اختلف في اسم هذا الكتاب، ويرجع سبب هذا الاختلاف إلى أمرين:
الأول: اختلاف النسخ الخطية في اسمه (^١).
الثاني: اختلاف أهل العلم في تسميته، فقد سموه بعناوين متعددة، منها:
١ - "الجامع"، وممن سماه بذلك: الإدريسي (^٢)، وغنجار (^٣)، والسمعاني (^٤)، والمزي (^٥)، والذهبي (^٦)، وابن كثير (^٧)، وغيرهم.
٢ - "الجامع الكبير"، ممن سماه بذلك: ابن الأثير الجزري في "أسد الغابة" (^٨)، وغيره.
وذكر ابن الأثير في "جامع الأصول" إسناده إلى كتاب الترمذي من طريق المحبوبي قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي بكتاب "الجامع الكبير" (^٩).
_________________
(١) ينظر: مقدمة "الجامع"، طبعة دار التأصيل.
(٢) "شروط الأئمة الستة" لابن طاهر المقدسي (ص: ١٠٣).
(٣) "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٧).
(٤) "الأنساب" (٣/ ٤٢).
(٥) "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٠).
(٦) "ميزان الاعتدال" (٣/ ٦٧٨).
(٧) "البداية والنهاية" (١٤/ ٦٤٧).
(٨) (١/ ١١٧).
(٩) (١/ ٢٠٣). وانظر: "الكامل في التاريخ" (٦/ ٤٧٤).
[ ١ / ١٠٥ ]
٣ - "الجامع الصحيح"، وممن سماه بذلك: الحاكم (^١)، والبرقاني (^٢)، والخطيب البغدادي (^٣)، وغيرهم.
وهناك من اقتصر على تسميته بـ "الصحيح"، ومنهم: ابن النديم (^٤)، وياقوت الحموي (^٥)، وابن الأثير (^٦).
٤ - "الجامع الكبير المختصر في السنن المسندة"، سماه بذلك التجيبي (^٧)، وغيره.
٥ - "السنن"، وممن سماه بذلك: الخليلي (^٨).
٦ - "المسند الجامع"، كذا سماه الإسعردي (^٩).
٧ - "المسند الصحيح"، روى ابن نقطة بإسناده من طريق نجيب بن ميمون الواسطي الهروي، عن أبي علي منصور بن عبد الله بن خالد الذهلي، عن أبي عيسى الترمذي قال: (صنفت هذا الكتاب - يعني "المسند الصحيح" - فعرضته على علماء الحجاز …) (^١٠).
٨ - "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل"، سماه بذلك ابن خير الإشبيلي (^١١)، وصوبه عبدالفتاح أبو غدة (^١٢).
_________________
(١) "معرفة أنواع الحديث" لابن الصلاح (ص: ٤٠).
(٢) "تاريخ بغداد" (٦/ ٢٣١).
(٣) المصدر السابق.
(٤) "الفهرست" لابن النديم (١/ ٢٨٥).
(٥) "معجم البلدان" (١/ ٥١٠).
(٦) "جامع الأصول" (١/ ١٩٣).
(٧) "برنامج التجيبي" (ص: ٩٩).
(٨) "الإرشاد" (٣/ ٩٠٥).
(٩) "فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي" (ص: ٣٨).
(١٠) "التقييد" لابن نقطة (ص: ٩٧)، وأما يتعلق بالنسخ الخطية وما جاء فيها من تسمية الكتاب فانظر مقدمة "الجامع" طبعة دار التأصيل.
(١١) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" (ص: ٩٨).
(١٢) "تحقيق اسمي الصحيحين والجامع" (ص: ٦٦ - ٨٨).
[ ١ / ١٠٦ ]
وهذا الاسم الأخير هو الصحيح، وذلك لأمور ثلاثة:
الأمر الأول: أن هذا الاسم جاء في عدة نسخ، وهي نسخ قديمة نسبيا، وهذه النسخ قد رويت من أكثر من طريق عن أبي عيسى الترمذي، كما سيأتي.
