / ١٤١ ]
روايات البخاري، فتبين أن معظمها في زيادة بعض الأحرف، أو حذفها، كالواو والفاء ونحو ذلك، واذا أردت أن تتأكد زيادة على ما تقدم فانظر في شرح ابن حجر على البخاري المسمى "فتح الباري"؛ فإنه اعتنى بالاختلاف الموجود بين الروايات اعتناء بالغا، فسوف تجد أن محصلها هو ما تقدم، نعم قد يقع الاختلاف في كلمة - ويكون المعنى واحدا -، أو في راوي الحديث.
وأحيانا يكون سبب الاختلاف من المصنف نفسه، وذلك عندما لا يذكر اسم شيخه كاملا وإنما يقتصر على اسمه الأول، كما يقع للبخاري كثيرا، وقد يكون له أكثر من شيخ يشتركون في هذا الاسم، فيختلف الشراح وغيرهم في تعيين اسم هذا الراوي.
وقد عقد ابن حجر في "مقدمة الفتح" فصلا طويلا في تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها، وقد ذكر ما جاء من الاختلاف بين أهل العلم في تعيين هؤلاء الرواة.
وهذه بعض الأمثلة على ما سبق:
أولا: أمثلة على الاختلاف في راوي الحديث:
١ - قال الإمام البخاري (٣٤٣٨): (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ: "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى، فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط".
قال ابن حجر: (قوله (عن ابن عمر) كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاري، وقد تعقبه أبو ذر في روايته فقال: كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفربري "مجاهد عن ابن عمر"، قال: ولا أدري أهكذا حدث به البخاري أو غلط فيه الفربري؛ لأني رأيته في
[ ١ / ١٤٢ ]
جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد عن ابن عباس، ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن كثير، وقال فيه: ابن عباس، قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن محمد بن كثير قال: وتابعه نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة عن إسرائيل. انتهى.
وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبراني، عن أحمد بن مسلم الخزاعي، عن محمد بن كثير، وقال: رواه البخاري عن محمد بن كثير فقال: مجاهد عن ابن عمر، ثم ساقه من طريق نصر بن علي، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل فقال: ابن عباس. انتهى.
وأخرجه ابن منده في "كتاب الإيمان" من طريق محمد بن أيوب بن الضريس وموسى بن سعيد الدنداني، كلاهما عن محمد بن كثير فقال فيه: ابن عباس، ثم قال: قال البخاري، عن محمد بن كثير، عن ابن عمر، والصواب عن ابن عباس.
وقال أبو مسعود في "الأطراف": إنما رواه الناس عن محمد بن كثير فقال: مجاهد عن ابن عباس، ووقع في البخاري في سائر النسج: مجاهد عن ابن عمر وهو غلط، قال: وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة، وإسحاق بن منصور، والنضر بن شميل، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، عن إسرائيل فقالوا: ابن عباس، قال: وكذلك رواه ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس.
ورواية ابن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم ﵇، ولكن لا ذكر لعيسى ﵇ فيها، وأخرجها مسلم عن شيخ البخاري فيها وليس فيها لعيسى ذكر، إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى حسب، وقال محمد بن إسماعيل التيمي: ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاري؛ فإن الإسماعيلي أخرجه
[ ١ / ١٤٣ ]
من طريق نصر بن علي عن أبي أحمد وقال فيه: عن ابن عباس، ولم ينبه على أن البخاري قال فيه: عن ابن عمر، فلو كان وقع له كذلك لنبه عليه كعادته، والذي يرجح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار ابن عمر على من قال: إن عيسى أحمر وحلفه على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه "فأما عيسى فأحمر جعد"، فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد عن ابن عباس لا عن ابن عمر، والله أعلم) (^١).
٢ - وقال البخاري أيضًا (٤٠): (حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا …) الحديث.
قال ابن حجر: (قوله "حدثنا عمرو بن خالد" هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحراني نزيل مصر، أحد الثقات الأثبات، ووقع في رواية القابسي، عن عبدوس، كلاهما عن أبي زيد المروزي، وفي رواية أبي ذر، عن الكشميهني: "عمر بن خالد" بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه من القدماء أبو على الغساني، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد، ولا في جميع رجاله، بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة) (^٢).
٣ - قال البخاري (٦٨): (حدثنا محمد بن يوسف، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا).
قال ابن حجر: (قوله: "سفيان" هو الثوري، وقد رواه أحمد في
_________________
(١) "فتح الباري" (٨/ ٦٦ - ٧٦).
(٢) "فتح الباري" (١/ ١٧٧).
[ ١ / ١٤٤ ]
مسنده عن ابن عيينة، لكن محمد بن يوسف الفريابي، وإن كان يروي عن السفيانين، فإنه حين يطلق يريد به الثوري، كما أن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به إلا الفريابي، وإن كان يروي عن محمد بن يوسف البيكندي أيضًا، وقد وهم من زعم أنه هنا البيكندي) (^١).
