_________________
(١) (٢/ ١١٠).
[ ١ / ٤٨١ ]
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة، كان رسول الله ﷺ يصليها بسقوط القمر لثالثة.
حدثنا أبو بكر محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد نحوه.
قال أبو عيسى: روى هذا الحديث هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب ابن سالم، عن النعمان بن بشير، ولم يذكر فيه هشيم: عن بشير بن ثابت.
وحديث أبي عوانة أصح عندنا؛ لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر، نحو رواية أبي عوانة) (^١).
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلا صلى خلف الصف وحده - والشيخ يسمع - فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة.
وفي الباب عن علي بن شيبان، وابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث وابصة حديث حسن …
_________________
(١) (١/ ٣٨٠ - ٣٨١).
[ ١ / ٤٨٢ ]
وروى حديث حصين عن هلال بن يساف غير واحد، مثل رواية أبي الأحوص عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة.
وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالا قد أدرك وابصة.
واختلف أهل الحديث في هذا:
فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو ابن راشد، عن وابصة أصح.
وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد أصح.
قال أبو عيسى: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنَّه روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة ابن معبد) (^١).
قلت: رجح أبو عيسى طريق حصين عن هلال بن يساف، وذلك لأنَّه قد روي من غير طريق هلال، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فدل هذا على أن طريق حصين محفوظةٌ.
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الإشارة في الصلاة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب، قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إليّ إشارة، وقال: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه.
وفي الباب عن بلال، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة.
_________________
(١) (١/ ٤١٨ - ٤١٩).
[ ١ / ٤٨٣ ]
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وحديث صهيب حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث عن بكير.
وقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد بني عمرو بن عوف، قال: كان يرد إشارة.
وكلا الحديثين عندي صحيح (^١)؛ لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعا) (^٢).
قلت: لم يجعلهما حديثًا واحدًا، وسبب ذلك: أن الأول رواه ابن عمر عن صهيب، وأن ذلك كان بمرورٍ منه على رسول الله ﷺ.
والثاني رواه عن بلال، وكان عن سؤالٍ منه له.
فتبين أنهما قصتان، وهذا ما قاله أبو عيسى، وبالتالي هما حديثان وليسا بحديثٍ واحدٍ، وحينئذٍ لا يحتاج أن نرجح أحدهما على الآخر، هذا مع اختلاف مخرجهما.
٤ - ومثله ما جاء في باب ما جاء في السواك، فقد روى من طريق
_________________
(١) وأما قوله: (وكلا الحديثين عندي صحيح) وهو إنما صحح أحدهما دون الآخر، فالجواب عن ذلك، كأنه أراد فقط أن يبين أنهما ليس بحديثٍ واحدٍ كما تقدم شرحه، وأنَّه لا يريد صحة طريق ابن عمر عن صهيب.
(٢) (١/ ٤٩٥).
[ ١ / ٤٨٤ ]
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (^١).
وقد روى هذا الحديث أيضًا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، فجعله عن زيد بن خالد الجُهَني، ولفظه كالسابق، وزاد: "ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل". قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه (^٢).
فهل هذان الحديثان متغايران؟ أم هما حديث واحد أخطأ الراوي فيه، فعندئذٍ نحتاج إلى الترجيح بينهما؟
ذهب البخاري للثاني، قال الترمذي: (وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح).
قلت: وأما أبو عيسى فذهب إلى الأول، وأنهما حديثان متغايران، قال: (كلاهما عندي صحيحٌ؛ لأنَّه قد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وإنما صح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه).
قلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، وذلك:
أولًا: لأن الخبر رُوي عن أبي هريرة من غير وجهٍ، كما تقدم، وهذا يدل على أنه محفوظ.
ثانيًا: أن محمد بن عمرو أقوى من محمد بن إسحاق، فهذا يؤيد كونه محفوظًا عن أبي هريرة.
ولكن مع ذلك لا أقول بأن طريق زيد بن خالد خطأ؛ فقد جاء ما يدل
_________________
(١) (١/ ٢٩٠).
(٢) (١/ ٢٩٠)، رقم ٢٣).
[ ١ / ٤٨٥ ]
على أنها محفوظةٌ أيضًا؛ لأن فيها قصةً، وهي ما جاء بأن زيد بن خالد كان يضع السواك في أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، ومما يؤكد أيضًا صحة هذا الوجه؛ أن الراوي قد خالف الجادة في حديث أبي سلمة، وذلك أن الغالب على حديثه عن أبي هريرة كما هو معلومٌ، وعند الحفاظ أن من خالف الجادة يقدم على غيره؛ لأنَّه يدل على حفظه، وبالتالي كلا الوجهين قد جاء ما يدل على صحته.
وهذا وغيره ما جعل أبا عيسى يصحح كلا الوجهين، بخلاف البخاري الذي رجّح طريق زيد بن خالد، وبالتالي يكون قد حكم على طريق أبي هريرة بالخطأ، وهذا فيه نظر؛ لأن الحديث جاء من أوجهٍ أخرى عن أبي هريرة، فيكون قول أبي عيسى هو الأرجح.
وهذه قضيةٌ دقيقةٌ في "علم العلل"، وذلك أن كثيرًا من الأحاديث الضعيفة أصلها أحاديثُ صحيحةٌ (^١) أخطأ الراوي فيها، أو بعض
_________________
(١) ومثال ذلك: ما أخرجه الترمذي (١/ ٥٢٨): (حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد روي عن ابن عمر: أنه فعله. ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكلابي، والمعروف من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح"). قلت: بيّن أبو عيسى أن الحديث الأول هنا أصلٌ للحديث الثاني، كما رواه الإمام أحمد (٨٥٧٠) قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام به. وأخرجه ابن خزيمة (٩٨٦)، وابن حبان (١٥٧٧)، من طريقه. وأخرجه الدارقطني (١٤٣٥)، والحاكم =
[ ١ / ٤٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (١٠١٣)، من طريق محمد بن سنان، عن همام به. وقد جاء وجه آخر عن همام سوى ما تقدم، قال الدارقطني (١٥٣١): (حدثنا أحمد ابن عباس البغوي، حدثنا عباد بن الوليد، حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، قال: سُئل قتادة عن رجل صلى ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس، قال: حدثني خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يتم صلاته"). وهو عند أحمد (١٠٣٥٩). وأخرجه الدارقطني أيضًا (١٤٣٤) من طريق أحمد بن عتيق العتيقي المروزي، حدثنا محمد بن سنان العوقي، حدثنا همام، عن قتادة، عن خلاس به، كما تقدم. قال الحاكم (١٠١٤) بعد أن أخرجه من طريق العتيقي بالإسنادين - أي: قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، وقتادة، عن خلاس، عن أبي رافع -: (كلا الإسنادين صحيحان)، مع أنه قد قال بعد أن أخرج الإسناد الأول من طريق العتيقي، عن محمد بن سنان، عن همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس: (حديث صحيح على شرط الشيخين إن كان محفوظًا بهذا الإسناد، فإن أحمد بن عتيق هذا ثقة إلا أنه حدث به مرة أخرى بإسنادٍ آخر) ثم ساق الإسناد الآخر كما تقدم. قلت: وقد أخرجه الدارقطني في "سننه" (١٤٣٢) من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عزرة بن تميم، عن أبي هريرة، أن نبي الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم ركعة من صلاة الصبح، ثم طلعت الشمس، فليصل إليها أخرى". ومن الأمثلة أيضًا: قال الترمذي (١/ ٥٧٩ - ٥٨٠): (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر. قال أبو عيسى: هذا حديث [في طبعة بشار زيادة: غريب، وقال المحقق: زيادة من تحفة الأشراف] لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم. سمعت محمدا يقول: وهِم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي ﷺ فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم. قال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يهِم في الشيء، وهو صدوق. قال محمد: وهِم جرير بن حازم في حديث ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". =
[ ١ / ٤٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال محمد: ويروى عن حماد بن زيد، قال: كنا عند ثابت البناني، فحدث حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فوهِم جرير، فظن أن ثابتا حدثهم، عن أنس، عن النبي ﷺ. حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: لقد رأيت النبي ﷺ بعدما تقام الصلاة يكلمه الرجل، يقوم بينه وبين القبلة فما يزال يكلمه، ولقد رأيت بعضهم ينعس من طول قيام النبي ﷺ له. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح). ومن الأمثلة أيضًا: قال الترمذي (٢/ ١٠): (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب. قال أبو عيسى: حديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره. وحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ حديث غريب. والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. رواه قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد، عن أبي الزبير المكي). قلت: تبين مما تقدم أن حديث قتيبة خطأٌ من حيث الإسناد والمتن، أما الإسناد فالصواب أنه من حديث أبي الزبير، وقد رواه عنه جمعٌ؛ مالكٌ وغيره، عن أبي الطفيل، عن معاذٍ، ولفظه: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر، والعصر … " الحديث، وهذا مخالفٌ للمتن الذي جاء من حديث قتيبة، كما بيَّن أبو عيسى.
[ ١ / ٤٨٨ ]
التي تروى على أوجهٍ متعددةٍ، قد يكون أصلها حديثا واحدا أخطأ فيه الراوي، فرواه على وجه آخر، وحينئذٍ على الناقد أن ينظر في هذه الأحاديث فيوازن بينها؛ هل هي حديث واحد، أو أحاديثُ متغايرة، كما هو صنيع نقاد أئمة الحديث من المتقدمين، بخلاف كثيرٍ من الفقهاء وممن تأخر من أهل الحديث، الذين يعتبرون في كثيرٍ من الأحيان كلّ وجهٍ حديثًا مستقلًا.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - ما قاله في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تتقرؤون وراء إمامكم"، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال: حديث عبادة حديث حسن.
وروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وهذا أصح) (^١).
قلت: بيّن أبو عيسى أن هذين الطريقين هما في الأصل حديثٌ واحدٌ، وبالتالي لا بد من الترجيح بين الطريقين، وعندئذٍ تكون طريق الزهري أصح، بينما غيره ذهب إلى أنهما حديثان.
٢ - ومثل هذا: ما جاء في باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف
_________________
(١) (١/ ٤٦٥).
[ ١ / ٤٨٩ ]
من صلاة القائم: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد؟ فقال: "من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلاها قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلاها نائما فله نصف أجر القاعد".
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأنس، والسائب.
قال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلا أنه يقول: عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض؟ فقال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
قال أبو عيسى: حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، بهذا الحديث.
لا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.
وقد روى أبو أسامة وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس) (^١).
قلت: ذهب البخاري إلى أن هذيْن الحديثيْن متغايران، بخلاف أبي عيسى فإنه ذهب إلى أنهما حديثٌ واحدٌ، اختلف فيه على حسين المعلم، لذا ذهب إلى ترجيح رواية الأكثر وهي رواية عيسى بن يونس وأبي أسامة وغيرهما على رواية إبراهيم بن طهمان، والذي تفرد بها.
_________________
(١) (١/ ٤٩٧).
[ ١ / ٤٩٠ ]
ودليله على ذلك أن مخرجهما واحدٌ، وبالتالي هما حديثٌ واحدٌ اختلف فيه على راويه.
٣ - ومثله أيضًا ما جاء في باب فيمن يتطوع جالسا: (وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يصلي من الليل جالسا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ، ثم ركع، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك.
وروي عنه أنه كان يصلي قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد.
قال أحمد، وإسحاق: والعمل على كلا الحديثين.
كأنهما رأيا كلا الحديثين صحيحًا معمولا بهما) (^١).
قلت: جعل كلا الوجهيْن صحيحًا، ومن الأدلة على ذلك؛ أنّ كلا الوجهين قد رواهما ثقاتٌ مشاهيرُ، مع اختلاف المتن الأول عن الثاني، وبالتالي هما خبران متغايران، وهذا ما ذهب إليه الإمامان أحمد وإسحاق.
الخامس من أوجه الترجيح: أن يكون الإسناد الذي روي به الحديث قد روي به أحاديث أخرى، مما يدل على أنه مشهور، ليس بغريب، وبالتالي يبعد الخطأ في مثل هذه الحالة.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة: (حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا سهل بن حماد، قال: حدثنا همام، قال: حدثني قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة، قال: قدمت المدينة، فقلت: اللهم يسر لي جليسا صالحا، قال فجلست إلى أبي هريرة، … الحديث.
_________________
(١) (١/ ٤٩٩).
[ ١ / ٤٩١ ]
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن أبي هريرة.
وقد روى بعض أصحاب الحسن، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، غير هذا الحديث.
والمشهور هو قبيصة بن حريث.
وروي عن أنس بن حكيم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا) (^١).
قلت: قول أبي عيسى: (وقد روى بعض أصحاب الحسن، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، غير هذا الحديث)، يريد بهذا أن يدلل على أن الطريق السابقة ليست بالخطأ، بدليل أنه قد رُوي بهذا الإسناد أكثر من متنٍ.
والسادس من أوجه الترجيح: أن يُروى الحديث من وجهيْن: أحدهما مشهورٌ، والثاني غريبٌ، فيكون الراجحَ الوجهُ المشهورُ، وأما الغريب فغالبا يكون خطأ من أحد الرواة، رواه على الوجه الذي لا يُعرف.
ومن أمثلة ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر والقراءة فيها: (حدثنا محمود بن غيلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رمقت النبيّ ﷺ شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
_________________
(١) (١/ ٥٢٢).
[ ١ / ٤٩٢ ]
وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد.
والمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق.
وقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضًا.
وأبو أحمد الزبيري ثقة حافظ.
قال: سمعت بندارا، يقول: ما رأيت أحدا أحسن حفظا من أبي أحمد الزبيري.
وأبو أحمد اسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي) (^١).
قلت: قد رواه عبد الرزاق عن الثوري به، كما في "المصنف" (^٢) - وعنه أحمد في "المسند" (^٣)، فقال: أخبرنا الثوري به.
وأما رواية إسرائيل فأخرجها أحمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به (^٤).
وقد رواه غيرهما عن أبي إسحاق، فرواه أبو الأحوص ومعمر وعمرو بن قيس وشريك، ينظر: "العلل" للدارقطني (^٥).
وهذا الخبر لا يصح، كما بين ذلك مسلم في "التمييز" (^٦)، والدارقطني في "العلل" (^٧).
_________________
(١) (١/ ٥٢٤).
(٢) (٤٨٤١).
(٣) (٤٩٠٩).
(٤) "المسند" (٤٧٦٣).
(٥) (٧/ ١١٥).
(٦) (١٧٣ - ١٧٦).
(٧) (٧/ ١١٧ - ١١٨).
[ ١ / ٤٩٣ ]
والشاهد من ذلك: أن أبا عيسى مرّض القول في رواية الثوري، باعتبار غرابتها عنده، وأن الزبيري تفرد بها عنه، ولكن تبين مما تقدم أنه لم يتفرد بها عن الثوري، وظاهر صنيع أبي عيسى تقديم رواية إسرائيل باعتبار أنها هي المشهورة.
٢ - وقال أيضًا في باب الوضوء لكل صلاة: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب (^١)، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس …
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ابن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
قلت: قدم أبو عيسى الرواية المشهورة - وهي رواية عمرو بن عامر - على الغريبة - وهي رواية ابن إسحاق عن حميد -، فصحح الأولى بخلاف الثانية.
هذه بعض أوجه الترجيح، وثمة أوجه غيرها.
* * *
_________________
(١) في طبعة بشار: (غريب)، وفي شاكر: (حسن غريب)، وعند كليهما زيادة (من هذا الوجه).
(٢) (١/ ٣١١ - ٣١٢).
[ ١ / ٤٩٤ ]
الوجه السادس عشر: أنه أحيانا يصحح كلا الوجهين.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في التعوذ للمريض: (حدثنا بشر بن هلال البصري الصواف، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز ابن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن جبريل أتى النبي ﷺ، فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: "نعم"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسدة، باسم الله أرقيك والله يشفيك.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز بن صهيب، قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: أفلا أرقيك برقية رسول الله ﷺ؟ قال: بلى، قال: "اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما".
وفي الباب عن أنس، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح.
وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقلت له: رواية عبد العزيز، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أصح، أو حديث عبد العزيز، عن أنس، قال: كلاهما صحيح.
أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وعن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس) (^١).
_________________
(١) (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
[ ١ / ٤٩٥ ]
قلت: قد يُظن أن هذا الحديث وقع فيه اختلاف على عبد العزيز بن صهيب، فروي مرةً عنه عن أبي نضرة عن أبي سعيد، ومرة أخرى عنه عن أنس، لذا سأل أبو عيسى أبا زرعة عن هذا الاختلاف، فأجابه بصحة كلا الإسنادين، وأقر ذلك أبو عيسى، وهذا ما ذهب إليه غيرهما من الحفاظ؛ فقد خرَّج الإمام مسلم حديث أبي سعيد (^١)، وخرّج البخاري حديث أنس (^٢)، فهما حديثان صحيحان.
وبالتالي ليس هو اختلاف على عبد العزيز بن صهيب، فلا يقال إن رواية من رواه عنه عن أبي نضرة عن أبي سعيد أصحّ؛ لأن هذا مخالف للجادة في حديث عبد العزيز، وأنَّه في الغالب عن أنس؛ بل كلا الحديثين صحيح كما تقدم؛ لأن كلا الطريقين ثابت عنه.
٢ - وقال أيضًا: (حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة، كما تتراءون الكوكب الشرقي أو الكوكب الغربي الغارب في الأفق، أو الطالع في تفاضل الدرجات"، فقالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين".
هذا حديث صحيح) (^٣).
قلت: هذا الحديث قد حكم الترمذي بصحته، ولم يقل: حسن صحيح، كما هو الغالب على طريقته ومنهجه، وهذا فيما يظهر من أجل الاختلاف الذي وقع في صحابي الحديث، هل هو أبو هريرة أم أبو سعيد؟
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢١٨٦).
(٢) "صحيح البخاري" (٥٧٤٢).
(٣) (٣/ ٤٨١).
[ ١ / ٤٩٦ ]
فالبخاري، ومسلم (^١) أخرجاه من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري.
والترمذي يرى أيضًا صحة طريق فليح بن سليمان، ومثله ابن خزيمة في "التوحيد"، ونقل عن محمد بن يحيى الذهلي أنه يميل إلى صحة كلا الوجهين، فقال: (حدثنا محمد بن يحيى - في عقب خبر عطاء بن يسار -، عن أبي سعيد، في ذكر أهل الغرف من الجنة، قال: ثنا سريج بن النعمان، قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة" بهذا، يريد بمثل حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ.
قال أبو بكر ﵁: قال لنا محمد بن يحيى: لا أبعد أن يكون عطاء ابن يسار قد سمعه من أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄) (^٢).
وأيضًا نقل الدارقطني في "الغرائب" كلام الذهلي، قال ابن حجر في "الفتح": (ونقل الدارقطني في "الغرائب" عن الذهلي أنه قال: لست أدفع حديث فليح؛ يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدث به عن أبي سعيد وعن أبي هريرة) (^٣).
قلت: لا شك أن طريق أبي سعيد أصح، وذلك أن طريق مالك أقوى بكثير من طريق فليح، كيف وقد جاء عن أبي سعيد من وجه آخر كما تقدم عند البخاري، وقال أيضًا: (حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة، كما تتراءون الكوكب في السماء".
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٣٢٥٦)، "صحيح مسلم" (٢٨٣١).
(٢) "التوحيد" (٢/ ٩٠٧).