والأمر الثاني: أن هذا الاسم مطابق للمسمى، وذلك أن الترمذي قد جعل هذا الكتاب شاملا لأبواب الشريعة، ولم يجعله خاصا لأحاديث الأحكام، وأضاف إلى ذلك كلام الفقهاء من الصحابة والتابعين وهلم جرا، وضم إلى ذلك كلام الحفاظ على الأحاديث والرجال، فهو بهذه الصفة يكون جامعا، لذا سمي بـ"الجامع".
قال أبو سليمان الخطابي: (وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارا، وقصصا، ومواعظَ، وآدابا …) (^١).
فما قاله الخطابي في "وصف الجوامع" منطبق على كتاب أبي عيسى لأنه لم يقتصر على السنن المتعلقة بالاْحكام، وإنما جمع إلى ذلك ما يتعلق بالإيمان والعلم والمناقب والفضائل والتفسير والزهد وصفة القيامة والجنة وجهنم … الخ، فهو بهذه المثابة كتاب جامع.
ويؤيد تسميته بـ"الجامع" أن بعض شيوخ الترمذي سموا كتبهم بهذه التسمية، فالبخاري قد سمى كتابه "الصحيح" بـ "الجامع"، وقد قال أبو عيسى في باب الاستنجاء يالحجرين: (وسألت محمدا - أي: البخاري - عن هذا الحديث (^٢) فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي
_________________
(١) "معالم السنن" (١/ ٧).
(٢) أي: حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ خرج لحاجته فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار … " الحديث.
[ ١ / ١٠٧ ]
إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتاب "الجامع") (^١).
قلت: ومن المعلوم العلاقة الوثيقة بين الترمذي وشيخه البخاري.
وأما وصفه بالمختصر: فهو وصف مطابق لحال كتاب أبى عيسى، ويدل لهذا أمور:
١ - أنه لم يمسند جميع الأحاديث التي في الباب، لذا يقول اختصارا: وفي الباب عن فلان وفلان .. حتى أنه فى بعض الأحيان يذكر ثمانية عشر راويا أو أكثر (^٢).
٢ - أنه يختصر الحديث نفسه، فكثيرا ما يقول: وفي الحديث قصة، اختصارا للحديث ولا يسوقه مطولا، وإنما يذكر موضع الشاهد.
٣ - أن لأبي عيسى كتابا أكبر من ذلك ذكر فيه الآثار الموقوفة، قال في كتابه "العلل الصغير": (… وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف) (^٣).
فيعتبر كتاب "الجامع" بالنسبة لهذا الكتاب الذي أشار إليه مختصرا.
وقال أيضًا في آخر "الجامع": (وقد وضعنا هذا الكتاب على الاختصار لما رجونا فيه من المنفعة) (^٤).
قال ابن رجب: (وقد ذكر الترمذي ﵀ أنه إنما وضع كتابه هذا على الاختصار، لما رجا فيه من المنفعة، وهو تقريبه على طلبة العلم، وكان قد وعد بكتاب أكبر منه يستوعب فيه الأحاديث والآثار) (^٥).
_________________
(١) (١/ ٢٨٦).
(٢) ينظر مثلا: باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر (١٨٣)، وباب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ (٢٦٦٠).
(٣) (٥/ ٩).
(٤) (٥/ ٣٨).
(٥) "شرح العلل" (١/ ٤٦٢).
[ ١ / ١٠٨ ]
وقال أبو عمر ابن عبدالبر: (ثلاثة كتب مختصرة في معناها، أُوثِرُها وأُفَضِّلُها: مصنف أبي عيسى الترمذي في السنن، و"الأحكام في القرآن" لابن بكير، و"مختصر ابن عبدالحكم") (^١).
وأما قوله: (من السنن عن رسول الله ﷺ) لأن النصوص التي أوردها كلها أحاديث عن رسول الله ﷺ فهي سنن.