ثانيا: أمثلة على الاختلاف في الكلمة ويكون المعنى واحدا أو متقاربا:
١ - قال البخاري (٣٤٢٤): (… عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة …) الحديث.
قال ابن حجر: (قوله: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة" في رواية الحموي والمستملي "لأطيفن" وهما لغتان، طاف بالشيء وأطاف به: إذا دار حوله وتكرر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع) (^٢).
٢ - وقال أيضًا (١٣): (… عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه").
قال ابن حجر: (قوله: "لا يؤمن" أي: من يدعي الإيمان، وللمستملي: "أحدكم"، وللأصيلي: "أحد"، ولا بن عسا كر: "عبد"، وكذا لمسلم عن أبي خيثمة) (^٣).
٣ - وقال أيضًا (٢٠): (… عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا").
قال ابن حجر: (قوله: "أنا أعلمكم" كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه، وفي رواية الأصيلي: "أعرفكم"،
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٢٨٦).
(٢) "فتح الباري" (٨/ ٣٦).
(٣) "فتح الباري" (١/ ١١٣).
[ ١ / ١٤٥ ]
وكأنه مذكور بالمعنى حملا على ترادفهما هنا، وهو ظاهر هنا وعليه عمل المصنف) (^١).
وقد يكون الاختلاف بين الصحابة ﵃ في لفظ الحديث، ومن أمثلة ذلك:
١ - عن أبي أيوب أنه قال - وهو في أرض الروم -: إن رسول الله ﷺ قال: "من قال غدوة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكن له بقدر عشر رقاب، وأجاره الله من الشيطان، ومن قالها عشية كان له مثل ذلك" (^٢).
عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كن كعدل أربع رقاب، وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكن له حرسا من الشيطان حتى يمسي، وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك" (^٣).
٢ - قال الشافعي: (قال لي قائل: قد اختلف في التشهد، فروى ابن مسعود عن النبي: أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، فقال في مُبْتَدَاه ثلاث كلمات: "التحيات لله"، فبأي التشهد أخذت؟
فقلت: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عبد الرحمن ابن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر، وهو يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: "التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ١٣٤).
(٢) "عمل اليوم والليلة" (٢٤).
(٣) "مسند أحمد" (٢٣٥١٨).
[ ١ / ١٤٦ ]
الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
قال الشافعي: فكان هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغارا، ثم سمعناه بإسناد وسمعنا ما خالفه، فلم نسمع إسنادا في التشهد - يخالفه ولا يوافقه - أثبت عندنا منه، وإن كان غيره ثابتا.
فكان الذي نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر بين ظهراني أصحاب رسول الله إلا على ما علمهم النبي ﷺ.
فلما انتهى إلينا من حديث أصحابنا حديث يثبته عن النبي صرنا إليه، وكان أولى بنا.
قال: وما هو؟ قلت: أخبرنا الثقة - وهو حي بن حسان - عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن، فكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله".
قال الشافعي: فقال: فأنَّى ترى الرواية اختلفت فيه عن النبي؟ فروى ابن مسعود خلاف هذا، وروى أبو موسى خلاف هذا، وجابر خلاف هذا، وكلها قد يخالف بعضها بعضا في شيء من لفظه، ثم علم عمر خلاف هذا كله في بعض لفظه، وكذلك تشهّد عائشة، وكذلك تشهّد ابن عمر، ليس فيها شئ إلا في لفظه شئ غير ما في لفظ صاحبه، وقد يزيد بعضها الشيء على بعض؟
[ ١ / ١٤٧ ]
فقلت له: الأمر في هذا بين، قال: فأبنه لي، قلت: كل كلام أريد به تعظيم الله، فعلمهم رسول الله، فلعله جعل يعلمه الرجل فيحفظه، والآخر فيحفظه، وما أُخذ حفظا فأكثر ما يحترس فيه منه إحالة المعنى، فلم تكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شئ من كلامه يحيل المعنى فلا تسع إحالته، فلعلّ النبي أجاز لكل امرئ منهم كما حفظ، إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئا عن حكمه، ولعل صن اختلفت روايته واختلف تشهده إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا، وعلى ما حضرهم وأجيز لهم …) (^١).
ثالثا: مثال على الاختلاف بين النسخ في صيغ التحمل:
قال البخاري (٢٤): حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ: "دعه فإن الحياء من الإيمان".
قال ابن حجر: (قوله: "حدثنا عبد الله بن يوسف" هو التنيسي نزيل دمشق، ورجال الإسناد سواه من أهل المدينة. قوله: "أخبرنا" وللأصيلي: حدثنا مالك) (^٢).
قلت: والصواب "أخبرنا" لأن هذا هو الذي يستعمله عبدالله بن يوسف في روايته عن مالك، كما علم بالتتغ.