(٣) "فتح الباري" لابن حجر (٦/ ٣٢٧).
[ ١ / ٤٩٧ ]
قال أبي: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: أشهد لسمعت أبا سعيد، يحدث ويزيد فيه: "كما تراءون الكوكب الغارب في الأفق: الشرقي والغربي") (^١).
وجاء أيضًا من حديث عطية عن أبي سعيد بنحوه، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (^٢)، وغيرهم عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أهل الدرجات العلى يراهم من أسفل منهم كما يرى الكوكب الطالع في الأفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما".
والذي يظهر لي أن أبا عيسى يذهب إلى أن كلا الوجهين محفوظ، وهو ما ذهب إليه الذهلي وابن خزيمة.
* * *
_________________
(١) "الصحيح" (٦٥٥٥) (٦٥٥٦).
(٢) "سنن أبي داود" (٣٩٨٧)، "جامع الترمذي" (٤٠٠٦) وحسنه، "سنن ابن ماجه" (٩٦) واللفظ له.
[ ١ / ٤٩٨ ]
الوجه السابع عشر: ليس كل خبر ضعيف تعددت طرقه يكون بمجموعها قويًا عند أبي عيسى.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في التسمية عند الوضوء: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي وبشر بن معاذ العقدي البصري، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن ابن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وأنس.
قال أبو عيسى: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد …
قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.
قال أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن، عن جدته، عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
وأبو ثفال المري اسمه: ثمامة بن حصين.
ورباح بن عبد الرحمن، هو أبو بكر بن حويطب.
منهم من روى هذا الحديث، فقال: عن أبي بكر بن حويطب، فنسبه إلى جده) (^١).
_________________
(١) (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
[ ١ / ٤٩٩ ]
قلت: وذكر هذا الحديث في كتابه "العلل" (^١) وساق طرقًا أخرى له، ومع ذلك لم يقل بتقويته بمجموع طرقه، والسبب في ذلك أنها معارضة بما هو أصح منها، وذلك أن الأحاديث الصحيحة التي فيها بيان صفة وضوئه ﷺ لم يذكر فيها أنه كان يسمي، وإنما جاء ذلك في أحاديث ضعيفة، وبالتالي أصبحت هذه الأحاديث ضعيفة ولا تتقوى مع بعضها، ولو لم يكن ثَمّ ما يعارضها من الصحيح؛ لكان القول بتقويتها وجيهًا.
ويؤكد هذا، أنه قد حُفظ عنه ﷺ ماذا كان يقول بعد الوضوء.
٢ - وقال أيضًا في باب المنديل بعد الوضوء: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن زيد بن حباب، عن أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كانت لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء.
وفي الباب عن معاذ بن جبل.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي؛ يضعفان في الحديث.
قال أبو عيسى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث) (^٢).
_________________
(١) (ص: ٣١ - ٣٣).
(٢) (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
[ ١ / ٥٠٠ ]
قلت: قد جاء هذا الحديث من أكثر من طريق، ولا يصح شيء منها، كما أنها لا تتقوى بمجموعها، وذلك لشدة ضعفها ونكارتها، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوئه ﷺ وليس فيها أنه كان له خرقة يتنشف بها، بل جاء في "الصحيحين" من حديث ميمونة أنها عندما ناولتْه المنديل ردّه (^١)، لذا قال أبو عيسى: (ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيءٌ).
ولهذأ أخطأ من قوّى هذه الأحاديث بمجموع طرقها.
ومثل هذا "مسح الوجه باليدين بعد الدعاء"، فقد جاءت عدة أحاديث ولكنها كلها ضعيفة، فهل تتقوى بمجموع طرقها؟
ذهب الحافظ ابن حجر إلى ذلك (^٢).
وذهب الإمام ابن تيمية إلى خلاف ذلك، فقال بضعفها (^٣)، وأنا أذهب إلى ذلك؛ لأنَّه قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في كونه ﵊ دعا ورفع يديه، ولكن لم يأت في واحد منها أنه مسح بيديه على وجهه، فلو كان المسح محفوظا لجاء في بعضها، فدل هذا على نكارة مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.
ومثله ما ورد في بعض الطرف من كونه ﵊ "كان يمسح رقبته في الوضوء"، فهذه الزيادة باطلة، وقد خلت الأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء من ذلك، لذا أخطأ الشوكاني في تحسينها بمجموع هذه الطرق (^٤).
* * *
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٢٦٦)، "صحيح مسلم" (٣١٧).
(٢) "بلوغ المرام" (ص: ٤٦٥)، قال: (ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن).
(٣) قال في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٥١٩): (وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم).
(٤) ينظر "نيل الأوطار" (١/ ٢٠٧).
[ ١ / ٥٠١ ]
الوجه الثامن عشر: تصحيحه الحديث - أو الطريق - الذي يروى من غير وجه.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديدًا: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بماء غير فضل يديه.
هذا حديث حسن صحيح.
وروى ابن لهيعة هذا الحديث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بما غير من فضل يديه.
ورواية عمرو بن الحارث، عن حبان أصحّ؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره، أن النبي ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدا.
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا: أن يأخذ لرأسه ماء جديدًا) (^١).
قلت: والشاهد من ذلك قوله أن (رواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث)، وهذا ما اختاره مسلم (^٢).
ومن الأمثلة عليه أيضًا ما سبق نقله في كلامه على حديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
* * *
_________________
(١) (١/ ٢٩٨).
(٢) "صحيح مسلم" (٢٣٦).
[ ١ / ٥٠٢ ]
الوجه التاسع عشر: أن الراوي ولو كان ثقة عنده، لا يلزم أن يكون كل ما رواه صحيحًا، وذلك أنه إذا تبين أنه قد أخطأ في حديث ما، أو تفرد به؛ فإنه يرده، أو يتوقف في حديثه ولا يصححه.
ومنهج أبي عيسى في هذا هو منهج كبار الحفاظ، بخلاف بعض من تأخر؛ كأبي محمد ابن حزم وابن القطان الفاسي وغيرهما، فإن الراوي الثقة عندهم يلزم أن يكون حديثه صحيحا.
والأمثلة على هذا من كتاب "الجامع" كثيرة، فإنه بين في عدة أحاديث خطأ بعض الرواة الثقات، أو توقف في حديثهم عند التفرد.
كما أن الراوي المتكلم فيه لا يلزم أن يكون حديثه دائما ضعيفا، ومن الأمثلة على ذلك:
سفيان بن وكيع، فإنه قد صحح له أحاديث كثيرة، وهذا فيما استقام منها.
ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: شريك بن عبد الله النخعي، فإنه صحح له عدة أحاديث، كما أنه توقف في أحاديث أخرى، وذلك فيما تفرد به، ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام.
قال أبو عيسى: سمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعا، يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك) (^١).
_________________
(١) (١/ ٣٤٥).
[ ١ / ٥٠٣ ]
ولم يحكم عليه بشيء.
وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي".
حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، نحوه بمعناه.
قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك، عن أبي اليقظان) (^١).
كما أنه في حديث آخر عندما تبين له خطؤه ردّه:
قال ﵀: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.
حدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت.
وهذا أصح من حديث شريك؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع. وشريك كثير الغلط) (^٢).
قلت: لا شك أن وكيعا أحفظ بكثير من شريك، فعندما خالفه علم أن شريكا قد أخطأ في هذا الحديث، لذا قال عنه: كثير الغلط.
وكذلك حكمه بالصحة على حديث بإسناد معين لا يلزم منه أن يصحح كل الأحاديث التي جاءت بهذا الإسناد.
_________________
(١) (١/ ٣٥٤).
(٢) (١/ ٣٠٤).
[ ١ / ٥٠٤ ]
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن الرُّبَيع بنت معوذ بن عفراء، أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما، ظهورهما وبطونهما.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادا).
ثم قال في باب ما جاء أن مسح الرأس مرة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبيع بنت معوذ ابن عفراء، أنها رأت النبي ﷺ يتوضأ، قالت: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه، وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة.
وفي الباب، عن علي، وجد طلحة بن مصرف.
قال أبو عيسى: حديث الرُّبيع حديث حسن صحيح.
وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ أنه مسح برأسه مرة) (^١).
قلت: مع أن كلا الحديثين من طريق ابن عقيل عن الرُّبيع بنت معوذ، إلا أن أبا عيسى غاير بينهما في الحكم، فصحح الثاني دون الأول، مع أن الأول إسناده إلى ابن عقيل أصح من الثاني؛ لأن بشر بن مفضل ثقة حافظ بخلاف ابن عجلان، والسبب في هذه المغايرة في الحكم: أن الأول ليس بمستقيم من حيث المتن، وذلك في أمرين:
الأول: قوله (مسح برأسه مرتين)، والصواب مرة واحدة كما تقدم.
_________________
(١) (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
[ ١ / ٥٠٥ ]
الثاني: قوله: (بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه) والصواب العكس، ولأجل هذا لم يصحح هذا الحديث، بينما لفظ الثاني سلم من ذلك، لذا صححه.
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان: (حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي الشعثاء، قال: خرج رجل من المسجد بعد ما أذن فيه بالعصر، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان.
حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
… وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث، عن أبيه) (^١).
قلت: أشعث ثقة، وبالتالي روايته صحيحة، لذا أخرجها مسلم (^٢).
وأما طريق إبراهيم بن مهاجر ففيها ضعف؛ لأن إبراهيم متكلم فيه، وكأن أبا عيسى عندما حكم على الحديث من هذه الطريق بـ "حسن صحيح" حكم على هذا الحديث بمجموع طرقه، مع ملاحظة أن الإمام مسلمًا قد أخرج أيضًا رواية إبراهيم بن مهاجر (^٣).
ويؤيد هذا أنه لم يصحح له سوى هذا الخبر، فقد أخرج له أربعة أحاديث لم يصحح واحدا منها (^٤).
وهذا كثير في كتابه "الجامع"؛ الإسناد الواحد قد يصححه وقد يتوقف
_________________
(١) (١/ ٤٠١).
(٢) "الصحيح" (٦٥٥).
(٣) "الصحيح" (٦٥٥).
(٤) والثلاثة الأخرى عدا المذكور: (٨٩٨)، وقال: (حسن غريب)، (١٩٩٣، ١٩٩٤)، وقال: (غريب)، (٢٤٧٩)، وقال: (حسن غريب).
[ ١ / ٥٠٦ ]
فيه، وذلك تبعًا للمتن من حيث الاستقامة وعدمها، فإن استقام صححه وإلا توقف فيه.
وينظر في ذلك سلسلة: محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بعضها صححه وبعضها توقف فيها.
ومنها سلسلة: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لم يصحح الترمذي منها سوى حديثين، وكثير منها حسنها، وبعضها ضعفها إذ كان في الإسناد إلى عمرو راو ضعيف.
ومنها أيضا سلسلة: قتادة، عن الحسن، عن سمرة، فقد صحح بعضها، وحسن بعضها الآخر.
وغيرها كثير.
* * *
[ ١ / ٥٠٧ ]
الوجه العشرون: الحديث المعلول قد يحكم عليه بأنه حسن، وقد لا يبين وجه العلة في بعض الأحيان، وإنما تظهر عن طريق البحث، وفي بعض الأحيان يبينها أو يشير إليها.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في كراهية فضل طهور المرأة: (حدثنا محمود ابن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي حاجب، عن رجل من بني غفار، قال: نهى رسول الله ﷺ عن فضل طهور المرأة.
وفي الباب عن عبد الله بن سرجس …
حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا حاجب يحدث، عن الحكم بن عمرو الغفاري: أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، أو قال: بسؤرها.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وأبو حاجب اسمه: سوادة بن عاصم.
وقال محمد بن بشار في حديثه: نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، ولم يشكّ فيه محمد بن بشار) (^١).
قلت: هذا الحديث رجاله ثقات، ولكن أُعلّ بالوقف، قال الدارقطني: (أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، واختلف عنه: فرواه عمران بن جرير، وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفا، من قول الحكم غير مرفوع إلى النبي ﷺ) (^٢).
_________________
(١) (١/ ٣١٤ - ٣١٥).
(٢) "السنن" (١/ ٨٢).
[ ١ / ٥٠٨ ]
وقد ذكر المصنف هذا الحديث في كتابه "العلل الكبير" وقال: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح) (^١).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الرخصة بذلك -أي الحجامة للصائم-: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (^٢).
قلت: لم يصححه؛ لأنه غير محفوظ، قال النسائي بعد أن ساقه بنفس إسناد الترمذي: (هذا منكر، لا نعلم أحدا رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة) (^٣).
٣ - وقال أيضا في باب في المسح على الخفين ظاهرهما: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة ابن الزبير، عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما.
قال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن المغيرة، ولا نعلم أحدا يذكر عن عروة، عن المغيرة على ظاهرهما غيره.
قال محمد: وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد) (^٤).
قلت: لم يصححه الترمذي؛ لأنه معلول -كما أشار إلى ذلك- عند حكمه على الحديث، وأن عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد بقوله: (على
_________________
(١) (ص: ٤٠).
(٢) (٢/ ١٣٢).
(٣) "السنن الكبرى" (٥/ ٤٠٠).
(٤) (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ١ / ٥٠٩ ]
ظاهرهما)، وقد جاء حديث المغيرة من طرق أخرى أصح من هذه الطريق وليس فيها ذلك.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم"، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال: حديث عبادة حديث حسن.
وروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وهذا أصح) (^١).
قلت: قوله عن طريق محمد بن إسحاق: (حديث حسن)؛ يريد هنا تعليله، بدليل أنه قال عن طريق الزهري: أصح؛ ولكونه ليس بالساقط قال عنه: حديث حسن.
وظاهر صنيع الإمام البخاري في كتابه "جزء القراءة" تقوية طريق ابن إسحاق، وقد ساق أسانيد أخرى لهذا الخبر من غير طريقه بمثل لفظ ابن إسحاق.
وأخرج البخاري هذا الحديث في كتاب "القراءة خلف الإمام" (^٢)، واحتج به، وقال: رأيت علي بن عبد الله -يعني: المديني- يحتج بحديث ابن إسحاق (^٣).
_________________
(١) (١/ ٤٦٥).
(٢) (١٦٩) من طريق ابن إسحاق به.
(٣) "القراءة خلف الإمام" (ص: ٣٨).
[ ١ / ٥١٠ ]
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الوتر بسبع: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع.
وفي الباب عن عائشة.
قال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن) (^١).
قلت: هذا الحديث اختلف فيه على الأعمش، فرواه محمد بن فضيل وأبو الأحوص وزائدة وأبو عوانة وسفيان، خمستهم عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة.
وخالفهم أبو معاوية فرواه عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة، كما عند المصنف هنا، والصواب رواية الجماعة.
وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث يحيى بن الجزار، عن عائشة، كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع فلما أسنّ أوتر بسبع، فقال: (يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه علي بن مسهر، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة. وخالفه ابن فضيل، رواه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة وقول ابن فضيل أشبه بالصواب) (^٢).
٦ - وقال أيضا في باب التقصير في السفر: (حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر
_________________
(١) (١/ ٥٤٤).
(٢) "علل الدارقطني" (٨/ ٣٥٣).
[ ١ / ٥١١ ]
وعثمان، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، لا يصلون قبلها ولا بعدها، وقال عبد الله: لو كنت مصليا قبلها أو بعدها لأتممتها.
وفي الباب عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وعمران بن حصين، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم، مثل هذا.
وقال محمد بن إسماعيل: وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن عبد الله بن عمر) (^١).
قلت: لم يصححه؛ لأن هذا الإسناد معلولٌ، وإنما الصواب: عبيد الله عن رجلٍ من أهل سراقة عن ابن عمر، كما ذكر البخاري، لذا أعاد أبو عيسى هذا الحديث في "العلل الكبير"، ونقل عن البخاري أنه خطأ، فقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث -يعني: حديث يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يصلون الظهر ركعتين لا يصلون قبلها ولا بعدها، فقال: هذا حديث خطأ، وإنما هو عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن ابن عمر) (^٢).
ومن أمثلة الأحاديث التي حسنها، ثم بيّن علّتها:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم: (حدثنا زياد بن أيوب البغدادي وإبراهيم بن عبد الله الهروي ومحمد بن كامل المروزي المعنى واحد، قالوا: حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن
_________________
(١) (٢/ ٥).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٩٦).
[ ١ / ٥١٢ ]
الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة … الحديث.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن …، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين) (^١).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في زكاة البقر: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارا، أو عِدْلَه مَعافِر.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وروى بعضهم هذا الحديث، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فأمره أن يأخذ، وهذا أصح) (^٢).
٣ - وقال أيضا في باب في نفقة المرأة من بيت زوجها: (حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها به أجر، وللزوج مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا، له بما كسب، ولها بما أنفقت".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
_________________
(١) (٢/ ٤٦ - ٤٨).
(٢) (٢/ ٤٨ - ٤٩).
[ ١ / ٥١٣ ]
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن أبى وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة، كان لها مثل أجره، لها ما نوت حسنا، وللخازن مثل ذلك".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا أصح، من حديث عمرو بن مرة، عن أبي وائل، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه: عن مسروق) (^١).
قلت: حكم على الإسناد الأول بأنه حسن فقط، مع أن رجاله كلهم ثقاتٌ مشاهيرٌ، والسبب أن إسناد هذا الخبر منقطعٌ، فأبو وائل لم يسمع هذا الحديث من عائشة، وإنما بينهما مسروق كما جاء في الإسناد الثاني، لذا صحح الثاني دون الأول.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم: (حدثنا قتيبة، قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد ابن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة.
وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال.
رواه مالك مرسلا.
ورواه أيضا سليمان بن بلال، عن ربيعة مرسلا) (^٢).
_________________
(١) (٢/ ٧٥).
(٢) (٢/ ١٦٨).
[ ١ / ٥١٤ ]
قلت: بين أبو عيسى أن الصواب في هذا الحديث الإرسال، فقد ذكر أن مالك بن أنس، وسليمان بن يسار قد روياه عن ربيعة مرسلًا، ولا شك أنهما يقدَّمان على مطر الوراق الذي روى عن ربيعة موصولًا.
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء كم اعتمر النبي ﷺ؟: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة الثانية من قابل، وعمرة القصاص (^١) في ذي القعدة، وعمرة الثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.
وفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب.
وروى ابن عيينة هذا الحديث، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر، ولم يذكر فيه: عن ابن عباس.
حدثنا بذلك سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن النبي ﷺ. فذكر نحوه) (^٢).
قلت: هذا الحديث حكم عليه بـ "حسن" وفي بعض النسخ: "غريب" فقط، ثم بيَّن علته: وهي أن ابن عيينة قد رواه عن عمرو بن دينار مرسلًا، ولا شك أنه أحفظ من داود بن عبد الرحمن العطار الذي وصله، ففيه أيضًا ترجيح رواية الأحفظ على من دونه، لذا عندما رواه البيهقي وذكر الخلاف فيه نقل عن علي بن عبد العزيز البغوي قوله: (ليس أحد يقول في هذا الحديث: عن ابن عباس، إلا داود بن عبد الرحمن) (^٣).
_________________
(١) في بعض النسخ: (القضاء).
(٢) (٢/ ١٥٤ - ١٥٥).
(٣) "السنن الكبرى" (٥/ ١٨).