وأما قوله: (ومعرفة الصحيح والمعلول) لأنه قد بين في هذا الكتاب صحة كثير من الأحاديث، كما أنه ساق أحاديث كثيرة وبين ضعفها وعلتها، ووجه تعليلها، فهو كتاب علل، لذا جلّ مادة كتاب "العلل الكبير" له موجودة في كتابه "الجامع" مفرقة على الأبواب.
وقال أبو عيسى في كتابه "العلل الصغير": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ").
قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (^٢): (والذين صنفوا منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومن بعدهما كابن خزيمة وابن حبان، ولكن كتابهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين.
ومنهم من لم يشترط الصحة، وجمع الصحيح، وما قاربه، وما فيه بعض لين وضعف، وأكثرهم لم يثبتوا ذلك، ولم يتكلموا على التصحيح والتضعيف.
وأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي ﵀، وقد بين … أنه لم يسبق إلى ذلك، واعتذر بأن هؤلاء الأئمة الذين سماهم صنفوا ما لم يسبقوا إليه، فإذا زيد في التصنيف بيان العلل ونحوها كان فيه تأس بهم في تصنيف ما لم يسبق إليه.
_________________
(١) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" (ص: ١٦٠).
(٢) (١/ ٤٠ - ٤١).
[ ١ / ١٠٩ ]
وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة، وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحدًا سبق الترمذي إليها (^١).
وقال في موضع آخر (^٢): (وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان قصده ﵀ ذكر العلل).
وأما قوله: (وما عليه العمل) فلأنه كثيرا ما يبين ذلك عندما يسوق الحديث، فيقول بعده: والعمل على هذا، لذا قال في كتابه "العلل الصغير" (^٣): (جميع ما في هذا الكتاب - أي: "الجامع" - من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين).
والأمر الثالث: أن التسميات الأخرى جميعها فيها نظر؛ فمثلا:
١ - تسميته بالجامع الصحيح: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يشترط الصحة في كتابه هذا، كيف وقد بين ضعف كثير من الاْحاديث وشرح عللها؟!
٢ - وأما تسميته بالجامع الكبير: فهذا بعيد، وذلك أن كتاب أبي عيسى مختصر كما تقدم ذكره، ويضاف إلى ما سبق أن كتاب البخاري وهو أكبر منه سماه ﵀: "الجامع المسند الصحيح المختصر … "، ومثله مسلم في بعض التسميات: "المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ".
_________________
(١) وأما ابن أبي حاتم فعمله في كتاب "العلل" متأخر عن أبي عيسى الترمذي كما هو معلوم.
(٢) "شرح علل الترمذي" (١/ ٤١١).
(٣) (١/ ٤ - شرحه).
[ ١ / ١١٠ ]
وحتى كتاب أبي داود بين أنه قد اختصره، فقال في "رسالته إلى أهل مكة" (^١): (ولم أكتب في الباب إلا حديثا أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته … وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك).
ومثله ابن خزيمة، فقد سمى كتابه: "مختصر المختصر من المسند الصحيح"، وكتابه أكبر من كتاب الترمذي؛ لأن القطعة الموجودة وهي ربع الكتاب فيها أكثر من (٣٠٠٠) حديث.
وبناء على ما تقدم يبعد أن يسمي الترمذي كتابه بـ "الجامع الكبير".
٣ - وأما تسميته بـ "السنن": فهذا من باب التوسع، والتسمية بالمعنى، وقد مضى القول في هذا.
* * *
نقل بعض كلام أهل العلم في تسمية كتاب الترمذي بـ "الجامع":
١ - قال محمد بن عبدالرحمن الإدريسي - كما في "فضائل الكتاب الجامع" للإسعردي (^٢) -: (صنف كتاب "الجامع").
٢ - وقال ابن خير الإشبيلي في "فهرست شيوخه" (^٣): (مصنف الإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، الحافظ، وهو "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ، ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" … الخ).