رابعا: مثال على زيادة حديث في بعض النسج:
قال ابن حجر: (تنبيه: وقع في النسخة البغدادية التي صححها العلامة أبو محمد بن الصغاني اللغوي بعد أن سمعها من أصحاب أبي الوقت،
_________________
(١) "الرسالة" للشافعي (ص: ٢٦٨ - ٢٧٢).
(٢) "فتح الباري" (١/ ١٤١).
[ ١ / ١٤٨ ]
وقابلها على عدة نسخ، وجعل لها علامات، عقب قوله: رواه موسى وعلي ابن عبد الحميد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت ما نصه: حدثنا موسى ابن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، عن أنس، وساق الحديث بتمامه، وقال الصغاني في الهامش: هذا الحديث ساقط من النسخ كلها إلا في النسخة التي قرئت على الفربري صاحب البخاري وعليها خطه. قلت: وكذا سقطت في جميع النسخ التي وقفت عليها، والله تعالى أعلم بالصواب) (^١).
خامسا: مثال على الاختلاف بين النسخ في ذكر بعض الأحاديث:
قال علي بن المفضل المقدسي: (قرأت على أبي طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني، أخبركم أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني بدمشق قراءةً عليه، وأنت تسمع فأقر به، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ فيما أذن لنا فيه، أخبرنا أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق الحافظ بقراءتي عليه، عن أبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي الحافظ فيما رواه عنه من "رسالته التي أجاب بها أبا الحسن الدارقطني الحافظ عن الأحاديث التي غلط فيها مسلم بن الحجاج" قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جرسٌ".
قال الشيخ أدام الله كفايته: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم بن الحجاج من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فرواه عن زهير، عن جرير عنه، وزاد في آخره: "أو كلب".
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٢٧٢).
[ ١ / ١٤٩ ]
أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا حمزة بن محمد الدقاق قال: قال أبو مسعود الدمشقي، قال أبو الحسن الدارقطني: أخرج مسلمٌ من حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام أن النبي ﷺ أمر بقطع الأجراس، قال: وليس هذا عند شعبة، إنما هو سعيد هكذا كتبه بخطه وبيّض بين سعد والنبي ﷺ، وقال أبو مسعود: (وهذا حديثٌ لم يخرجه مسلمٌ أصلًا بحال، وقد أخرج هذا الباب في كتاب اللباس، وأخرج حديث سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها كلبٌ ولا جرسٌ"، وأخرج في عقبه حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "الجرس مزامير الشياطين"، وأخرج في عقبه حديث أبي بشير الأنصاري: كنا مع النبي ﷺ فقال: "لا يبقين في رقبة بعيرٍ قلادةٌ من وتر إلا قطعت".
هذا جميع ما خرّج في هذا الباب، ولم يخرّج حديث قتادة عن زرارة بحال لا في هذا الموضع ولا في غيره.
قال أبو مسعود: وهذا حديثٌ اختلف فيه على قتادة، فرواه محمد بن بكر، وخالد بن الحارث، وغندر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن عائشة، وتابع الجماعة: سعيد بن بشير، عن قتادة في إسناده مثله، ورواه الأنصاري عن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، تابع فيه الأنصاري، عن سعيد، وقفه العقدي عن هشام، وأسنده عبد الصمد، عن هشام.
قال الشيخ أمده الله بتوفيقه: قال لنا الحافظ السلفي، يحتمل أن هذا الحديث يعني حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن
[ ١ / ١٥٠ ]
هشام، عن النبي ﷺ كان في كتاب مسلم فأسقطه مثل ما فعل في غيره، والى هذا أشار الدارقطني.
والعذر عنه أن يقال: "سعيد" قد يتصحف "لشعبة" من حيث الكتابة، خصوصًا وقد اشتركا في قتادة، وروى غندر عنهما جميعًا، ولعله كان في كتاب مسلم القديم الذي كتبه عن شيخه مشكلًا غير مشكول، فذهب عليه حالة نقله إلى تخريجه، إذ الغالب على غندر الرواية عن شعبة، فحين نظر ﵀ إلى الاختلاف الذي فيه على قتادة أسقطه من "صحيحه" ثم لم ينعم النظر فيه مرة أخرى، كما فعل في غيره من الأحاديث المنقحة، فبقي مشكولًا على حاله، والحق مع الدارقطني ﵀، إذ حكى ما رأى، والله أعلم.
قال الشيخ أيده الله: انتهى كلام السلفي، ولا نظن بالدارقطني بعد أن قال هكذا كتبه "بخطه" - يعني مسلمًا - إلا وقد وقف عليه كذلك، وتحقق أنه خطه، اللهم إلا أن يكون رآه في النسخة القديمة التي أسقط منها ما أسقط، ولم يتأمل الجديدة التي ليس هو الآن فيها، كما ذكر أبو مسعود، فلا يصح النقد عليه فيما تنبه لعلته فأسقطه، والله أعلم) (^١).