[ ١ / ٥١٥ ]
٦ - وقال أيضا في باب ما جاء أن القارن يطوف طوافا واحدا: (حدثنا خلاد بن أسلم البغدادي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعا".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (^١).
(^٢) وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه، وهو أصح) (^٣).
قلت: بعد أن حسنه بيّن علته وأن الراجح فيه الوقف.
٧ - وقال أيضا في باب ما جاء في الغسل من غسل الميت: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مِنْ غَسْلِه الغُسل، ومِنْ حمله الوُضوء" يعني: الميت.
وفي الباب عن علي، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفا) (^٤).
قلت: لم يصحح هذا الحديث؛ لأن الصواب فيه الوقف، وهذا ما ذهب إليه البخاري، وقد أطال في "تاريخه الكبير" بذكر أسانيد هذا الخبر
_________________
(١) كذا في طبعة بشار، وفي طبعة التأصيل: (حسن غريب صحيح)، وفي طبعة شاكر: (حسن صحيح غريب).
(٢) في طبعة بشار زيادة: (تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ).
(٣) (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢).
(٤) (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
[ ١ / ٥١٦ ]
وذلك في ترجمة إسحاق أبي عبد الله مولى زائدة (^١)، كما أن فيه علة أخرى: وهي أن ابن علية وسفيان بن عيينة، روياه عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفًا، ولهذا لم يصححه المصنف.
٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو صفوان، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله ﷺ على حمزة يوم أحد، فوقف عليه فرآه قد مُثِّل به، فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها". قال: ثم دعا بنمرة، فكفنه فيها، فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه. قال: فكثر القتلى، وقَلَّت الثياب. قال: فكُفِّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فجعل رسول الله ﷺ يسأل عنهم: "أيهم أكثر قرآنا"، فيقدمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يصلّ عليهم.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه.
النمرة: الكساء الخلق.
وقد خولف أسامة بن زيد في رواية هذا الحديث:
فروى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله.
وروى معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن جابر.
ولا نعلم أحدا ذكره عن الزهري عن أنس، إلا أسامة بن زيد.
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).
[ ١ / ٥١٧ ]
وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حديث الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر، أصح) (^١).
في "تحفة الأشراف" (^٢)، وطبعة بشار: (غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه).
وفي طبعة شاكر (^٣)، و"الرسالة" (^٤)، و"التأصيل" (^٥)، و"تحفة الأحوذي" (^٦): (حسن غريب …).
قلت: تبين مما تقدم أن نسخ الترمذي مختلفة في حكمه على هذا الخبر، ولكن قد بيّن أنه خبر معلول ولا يصح، فإن كان حكم عليه بأنه حسن غريب ففيه دليل على أنه قد يحسن الخبر ثم يبين علته.
٩ - وقال أيضا في باب ما جاء يقول إذا أدخل الميت القبر: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر -وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده-، قال مرة: "بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله"، وقال مرة: "بسم الله، وبالله، وعلى سنة رسول الله ﷺ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
ورواه أبو الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
وقد روي عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، موقوف أيضا) (^٧).
_________________
(١) (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٢) (١/ ٣٧٦).
(٣) (١٠١٦).
(٤) (١٠٣٧).
(٥) (١٠٤٠).
(٦) (٤/ ٨٣).
(٧) (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ٥١٨ ]
وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث يروى عن نافع، عن ابن عمر؛ كان النبي ﷺ إذا وضع الميت في قبره، قال: "بسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ"، فقال: (يرويه حجاج بن أرطاة، واختلف عنه؛
فرواه أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ …
وغيره يرويه عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يفعل …، غير مرفوع.
وهو الصواب) (^١).
قلت: الذي يظهر أن أبا خالد الأحمر هو الذي تفرد به عن حجاج مرفوعًا، كما يفهم من كلام الدارقطني، وهو ظاهر كلام أبي عيسى، في قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه).
وجاء من حديث أبي الصديق الناجي عن ابن عمر: فرواه همام، عن قتادة، عنه، عن ابن عمر مرفوعًا، وتفرد بذلك، كما قاله أبو نعيم، والبيهقي.
قال أبو نعيم: (لم يرفعه عن قتادة إلا همام، ورواه شعبة وهمام موقوفًا) (^٢).
وقال البيهقي: (والحديث يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد، وهو ثقة، إلا أن شعبة، وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفًا على ابن عمر) (^٣).
قلت: خالفه شعبة وهشام، فوقفاه، وهو الصحيح.
_________________
(١) (١٢/ ٣٥٨).
(٢) "حلية الأولياء" (٣/ ١٠٢).
(٣) "السنن الكبرى" (٤/ ٩١).
[ ١ / ٥١٩ ]
وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث يروى عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: "إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله"، فقال: (يرويه قتادة، واختلف عنه؛
فرواه هشام (^١)، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
حدث به عنه: يزيد بن هارون، وسعيد بن عامر، وحجاج بن منهال، وهدبة.
واختلف عن وكيع:
فرواه أحمد بن أبي رجاء المصيصي، عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن ابن عمر، ووهم فيه.
وخالفه سريج بن يونس وغيره؛ رووه عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي الصديق، وهو الصواب.
وقيل: عن سعيد بن عامر، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
والمحفوظ عن هشام، موقوفا، من قول ابن عمر، وفعله.
وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن هشام، عن هشام.
وكذلك رواه شعبة، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، موقوفا، وهو المحفوظ) (^٢).
_________________
(١) قال المحقق: (هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: همام). قلت: وهذا هو الصواب.
(٢) "العلل" (١٢/ ٤٠٩).
[ ١ / ٥٢٠ ]
فتبين أن الصواب في هذا الخبر هو الوقف.
وجاء أيضًا من طريق أيوب عن نافع.
أخرجه البزار (^١)، والطبراني (^٢) من طريق سعيد بن عامر الضبعي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ".
قال البزار: (وحديث أيوب لا نعلم رواه عن سعيد بن أبي عروبة إلا سعيد بن عامر).
وقال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سعيد بن أبي عروبة، ولا عن سعيد بن أبي عروبة إلا سعيد بن عامر، ولا عن سعيد إلا سوار بن سهل).
قلت: ورفع هذا الحديث خطأ لا شك فيه، بل أنا أشك أن سعيدًا قد رواه، فأين أصحابه عن هذا الخبر؟! بل -وقبل سعيد- أين أصحاب أيوب عنه؟!
وسعيد بن عامر، وإن كان من الثقات، ولكنْ له أغلاط وأفراد.
وسوار، وإن كان أبو داود قال: (لو لم أثق به ما رويت عنه). إلا أن ابن حبان عندما ذكره في "الثقات" قال عنه: يغرب. وهذا من غرائبه.
كما قال عنه الذهبي في "الميزان": لا يدرى من هو.
والظاهر أنه صدوق كما قال ابن حجر (^٣).
_________________
(١) (٥٨٢٥).
(٢) (٧٣٤٧).
(٣) ينظر: "الثقات" لابن حبان (٨/ ٣٠٢)، "تهذيب الكمال" (١٢/ ٢٣٨)، "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٢٧)، "التقريب" (٢٦٨٣).
[ ١ / ٥٢١ ]
وقد جاء من وجه آخر عن أيوب موقوفًا، وهو غريب أيضًا:
أخرجه الطبراني أيضًا (^١)، قال: (حدثنا موسى بن زكريا، نا شيبان بن فروخ، ثنا سويد أبو حاتم، نا حجاج بن أرطأة وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سويد أبي حاتم إلا شيبان).
قلت: وهذا الإسناد أيضًا لا يصح، سويد لا يحتج به، وشيبان له أوهام.
١٠ - وقال أيضا في باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: (حدثنا زيد بن أخزم الطائي البصري، قال: حدثنا عثمان بن فرقد، قال: سمعت جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: الذي ألحد قبر رسول الله -صلى الله عليه، وسلم- أبو طلحة والذي ألقى القطيفة تحته شقران مولى رسول الله ﷺ.
قال جعفر: وأخبرني ابن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر.
وفي الباب عن ابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث شقران حديث حسن غريب، وروى علي بن المديني، عن عثمان بن فرقد هذا الحديث) (^٢).
قلت: وأخرجه ابن أبي عاصم، قال: (حدثنا يحيى بن خلف وزيد بن أخزم، قالا: ثنا عثمان بن فرقد، قال: سمعت جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: ألحد قبرَ النبي ﷺ أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران ﵁.
_________________
(١) "المعجم الأوسط" (٨/ ١٨١) رقم (٨٣٣٦).
(٢) (٢/ ٢٧٤).
[ ١ / ٥٢٢ ]
قال جعفر: وحدثني ابن أبي رافع، قال: سمعت شقران، يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر) (^١).
وأخرجه المزي من طريق الطبراني، قال: (حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي، قال: حدثنا زيد بن أخزم، قال: حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني، قال: سمعت جعفر بن محمد، يحدث عن أبيه، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت شقران مولى رسول الله ﷺ يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ) (^٢).
قال المزي: (رواه عن زيد بن أخزم، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر ابن محمد، عن ابن أبي رافع، ولم يقل عن أبيه، وقال: حسن غريب. وقد روى علي ابن المديني هذا الحديث عن عثمان بن فرقد.
ورواية من قال: عن أبيه أولى بالصواب، والله أعلم).
وهو عند الطبراني (^٣): عثمان الغطفاني. ولم ينسبه إلى أبيه.
قلت: قد رواه علي بن المديني، وزيد بن أخزم -كما رواه عنه أبو عيسى الترمذي، وابن أبي عاصم-، ويحيى بن خلف -كما عند ابن أبي عاصم أيضًا-، ثلاثتهم رووه عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، قال: أخبرني ابن أبي رافع، سمعت شقران … فذكره.
ولا شك أن روايتهم أولى بالصواب، ومحمد بن صالح بن الوليد النرسي، نعم، أكثرَ عنه الطبراني، ولكن لم أقف على توثيقٍ له، فرواية
_________________
(١) "الآحاد والمثاني" (١/ ٣٤٥)، رقم (٤٦٨).
(٢) "تهذيب الكمال" (١٢/ ٥٤٦).
(٣) "المعجم الكبير" (٨/ ٧٥) رقم (٧٤٠٩).
[ ١ / ٥٢٣ ]
الترمذي وابن أبي عاصم، -وهما من كبار الحفاظ- عن زيد بن أخزم تقدَّم على روايته عنه (^١).
وقد روى عن عبيد الله بن رافع أناسٌ هم من أقران جعفر: كزيد بن علي بن الحسين، وقد ذكر أنه ولد سنة ثمانين، وجعفر قد ولد أيضًا في نفس السنة. وعبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع وهو من الطبقة السادسة كما ذكر ابن حجر، وجعفر أيضًا من السادسة؛ فسماعه منه لا يُنكر.
لذا ذكر الذهبي في ترجمة جعفر: أنه يروي عن عبيد الله بن أبي رافع، ولم يتعقبه بشيء، كما ذكر في ترجمة جعفر (^٢) أنه رأى بعض الصحابة؛ كأنس بن مالك، وسهل بن سعد.
ويؤكد هذا أن أبا حاتم الرازي قال: (روى عثمان، عن جعفر، عن عبيد الله بن أبي رافع … حديث منكر) (^٣). فلم يذكر عن أبيه، وهذا ما وقع أيضًا في سؤال عبد الرحمن بن أبي حاتم لأبيه، قال: (وسألت أبي عن حديث رواه علي ابن المديني، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، عن ابن أبي رافع؛ قال: سمعت شقران مولى رسول الله ﷺ يقول: أنا -والله- طرحت لرسول الله ﷺ قطيفة في القبر. قال أبي: هذا حديث منكر) (^٤).
وقد يكون عثمان بن فرقد أخطأ في روايته عن جعفر في قوله: أخبرني ابن أبي رافع، وقد تقدم أنه متكلَّم فيه.
_________________
(١) كما أنه أخطأ أيضًا في نسبة عثمان، فقال: الغطفاني. وهذه النسبة لا تُعرف لعثمان هذا إلا في روايته، كما أنه وقع في رواية المزي تسميته عثمان بن عثمان، والصواب: عثمان بن فرقد.
(٢) "سير أعلام النبلاء" (٦/ ٢٥٥).
(٣) ينظر: "الجرح والتعديل" (٦/ ١٦٤).
(٤) "علل الحديث" (٣/ ٥٢٤).
[ ١ / ٥٢٤ ]
والخلاصة في هذا الخبر، أنه خبرٌ منكرٌ في وصله.
وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن ابن جريج قال: (أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الذي لحد قبر النبي ﷺ أبو طلحة، وأن الذي ألقى القطيفة مولى النبي ﷺ شقران) (^١).
فالصواب في هذا الخبر أنه مرسلٌ.
* * *
_________________
(١) "المصنف" (٣/ ٣٥٩)، رقم (٦٤٨٦).
[ ١ / ٥٢٥ ]
الوجه الحادي والعشرون: أن الصحيح عنده على درجات، فهناك صحيح وأصح.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر".
وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. أنه قال: "ينزل الله ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر".
وهو أصح الروايات) (^١).
قلت: يلاحظ أن أبا عيسى حكم على الإسناد الأول بأنه حسن صحيح، ثم بيَّن أن اللفظ الآخر -وهو أن الله ﷿ ينزل في ثلثِ الليل الآخرِ- أصح، فعلى هذا يكون عنده صحيح وأصح، وهذا ما فعله مسلم في هذا الحديث فقد أخرج كلا اللفظين (^٢).
_________________
(١) (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).
(٢) "صحيح مسلم" (٧٥٨).
[ ١ / ٥٢٦ ]
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: جُعل في قبر النبي ﷺ قطيفةٌ حمراء.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى شعبة، عن أبي حمزة القصاب -واسمه عمران بن أبي عطاء-، وروى عن أبي جمرة الضبعي -واسمه نصر بن عمران-، وكلاهما من أصحاب ابن عباس.
وقد روي عن ابن عباس أنه كره أن يُلقى تحت الميت في القبر شيءٌ.
وقال محمد بن بشار، في موضع آخر: حدثنا محمد بن جعفر ويحيى، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، وهذا أصحّ) (^١).
قلت: وأنا أذهب إلى هذا، وهو أن الإسناد الثاني أصح، وإن كان الأول صحيحًا أيضًا، وذلك أن الإسناد الثاني رواه مع القطان محمد بن جعفر، ومحمد من أثبت الناس في شعبة، فصار بذلك أصح.
إلا إن كان أبو عيسى يقصد أن هذا الحديث قد سمعه محمد بن بشار من شيخيه في مجلس واحد، فالأولى في هذه الحالة: أن لا يفرد أحدهما عن الآخر عند التحديث به؛ لأن لفظ الخبر قد يكون للأول دون الثاني.
وكذا لو سُمع الحديث من كل واحد منهما في مجلس، ولم يبين هل اتفقا في سياق الخبر أم اختلفا، أم بينهما شيء من الاختلاف؟ فالأولى
_________________
(١) (٢/ ٢٧٤) وفي طبعة بشار عواد تقديم الإسناد الثاني، حيث ذكره مباشرة بعد الإسناد الأول، والمثبت من طبعة التأصيل والرسالة (٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩).
[ ١ / ٥٢٧ ]
أيضا في هذه الحالة أن يجمعهما عند تحديثه بهذا الخبر، إلا إذا بين (^١)، وقد يكون لأبي عيسى قصد آخر فالله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) وهذا قد لا يراه شيئا غير المختص، ولكن من علم تصرفات المحدثين لا يتعجب من ذلك، ودونك "صحيح مسلم" فترى من الدقة الشيء العجاب، وقد قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٧١): (وقال الساجي في "الجرح والتعديل": كذبه يحيى بن معين، وقال محمد بن قاسم: لما قدم يحيى بن معين مصر حضر مجلس عبد الله، فأول ما حدث به كتاب "فضائل عمر بن عبد العزيز"، فقال: حدثني مالك وعبد الرحمن بن زيد وفلان وفلان فمضى في ذلك ورقة، ثم قال: كلٌّ حدثني هذا الحديث، فقال له يحيى: حدثك بعض هؤلاء بجميعه، وبعضهم ببعضه؟ فقال: لا، حدثني جميعهم بجميعه. فراجعه، فأصر، فقام يحيى وقال للناس: يكذب). قلت: فيحيى بن معين هنا لم ينكر عليه أنه سمع من جميعهم، وإنما أنكر عليه اتفاقهم على سياق هذا الخبر كاملا من جميعهم، وهذا إن ثبتت هذه القصة، وذلك أن الذهبي قال في "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٢٢١): (لم يثبت قول ابن معين: إنه كذاب)، ونحوه في "تاريخ الإسلام" (٥/ ٣٤٨).
[ ١ / ٥٢٨ ]
الوجه الثاني والعشرون: مع ما تقدم من جلالة أبي عيسى في هذا الفن، إلا أن ذلك لا يمنع أنه قد يصحح أحاديث يخالَف فيها وتكون معلولة.
ومن المعلوم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب في تخليل اللحية: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان بن عفان، أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا الحديث معلول، عامر بن شقيق تكلم فيه يحيى بن معين، وأظن أن أبا وائل لم يسمع من عثمان، وأن بينهما واسطة.
ومما يؤكد أن هذا الخبر معلول، أن حديث عثمان جاء من طرق في "الصحيحين" وليس فيه أنه كان ﵊ يخلل لحيته، بل إن الإمام أحمد (^٢)، وأبا حاتم الرازي (^٣)، والعقيلي (^٤)، وابن المنذر (^٥)، وابن حزم (^٦) ضعفوا كل الأحاديث المرفوعة التي وردت في التخليل.
_________________
(١) (١/ ٢٩٦).
(٢) "مسائل أحمد" لأبي داود (ص: ١٣).
(٣) "علل الحديث" لابن أبي حاتم (١/ ٥٥٣). وقال ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ١٩١): (وقال أحمد وأبو زرعة: لا يثبت في تخليل اللحية حديث). قلت: أخشى أن هذا وهم، وأن الصحيح: أحمد، وأبو حاتم.
(٤) "الضعفاء الكبير" (٤/ ٣٢٧).
(٥) "الأوسط" (١/ ٣٨٥).
(٦) "المحلى" (٢/ ٣٥ - ٣٧).
[ ١ / ٥٢٩ ]
ومما يؤيد أن هذا الخبر غير محفوظ، أن عامر بن شقيق روى أيضًا عن أبي وائل قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله فعل هذا. أخرجه أبو داود من طريق إسرائيل بن يونس عن عامر به (^١).
قلت: هذا الحديث غير محفوظ، والصواب أن الرسول ﷺ مسح رأسه مرة واحدة، وهذا ما ذهب إليه جمع من أهل العلم، منهم أبو عيسى، كما بين ذلك في كتابه "الجامع" (^٢)، وهذا يؤكد أن عامر بن شقيق لا يحتج به، وهذا ما ذهب إليه يحيى بن معين، فهو كما أخطأ في هذه القضية فقد أخطأ أيضا في الأولى.
٢ - وقال أيضا في باب في المسح على الجوربين والنعلين: (حدثنا هناد ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٣).
قلت: هو حديث معلول، وقد أعلّه كبار الحفّاظ.
قال عبد الله بن أحمد: (حدثت أبي بحديث الأشجعي ووكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن المغيرة بن شعبة قال: مسح النبي ﷺ على الجوربين والنعلين. قال أبي: ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي: أَبَى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر، يعني: حديث المغيرة هذا، لا يرويه إلا من حديث أبي قيس) (^٤).