٣ - وسماه بـ"الجامع" الإسعردي في جزئه "فضائل الكتاب الجامع
_________________
(١) (ص: ٢٣ - ٢٤).
(٢) (ص:٣١).
(٣) (ص:١٠٧).
[ ١ / ١١١ ]
لأبي عيسى الترمذي"، وقال في مقدمته (^١): (… فجمعت في هذه الأوراق فضائل جامعه). وقال أيضًا (^٢): (مما صنف أبو عيسى غير "المسند الجامع": "العلل" … الخ).
٤ - وقال ابن خلكان في ترجمة الترمذي من "وفيات الأعيان" (^٣): (صنف كتاب "الجامع").
٥ - وقال الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" (^٤): (وعلامة ما أخرجه الترمذي في "الجامع": ت). وقال في ترجمة الترمذي (^٥): (صاحب "الجامع").
٦ - وقال الذهبي في ترجمة الترمذي من "السير" (^٦): (مصنف "الجامع" (^٧).
٦ - وقال صاحب "كشف الظنون" (^٨): (نقل عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه، فيقال: "جامع الترمذي"، ويقال له: "السنن" أيضًا، والأول أكثر).
وغير هذا كثير، ولعبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى كلام جميل في ترجيح ما تقدم ذكره من تسمية كتاب أبي عيسى ومناقشة المسميات الأخرى وبيان ضعفها، فقال في كتابه "تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي" (^٩):
_________________
(١) (ص: ٣٠).
(٢) (ص: ٣٨).
(٣) (٤/ ٢٧٠).
(٤) (١/ ١٥٠).
(٥) (٢٦/ ٢٥٠).
(٦) (١٣/ ٢٧٠).
(٧) يلاحظ أن بعض ما ذكرته من كلام أهل العلم في تسمية هذا الكتاب إما بأن يُذكر العنوانُ تاما، أو يُكتفى بطرفٍ منه على سبيل الاختصار.
(٨) (١/ ٥٥٩).
(٩) (ص:٥٣ - ٥٩).
[ ١ / ١١٢ ]
(لم يكن شأن "جامع الترمذي" أحسن من شأن "الصحيحين" في إغفال اسمه عليه، فقد طبع طبعات كثيرة متعددة في بلاد مصر والشام والهند وغيرها، ولم يثبت على وجه طبعة منه اسمه العلمي الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
وتبدو أهمية إثبات اسمه التام الكامل عليه أكثر من أهمية إثبات اسم "الصحيحين" عليهما، لشهرتهما بالصحة وتأليفهما لجمع الحديث الصحيح، فغياب اسمهما الكامل من الذكر على وجهيهما لا يؤثر مئل ما يؤثر غياب اسم "جامع الترمذي"، ويزيد الأمر ضغثا على إبالة أنه أُثبت على "جامع الترمذي" اسم يخالف مضمونه وما أسس تأليفه عليه، فقد أثبت على وجه المطبوع منه بالقاهرة ثم في بيروت "صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي"، وهو خطأ فليس هو مسمى بالصحيح.
والعجب أن شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، حينما شرح كتاب الترمذي أثبت على وجهه "الجامع الصحيح، وهو سنن الترمذي". انتهى، فالجزء الثاني من هذا الاسم: (وهو سنن الترمذي)، من باب رعاية المعنى والمضمون للكتاب، فلا مانع منه، على أنه قد سمي في بعض الأثبات والفهارس باسم "السنن"، كما في "فهرست ابن عطية".
وقد اشتهر به أيضًا - تغليبا في ضمه إلى كتب السنن الثلاثة - كما أشار إليه صاحب "كشف الظنون"، أما الجزء الأول من هذا الاسم وهو (الجامع الصحيح)، فهذا الوصف: (الصحيح) ما كان ينبغي له إثباته على وجه الكتاب، وقد أثبته غير مرة: في وجه الجزء الأول، وفي صفحة ٩٠ من المقدمة، وفي وجه أول الكتاب بعد المقدمة، وفي وجه الجزء الثاني، من طبعة مصطفى البابي الحلبي.