_________________
(١) "السنن" (١١٠).
(٢) "جامع الترمذي" (١/ ٢٩٦).
(٣) (١/ ٣٣٨).
(٤) "العلل" (٣/ ٣٦٧).
[ ١ / ٥٣٠ ]
وقال الميموني: (سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن حديث أبي قيس الأودي، مما روى عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ أنه مسح على النعلين والجوربين، فقال لي: المعروف عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، ليس هذا إلا من أبي قيس، إن له أشياء مناكير) (^١).
وقال مسلم: (ذكرُ خبر ليس بمحفوظ المتن)، ثم أخرج الحديث، وتوسع في ذكر طرقه ثم قال: (قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح، بخلاف ما روى أبو قيس، عن هزيل، عن المغيرة، ما قد اقتصصناه، وهم من التابعين وأجلتهم، مثل مسروق. وذكر من قد قُدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل، ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بَيِّن لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبر وتحمل ذلك، والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل؛ لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا الخبر، سنذكرها في مواضعها إن شاء الله،
فأما في خبر المغيرة في المسح فأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاد، عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قال عبد الله بن المبارك: عرضت هذا الحديث -يعني: حديث المغيرة من رواية أبي قيس- على الثوري فقال: لم يجئ به غيره، فعسى أن يكون وهمًا) (^٢).
وقال أبو داود: (كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين. قال أبو داود: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه مسح على الجوربين وليس بالمتصل ولا بالقوي) (^٣).
_________________
(١) "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية المروذي وغيره" (ص: ٢١٩).
(٢) "التمييز" (ص: ١٦٠ - ١٦٦).
(٣) "السنن" (١٥٩).
[ ١ / ٥٣١ ]
وقال النسائي: (ما نعلم أن أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين، والله أعلم) (^١).
وقال الدارقطني -بعد أن سئل عن حديث هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة، عن النبي ﷺ؛ أنه مسح على الجوربين والنعلين-: (يرويه الثوري، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة. ورواه كليب بن وائل، عن أبي قيس، عمن أخبره عن المغيرة وهو هزيل، ولكنه لم يسمه، ولم يروه غير أبي قيس، وهو مما يعد عليه به؛ لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين) (^٢).
وقال البيهقي: (حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة، حديث المسح على الخفين) (^٣).
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في التيمم: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه سئل عن التيمم، فقال: إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فكانت السنة في القطع الكفين، إنما هو الوجه والكفان، يعني التيمم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب) (^٤).
_________________
(١) "السنن الكبرى" (١٢٩).
(٢) "العلل" (١٢٤٠).
(٣) "معرفة السنن والآثار" (٢٠٥٥، ٢٠٥٦)، وينظر: "نصب الراية" (١/ ١٨٤).
(٤) (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
[ ١ / ٥٣٢ ]
قلت: هذا الحديث لا يصح، محمد بن خالد لا يُدْرى من هو، وداود قد تُكلم في روايته عن عكرمة، ويخشى أن هشيمًا لم يسمع من محمد بن خالد، فهذا الخبر لا يصح، والله تعالى أعلم.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالا يؤذن ويدور، ويتبع فاه ها هنا، وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء، أراه قال: من أدم، فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها بالبطحاء، فصلى إليها رسول الله ﷺ، يمر بين يديه الكلب والحمار، وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه قال سفيان: نراه حِبَرةً.
قال أبو عيسى: حديث أبي جحيفة حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا الخبر -أي وضع الأصبعين في الأذنين- غير محفوظ، وقد أُنكر على عبد الرزاق، وقد نُقل تضعيفه عن الإمام أحمد، والبخاري، وابن خزيمة، ويضاف إليهم الدارمي فيما يظهر.
قال ابن رجب: (ورواه عبد الرزاق، عن سفيان، ولفظ حديثه: عن أبي جحيفة، قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، ويتتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء … وذكر بقية الحديث.
خرّجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق.
وخرّجه من طريقه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وخرّجه البيهقي، وصححه أيضا.
_________________
(١) (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ١ / ٥٣٣ ]
وهذا هو الذي علقه البخاري ها هنا بقوله: "ويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه".
وقال البيهقي: لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة، وسفيان إنما روى هذه اللفظة في "الجامع" -رواية العدني عنه-، عن رجل لم يسمّه، عن عون.
قال: وروي عن حماد بن سلمة، عن عون بن أبي جحيفة مرسلًا، لم يقل: "عن أبيه"، والله أعلم.
قلت: وكذا روى وكيع في كتابه، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: أتينا النبي ﷺ، فقام بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه، يحرف رأسه يمينًا وشمالًا.
وروى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة: أن بلالًا كان يجعل إصبعيه في أذنيه.
فرواية وكيع، عن سفيان، تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه.
ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة، ولم يخرجها مسلم أيضا، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها ﵁.
وقد خرّج الحاكم من حديث إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن الثوري ومالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ نزل بالأبطح … فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، وذكر فيه الاستدارة، وإدخال الإصبعين في الأذنين.
وقال: هو صحيح على شرطهما جميعًا.
وليس كما قال؛ وإبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة، وقد ذمه الإمام أحمد ذمًا شديدًا، وضعفه النسائي وغيره.
[ ١ / ٥٣٤ ]
وخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر.
وخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، فجعل إصبعيه في أذنيه.
حجاج مدلس، قال ابن خزيمة: لا ندري هل سمعه من عون، أم لا.
وقال البيهقي: يحتمل أن يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالًا، فيكون موافقًا لسائر الرواة. قال: وحجاج ليس بحجة.
وخرّجه من طريق آخر عن حجاج، ولفظ حديثه: رأيت بلالًا يؤذن، وقد جعل إصبعيه في أذنيه، وهو يلتوي في أذانه يمينًا وشمالًا.
وقد رُويت هذه الاستدارة من وجه آخر: من رواية محمد بن خليد الحنفي -وهو ضعيف جدًا-، عن عبد الواحد بن زياد، عنه، عن مسعر، عن علي بن الأقمر، عن عون، عن أبيه. ولا يصح أيضا.
وخرّج ابن ماجه من حديث أولاد سعد القرظ، عن آبائهم، عن سعد، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: "إنه أرفع لصوتك". وهو إسناد ضعيف؛ ضعفه ابن معين وغيره.
وروي من وجوه أخَر مرسلة) (^١).
وقال أيضًا: (قال أبو طالب: قلت لأحمد: يدخل إصبعيه في الأذن؟ قال: ليس هذا في الحديث. وهذا يدل على أن رواية عبد الرزاق، عن
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب (٥/ ٣٧٥ - ٣٧٨).
[ ١ / ٥٣٥ ]
سفيان، التي خرّجها في "مسنده" والترمذي في "جامعه" غير محفوظة) (^١).
قلت: والدارمي أيضًا فيما يظهر من صنيعه يرى أن وع الأصبعين عند الأذان غير محفوظ، فقد قال في (باب الاستدارة في الأذان، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه ﵁، أنه رأى بلالا أذن، قال: فجعلت أتبع فاه ها هنا، وها هنا بالأذان.
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا عباد، عن حجاج، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أن بلالا ركز العنزة، ثم أذن، ووضع أصبعيه في أذنيه، فرأيته يدور في أذانه.
قال عبد الله: حديث الثوري أصح) (^٢).
وأما حكم ذلك من الناحية الفقهية: ففيه تفصيل؛ إن كان قصده رفع الصوت، فهذا حسن، وقد جاء ما يدل عليه، وهو ما أخرجه مسلم من طريق داود، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: "أي واد هذا؟ " فقالوا: وادي الأزرق، فقال: "كأني أنظر إلى موسى ﷺ -فذكر من لونه وشعره شيئا لم يحفظه داود- واضعا إصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارا بهذا الوادي" قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال: "أي ثنية هذه؟ " قالوا: هرشى -أو لفت- فقال: "كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، مارا بهذا الوادي ملبيا" (^٣).
وأخرج الجهضمي حديثًا لا بأس بإسناده: أن بلالًا أذّن، -والمقصود هنا مطلق المناداة وليس أذان الصلاة-، ووضع أصبعيه في أذنيه (^٤).
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب (٥/ ٣٨٣).
(٢) "سنن الدارمي" (٢/ ١٢) (١٢١٨، ١٢١٩).
(٣) "صحيح مسلم" (١٦٦).
(٤) "تركة النبي ﷺ" (ص: ٧٤).
[ ١ / ٥٣٦ ]
ومن المعلوم أن وضع الأصبعين في الأذنين يجعل المنادي يرفع صوته أكثر.
وأما إذا لم يقصد ذلك، فلا يضع أصبعيه في أذنيه؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء.
ومما ينبغي التنبيه إليه، أن كثيرًا من المؤذنين يضع كفيه، أو أصابع كفيه على أذنيه، ويلتزم ذلك في أذانه، وهذا بدعة؛ لأنه لم يأت في ذلك خبر أصلًا (^١).
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر: (حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه".
وفي الباب عن عائشة.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه.
وقد روي عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر في بيته اضطجع على يمينه.
وقد رأى بعض أهل العلم أن يفعل هذا استحبابا) (^٢).
قلت: تصحيح المصنف لهذا الحديث ثابتٌ، فقد نقله المزي في "التحفة" (^٣)، وهكذا أيضًا في "تحفة الأحوذي" (^٤)، والنسخة التي مع الشرح الطبعة الحجرية (^٥).
_________________
(١) وينظر: "فتح الباري" لابن رجب (٥/ ٣٨١).
(٢) (١/ ٥٢٦).
(٣) (٩/ ١٠٥).
(٤) (٢/ ٣٩٤).
(٥) (١/ ٣٢٣).
[ ١ / ٥٣٧ ]
كما صححه أيضًا ابن خزيمة (^١)، وحمل الأمر على الاستحباب، وصححه ابن حبان أيضًا (^٢)، وقال: (ذكر الأمر بالاضطجاع بعد ركعتي الفجر لمن أراد صلاة الغداة) ثم ساقه.
وصححه ابن حزم (^٣)، وذهب إلى فرضية النوم قبل الصلاة بعد أداء الراتبة سواء أكانت فرضية أداءٍ أو قضاءٍ، وأن الصلاة لا تجوز إلا بذلك، وأما إذا لم يُصَل الراتبة فإنها تسقط، أي: الضجعة بعدها.
والصواب أن هذا الخبر معلولٌ، كما ذهب إلى هذا الإمام أحمد، والبيهقي، ونقل ابن القيم عن ابن تيمية أن هذا الخبر باطلٌ، وأن الصواب أنها من فعله لا من أمره (^٤).
وأنا أذهب إلى هذا، وأن عبد الواحد قد أخطأ، وتفرد بهذا الخبر، وحديثه عن الأعمش متكلَّم فيه.
٦ - وقال أيضا في باب في الوضوء يوم الجمعة: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
وفي الباب عن أبي هريرة، وأنس، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث سمرة حديث حسن صحيح.
قد روى بعض أصحاب قتادة هذا الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
_________________
(١) "الصحيح" (١١٢٠).
(٢) "الصحيح" (٢٤٦٧).
(٣) "المحلى" (٢/ ١٩٦).
(٤) ينظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (٤٨٨٧) (٤٨٨٨)، "التمهيد" لابن عبد البر (٨/ ١٢٦)، "زاد المعاد" (١/ ٣٠٨).
[ ١ / ٥٣٨ ]
ورواه بعضهم، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسل مرسلا) (^١).
قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الحديث، ففي نسخة "ب"، و"تحفة الأشراف"، والنسخة التي عليها "شرح العراقي": (حسن). وأما باقي النسخ الخطية ففيها: (حسن صحيح)، قاله محققو طبعة الرسالة (^٢).
قلت: وفي "تحفة الأحوذي" (^٣)، والنسخة الحجرية المطبوعة مع التحفة: (حسن) فقط.
وأما الاختلاف على قتادة في وصل هذا الحديث وإرساله؛ فالصواب الوصل، فقد وصله: شعبة (^٤)، وأبو عوانة (^٥)، وهمام (^٦) عن قتادة، وهو الصحيح، ويؤكد ذلك رواية يونس بن عبيد عن الحسن عن سمرة (^٧)، فالصواب الوصل. وإلى هذا ذهب العقيلي، والدارقطني (^٨).
وأما الذين أرسلوه، فهم: معمر، -كما أخرجه عبد الرزاق عنه- (^٩)، وأبان، -كما ذكره الدارقطني- (^١٠)، وسعيد بن أبي عروبة -في رواية
_________________
(١) (١/ ٥٦٨).
(٢) (٢/ ٤٩).
(٣) (٣/ ٦).
(٤) أخرجه أحمد (٢٠١٢٠)، والنسائي (١٣٩٦)، وصححه ابن خزيمة (١٧٥٧) من طريق يزيد بن زريع عن شعبة.
(٥) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦٨٢٠).
(٦) أخرجه أحمد (٢٠٠٨٩)، وأبو داود (٣٥٤).
(٧) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦٩٢٦).
(٨) "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ١٦٦)، و"علل الدارقطني" (٦/ ١٤٥).
(٩) "المصنف" (٥٣٧٠).
(١٠) ينظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (١٤١١)، "العلل الكبير" للترمذي (١٤١).
[ ١ / ٥٣٩ ]
الخفاف (^١)، وأما في رواية يزيد بن زريع عنه فقد وصله (^٢) -.
وقال أبو حاتم: (جميعا صحيحيْن؛ همام ثقة وصله، وأبان لم يوصله) (^٣).
وأما الحكم على هذا الحديث: فالصواب أنه لا يصح، وذلك؛ لأن رواية الحسن عن سمرة، إنما هي صحيفة، وسمع بعض الأحاديث من سمرة، كحديث العقيقة. قال ابن حجر في "فتح الباري": (وله علتان: إحداهما: أنه من عنعنة الحسن، والأخرى: أنه اختلف عليه فيه) (^٤).
قلت: أما الاختلاف فتبين أنه ليس بعلة، والصواب الوصل، فبقيت الأولى.
تنبيه: جاء في بعض طرق هذا الحديث عن الحسن عن أنس، وعن جابر، والصواب ما تقدّم (^٥).
٧ - وقال أيضا في باب التقصير في السفر: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، قال: سئل عمران بن حصين عن صلاة المسافر، فقال: حججت مع رسول الله ﷺ فصلى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلى ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثمان سنين فصلى ركعتين.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١٤١١)، وينظر: "العلل الكبير" للترمذي (١٤١).
(٢) ذكره الدارقطني في "العلل" (٦/ ١٤٥).
(٣) "علل الحديث" لابن أبي حاتم (٢/ ٥٤١).
(٤) (٢/ ٣٦٢).
(٥) ينظر: "الضعفاء" للعقيلي (٢/ ١٦٦)، "العلل" للدارقطني (٥/ ١٨٤).
[ ١ / ٥٤٠ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: وهذا لا يصح، ابن جدعان لا يحتج به.
٨ - وقال أيضا في باب ما ذكر في الرخصة للجنب في الأكل والنوم إذا توضأ: (حدثنا هناد، قال: حدثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار: أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
هكذا في أكثر من نسخةٍ، وفي "التحفة" أيضًا (^٣).
قلت: يحيى لم يلق عمارا، كما قاله الدارقطني (^٤)، فبينهما رجلٌ، كما قاله أبو داود (^٥)، بالإضافة إلى أن عطاء الخرساني متكلّمٌ فيه، هذا إضافة إلى غرابة هذا الحديث من هذا الوجه، وقد جاء نحوه من حديث عمر (^٦)، وحديث عائشة (^٧).
٩ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان لحال رمضان: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد،
_________________
(١) (٢/ ٦).
(٢) (٢/ ٤٠).
(٣) (٧/ ١٦٩).
(٤) ينظر: "سؤالات البرقاني للدارقطني" (ص: ٦٢).
(٥) عقب إخراجه هذا الحديث في "سننه" (٢٢٥).
(٦) أخرج البخاري (٢٨٧) واللفظ له، ومسلم (٣٠٦) من حديث نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب، سأل رسول الله ﷺ أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم إذا توضأ أحدكم، فليرقد وهو جنب".
(٧) أخرج مسلم (٣٠٥) من حديث الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة، وأخرجه البخاري (٢٨٨) من حديث عروة عن عائشة وليس فيه ذكر الأكل.
[ ١ / ٥٤١ ]
عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا".
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.
ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مفطرا، فإذا بقي شيء من شعبان أخذ في الصوم لحال شهر رمضان.
وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ما يشبه قوله هذا، حيث قال النبي ﷺ: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام، إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم".
وقد دل في هذا الحديث أنما الكراهية على من يتعمد الصيام لحال رمضان) (^١).
قلت: خولف أبو عيسى في تصحيحه لهذا الخبر، وقبل أن أنقل من خالفه، أنقل قول من وافقه على تصحيحه.
فقد وافقه أبو جعفر الطحاوي (^٢)، وابن حبان (^٣)، والحاكم (^٤)، وابن عبد البر (^٥)، وابن حزم (^٦)، والجورقاني (^٧)، فظهر أنه لم يصححه أحد من الأئمة المتقدمين سوى أبي عيسى.
وأما الذين ضعفوه وأعلوه:
فعلى رأسهم عبد الرحمن بن مهدي، قال أبو داود: بعد أن روى هذا
_________________
(١) (٢/ ١١٢).
(٢) "شرح معاني الآثار" (٢/ ٨٣).
(٣) "الصحيح" (٣٥٩٣) (٣٥٩٥).
(٤) "المدخل إلى كتاب الإكليل" (ص: ٩٤).
(٥) "الاستذكار" (٣/ ٣٧١).
(٦) "المحلى" (٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨).
(٧) "الأباطيل" (٤٨٩).
[ ١ / ٥٤٢ ]
الحديث: (وكان عبد الرحمن، لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده: أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال: عن النبي ﷺ خلافه، قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء، عن أبيه) (^١).
ومنهم: الإمام أحمد، فقال: هذا حديث منكر، كما في "مسائل أبي داود" (^٢)، وقال المروذي: (وذكرت له حديث زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان نصف شعبان فلا صوم" فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه، فلم يحدثني به، وكان يتوقاه، ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ) (^٣).
ونقله حرب عن أحمد، كما في "الفروسية" لابن القيم (^٤)، وأحمد بن حفص السعدي، كما في "الكامل" لابن عدي (^٥).
ونقل الحافظ في "الفتح" (^٦) عن ابن معين أنه قال: (منكر)، وذلك لما جاء عند أبي عوانة في "المستخرج" (^٧): (حدثني جعفر بن محمد الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا، ومن كان عليه صوم من رمضان، فليسرد الصوم ولا يقطع". قال جعفر: كان عبد الرحمن قاصًّا هنا، وحدَّث عنه زيد بن الحباب وبهز ابن أسد أيضًا. سمع عبد الرحمن هذه الأحاديث من العلاء مع روح بن
_________________
(١) "السنن" (٤/ ٢٦).
(٢) (ص ٣١٥).
(٣) "العلل ومعرفة الرجال" رواية المروذى وغيره (٢٧٨).
(٤) (١٨٨)، وهو في "مسائل حرب الكرماني" (٣/ ١٢٥٠).
(٥) (٥/ ١٢٩).
(٦) (٤/ ١٢٩).
(٧) (٢٩١٦).