وتابع شيخنا في هذا: من تساهل في إطلاق هذا الوصف على كتاب
[ ١ / ١١٣ ]
الترمذي، فقد أطلق الحاكم عليه اسم (الجامع الصحيح)، وأطلق الخطيب عليه أيضًا اسم (الصحيح)، كما حكاه عنهما الحافظ ابن الصلاح في "مقدمته"، بآخر (النوع الثاني: الحسن)، وتعقبه بقوله: وهذا تساهل، لأن فيها - أي في الكتب المعدود فيها كتاب الترمذي - ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف. انتهى.
وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الترمذي: في "الجامع" علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل. انتهى. وقال الذهبي أيضًا: انحطت رتبة "جامع الترمذي" عن "سنن" أبي داود والنسائي، لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. نقله السيوطي في "تدريب الراوي"، في أوأخر الكلام على (الحديث الحسن). فوصف "جامع الترمذي" بلفظ (الصحيح) غير صحيح، فلا يسوغ إثباته عليه.
وسماه الحافظ أبو القاسم الإسعردي، المتوفى سنة ٦٩٢ رحمه الله تعالى، في جزئه "فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي": (المسند الجامع). وهذا لائق به.
وسماه قبله الحافظ ابن خير الإشبيلي، المتوفى سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى، في "فهرست ما رواه عن شيوخه"، بقوله: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل).
وهذا الاسم مطابق لمضمون الكتاب، ووقفت عليه بعينه مثبتا على مخطوطتين قديمتين، كتبت إحداهما قبل سنة ٤٧٩، وقبل ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد ولد سنة ٥٠٢، والنسخة الأخرى كتبت في سنة ٥٨٢ …
[ ١ / ١١٤ ]
وقد دعيت إلى المشاركة في ندوة أقامها البنك الإسلامي للتنمية في جدة، بعنوان (استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية)، وعقدت في ٢٤/ ٤/ ١٤١١، فلبيت الدعوة وشاركت فيها، وكان من الأساتذة المشاركين فيها الأستاذ الفاضل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
فذكرت له في حديث خاص بيننا أن كتب السنة (الستة) تحتاج في إخراجها ونشرها إلى مزيد عناية خاصة، تواكب تقدم الطباعة وارتقاءها، وذكرت له أن بعضها مثل "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" و"جامع الترمذي": لم تثبت عليها أسماؤها العلمية التي وضعها لها مؤلفوها، لتدل على مضمون كتبهم وتحديد منهجهم في جمعها وتصنيفها، بل قد أُثبت على الترمذي اسم مخالف لمضمونه كل المخالفة، وهو "الجامع الصحيح"!
وقلت له: إني تعرضت لهذا الموضوع في رسالتي المسماة "الإسناد من الدين"، التي قدمتها إلى المطبعة من السنة الماضية، وحققت فيها اسم صحيح الإمام البخاري، واسم جامع الإمام الترمذي، وسميت له الاسم العلمي الذي وضعه الإمام الترمذي لكتابه، وهو "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل"، وكانت تجارب التصحيح لطباعة هذه الرسالة معي، فأطلعته على ما كتبته في هذا الصدد فسُرَّ به، وذكر لي أن لديه مخطوطة قديمة من كتاب الترمذي، عليها هذا الاسم بعينه كما يظن.
فرجوت منه أن يسعفني بصورة من صفحة العنوان، لأعزز بها ما ذكرته، ولأنشرها في آخر الرسالة، فتكرم بذلك فقدم لي صورة من عنوان نسخة مكتبة فيض الله أفندي، التي سأتحدث عنها بعد قليل، ولم يكتف بهذا فأرسل إلى مقره في أمريكا، وطلب لي سورة من نسخة ثانية قديمة لكتاب الترمذي، تملكها من قريب وعليها العنوان الذي ذكرته، ثم جاءت
[ ١ / ١١٥ ]
الصورة فكان العنوان فيها مطابقا لنسخة فيض الله أفندي، ومطابقا للعنوان الذي أثبته في رسالتي "الإسناد من الدين".
وقدم لي أيضًا صورتين لوجه نسختين قديمتين من "صحيح الإمام البخاري"، أثبت عليهما اسم "صحيح البخاري" كما ذكرته في رسالة "الإسناد من الدين"، فتعزز عندي الجزم بصحّة ما كتبته في اسمي هذين الكتابين: "صحيح البخاري"، و"جامع الترمذي"، والحمد والفضل لله تعالى …
والغريب كل الغرابة أن من خدم "جامع الترمذي" من العلماء المعاصرين: تحقيقا وتقويما لمتنه، أو شرحا وبيانا لمعانيه وأحاديثه، أو ضبطا وتفصيلا لشرحه، كشيخ شيوخنا العلامة محمد يحيى الكاندهلوي، في شرحه المسمى "الكوكب الدري على جامع الترمذي"، وكالعلامة عبدالرحمن المباركفوري، في شرحه "تحفة الأحوذي"، وشيخنا العلامة أحمد شاكر، في تحقيقه لمتن كتاب الترمذي وشرحه الذي لم يتم، وشيخنا العلامة محمد يوسف البنوري، في شرحه المسمى "معارف السنن" الذي لم يكتمل، وصديقنا العلامة الشيخ أحمد معبد، في تحقيقه لكتاب "النفح الشذي"، التي تصلح أن تكون كتابا مستقلا لغزارة علمها وبالغ طولها، لم يتعرضوا بالمرة لذكر اسم الكتاب العلمي.
وأغرب من هذا أن من خصص دراسة خاصة واسعة عن الإمام الترمذي و"جامعه"، كالأستاذ الفاضل الدكتور نور الدين عتر في كتابه "الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين"، لم يتعرض لذكر اسم الكتاب هذا فيه، وإنما ذكر في ص ٤٤ جملة من الأسماء المختصرة المختزلة له، فكأنه لم يمر بخاطره هذا الموضوع بالمرة، وإلا لكان بحثَه واستكشفه من النسخ المخطوطة القديمة، فإنه من أهم المباحث وأولها عناية لدارس كتاب "جامع الترمذي".
[ ١ / ١١٦ ]
وكذلك لم يتعرض لاسم "جامع الترمذي" الأستاذ الدكتور أكرم العمري … وقد وقع نحو هذا للشيخ ناصر الألباني … بل إن شيخ شيوخنا الإمام محمد بن جعفر الكتاني لم يتعرض لاسم الكتاب في كتابه الحافل المفيد "الرسالة المستطرفة … "، وكذلك قبله العلامة حاجي خليفة في كتابه العظيم "كشف الظنون … ".
بل إن الذين ترجموا للإمام الترمذي من كبار الأئمة المتأخرين، كالحافظ المزي في "تهذيب الكمال"، والحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، و"سير أعلام النبلاء"، و"العبر"، والحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": لم يتعرضوا أيضًا لذكر اسم الكتاب، وذلك مما جعل اسم الكتاب مجهولا خفيا، ولعل الباعث لهم على ذلك طول اسم الكتاب بعض الشيء، فهم يختصرونه بأقل ما يدل عليه، وهذا عذر مسوغ مقبول عند الإحالة إليه والنقل منه، لكثرة ترداد اسمه، أما عند الحديث عن الكتاب فيتعين صناعة ذكر اسمه وعنوانه الذي وضعه المؤلف، لتعرف خطته ونهجه فيه بجلاء ووضوح …).
إلى أن قال (ص ٧٦): (تعزيز صحة اسم جامع الترمذي: ذكرت فيما تقدم كلمة عن اسم "جامع الترمذي" الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي، وأنه "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل".