[ ١ / ٥٤٣ ]
القاسم، وحَدَث عنه حديث منكر، ثم ذكر جعفر هذا عن يحيى بن معين عن عفان).
وقال ابن حجر: (وعن جعفر بن محمد الطيالسي، عن يحيى بن معين، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، كلهم عن العلاء، به. قال يحيى بن معين: هو منكر) (^١).
وقال السخاوي: (وقال أبو عوانة: قال جعفر الطيالسي: قال يحيى ابن معين: هذا حديث منكر انتهى. فما أدري لأي معنى خرجه مع حكاية هذا لا سيما ومسلم لم يخرجه، ويحتمل أن يكون حمل المنكر هنا على الفرد المطلق فإن ذلك يقع كثيرًا في كلامهم ولا يقتضي ذلك ضعفا، ويحصل التوفيق بين كلامهم، كما قاله شيخنا بحمل المنكر على هذا، وأن من حَسَّنه نظر إلى حال العلاء فإنه صدوق، لكنه ليس في درجة المتقنين، وقد أخرج له مسلم كثيرًا من حديث، مما له فيه متابع، أو شاهد، ولم يخرج له هذا …) (^٢).
ويلاحظ أن ابن رجب في "اللطائف" (^٣) عند ذكر من ضعف هذا الخبر لم يذكر ابنَ معينٍ معهم؛ لأن الكلام الذي تقدم ليس بصريح عنه الصراحة التامة.
وفي "سؤالات ابن الجنيد" قال: (ذكر يحيى بن معين وأنا أسمع حديث العلاء … فقال: رواه زهير بن محمد، وعبد الرحمن بن إبراهيم والزنجي، قلت ليحيى: والدراوردي؟ قال: الدراوردي ومحمد بن جعفر لا يرفعانه. قلت ليحيى: حدثنا غير واحد عن الدراوردي يرفعه) (^٤).
_________________
(١) "إتحاف المهرة" (١٥/ ٢٧٤).
(٢) "الأجوبة المرضية" (١/ ٣٦ - ٣٧).
(٣) (ص: ١٣٥).
(٤) (ص ١٦٠، رقم ٥٧٨).
[ ١ / ٥٤٤ ]
فيلاحظ هنا أنه لم يحكم عليه بشيءٍ، وإنما ذكر اختلافًا بين أصحاب العلاء في وقفه ورفعه، ولكن قد رواه الأكثر بالرفع، والله تعالى أعلم.
ومنهم: أبو زرعة الرازي، وأبو بكر الأثرم، كما نقل ابن رجب في "اللطائف" (^١).
وقال الخليلي: (العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة: مديني مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان"، وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه، دون هذا، والشواذ) (^٢).
وقال ابن رجب -بعد أن ذكر الحديث-: (وصححه الترمذي وغيره، واختلف العلماء في صحة هذا الحديث، ثم في العمل به.
فأما تصحيحه فصححه غير واحد، منهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم.
وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه، ورده بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.
وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان، ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين،
_________________
(١) (ص ١٣٥).
(٢) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" (١/ ٢١٨).
[ ١ / ٥٤٥ ]
فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة) (^١).
قلت: تبين أن علة هذا الخبر هي تفرد العلاء به، ويظهر أنه أخطأ فيه، ولا أعلم أنه أُنكر على العلاء سوى هذا الحديث، وهذه السلسلة مشهورة قد خرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة بها، وكذلك أبو عيسى قد صحح أكثرها (^٢).
١٠ - وقال أيضا في باب ما جاء في عاشوراء أي يوم هو؟: (حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: حدثنا وكيع، عن حاجب بن عمر، عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، أي يوم أصومه؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح من يوم التاسع صائما، قال: قلت: أهكذا كان يصومه محمد ﷺ؟ قال: نعم.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم عاشر.
_________________
(١) "لطائف المعارف" (ص: ١٣٥).
(٢) أخرج الترمذي بهذه السلسلة ثمانية وعشرين حديثا، وهذا بيان حكمه عليها: حسن صحيح: (٥١، ٥٢)، (٢١٤)، (٣٧١)، (٤٩١)، (٧٥٠)، (١٣٧٠)، (١٤٣٩)، (١٦٣١)، (١٦٤٨)، (٢٠٥٩)، (٢١٠٨)، (٢١٦٠)، (٢٣٥٤)، (٢٤٩١)، (٢٥٩٩)، (٢٦٠١)، (٢٧٤٧) [وفي بعض النسخ و"تحفة الأشراف" (١٤٠٥٤): (حسن)]، (٢٨٨١)، (٣١٠٨)، (٣٨٧٢). صحيح: (٢٤٠٨)، (٢٤٢٧) [وفي بعض النسخ: (حسن صحيح)]. حسن صحيح غريب: (٤١٥٣). حسن: (٣٢٠٢، ٣٢٠٣)، (٣٨٧٣). حسن غريب: (٤٩٣)، (٢٨٣٢). غريب في إسناده مقال: (٣٥٦٣ - ٣٥٦٥). لم يحكم عليه: (٣٤١٠، ٣٤١١).
[ ١ / ٥٤٦ ]
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حسن صحيح) (^١).
قلت: الإسناد الأول صحيحٌ، وأما الثاني فهو منقطعٌ ما بين الحسن وابن عباس، فهل تصحيح أبي عيسى للأول أم للثاني؟ كلاهما محتمل، وقد قال العراقي: (وأما قول الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، فإنه لم يوضح مراده أيّ حديثيْ ابن عباس أراده، وقد فهم أصحابُ "الأطراف" أنه أراد تصحيح حديثه الأول، فذكروا كلامه هذا عقب حديثه الأول …) (^٢).
١١ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم: (حدثنا محمد بن رافع النيسابوري ومحمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم ابن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وفي الباب عن سعد، وعلي، وشداد بن أوس، وثوبان، وأسامة بن زيد، وعائشة، ومعقل بن يسار، -ويقال: معقل بن سنان-، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي موسى، وبلال.
قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح (^٣).
_________________
(١) (٢/ ١٢٠).
(٢) ينظر: "عمدة القاري" للعيني (١١/ ١١٧)، و"تحفة الأحوذي" (٣/ ٣٨٣).
(٣) وكذا في ط. الرسالة (٢/ ٢٩٧)، وبشار وشاكر (٧٧٤)، و"تحفة الأحوذي" (٣/ ٤٠٥)، وكذا في الطبعة الحجرية، والنسخة التي في أعلاها، و"نصب الراية" (٢/ ٤٧٣): (حسنٌ صحيحٌ). وفي "مختصر الأحكام" للطوسي (٣/ ٤٣٧)، و"تحفة الأشراف" للمزي (٣/ ٧٢)، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (٣/ ٢٥١) فيما نقله عن ابن الجوزي: (حسنٌ). قلت: والأقرب ما جاء في "تحفة الأشراف" وغيرها من المصادر، وذلك؛ =
[ ١ / ٥٤٧ ]
وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج.
وذكر عن علي بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان، وشداد بن أوس؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعا، حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس …
قال أبو عيسى: وأخبرني الحسن بن محمد الزعفراني، قال: قال الشافعي: قد روي عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" ولا أعلم واحدا من هذين الحديثين ثابتا، ولو توقى رجل الحجامة وهو صائم كان أحب إلي، وإن احتجم صائم لم أر ذلك أن يفطره.
قال أبو عيسى: هكذا كان قول الشافعي ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة ولم ير بالحجامة بأسا، واحتج بأن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو محرم صائم) (^١).
قال ابن حجر: (ونقل الترمذي أيضا عن البخاري أنه قال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد وثوبان، قلت: فكيف بما فيهما من الاختلاف؟ يعني عن أبي قلابة، قال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي قلابة عن
_________________
(١) = لأنه ذكره في كتابه "العلل الكبير" (ص: ١٢١) ونقل عن البخاري أنه قال: (غير محفوظ)، ونقل عن إسحاق بن منصور قوله: (غلط)، ثم شرح علة هذا الخبر. فكيف يصححه بعد كل هذا؟! اللهم إلا أن يقال إنه صححه في "الجامع" ثم رجع عن تصحيحه في كتابه "العلل الكبير"، ويؤيد هذا أنه اقتصر في كتابه "الجامع" على إيراد قول أحمد أنه (أصح شيء في هذا الباب)، ولكن الأقرب عدم تصحيحه، والله تعالى أعلم.
(٢) (٢/ ١٣٠ - ١٣١).
[ ١ / ٥٤٨ ]
أبي الأشعث عن شداد روى الحديثين جميعا. يعني: فانتفى الاضطراب وتعين الجمع بذلك.
وكذا قال عثمان الدارمي: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم من طريق ثوبان وشداد، قال: وسمعت أحمد يذكر ذلك.
وقال المروذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت، فقال: هذا مجازفة.
وقال ابن خزيمة: صح الحديثان جميعا، وكذا قال ابن حبان والحاكم، وأطنب النسائي في تخريج طرق هذا المتن وبيان الاختلاف فيه فأجاد وأفاد.
وقال أحمد: أصح شيء في باب (أفطر الحاجم والمحجوم) حديث رافع بن خديج.
قلت: يريد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع.
لكن عارض أحمد يحيى بن معين في هذا، فقال: حديث رافع أضعفها. وقال البخاري: هو غير محفوظ. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هو عندي باطل. وقال الترمذي: سألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدثني به عن عبد الرزاق، وقال: هو غلط، قلت: ما علته؟ قال: روى هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد حديث: "مهر البغي خبيث"، وروى عن يحيى، عن أبي قلابة: أن أبا أسماء حدثه أن ثوبان أخبره به، فهذا هو المحفوظ عن يحيى، فكأنه دخل لمعمر حديث في حديث، والله أعلم) (^١).
_________________
(١) "فتح الباري" (٤/ ١٧٧).
[ ١ / ٥٤٩ ]
١٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الرخصة في ذلك -أي الحجامة للصائم-: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن يزيد ابن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم فيما بين مكة والمدينة وهو محرم صائم.
وفي الباب عن أبي سعيد، وجابر، وأنس.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا الخبر لا يصح؛ لأن يزيد بن أبي زياد لا يحتج به، وأيضًا الحديث بهذا اللفظ لا يصح -وسيأتي شرح ذلك-، لذا عندما رواه النسائي من طريق شعبة عن يزيد، ثم رواه أيضًا من طريق شعبة عن الحكم (^٢)، كلاهما عن مقسم به، قال: (يزيد بن أبي زياد لا يحتج بحديثه، والحكم لم يسمعه من مقسم).
قلت: ثم ساقه من طريق شريك عن خصيف عن مقسم به (^٣).
قلت: وهذا فيه خصيف لا يحتج به، وشريكٌ أيضًا فيه بعض الكلام، والله تعالى أعلم.
١٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون؟: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس".
قال أبو عيسى: سألت محمدا: قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟
_________________
(١) (٢/ ١٣٢).
(٢) "السنن الكبرى" (٣٤١١، ٣٤١٢).
(٣) "السنن الكبرى" (٣٤١٣).
[ ١ / ٥٥٠ ]
قال: نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة.
قال أبو عيسى: فهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^١).
قلت: هذا الحديث أسانيده لا تخلو من كلامٍ؛ وأقواها طريق ابن المنكدر عن أبي هريرة، وهو لم يسمع منه.
وفيه علة أخرى، وهي الاختلاف على ابن المنكدر: فقد رواه ابن علية وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب به موقوفًا (^٢).
وخالفهم حماد بن زيد فرفعه (^٣).
وهذا لعله من أيوب، وهو إمامٌ، ولكنه لورعه قد يوقف الحديث.
ويؤيد رواية حماد أن عبد الوارث (^٤)، وروح بن القاسم (^٥)، قد روياه عن ابن المنكدر مرفوعًا، والإسناد إليهما جيد، ويضاف إليهم معمر (^٦)؛ فيكون الراجح في هذا الخبر الرفع، ولكن تبقى العلة الأولى، وهي الانقطاع.
وجاء من طريق آخر: أخرجه الترمذي (^٧) وغيره من حديث عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.
_________________
(١) هكذا في ط. دار التأصيل (٢/ ١٤٤) والرسالة (٢/ ٣٢٢)، وفي "تحفة الأشراف" (١١/ ٧١٧): (حسن، صحيح، غريب من هذا الوجه)، وقال البغوي في "شرح السنة" (٦/ ٢٤٧): (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه).
(٢) "السنن" للدارقطني (٢١٧٧)، ومن طريقه البيهقي (٨٢٠٦).
(٣) "السنن" للدارقطني (٢١٧٨، ٢٤٤٥).
(٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٨٢٠٧).
(٥) أخرجه الدارقطني في "السنن" (٢١٧٩) (٢٤٤٦)، ومن طريقه البيهقي (٨٢٠٧).
(٦) أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٢١٩)، والدارقطني في "السنن" (٢٤٤٧).
(٧) "الجامع" (٧٠٦).
[ ١ / ٥٥١ ]
وهذا الإسناد فيه عبد الله بن جعفر هو المخرمي، وهو ثقة، ولكن تُكلم في روايته عن عثمان، قال ابن حبان: (يعتبر حديثه من غير رواية المخرمي عنه) (^١).
وعثمان الأخنسي متكلم فيه بعض الشيء، وفي سماعه من المقبري شيء، قال البخاري: (كنت أظن أن عثمان لم يسمع من المقبري) (^٢). فهل يقصد أنه قد تبين له خلاف ذلك؟ أو يريد تأكيد هذا الأمر وأنه لم يسمع منه؟ كلاهما محتملٌ، والسبب في ذلك أنه لم يذكر عنه سوى ما تقدم.
قلت: وقد توبع الأخنسي، فقد رواه الدارقطني من طريق محمد بن عمر، قال: ثنا داود بن خالد وثابت بن قيس ومحمد بن مسلم، جميعًا عن المقبري به (^٣).
ولكن هذه المتابعة ليست بشيء؛ لأن محمد بن عمر هو الواقدي.
وأما حديث عائشة، فطريق يحيى بن اليمان، عن معمر، عن ابن المنكدر، عن عائشة خطأ.
وقد رواه الشافعي من طريق عروة، عن عائشة (^٤)، ولكن في إسناده ابن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروكٌ.
ورواه يزيد بن عياض بن جعدبة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة به (^٥)، ويزيد متروكٌ.
_________________
(١) "الثقات" (٧/ ٢٠٣).
(٢) "العلل الكبير" للترمذي (ص: ١٦١).
(٣) "السنن" (٢١٨٠).
(٤) "الأم" (٤٨٩).
(٥) أخرجه البغوي في "الجعديات" (٢٩٥٦)، ومن طريقه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣٣١٥).
[ ١ / ٥٥٢ ]
ورواه البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن دينار، عن علي بن الأقمر، عن مسروق عن عائشة، موقوفًا عليها (^١).
وهذا فيه أبو حنيفة، وهو لا يحتج به.
فتبين مما تقدم أن تقوية هذا الخبر بمجموع طرقه فيها نظرٌ.
١٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاعتكاف إذا خُرج منه: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين.
هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس بن مالك) (^٢).
قلت: هذا الحديث قد تفرد به ابن أبي عدي، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه في "المسند" (^٣): (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس).
ومن طريق ابن أبي عدي أخرجه: ابن خزيمة (^٤)، وابن حبان (^٥)،
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٨٢٠٩).
(٢) هكذا في طبعة "دار التأصيل" (٢/ ١٤٤)، و"الرسالة" (٢/ ٣٢٢)، و"تحفة الأحوذي" (٣/ ٤٣٣)، والنسخة التي معها في الأعلى (الطبعة الحجرية) (٢/ ٧١). وفي الطبعة التي حقق أولها أحمد شاكر -وهذا الحديث ليس منه- (٣/ ١٥٧)، و"تحفة الأشراف" (١/ ٣٩٢): (حسن صحيح غريب). وفي "شرح السنة" للبغوي (٦/ ٣٩٦): (هذا حديث صحيح غريب، من حديث أنس). فتبين مما تقدم أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث.
(٣) (١٢٠١٧).
(٤) "صحيح ابن خزيمة" (٢٢٢٦، ٢٢٢٧).
(٥) "صحيح ابن حبان" (٣٦٦٦، ٣٦٦٨) من طريق أحمد بن حنبل.
[ ١ / ٥٥٣ ]
والحاكم (^١)، والبيهقي (^٢)، والبغوي (^٣).
وفي "العلل" للدارقطني أنه سئل عن حديث حميد، عن أنس كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين، فقال: (يرويه ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، وهذا يرويه حماد بن سلمة عن حميد عن أبي نضرة عن أبي سعيد) (^٤).
قلت: وحماد بن سلمة أثبت في حميد من ابن أبي عدي، ولكن جاء عن حماد حديث آخر بنحو الحديث المتقدم: فروى عنه جمعٌ كبير من أصحابه على رأسهم ابن مهدي، وعفان، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم كلهم عن حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فاعتكف من العام المقبل عشرين ليلة.
أخرجه أحمد (^٥) والنسائي في "الكبرى" (^٦) وابن ماجه (^٧) والطيالسي (^٨) وابن خزيمة (^٩) وابن حبان (^١٠)، وغيرهم، وقد ساق طرقه الضياء في "المختارة" (^١١).
وهذا إما أن يكون حديثا آخر، وإما اختلافا على حماد، والثاني هو
_________________
(١) "المستدرك" (١٦٠١).
(٢) "السنن الكبرى" (٨٥٦٥).
(٣) "شرح السنة" (١٨٣٤) من طريق الترمذي.
(٤) (٦/ ٥٦).
(٥) "المسند" (٢١٢٧٧).
(٦) "السنن الكبرى" (٣٥٢٩).
(٧) "سنن ابن ماجه" (١٧٧٠).
(٨) أخرجه في "المسند" الذي جمع له (٥٥٥).
(٩) "الصحيح" (٢٢٢٥).
(١٠) "الصحيح" (٣٦٦٧) وقال قبله: (ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به حميد الطويل).
(١١) (٤/ ٤٥ - ٤٨).
[ ١ / ٥٥٤ ]
الأقرب، ولكن الطريق التي ذكرها الدارقطني ليست موجودة في الكتب الستة، بل وليس فيها متن بهذا الإسناد، وقد روى أبو داود الطيالسي (^١)، وأحمد (^٢)، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين".
وهذا ليس فيه ذكر للاعتكاف، ولكن من المعلوم أن أبا سعيد قد روى أن النبي ﷺ اعتكف في العشر الأول ثم الأوسط يطلب ليلة القدر، ثم قال ﷺ: "إنها في العشر الأواخر"، وقد جاء عنه من طرق بألفاظ متعددة، فهل مقصود الدارقطني هذا؟ فإن كان هو مقصوده، فتكون هذه الرواية أرجح الروايات؛ لأن حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح، جاء من طرق متعددة كما تقدم، في "الصحيحين"، والسنن، والمسانيد.
١٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدم ضَعَفَة أهله، وقال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^٣).
قلت: هذا حديث معلول، وقد بين علته البخاري، قال: (وقال معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "لا ترموا الجمرة، حتى تطلع الشمس".
وقال حفص: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا الحكم، عن مقسم، عن
_________________
(١) "المسند" الذي جمع له (٢٢٨٠).
(٢) "المسند" (١١٦٧٩).
(٣) (٢/ ١٩٥).
[ ١ / ٥٥٥ ]
ابن عباس: وقف النبي ﷺ وردفه الفضل بعرفة ثم أفاض، فلم أره رافعة يدها عادية حتى أتى جمعا، قال أسامة: ثم أردفني، ووقف جمعا وردفه أسامة، ثم أفاض يبادر طلوع الشمس، فلم أرها رافعة يدها حتى أتى منى، قال: ونحن على حُمُرات لنا، فجعل يضرب أفخاذنا، ويقول: "بنيّ، أفيضوا، ولا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
والمستفيض عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أردف أسامة، من عرفة إلى جمع.
وكذلك قال أسامة: أردفني النبي ﷺ، فقلت: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، ثم أردف الفضل من جمع إلى منى، وقوله: "بني" كأنه قال لهؤلاء الذين معه.
وحديث الحكم هذا عن مقسم مضطرب؛ لما وصفنا، ولا يُدرى الحكم سمع هذا من مقسم أم لا.
وروى المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: قدم النبي ﷺ ضعفة أهله من جمع بليل، يوصي كل إنسان أن لا يرمي حتى تطلع الشمس.
وقد بينه زهير بن حرب قال: حدثنا وهب -يعني ابن جرير-، قال: حدثني أبي، عن يونس الأيلي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى.
ورواه سفيان، عن سلمة، عن الحسن العرني، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لضَعَفة أهله: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، ولم يسمع الحسن من ابن عباس.
حدثنا محمد قال: حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة
[ ١ / ٥٥٦ ]
مولى ابن عباس، عن ابن عباس: بعثني النبي ﷺ مع أهله إلى منى يوم النحر، فرمينا الجمرة مع طلوع الفجر.
حدثنا محمد قال: حدثني عياش قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين: أن النبي ﷺ أمر إحدى نسائه وهي سودة، أن تنفر من جمع ليلة جمع، فتأتي جمرة العقبة فترميها، فتصبح في منزلها. وكان عطاء يفعلها حتى مات.
حدثنا محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء: أنها ارتحلت من جمع حين غاب القمر فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح، فقلت لها، فقالت: إن رسول الله ﷺ أذن للظعن.
وكذلك حكى عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر قال: فمنهم من يقدم منى ليلا، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة.
وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ، وكذلك فعلت أم سلمة، وحديث هؤلاء أكثر في الرمي قبل طلوع الشمس وأصح) (^١).
١٦ - وقال أيضا في باب ما جاء كيف ترمى الجمار: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله".
_________________
(١) "التاريخ الأوسط" (٣/ ٢٠٠ - ٢٠٦).
[ ١ / ٥٥٧ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا حديثٌ معلولٌ؛ عبيد الله بن أبي زياد ليس بالقوي، وقد اختلف فيه، والصواب في هذا الحديث الوقف، قال البيهقي -بعد أن ذكر رواية عبيد الله-: (ورواه ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة فلم يرفعه، ورواه حسين المعلم، عن عطاء، عن عائشة فلم يرفعه) (^٢).
قلت: ابن أبي مليكة ثقة ثبت عالم، فلا شك أن روايته مقدّمة على رواية عبيد الله بن أبي زياد، كيف وقد رواه ابن جريج -كما عند عبد الرزاق (^٣) -، وحبيب المعلم -كما في "أخبار مكة" للفاكهي (^٤) -، كلاهما عن عطاء، عن عائشة، موقوفًا عليها؟.
هذا بالإضافة إلى رواية حسين المعلم التي ذكرها البيهقي.
فالخبر إذًا موقوفٌ وليس بمرفوعٍ، وقد أشار إلى هذا البيهقي، كما تقدم.
وقد جاء عن عبيد الله بن أبي زياد وقفه أيضًا كما في رواية ابن عيينة عنه. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (^٥).
وهذا يدل على اضطرابه في وقف هذا الخبر ورفعه، ولكن رواية الرفع هي الأصح عنه، لذا فقد يكون وقف هذا الخبر إنما هو من ابن عيينة وليس منه.
وقد صحح المرفوع ابن الجارود، وابن خزيمة، والحاكم (^٦).
_________________
(١) (٢/ ١٩٩).
(٢) "السنن الكبرى" (٥/ ٢٣٧).
(٣) "المصنف" (٩١٣٨).
(٤) (٢/ ٢٣٥) (١٤٢٣).
(٥) (١٦٠٣١).
(٦) "المنتقى" لابن الجارود (٤٥٧)، "صحيح ابن خزيمة" (٢٧٣٨، ٢٨٨٢)، ٢٩٧٠)، "المستدرك" (١٦٨٥).
[ ١ / ٥٥٨ ]
١٧ - وقال أيضا في باب ما جاء متى تقطع التلبية في العمرة؟: (حدثنا هناد، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس -قال: يرفع الحديث-: إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح (^١» (^٢).
قلت: هذا الحديث معلول، والصواب فيه الوقف، وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وأبو داود، والبيهقي.
قال الشافعي: (روى ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لبى في عمرة حتى استلم الركن، ولكنا هبنا روايته؛ لأنا وجدنا حفّاظ المكيين يقفونه على ابن عباس) (^٣).
وقال أبو داود: (رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفا) (^٤).
قال البيهقي -عقب كلام الشافعي السابق-: (رفعه خطأ، وكان ابن أبي ليلى هذا كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرا، ضعفه أهل النقل مع كبر محله في الفقه، وقد روي عن المثنى بن الصباح، عن عطاء مرفوعا، وإسناده أضعف مما ذكرنا) (^٥).
_________________
(١) في بعض الطبعات: (حسن صحيح).
(٢) (٢/ ٢٠٧).
(٣) "السنن الكبرى" للبيهقي (٩٤١٢)، و"معرفة السنن والآثار" له (١٠٠١١، ١٠٠١٢).
(٤) عقب حديث رقم (١٨١٧).
(٥) "السنن الكبرى" (٥/ ١٧٠)، وينظر: "معرفة السنن والآثار" (١٠٠١٢) (١٠٠١٣).
[ ١ / ٥٥٩ ]
١٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا عمر بن علي، عن الحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمروا هو أفضل".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا خبر منكر لا يصح، وإنما هو موقوف، وحجاج هو ابن أرطاة، لا يحتج به، وهو موصوف بالتدليس.
بل جاء عن جابر بإسناد قوي أنه قال: العمرة واجبة.
ملحوظة: لم يصحح أبو عيسى لحجاج بن أرطاة سوى هذا، وهناك حديث آخر ساقه من طريق حجاج، ثم ساقه بإسنادٍ آخر صحيح وقال: (حسن صحيح) (^٢)، فالظاهر أن هذا التصحيح إنما هو للإسناد الثاني، وقد خرّج أبو عيسى للحجاج نحوًا من (٢٥) حديثًا.
* * *
_________________
(١) (٢/ ٢١٣).
(٢) ينظر: الحديثان (٧٣٠)، (٧٣١).
[ ١ / ٥٦٠ ]
الوجه الثالث والعشرون: قد يصحح أحاديث في أسانيدها ضعفٌ، وهذا لا ينافي ما تقدم تقريره، من أنه إذا صحح حديثا فالغالب أنه صحيح.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في دخول الكعبة: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ من عندي وهو قرير العين، طيب النفس، فرجع إليّ وهو حزين، فقلت له، فقال: "إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: إسماعيل مختلف فيه، والأكثر على عدم الاحتجاج به، وقد يكون أبو عيسى ممن يرى قوته، والله تعالى أعلم.
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في تقبيل الميت: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم ابن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن النبي ﷺ قَبَّل عثمان ابن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، أو قال: عيناه تهراقان (^٢).
وفي الباب عن ابن عباس، وجابر، وعائشة، قالوا: إن أبا بكر قَبَّل النبي ﷺ وهو ميت.
قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح) (^٣).
قلت: عاصم بن عبيد الله الجمهور على تضعيفه، بل لم يقوه أحد من
_________________
(١) (٢/ ١٨٣).
(٢) في بعض النسخ: (تذرفان).
(٣) (٢/ ٢٤٢).
[ ١ / ٥٦١ ]
النقاد سوى العجلي، فقد قال عنه: لا بأس به (^١). وقد روى عنه مالك وشعبة والقطان.
أما الجواب عن رواية مالك عنه؛ فأقول وبالله تعالى التوفيق: إنما روى عنه حديثًا واحدًا (^٢)، وقد أنكر -أي مالك- على شعبة تحديثه عن عاصم (^٣).
وأما الجواب عن رواية شعبة عنه؛ فشعبة وإن كان روى عنه، ولكنه تكلم فيه.
قال عفان: سمعت شعبة يقول: (كان عاصم بن عبيد الله، لو قيل له: من بنى مسجد البصرة؟ لقال: فلان عن فلان عن النبي ﷺ) (^٤).
وأما رواية القطان عنه، فقد قال علي بن المديني: (ذكرنا عند يحيى ابن سعيد ضعف عاصم بن عبيد الله، فقال يحيى: هو عندي نحو ابن عقيل) (^٥).
قلت: وقد جاء عن يحيى بن سعيد أنه كان لا يروي عن ابن عقيل، كما نقل ذلك علي بن المديني عنه (^٦)، ونقل عمرو بن علي عنه أنه كان
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (١٣/ ٥٠٦).
(٢) قال النسائي: (لا نعلم مالكا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف، إلا عاصم بن عبيد الله، فإنه روى عنه حديثا …) "تهذيب الكمال" (١٣/ ٥٠٥).
(٣) جاء في ترجمة عاصم في "تهذيب الكمال" (١٣/ ٥٠٢): (قال المفضل بن غسان الغلابي، عن أبي سليمان التيمي، عن مالك: عجبت من شعبة هذا الذي ينتقي الرجال، وهو يحدث عن عاصم بن عبيد الله. وقال محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن أبيه، عن أبي سليمان قرة بن سليمان الجهضمي، قال لي مالك: شعبتكم يشدد في الرجال، وقد روى عن عاصم بن عبيد الله!).
(٤) "تهذيب الكمال" (١٣/ ٥٠٢).
(٥) "تهذيب الكمال" (١٣/ ٥٠٣).
(٦) قال علي بن المديني: ولم يرو عنه -أي: … يراجع هل الكلام في ترجمة =
[ ١ / ٥٦٢ ]
يروي عنه (^١).
وأما أبو عيسى فيرى أنه ثقة أو مقارب، لذا صحح حديثه هذا وغيره من الأحاديث، ومن ذلك:
٣ - قال في باب ما جاء في مهور النساء: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر، قالوا: حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت عبد الله بن عامر ابن ربيعة، عن أبيه، أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ: "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم، قال: فأجازه.
وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وأبي سعيد، وأنس، وعائشة، وجابر، وأبي حدرد الأسلمي.
قال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح) (^٢).
٤ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة.
هذا حديث حسن صحيح) (^٣).
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الشقاء والسعادة: (حدثنا بندار،
_________________
(١) = ابن عقيل- مالك بن أنس ولا يحيى بن سعيد القطان، قال يعقوب بن شيبة معقبا: وهذان -يعني مالكا وابن سعيد- ممن ينتقي الرجال) "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٢٦١) وينظر: "تهذيب الكمال" (١٦/ ٨٠).
(٢) "الجرح والتعديل" (٥/ ١٥٤).
(٣) (٢/ ٣١١ - ٣١٢).
(٤) (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢).
[ ١ / ٥٦٣ ]
قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث، عن أبيه، قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو مبتدأ، أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: "فيما قد فرغ منه يا ابن الخطاب، وكل ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه يعمل للشقاء".
وفي الباب عن علي، وحذيفة بن أسيد، وأنس، وعمران بن حصين.
وهذا حديث حسن صحيح) (^١).
٦ - وقال أيضا: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، أنه استأذن النبي ﷺ في العمرة فقال: "أي أخي، أشركنا في دعائك ولا تنسنا".
هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
ومما يؤكد ما سبق أنه قال في باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان.
_________________
(١) (٣/ ٢٥٦ - ٣٥٧).
(٢) (٤/ ٤١١ - ٤١٢).
[ ١ / ٥٦٤ ]
وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يُضعَّف في الحديث) (^١).
وأخرجه أيضا في التفسير، باب ومن سورة البقرة، بهذا الإسناد، وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان أبي الربيع، عن عاصم بن عبيد الله، وأشعث يضعَّف في الحديث) (^٢).
قلت: ضعّفه من أجل أشعث، لا عاصم، فهذا يدل على قوته عنده.
نعم يوجد حديث لعاصم لم يصححه، فقال في باب ما جاء في السواك للصائم: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ -ما لا أحصي- يتسوك وهو صائم.
وفي الباب عن عائشة.
قال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن) (^٣).
قلت: إسناده صحيح جدا إلى عاصم، ومتنه مستقيم ليس فيه ما يستنكر، ومع ذلك لم يصححه، فلا أدري ما السبب في ذلك.
* * *
_________________
(١) (١/ ٤٨٣ - ٤٨٤).
(٢) (٤/ ٦١ - ٦٢).
(٣) (٢/ ١٠٥).
[ ١ / ٥٦٥ ]
الوجه الرابع والعشرون: تصحيح أبي عيسى لأحاديث في أسانيدها من ليس بالمشهور.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في حق السائل: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدته أم بجيد -وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ-، أنها قالت لرسول الله: إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئا أعطيه إياه، فقال لها رسول الله ﷺ: "إن لم تجدي له شيئا تعطيه إياه إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه في يده".
وفي الباب عن علي، وحسين بن علي، وأبي هريرة، وأبي أمامة.
قال أبو عيسى: حديث أم بجيد حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: عبد الرحمن بن بجيد ليس بالمشهور، وقد اختلف في صحبته، والصواب أنه لا صحبة له، وقد ذكره ابن حبان في التابعين من كتابه "الثقات" (^٢)، وقال ابن عبد البر: (وكان يذكَر بالعلم) (^٣).
٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم الأحول (ح) وحدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر الضبي، عن النبي ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٤).
_________________
(١) (٢/ ٧١).
(٢) (٥/ ٨٥).
(٣) "الاستيعاب" (٢/ ٨٢٣).
(٤) (٢/ ٨٩).
[ ١ / ٥٦٦ ]
قلت: الرباب ليست بالمشهورة، إلا أن ابن حبان ذكرها في "الثقات" (^١) كعادته، فهي إنما عُرفتْ بهذا الحديث، وما ذُكر أن لها أحاديث أخرى؛ كحديث: "مع الغلام عقيقته … " (^٢)، وحديث: "الصدقة على ذي القرابة" (^٣) = فهذه جُمَلٌ للحديث الذي معنا، فبعضهم ذكره كاملًا وبعضهم قطّعه، وقد ذكرها الذهبي ضمن المجهولات في كتابه "الميزان" (^٤)، وقال ابن حجر: مقبولة (^٥).
ولكن أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، من تصحيح هذا الخبر، وذلك لاستقامته، ولكون الرباب من التابعين، واسم الستر والعدالة عليهم أكثر ممن أتى مِنْ بعدهم، وقد روت عن الرباب: حفصة بنت سيرين، وهي ثقةٌ مشهورةٌ، ولهذا وغيره صححه أبو عيسى، وابن خزيمة (^٦)، وابن حبان (^٧)، والحاكم (^٨)، وابن حزم (^٩) -لأنه احتج به، وهو لا يحتج بضعيفٍ عنده-، وأخرجه البغوي (^١٠) ونقل عن الترمذي أنه قال: صحيح، وأقره على ذلك، بل ولا أعرف أن أحدًا من الأئمة المتقدمين قد ضعّف هذا الخبر.
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الطعام يُصنع لأهل الميت: (حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر، قال النبي ﷺ: "اصنعوا لأهل جعفر طعاما، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم".
_________________
(١) (٤/ ٢٤٤).
(٢) "الجامع" (١٦٠٤) (١٦٠٥).
(٣) "الجامع" (٦٦٣).
(٤) (٥/ ٣٢٠).
(٥) "التقريب" (ص: ٧٤٧).
(٦) "الصحيح" (٢٠٦٧).
(٧) "الصحيح" (٣٥١٨) (٣٥١٩).
(٨) "المستدرك" (١٥٧٥).
(٩) "المحلى" (٤/ ٤٥٥).
(١٠) "شرح السنة" (١٧٤٣).
[ ١ / ٥٦٧ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح …
وجعفر بن خالد هو ابن سارة، وهو ثقة، روى عنه ابن جريج) (^١).
قلت: هذا الخبر رجاله كلهم ثقات سوى خالد بن جعفر؛ فإنه ليس بالمشهور، ولكن حديثه مستقيم، لذا صححه المصنف، وأنا أذهب إلى ثبوت هذا الخبر، ولكن قد اختلفت النسخ في حكم الترمذي، ففي "تحفة الأشراف" (^٢): (حسن). وفي ط. بشار و"تحفة الأحوذي" (^٣): (هذا حديث حسن).
وفي "مختصر المنذري" (^٤): (وقال الترمذي: حسن صحيح). وكذا في "نسخة الرسالة" (^٥): (حسن صحيح).
٤ - وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: "يا معشر التجار"، فاستجابوا لرسول الله ﷺ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجّارا، إلا من اتقى الله، وبر، وصدق".
هذا حديث حسن صحيح.
ويقال: إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة أيضا) (^٦).
قلت: الحديث أخرجه ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم (^٧).
_________________
(١) (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
(٢) (٤/ ١٨٢).
(٣) (٤/ ٦٨).
(٤) (٢/ ٣٧٤).
(٥) (١٠١٩).
(٦) (٢/ ٣٧٣).
(٧) "سنن ابن ماجه" (٢١٤٦)، "صحيح ابن حبان" (٤١٤٩)، و"المستدرك" (٢١٦٩)، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).
[ ١ / ٥٦٨ ]
وإسماعيل لم يوثقه إلا ابن حبان، ولم يذكر راويا عنه إلا عبد الله بن عثمان بن خثيم، وأشار الذهبي إلى تصحيح الترمذي لحديثه في "الميزان"، فقال: (عن أبيه، عن جده حديث: "إن التجار يبعثون فجّارا إلا من اتقى الله وبر"، ما علمت روى عنه سوى عبد الله بن عثمان بن خثيم، ولكن صحح هذا الترمذي) (^١). وقال في "الكاشف": مقبول لم يترك (^٢).
وقال ابن حجر في "التقريب": مقبول (^٣).
وقال مغلطاي: (خرج الحاكم، وابن حبان، وابن البيع، والطوسي حديثه في "صحيحهم") (^٤).
وأحيانا لا يصحح الترمذي لمن لم يكن مشهورا، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، والمسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والعدوى، أجرب بعير فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟، والأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^٥).
_________________
(١) "ميزان الاعتدال" (١/ ٢٣٤).
(٢) "الكاشف" (١/ ٢٤٨).
(٣) "تقريب التهذيب" (ص: ١٠٩).
(٤) "إكمال تهذيب الكمال" (٢/ ١٩٣).
(٥) (٢/ ٢٤٩).
[ ١ / ٥٦٩ ]
قلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات مشاهير سوى أبي الربيع؛ فإنه ليس بالمشهور، ولكن قد روى عنه ثلاثة: سماك بن حرب، ويزيد بن أبي زياد، بالإضافة إلى علقمة بن مرثد.
وقال عنه أبو حاتم: صالح الحديث (^١)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (^٢). ولعدم شهرته قال عنه ابن حجر: مقبول (^٣)، فلعله لأجل عدم شهرة أبي الربيع لم يصحح أبو عيسى الحديث.
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا محمد بن عمار قال: حدثني أسيد بن أبي أسيد، أن موسى بن أبي موسى الأشعري، أخبره، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، قال: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم، فيقول: واجبلاه، واسنداه، واسيداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟ "
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^٤).