وتعزيزا وتوكيدا لثبوت أن هذا الاسم لكتاب الترمذي هو الذي سماه به مؤلفه، بحثت عن بعض النسخ المخطوطة القديمة منه، فوقفت على نسختين نفيستين جدا، جاء فيهما اسم الكتاب كما ذكرته تماما.
وأورد هنا صورتين لوجهي هاتين النسختين، زيادة في الطمأنينة إلى أن الاسم المذكور هو من صنيع الإمام الترمذي نفسه.
[ ١ / ١١٧ ]
وفي شهر هذا الاسم واشتهاره لكتاب الإمام الترمذي نفع كبير جدا، لذا يجب على من يطبع هذا الكتاب بعد الآن أن يثبت هذا الاسم عليه أمانة وصناعة، ومن يخالف فقد خان الأمانة وأضاع هوية الكتاب، فالله حسيبه.
ويتبدّى من دراسة هذا العنوان الدقيق المتين، إمامة الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في فقهه ومعرفته بمذاهب الفقهاء والمجتهدين، إلى جانب إمامته الفذة في الحديث وعلومه، وعلله ورجاله ورواياته …).
ثم قال بعد ذلك (ص ٧٨): (لكتاب "جامع الترمذي" نسخ مخطوطة كثيرة منتشرة هنا وهناك، ولكن قلّ أن تجد نسخة منها عليها اسم الكتاب كاملا تاما، كما سماه به مؤلفه، وأغلب النسخ يذكر فيها اسم الكتاب مختصرا بلفظ (الجامع للإمام الترمذي)، أو (جامع الترمذي)، أو نحو هذا وذاك.
وقد عثرت على نسختين خطيتين قديمتين، جاء اسم الكتاب عليهما تاما غير منقوص، كما نقله الإمام الحافظ المحدث الضابط المتقن أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي رحمه الله تعالى، في "فهرست ما رواه عن شيوخه" … وهو (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل)، وإليك كلمة عن هاتين النسختين:
النسخة الأولى: هذه النسخة دخلت في تملك الأستاذ محمد مصطفى الأعظمي … وهي في مجلد واحد، وفيها نقص بآخرها يبلغ ثلاثة أوراق، وتبلغ صفحاتها ٦٤٨ صفحة، والترقيم حديث.
وكلها بخط مشرقي فصيح جميل، ولم يذكر عليها اسم كاتبها، كتبت قبل سنة ٤٨٠، إذ عليها سماعات متعددة، أقدمها سماع في رمضان سنة ٤٧٩، وعورض الأصل بنسخة ابن خلاد الرامهرمزي - صاحب كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"-، فهي أقدم كتابة من النسخة الثانية
[ ١ / ١١٨ ]
التي سيأتي الحديث عنها قريبا، بأكثر من مائة سنة، ومكتوبة قبل ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد ولد سنة ٥٠٢، وتوفي سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى.
وسند هذه النسخة إلى المؤلف يختلف عن سند النسخة الثانية اختلافا تاما، واتفقت النسختان في العنوان على عبارة واحدة، وهي: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل)، إلا أن هذه النسخة الأولى نقص فيها لفظ (عن رسول الله ﷺ)، كما يراه الناظر في سورة كل من النسختين (^١).
وأثبت هنا سورة الجزء التاسع من النسخة الأولى، لا الجزء الأول كما هو المعتاد، لوضوح الخط ونضارته في هذا الجزء دون الجزء الأول، وهذا مثال ما جاء في الصفحة المصورة من المخطوطة في الموضع المذكور، وفيه السند من سامع هذه النسخة إلى المؤلف الإمام الترمذي رحمه الله تعالى:
(الجزء التاسع من كتاب الجامع المختصر من السنن ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل. تصنيف أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ الترمذي ﵀. سماعا لداود بن محمد بن عبد الله بن يوسف نفعه الله بالعلم.
حدثه به أبو القاسم عبدالرحمن بن الحسن الشافعي في المسجد الحرام، عن أبي بكر أحمد بن إبراهيم المروزي الفقيه، عن أبي زيد محمد ابن أحمد المروزي الفقيه، عن أبي حامد أحمد بن عبد الله المروزي، عن أبي عيسى الحافظ الترمذي.
_________________
(١) ذكر أبو غدة هنا في الحاشية "أسانيد ابن خير لجامع الترمذي".
[ ١ / ١١٩ ]
وحدثه به أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد العطار، عن أبي ذر محمد بن إبراهيم الترمذي، عن أبي عيسى الترمذي).
النسخة الثانية: هذه النسخة محفوظة في مكتبة فيض الله أفندي رحمه الله تعالى في إسطنبول، برقم ٣٤٤، في مجلد واحد، وهي نسخة تامة في ٢٦٧ ورقة بخط مغربي فصيح، فرغ من نسخها في شوال من سنة ٥٨٢، ولم يذكر عليها اسم كاتبها، وعلى الزاوية اليسرى العليا من الصفحة السابقة لصفحة العنوان تملك لها بخط مالكها فيض الله أفندي جاء فيه ما يلي: (من كتب الفقير السيد فيض الله المفتي في السلطنة العلية العثمانية عفي عنه).
وهذا نص ما جاء على وجه هذه النسخة: (الكتاب الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل. تصنيف الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمة الله عليه، ومغفرته ورضوانه لديه).
وسند سامع هذه النسخة إلى المؤلف مكتوب في أول الكتاب كما يلي: (قال محمد بن علي بن حسنون: أخبرنا الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي المعافري ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع.
قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين المبارك بن عبدالجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع، فأقر به في شوال سنة تسعين وأربع مائة.
قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبدالواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر قراءة عليه فأقر به.
قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة المروزي السنجي قراءة من أصله في منزله في المحرم سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة.
[ ١ / ١٢٠ ]
قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب، قال: قرئ على أبي عيسى محمد بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الحافظ وأنا أسمع، قال أبو عيسى: كان جدي مروزيا، انتقل من مرو أيام الليث بن سيار.
قال: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد …).
ثم أورد عبد الفتاح أبو غدة الصور التالية:
[ ١ / ١٢١ ]
وجهُ النسخة الأولى من كتاب جامع الترمذي
[ ١ / ١٢٢ ]
وجهُ النسخة الثانية من كتاب جامع الترمذي
[ ١ / ١٢٣ ]
ثم قال عبد الفتاح أبو غدة (ص ٨٨): (وبهذا العنوان الواضح الصريح الذي رأيناه، تتبين معالم كتاب الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وتتبين أيضًا دقة مداركه ومقاصده الحديثية والفقهية، في تأليفه الكتاب على هذا الوجه الذي رسمه وربط فيه بين جوانبه وأحاديثه.
فهو قد قصد أن يدون فيه الصحيح والمعلول -أي: الضعيف- قصدا أساسيا، وأصدر الحكم من الجمع بينهما في كثير من الأبواب، وقصد أن يذكر فيه أيضًا: ما عليه العمل، إكمالا للفائدة، فإن هذا الجانب قد يبدو أنه فقهي، والحق أنه فقهي وحديثي أيضًا، لأن العمل بالحديث عند العامل به من ذوي العلم محدثا كان أو فقيها: دليل على صحته عنده، ما لم يكن ضعيفا ويرى العمل به في فضائل الأعمال، كما هو مقرر في موضعه من كتب الأصول والفقه والمصطلح، أو قام لديه ما يدعوه إلى الأخذ به.
فكتاب "الجامع" للإمام الترمذي كتاب فذ في بابه، وقد تتابعت وكثرت كلمات الثناء عليه من كبار الأئمة المحدثين والنقاد، من أجل كثرة مزاياه وفوائده وعلومه الحديثية) ا. هـ كلام عبدالفتاح أبو غدة.
* * *
[ ١ / ١٢٤ ]