قلت: هذا أيضًا لم يصححه لأن فيه موسى بن أبي موسى، وهو ليس بالمشهور، وأما أَسيد بن أبي أَسيد، فلعله صالح الحديث.
* * *
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٩/ ٣٧٠).
(٢) (٥/ ٥٨٢).
(٣) "التقريب" (ص: ٦٣٩).
(٤) (٢/ ٢٥٠).
[ ١ / ٥٧٠ ]
الوجه الخامس والعشرون: أنه أحيانا يصحح الخبر وإن كان في إسناده ضعف، وذلك لوجود قرائن تدل على صحته: فإما أن يكون في إسناده من هو سيء الحفظ فدلت القرائن على أنه حفظ، أو من هو مختلط فدلت القرائن على أنه ضبط الخبر، أو من هو مدلس فدلت القرائن على أن هذا مما سمعه ولم يدلسه.
والحفاظ قد يعلون الخبر بشخص معين في الإسناد، ويكون هناك غيره ممن هو متكلم فيه يسكتون عنه؛ وذلك لأنهم علموا بالقرائن أن العلة من هذا الراوي دون غيره، وغير ذلك.
وهذه القاعدة قاعدة مهمة جدا، سار عليها المتقدمون، بخلاف المتأخرين الذين ينظرون إلى ظاهر الإسناد دون القرائن، وبالتالي يرون أن في تصحيح بعض الأئمة لهذا الخبر تساهلا منهم، وأنهم لم يحسنوا تطبيق القواعد الحديثية، بينما الصواب هو العكس.
ومن الأمثلة على ذلك في "جامع أبي عيسى": أحاديث قتادة عن أنس، أو حميد عن أنس، أو أبي الزبير عن جابر، وغيرها، فإنه لم يردَّ خبرا منها بعنعنة من ذكر.
أو أحاديث عطاء بن السائب، فأحيانا يصححها حتى ولو كانت ممن روى عنه بعد الاختلاط، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا أبو رجاء، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه".
هذا حديث حسن صحيح، إنما يعرف من حديث عطاء بن السائب، وقد رواه شعبة والثوري عن عطاء بن السائب) (^١).
_________________
(١) (٣/ ٩٦).
[ ١ / ٥٧١ ]
قلت: فهذا الحديث صححه أبو عيسى -وهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سَمع منه بعد التغير-؛ لأن القرائن دلت على أن عطاء قد حفظه، بدليل رواية شعبة والثوري، وهما ممن سمع منه قديما.
٢ - وقال أيضا: (حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان، قال: رأيت ابن عمر يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت، لقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، ولئن مشيت، لقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وأنا شيخ كبير.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى سعيد بن جبير، عن ابن عمر نحو هذا) (^١).
قلت: وهذا مثل الذي تقدم؛ فابن فضيل وإن كان سمع من عطاء قبل التغير، ولكن هذا الحديث مما استقام من حديث عطاء، بدليل مجيئه من وجه آخر، وهو طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر.
٣ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس بن مالك) (^٢).
قلت: هذا الحديث تفرد به ابن أبي عدي بهذا الإسناد، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه من طريقه: (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي عن حميد، عن أنس) (^٣).
_________________
(١) (٢/ ١٧٩).
(٢) (٢/ ١٤٤).
(٣) "المسند" (١٢٠١٧).
[ ١ / ٥٧٢ ]
والحديث صححه ابن خزيمة (^١)، وابن حبان (^٢)، والحاكم (^٣)، وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (^٤) من طريق الترمذي، وقال: (هذا حديث صحيح غريب).
ولا أدري هل هذا من كلامه أم من كلام أبي عيسى، والأقرب الثاني.
ولم أقف على تصريح لحميد بسماعه من أنس، ولكن يكفينا تتابع هؤلاء الأئمة على تصحيحه، مع أنه قد اختلف على حميد فيه، ينظر: "العلل" للدارقطني (^٥).
والأمثلة على هذا كثيرة.
لذا قال وكيع فيما رواه أبو داود: (كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحا طرحناه) (^٦).
وهذه طريقة الحفاظ الكبار أمثال وكيع.
وقريب من هذا: أن يكون في الإسناد انقطاع، ومع ذلك يتساهلون فيه؛ لأن القرائن دلت على أنه غير مؤثر، أو أن تأثيره ليس كبيرا.
قال يعقوب بن شيبة: (إنما استجاز أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر) (^٧).
ومنه أيضا: عندما يقع إبهام في الإسناد، ولكن تدل القرائن على أن هذا لا يضر:
_________________
(١) "الصحيح" (٢٢٢٦، ٢٢٢٧).
(٢) "الصحيح" (٣٦٦٦، ٣٦٦٨) من طريق أحمد بن حنبل.
(٣) "المستدرك" (١٦٠١).
(٤) (١٨٣٤).
(٥) (٦/ ٥٦)، وقد سبق الكلام على هذا الحديث في المثال (١٤) من الوجه (٢٢).
(٦) "تهذيب الكمال" (١١/ ١٠).
(٧) "شرح علل الترمذي" (١/ ٢٩٨).
[ ١ / ٥٧٣ ]
قال البخاري: (حدثنا علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب ابن غرقدة، قال: سمعت الحي يحدثون، عن عروة: أن النبي ﷺ أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه، قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال: سمعه شبيب من عروة فأتيته، فقال شبيب إني لم أسمعه من عروة، قال سمعت الحي يخبرونه عنه …) (^١).
قال ابن حجر: (وزعم ابن القطان أن البخاري لم يرد بسياق هذا الحديث إلا حديث الخيل، ولم يرد حديث الشاة، وبالغ في الرد على من زعم أن البخاري أخرج حديث الشاة محتجا به؛ لأنه ليس على شرطه؛ لإبهام الواسطة فيه بين شبيب وعروة، وهو كما قال، لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجه ولا ما يحطه عن شرطه؛ لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ويضاف إلى ذلك ورود الحديث من الطريق التي هي الشاهد لصحة الحديث، ولأن المقصود منه الذي يدخل في علامات النبوة دعاء النبي ﷺ لعروة فاستجيب له حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه. وأما مسألة بيع الفضولي فلم يُردْها؛ إذ لو أرادها لأوردها في البيوع، كذا قرره المنذري وفيه نظر؛ لأنه لم يطرد له في ذلك عمل، فقد يكون الحديث على شرطه ويعارضه عنده ما هو أولى بالعمل به من حديث آخر، فلا يخرّج ذلك الحديث في بابه ويخرّجه في باب آخر أخفى لينبه بذلك على أنه صحيح، إلا أن ما دل ظاهره عليه غير معمول به عنده، والله أعلم) (^٢).
* * *
_________________
(١) "الصحيح" (٣٦٤٢).
(٢) "فتح الباري" (٦/ ٦٣٥).
[ ١ / ٥٧٤ ]
الوجه السادس والعشرون: أنه قد يصحح الحديث وإن كان فيه ضعف، ويكون مقصوده أصل الحديث.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء في فضل الصدقة: (حدثنا أبو كريب محمد ابن العلاء، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عباد بن منصور، قال: حدثنا القاسم بن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ".
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح (^١).
وقد روي عن عائشة، عن النبي ﷺ نحو هذا) (^٢).
قلت: هذا الحديث أخرجه أحمد (^٣)، والبزار (^٤)، وابن خزيمة (^٥)، والحاكم (^٦) من طريق أيوب، عن القاسم، عن أبي هريرة.
قال البزار عقبه: (وهذا الحديث قد رواه بعض أصحاب عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن رجل، عن القاسم، عن أبي هريرة فيرون أن أيوب سمعه من عباد بن منصور، وقد أسنده عبد الواحد بن صبرة، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة).
_________________
(١) في بعض النسخ و"تحفة الأشراف" (١٠/ ٢٩٥): (حسن صحيح).
(٢) (٢/ ٧٠).
(٣) "المسند" (٧٦٣٤).
(٤) "المسند" (٨٠٦١).
(٥) "الصحيح" (٢٤٢٦).
(٦) "المستدرك" (٣٢٨٣) من طريق أحمد بن حنبل.
[ ١ / ٥٧٥ ]
قلت: ولم أقف على من رواه عن عبد الرزاق هكذا، ولم يبين البزار من هو.
وأخرجه ابن خزيمة (^١) من طريق هشام، والبزار (^٢) من طريق عبد الواحد بن صبرة، كلاهما عن القاسم بن محمد به نحوه.
قلت: وقد روي عن القاسم على وجه آخر، فرواه أحمد (^٣)، وابن حبان (^٤)، من طريق عبد الصمد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن القاسم بن محمد عن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله حتى يكون مثل أحد".
وأخرجه الطبراني قال: (حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي قال: نا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يقبل الصدقة، ويربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله".
قال: (لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا أبو أويس، تفرد به: ابنه إسماعيل) (^٥).
قلت: تبين مما تقدم أن هذا الخبر صحيحٌ من حديث القاسم عن أبي هريرة، سوى قوله: "وتصديق ذلك في كتاب الله … " الخ؛ فإن عباد بن منصور تفرد به، وهو لا يحتج به؛ تكلم فيه جمهور النقاد، ولعل الترمذي عندما صحّحه قصد أصل الحديث.
_________________
(١) "الصحيح" (٢٤٢٧).
(٢) "المسند" (٨٠٦٢).
(٣) "المسند" (٢٦١٣٥).
(٤) "الصحيح" (٣٣٢٠).
(٥) "المعجم الأوسط" (٤٢٢٨).
[ ١ / ٥٧٦ ]
وأما طريق عائشة من رواية القاسم، فالذي يظهر أنه خطأ، وذلك؛ لأن أيوب وهشام وعبد الواحد بن صبرة وعباد، رووه عنه، عن أبي هريرة، فطريق عبد الصمد عن حماد بن سلمة عن ثابت خالفت رواية الجماعة، وقد يكون الخطأ من عبد الصمد، والله تعالى أعلم.
* * *
[ ١ / ٥٧٧ ]
الوجه السابع والعشرون: أنه في حكمه على الحديث -في الأصل- يحكم عليه سندا ومتنا، ولكن في بعض الأحيان يحكم عليه من حيث الإسناد فقط، وفي أحيان أخرى يحكم على المتن دون إسناد بعينه وإنما بمجموع طرقه.
أما الأول فهذا هو الأصل في أحكامه.
وأما الثاني -وهو الحكم على الإسناد فقط- فمثاله:
١ - قال ﵀: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة ابن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.
قال أبو عيسى: حديث أنس حسن غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس …
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: قوله: (حديث أنس حديث غريب)، وفي بعض النسخ: (حسن غريب)، هذا حكم على هذا الإسناد بعينه دون المتن، لأنه قد صحح هذا المتن بالطريق الأخرى المشهورة، وهي رواية عمرو بن عامر.
_________________
(١) (١/ ٣١١ - ٣١٢).
[ ١ / ٥٧٨ ]
٢ - وقال ﵀: (حدثنا محمود، قال: حدثنا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد، وأبو نعيم، قالوا: حدثنا سفيان، عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة".
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن.
وقد رواه أبو إسحاق الهمداني، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، عن النبي ﷺ مثل هذا) (^١).
قلت: قوله حديث حسن إنما هو حكم على طريق زيد العمي … بخصوصها، دون متن هذا الخبر، لأن متنه صحيح، فقد رواه أبو إسحاق عن بريد عن أنس، لذا قال في موضع آخر من كتابه الجامع: (وهذا أصح) (^٢).
والأمثلة على هذا كثيرة.
قلت: إذا علم هذا، فإن فيه فائدة كبيرة في تلمس منهج أبي عيسى، وتزول بذلك بعض الإشكالات في عدم تصحيحه لأحاديث هي صحيحة؛ بسبب أنه ساقها من طريق فيه بعض الكلام، ولم يذكر الطرق الأخرى للحديث، فحكم على الطريق الذي ساقه، لا على جميع طرق الحديث؛ وبالتالي لا يقال: إن الترمذي خفيت عليه الطرق الصحيحة لهذا الحديث.
ومن الأمثلة على ذلك:
قوله: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ: "يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة، فصلّ
_________________
(١) (١/ ٤٠٩).
(٢) (٤/ ٤٢٦) (٣٩٣٠).
[ ١ / ٥٧٩ ]
الصلاة لوقتها، فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك".
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت.
قال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن) (^١).
قلت: وهذا الحديث صحيح، فقد أخرجه مسلم من طريق حماد بن زيد وشعبة، بالإضافة إلى طريق جعفر بن سليمان، كلهم عن أبي عمران الجوني به، كما أنه أخرجه من حديث أبي العالية البراء، عن عبد الله بن الصامت به، وأخرجه أيضا من طريق شعبة، عن أبي نعامة، عن عبد الله بن الصامت بها (^٢)، فتبين أن هذا الحديث لا غبار على صحته، وبهذا زال الإشكال في عدم تصحيح أبي عيسى له، وأنه قصد طريق جعفر بن سليمان لا جميع طرقه، وجعفر من المعلوم أن فيه بعض الكلام.
وأما الثالث -وهو حكمه على المتن دون الإسناد أحيانا- فمن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ.
وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن
_________________
(١) (١/ ٣٨٦).
(٢) "صحيح مسلم" (٦٤٨).
[ ١ / ٥٨٠ ]
النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة، إنما صح لأنه قد روي من غير وجه) (^١).
قلت: يلاحظ أنه صحح متن هذا الخبر بمجموع الطرق، لا بطريق بعينها، والأمثلة على هذا متعددة.
وقال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثني رسول الله ﷺ في ثقل من جمع بليل …
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس بعثني رسول الله ﷺ في ثقلٍ من جمع بليل حديث صحيح، روي عنه من غير وجه.
وروى شعبة هذا الحديث، عن مشاش، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله من جمع بليل …
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله، وقال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بأسا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إلى منى.
وقال أكثر أهل العلم بحديث النبي ﷺ: أنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النبي ﷺ، وهو قول الثوري، والشافعي) (^٢).
_________________
(١) (١/ ٢٩٠).
(٢) (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
[ ١ / ٥٨١ ]
قلت: سياق المسعودي، عن الحكم، عن مقسم … لا يصح، بل هو معلول، والصواب أنه يجوز للضّعفة أن يرموا الجمرة حتى ولو لم تطلع الشمس، وهذه هي الفائدة من تعجلهم، وليس هذا موضع ذكر الأدلة على ذلك، لذا أعلّ الإمام البخاري هذا الحديث، ورده من جميع طرقه.
وأما الجواب عن تصحيح أبي عيسى: فأظنه يقصد أن أصله صحيح، بدليل قوله: (حديث ابن عباس بعثني رسول الله ﷺ في ثقلٍ حديث صحيح، روي عنه من غير وجه)، وإن كان قد قال: (وقال أكثر أهل العلم بحديث النبي ﷺ أنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس …)، فكلامه هذا قد يفيد أنه صححه لذات هذا الإسناد، ولكن قد يقال: إن تعدد طرق هذا الحديث جعلته يتساهل بعض الشيء في التصحيح، والله أعلم.
وبهذا قد يجاب عن تصحيحه لبعض الأحاديث التي في صحة بعض ألفاظها نظر، وتكون صحيحة من حيث الأصل، والله تعالى أعلم.
* * *
[ ١ / ٥٨٢ ]
الوجه الثامن والعشرون: أنه كان معتنيًا بالاتصال والانقطاع، ولكنه ليس مثل البخاري، فقد يصحح في بعض الأحيان أسانيد الراجحُ فيها الانقطاع.
ومن الأمثلة على اعتنائه بذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الخروج إلى منى والمقام بها: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ صلّى بمنى الظهر والفجر، ثم غدا إلى عرفات.
وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، وأنس.
قال أبو عيسى: حديث مقسم، عن ابن عباس، قال علي بن المديني: قال يحيى: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث، وعدها، وليس هذا الحديث فيما عد شعبة) (^١).
قلت: هذا الحديث لم يصحّحه، وذلك لأن الأصل في رواية الحكم عن مقسم الانقطاع، فهو لم يسمع منه إلا خمسة أحاديث، وهذا ليس منها.
وقد أخرج بهذا الإسناد تسعة أحاديث غير الحديث الذي تقدم، ولم يصحح منها سوى حديثين، ولعلهما من الأحاديث التي سمعها الحكم من مقسم، وأما الباقي فقد أشار في بعضها إلى الانقطاع ما بين الحكم ومقسم، وبعضها حسنها وهي أربعة أحاديث كما في "التحفة"، وأحدها قال: (ليس إسناده بذاك القوي، إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث) (^٢)، وآخر قال عنه: (غريب) (^٣).
_________________
(١) (٢/ ١٨٦).
(٢) "تحفة الأشراف" (٤/ ٧٠٩).
(٣) "تحفة الأشراف" (٦٤٧٥).
[ ١ / ٥٨٣ ]
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في صوم الدهر: (حدثنا قتيبة وأحمد ابن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة قال: قيل: يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر"، أو "لم يصم ولم يفطر".
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الشخير، وعمران بن حصين، وأبي موسى.
قال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن) (^١).
قلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات، ومع ذلك قد توقف أبو عيسى في تصحيحه، مع أن مسلمًا قد خرّجه في كتابه "الصحيح" (^٢)، ولم ينتقده الدارقطني، وصححه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان (^٣).
وقال النسائي: (هذا أجود حديث عندي في هذا الباب) (^٤).
ورواه أبو داود وسكت عنه (^٥)، والبيهقي أيضًا أخرجه (^٦) وعزاه إلى مسلم ولم يتعقبه بشيء، وصححه البغوي، قال: (هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم) (^٧).
وأخرجه الحاكم وقال: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما احتج مسلم بحديث شعبة عن قتادة بهذا الإسناد: صوم يوم عرفة يكفر السنة وما قبلها) (^٨).
_________________
(١) (٢/ ١٢٧).
(٢) (١١٦٢).
(٣) "صحيح ابن خزيمة" (٢٠٨٧، ٢١١١، ٢١١٧، ٢١٢٦)، "صحيح ابن حبان"، (٣٦٣٥، ٣٦٣٦).
(٤) "السنن الكبرى" (٥/ ٢١٨).
(٥) "السنن" (٢٤٢٥).
(٦) "السنن الكبرى" (٨٣٨٠؛ ٨٣٩٩).
(٧) "شرح السنة" (١٧٨٩).
(٨) "المستدرك" (٢/ ٦٥٨)، رقم (٤١٧٩).
[ ١ / ٥٨٤ ]
ويظهر لي أن توقف أبي عيسى في تصحيحه من أجل الشك في سماع عبد الله بن معبد الزماني من أبي قتادة الأنصاري، فقد قال البخاري: (ولا نعرف سماعه من أبي قتادة) (^١).
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في طواف الزيارة بالليل: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن ابن عباس وعائشة، أن النبي ﷺ أخر طواف الزيارة إلى الليل.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^٢).
قلت: لم يصححه -فيما يظهر لي- من أجل الانقطاع والغرابة، أما الانقطاع فقد ذكر البخاري أن في سماع أبي الزبير من عائشة نظر (^٣)، وأما سماعه من ابن عباس فقد اختلف فيه: فأثبته البخاري (^٤)، وأما أبو حاتم فقال: رآه رؤيةً (^٥). وهذا يعني أنه لم يسمع -أو لم يثبت سماعه- منه.
وأما الغرابة فهي في المتن، فهذا الحديث فردٌ في ذلك.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في عمرة رجب: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٥/ ١٩٨)، وللحديث طريق أخرى ووقع فيه اختلاف. ينظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، و"التمهيد" (٧/ ٢١٠).
(٢) (٢/ ٢٠٨).
(٣) أخرج الترمذي هذا الحديث في "العلل الكبير" (٢٣٠) وقال بعده: (سألت محمدا عن هذا الحديث وقلت له: أبو الزبير سمع من عائشة وابن عباس؟ قال: أما ابن عباس فنعم، وإن في سماعه من عائشة نظرا).
(٤) ينظر: الحاشية السابقة.
(٥) قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص: ١٩٣): (سمعت أبي يقول: أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية، ولم يسمع من عائشة).
[ ١ / ٥٨٥ ]
حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، قال: سئل ابن عمر: في أي شهر اعتمر رسول الله ﷺ؟ فقال: في رجب، قال: فقالت عائشة: ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه -تعني ابن عمر- وما اعتمر في شهر رجب قط.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب.
سمعت محمدا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير.
حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا شيبان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ اعتمر أربعا إحداهن في رجب.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح (^١) (^٢).
قلت: يلاحظ أنه أعلّ الإسناد الأول بالانقطاع.
٥ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن يموت بعرق الجبين".
وفي الباب عن ابن مسعود.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعا من عبد الله بن بريدة) (^٣).
قلت: ولهذا توقف في تصحيحه.
_________________
(١) وكذا في ط. الرسالة، وفي طبعة بشار وشاكر و"تحفة الأشراف" (٥/ ٢٢٧): (حسن صحيح غريب).
(٢) (٢/ ٢١٥ - ٢١٦).
(٣) (٢/ ٢٩٣ - ٢٤٠).
[ ١ / ٥٨٦ ]
ومع ما تقدم من اعتنائه بهذه القضية، إلا أنه صحح بعض الأحاديث التي يكون الراجح فيها الانقطاع، ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما جاء في فضل من فطر صائما: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: "من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا التصحيح فيه نظرٌ، قال ابن المديني: عطاء لم يسمع من زيد بن خالد (^٢).
وقال أيضا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن عامر الشعبي، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: "بسم الله، توكلت على الله، اللهم إنا نعوذ بك من أن نَزِلَّ، أو نَضِلَّ، أو نَظْلِمَ، أو نُظْلَمَ، أو نَجْهَلَ، أو يُجْهَلَ علينا".
هذا حديث حسن صحيح) (^٣).
قلت: هذا الإسناد فيه انقطاع، قال ابن المديني: (لم يسمع -أي الشعبي- من زيد بن ثابت، ولم يلق أبا سعيد الخدري ولا أم سلمة) (^٤).
* * *
_________________
(١) (٢/ ١٤٧).
(٢) "العلل" لابن المديني (ص: ٦٦).
(٣) (٤/ ٣٤٤).
(٤) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٢٦٥).
[ ١ / ٥٨٧ ]
الوجه التاسع والعشرون: أخبار وأحاديث ذكرها أبو عيسى الترمذي، فيها إشكال أو خطأ، وقد يكون ذلك منه.
ومن ذلك:
١ - قال رحمه الله تعالى في باب ما جاء في الرخصة في ذلك -يعني الحجامة للصائم-: (حدثنا بشر بن هلال البصري، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم صائم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
هكذا روى وهيب نحو رواية عبد الوارث، وروى إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا، ولم يذكر فيه عن ابن عباس) (^١).
قلت: في لفظ هذا الخبر إشكالٌ، وذلك أن النسائي قد رواه بنفس الإسناد عن بشر بن هلال به، بلفظ: احتجم وهو صائم (^٢)، وهذا ما جاء في روايات هذا الخبر من طرق كثيرة عن أيوب عن عكرمة، إما باللفظ السابق: احتجم وهو صائم، أو بلفظ: احتجم وهو محرم، أو بالجمع بينهما: احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم (^٣).
وهذا يفيد أنه ﵊ احتجم وهو صائم، واحتجم مرة أخرى وهو محرم.
أما رواية أبي عيسى، فتفيد أن هذا حصل في نفس الوقت، فاحتجم وهو محرمٌ وصائم أيضًا، وهذا غير صحيح، كما يتبين من طرق هذا
_________________
(١) (٢/ ١٣٢).
(٢) "السنن الكبرى" (٣٤٠٢)، وكذا هو عند البخاري (١٩٣٩) من طريق عبد الوارث عن أيوب.
(٣) ينظر: "صحيح البخاري" (١٩٣٨).
[ ١ / ٥٨٨ ]
الحديث وألفاظه، وإنما جاء ذلك في طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس، وفي طريق مقسم عنه، وهو لا يصح أيضًا من هذين الطريقيْن.
ويظهر لي أن أبا عيسى اختصر هذا الحديث، فأخطأ في الجمع بين اللفظين، والدليل على ذلك: أن النسائي رواه عن شيخ الترمذي نفسه ولم يذكر ما ذكره أبو عيسى كما تقدم، والله تعالى أعلم.
ولفظ: "احتجم وهو محرم صائم" قد ضعّفه الإمام أحمد، واستوفى أبو عبد الرحمن النسائي طرق هذا الحديث مع بيان ألفاظه وما وقع فيه من الاختلاف، مع بيان المحفوظ من هذه الطرق والمعلول، وإليك ما ساقه في كتابه "السنن الكبرى" -مكتفيا به- قال ﵀:
(ذكر اختلاف الناقلين لخبر عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا أبن وهب، قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن الحسن بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
أخبرني أبو بكر بن علي، قال: حدثنا سريج، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم بمكان يقال له: لحي جمل، وهو صائم.
أخبرنا بشر بن هلال، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم.
أخبرنا محمد بن معمر، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
أخبرنا قطن بن إبراهيم النيسابوري، قال: حدثنا الحسين بن الوليد،
[ ١ / ٥٨٩ ]
قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم، واحتجم وهو صائم.
أخبرني أبو بكر بن علي، قال: حدثنا القواريري، قال: حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم.
أخبرنا محمد بن حاتم، قال: أخبرنا حبان، قال: أخبرنا عبد الله، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
أخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم، واحتجم رسول الله ﷺ وهو محرم.
أخبرنا أحمد بن سعد بن الحكم بن أبي مريم، قال: أخبرنا عمي، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، أنه سمع عكرمة يقول: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم.
مقسم عن ابن عباس:
أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم.
أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، عن شعبة، عن يزيد ابن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم.
قال أبو عبد الرحمن: جمع الحديثين محمد بن جعفر.
أخبرنا محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد، وهو بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ محرما صائما.
[ ١ / ٥٩٠ ]
أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم صائما محرما.
قال أبو عبد الرحمن: يزيد بن أبي زياد لا يحتج بحديثه، والحكم لم يسمعه من مقسم.
أخبرني أبو بكر بن علي، قال: حدثنا خلف بن سالم، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم محرم.
سعيد بن جبير عن ابن عباس:
أخبرنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا الثوري، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، لا نعلم أن أحدا رواه عن سفيان غير قبيصة، وقبيصة كثير الخطأ، وقد رواه أبو هاشم، عن حماد مرسلا.
أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا خلف، عن أبي هاشم، عن حماد ابن أبي سليمان، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.
ميمون بن مهران عن ابن عباس:
أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم صائم.
قال أبو عبد الرحمن: هذا منكر، لا نعلم أحدا رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة.
[ ١ / ٥٩١ ]
أخبرنا حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محل) (^١).
وأما ما ذكره أبو عيسى من الاختلاف الذي وقع في وصل هذا الحديث وإرساله، فالصواب الوصلُ.
فقد رواه كذلك عبد الوارث ووُهَيْب، وحماد بن زيد -في رواية الحسين بن الولد النيسابوري-، كلهم عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولًا.
وخالفهم إسماعيل بن إبراهيم بن علية، ومعمر، وحماد بن زيد -من رواية القواريري، وهي الأصح عن حماد- عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.
فتبين مما تقدم أن الوصل والإرسال سواءٌ من حيث القوة، فالذين وصلوه من الحفاظ، والذين أرسلوه هم من الحفاظ أيضا، لذا ذهب البخاري (^٢) والترمذي إلى صحّة الوصل.
وقد يكون هذا من أيوب؛ لأن كلا الوجهين ثابت عنه، فمرةً حدّث به موصولًا ومرةً مرسلًا، ولعله سمعه من عكرمة هكذا -مرة موصولًا، ومرة مرسلًا-، بدليل أنه جاء كذلك من أوجهٍ أخرى عن عكرمة، فقد رواه هشام بن حسان والحسن بن زيد، عن عكرمة عن ابن عباس موصولًا، ورواه جعفر بن ربيعة عنه مرسلًا.
٢ - وقال أيضا في باب المعتكف يخرج لحاجته أم لا؟: (حدثنا أبو مصعب المدني قراءة، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة،
_________________
(١) "السنن الكبرى" للنسائي (٥/ ٣٩٤ - ٤٠١).
(٢) ينظر: "صحيح البخاري" (١٩٣٨، ١٩٣٩، ٥٦٩٤).
[ ١ / ٥٩٢ ]
عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إليّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى غير واحد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة، ورواه بعضهم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، والصحيح عن عروة، وعمرة، عن عائشة.
وهكذا روى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة.
حدثنا بذلك قتيبة عن الليث) (^١).
قلت: وقع في إسناد هذا الحديث إشكالٌ، وذلك أنه في "الموطأ" (^٢) من رواية أبي مصعب الزهري خلاف ما ذكره عنه أبو عيسى الترمذي، فالذي فيه عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أنها قالت … الخ.
فقد يكون الخطأ هنا من أبي عيسى، وقد يكون من أبي مصعب، وأنه كذلك في أصله عندما قرأ عليه أبو عيسى، ثم صوبه بعد.
وأزيد الأمر توضيحا فيما يتعلق بهذا الإسناد فأقول: قد روي على ثلاثة أوجه:
الأول: ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة. هكذا رواه جمهور أصحاب مالك (^٣).
_________________
(١) (٢/ ١٤٥).
(٢) (١/ ٣٣١).
(٣) وأخرجه مسلم بهذا السياق (٢٩٧).
[ ١ / ٥٩٣ ]
ورواه ابن وهب عنه، وعن يونس والليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة.
وهذا خطأ على مالك، وذلك أنه حمل روايته على رواية الليث ويونس، فهما اللذان روياه عن ابن شهاب بالجمع بين عروة وعمرة، وهو:
الوجه الثاني: رواه الليث (^١) ويونس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة.
الوجه الثالث: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، بإسقاط عمرة (^٢)، وهذه رواية سائر أصحاب ابن شهاب غير من تقدم ذكره.
وهكذا رواه بندار ويعقوب الدورقي، عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وتابع ابنَ مهدي على ذلك: إسحاق بن سليمان الرازي، وأبو سعيد مولى بني هاشم، ومحمد بن إدريس الشافعي -على اختلاف عنه-، وبشر بن عمر، وخالد بن مخلد -على اختلاف عنهما أيضًا-، والمعافى بن عمران.
قال ابن عبد البر: (وقال محمد بن المثنى: عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تعتكف وتمر بالمريض وتسأل به وهي تمشي.
قال عبد الرحمن: فقلت لمالك: عن عروة، عن عمرة؟ وأعدت عليه؛ فقال: الزهري، عن عروة، عن عمرة، أو الزهري، عن عمرة.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
_________________
(١) أخرج حديثه البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٢٥) بهذا السياق من طريق مالك عن ابن شهاب.
[ ١ / ٥٩٤ ]
محمد بن عبد السلام (الخشني)، قال حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تعتكف وذكره، إلى آخره) (^١).
قلت: والصواب من هذه الأوجه: الوجه الأخير، وهو رواية الأكثر، وهم: معمر (^٢)، وسفيان (^٣)، وسفيان بن حسين (^٤)، وزياد بن سعد (^٥)، والأوزاعي (^٦).
ويؤيد هذا ما يأتي:
أولا: أن هشام بن عروة أيضًا، ومحمد بن عبد الرحمن النوفلي قد روياه عن عروة، عن عائشة به. أخرجه الشيخان من طريق هشام (^٧)، وأخرج مسلم رواية محمد بن عبد الرحمن (^٨).
ثانيًا: أن الوجه الثاني لا يخالفه؛ إذ فيه أن عمرة ممن روتْ هذا الحديث عن عائشة، كما في رواية مالك، والليث بن سعد، وهذا ما ذهب إليه أبو عيسى الترمذي كما تقدم.
ثالثًا: أن الوجه الأول لم يتابع مالك عليه، كما قال أبو داود.
رابعًا: أن مالكًا كان يشك في هذا الإسناد، كما في سؤال ابن مهدي له، وقد تقدم.
_________________
(١) "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (٨/ ٣١٨).
(٢) البخاري (٢٠٤٦)، ومسلم (٢٩٧)، وهي مختصرة.
(٣) أخرجه الحميدي في "المسند" (١٨٤).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٩٨٩٨)، وأحمد في "المسند" (٢٦٢٧٨).
(٥) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٣٥٥٤).
(٦) أخرجه أحمد في "المسند" (٢٤٥٦٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٣٥٢٤).
(٧) "صحيح البخاري" (٢٩٥)، "صحيح مسلم" (٢٩٧).
(٨) "صحيح مسلم" (٢٩٧).
[ ١ / ٥٩٥ ]
ووقع في متنه أيضا إشكال، ولكن ليس من أبي عيسى، فقد ذهب بعض الحفاظ إلى أن مالكًا قد أخطأ في سياق لفظ الحديث الذي رواه، وذلك أنه أدخل في رواية عمرة قصة ترجيل عائشة لشعر النبي ﷺ، وإنما في حديث عروة فقط، دون عمرة.
قال ابن عبد البر: (وهذان حديثان، أحدهما: في ترجيل النبي ﷺ، والآخر في مرور عائشة بالمريض وقولها: كان رسول الله ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، اختلف فيهما أصحاب الزهري عليه …).
إلى أن قال: (وذكر محمد بن يحيى الذهلي في كتابه في "علل حديث الزهري" هذين الحديثين: مرور عائشة، وترجيل النبي ﷺ وهما يعتكفان، عن جماعة من أصحاب الزهري، منهم: يونس، والأوزاعي، والليث، ومعمر، وسفيان بن حسين، والزبيدي، ثم قال: اجتمع هؤلاء كلهم على خلاف مالك في ترجيل النبي ﷺ، فلم يجامعه عليه منهم أحد.
فأما يونس والليث فجمعا عروة وعمرة عن عائشة، وأما معمر والأوزاعي وسفيان بن حسين فاجتمعوا على عروة عن عائشة.
قال: والمحفوظ عندنا حديث هؤلاء، قال: وأما القصة الأخرى في مرور عائشة على المريض؛ فاجتمع معمر، ومالك، وهشيم، على عمرة عن عائشة.
وقال يونس من رواية الليث مرة: عن عمرة، عن عائشة، ومرة من رواية عثمان بن عمر: عن عروة وعمرة عن عائشة.
قال: وعثمان بن عمر أولى بالحديث؛ لأن الليث قد اضطرب فيه، فقال مرة: عن عروة عن عائشة، ومرة: عن عمرة، عن عائشة، وثبته عثمان ابن عمر عنهما جميعا.
[ ١ / ٥٩٦ ]
وقد واطأه ابن وهب عن يونس في الحديثين جميعا، فصارت روايته عن يونس أولى وأثبت.
وأما شبيب بن سعيد فإنه تابع الليث على روايته عن يونس في القصة الأخيرة، فقال: عروة، عن عمرة، عن عائشة.
قال: فقد صح الخبر الآخر عندنا عن عروة وعمرة عن عائشة، باجتماع يونس -من رواية ابن وهب، وعثمان بن عمر-، والأوزاعي -من رواية المغيرة-، والليث بن سعد -من رواية ابن أبي مريم-، عن عروة وعمرة، عن عائشة.
وباجتماع معمر ومالك وهشيم على عمرة.
وعبد الرحمن بن مهدي وأبو نعيم، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة أن عائشة كانت تجاور فتمر بالمريض من أهلها فلا تعرض له.
فالحديثان عندنا محفوظان بالخبرين جميعا، إلا ما كان من رواية مالك في ترجيل النبي ﷺ فقط إن شاء الله.
قال: وقد روى ابن أبي حبيب ما حدثنا به أبو صالح الحراني، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن ابن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يعتكف فيمر بالمريض في البيت فيسلم عليه ولا يقف.
قال: وهذا معضل لا وجه له، إنما هو فعل عائشة، ليس ذكر النبي ﷺ من هذا الحديث في شيء، وهذا الوهم من ابن لهيعة فيما نرى، والله أعلم.
قال أبو عمر: الذي أنكروا على مالك ذكره عمرة في حديث عائشة:
[ ١ / ٥٩٧ ]
أنها كانت ترجل رسول الله ﷺ وهو معتكف، هذا ما أنكروا عليه -لا غير- في هذا الحديث؛ لأن ترجيل عائشة رسول الله ﷺ وهو معتكف لا يوجد إلا في حديث عروة وحده عن عائشة، وغير هذا قد جومع مالك عليه، من حديث مرور عائشة وغيره من ألفاظ حديث مالك وإسناده.
وقد روى حديث الترجيل هذا عن عروة: تميم بن سلمة، وهشام بن عروة، ذكر أبو بكر ابن أبي شيبة، عن ابن نمير، ويعلى، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض، وهو عاكف.
وقال يعلى في حديثه هذا: كنت أغسل.
قال أبو بكر: وحدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يدني إليّ رأسه وهو مجاور، وأنا في حجرتي، فأغسله وأرجله بالماء وأنا حائض.
وقد رواه الأسود بن يزيد، عن عائشة، مثل رواية عروة سواء، إلا أن في حديث الأسود: يخرج إلي رأسه، وفي حديث عروة: يدني إلي رأسه، وبعضهم يقول فيه: يدخل إلي رأسه.
وفي ذلك ما يدل على جواز إدخال المعتكف رأسه البيت ليغسل ويرجل.
وقد يحتمل قول الأسود: يخرج إليَّ رأسه، أي: يخرجه من المسجد إلي في البيت فأرجله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، وحدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا حسين
[ ١ / ٥٩٨ ]
ابن علي، عن زائدة، جميعا عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، -وهذا لفظ حديث سفيان قال-: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه وهو معتكف فأغسله وأنا حائض.
وليس في حديث زائدة ذكر: وهو معتكف.
وفي هذه الأحاديث الثلاثة -حديث تميم بن سلمة، وهشام بن عروة (عن عروة) عن عائشة، وحديث الأسود عن عائشة-: وأنا حائض، وليس ذلك في حديث الزهري من وجه يثبت) (^١).
قلت: الأمر في ذلك سهلٌ، فالخبر محفوظٌ، سواء كان من رواية عروة عن عائشة، أو عمرة عن عائشة، مع أنه قد وقع في رواية الليث، عن الزهري، عن عمرة وعروة، كلاهما عن عائشة؛ ذكرُ الترجيل، فلم ينفرد مالكٌ في هذا.
وقد جاء ذكر غسل الرأس أيضًا في رواية الأسود عن عائشة، أخرجها مسلم (^٢).
* * *
_________________
(١) "التمهيد" (٨/ ٣١٨ - ٣٢٠).
(٢) "صحيح مسلم" (٢٩٧).
[ ١ / ٥٩٩ ]