يمكن تقسيم منهجه في هذا الباب إلى قسمين:
القسم الأول: الأحاديث التي حكم عليها.
القسم الثاني: الأحاديث التي لم يحكم عليها بشيء، وهي أحاديث يسيرة، أوردها وسكت عنها.
أما القسم الأول، فالأحاديث التي حكم عليها على نوعين:
الأول: التي حكم عليها حكما تاما، فبيّن صحّتها أو حسنها أو ضعفها.
الثاني: التي حكم عليها حكما ناقصًا، وأعني أنه لم يبين درجتها بيانًا واضحًا؛ كقوله: "هو أصح شيء في الباب وأحسن "، فبهذه العبارة حكم على بعض الأحاديث، خاصة في الأبواب الأولى من كتابه؛ الأول والثالث والرابع (^١).
وفي الباب السادس والثامن قال: "أحسن شيء في هذا الباب وأصح" (^٢).
ويظهر أنه لا فرق بين العبارتين.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١، ٣، ٤، ٣١).
(٢) "جامع الترمذي" (٧، ١١).
[ ٢ / ١١ ]
وكقوله -أحيانًا-: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه" دون قوله: "غريب"، وهذا يسيرٌ، ومن أمثلته:
١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة (^١)، عن ابن المسيّب، أنه سأله عن الصوم في السفر، فحدث أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع النبي ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر، والفتح، فأفطرنا فيهما.
وفي الباب عن أبي سعيد.
قال أبو عيسى: حديث عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد روي عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه أمر بالفطر في غزوة غزاها.
وقد روي عن عمر بن الخطاب نحو هذا، أنه رخص في الإفطار عد لقاء العدو) (^٢).
قلت: لعل المصنف اكتفى بما قاله حول الحديث، أو أنه اكتفى بأحكامه السابقة في ابن لَهيعة، فقد بيّن ضعفه من قبل (^٣).
وأما رواية سعيد بن المسيب عن عمر، فالمصنف يصححها (^٤).
٢ - وقال أيضًا: (حدثنا بُندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا أبو المُطَوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه".
_________________
(١) وهو معمر بن أبي حبيبة.
(٢) "جامع الترمذي" (٧٢٣).
(٣) "جامع الترمذي" (١/ ٢٨٠).
(٤) ينظر حديث الدية على العاقلة، وحديث الرجم: (١٤٨٥، ١٥٠٦).
[ ٢ / ١٢ ]
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمدا يقول: أبو المُطَوِّس: اسمه يزيد بن المُطَوِّس، ولا أعرف له غير هذا الحديث) (^١).
قلت: منهج أبي عيسى أن مثل هذا الخبر لا يصحّ، ويؤيد هذا ما ذكره في "العلل الكبير" عن البخاري: (أبو المطَوِّس اسمه يزيد بن المطَوِّس، وتفرّد بهذا الحديث، ولا أعرف له غير هذا، ولا أدري أسمع أبوه من أبي هريرة أم لا) (^٢).
٣ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أبي المَليح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنه من لم يسأل الله يغضب عليه".
وقد روى وكيع، عن غير واحد، عن أبي المَليح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه.
حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا أبو عاصم، عن حميد أبي المَليح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه) (^٣).
وهناك غيرها من الأحاديث، تقدم الكلام عليها في منهجه في التعليل، والله أعلم.
* * *
وأما القسم الثاني، وهو الأحاديث التي سكت عنها فلم يحكم عليها بشيء، فهذا على حالين:
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٧٣٢).
(٢) (١٩٩).
(٣) "جامع الترمذي" (٣٦٩٠ - ٣٦٩١).
[ ٢ / ١٣ ]
الحال الأولى: أن يكون سكوته عنها تعمّدا؛ إما لتردده في الحكم على الحديث قوّة وضعفا، وإما لكون الحديث ليس عليه العمل.
وهذا في الأحاديث المرفوعة، أما الآثار فمنهجه عدم الحكم عليها (^١).
ومن أمثلة ما ترك الحكم عليه لتردُّده في درجته قوة وضعفا:
قال أبو عيسى ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن زياد بن عِلاقة، قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا الأموات فتوذوا الأحياء".
قد اختلف أصحاب سفيان في هذا الحديث: فروى بعضهم مثل رواية الحَفَري.
وروى بعضهم، عن سفيان، عن زياد بن عِلاقة، قال: سمعت رجلًا يحدث عند المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ، نحوه) (^٢).
قلت: الظاهر أنه لم يحكم عليه لتردده بسبب هذا الاختلاف، أو أنه سقط حكمه من الأصل، أو غير ذلك.
وقال أبو عيسى: (حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم، فبال عليها قائمًا، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه فدعاني حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه.
وهكذا روى منصور وعبيدة الضّبِّي، عن أبي وائل، عن حذيفة، مثل رواية الأعمش.
وروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بَهدلة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ.
_________________
(١) ينظر مثلًا: "جامع الترمذي" (٥٥، ١٠٢).
(٢) "جامع الترمذي" (٢١٠٩).
[ ٢ / ١٤ ]
وحديث أبي وائل عن حذيفة، أصح) (^١).
قلت: صوّب أبو عيسى أحد الطريقين مكتفيًا بذلك عن الحكم.
وصثله الحديث الذي خرّجه في باب (كراهية ما يستنجى به) (^٢).
وقال أبو عيسى ﵀: (ويروى عن شَهْر بن حَوشب قال: رأيت جرير ابن عبد الله توضأ ومسح على خفيه، فقلت له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على خفيه، فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمت إلا بعد المائدة.
حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا خالد بن زياد الترمذي، عن مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب، عن جرير.
وروى بقية، عن إبراهيم بن أدهم، عن مقاتل بن حيان، عن شَهْر بن حَوشَب، عن جرير.
وهذا حديث مفسِّر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي ﷺ على الخفين كان قبل نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول المائدة) (^٣).
قلت: يظهر أن المصنف ترك الحكم عليه تعمدًا وليس ذهولًا، بدليل ذكره الوجه الآخر للإسناد عن مقاتل، ولعل السبب الذي دعاه لذلك أن حديثه كان منصبّا على الناحية الفقهية، فقد ذكر أنه حديث مفسِّر للذي قبله.
ومن أمثلة ما ترك الحكم عليه لأجل أن العمل ليس عليه:
قال أبو عيسى: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "الوضوء مما مست النار، ولو من ثور أقط".
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٢).
(٢) "جامع الترمذي" (١٧).
(٣) "جامع الترمذي" (٩٥).
[ ٢ / ١٥ ]
قال: فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدُّهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثًا عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلًا.
وفي الباب عن أم حبيبة، وأم سلمة، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي موسى.
وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار) (^١).
قلت: عدم حكمه على الحديث مردُّه إما إلى أنه ليس عليه العمل عند الأكثر كما ذكر أبو عيسى، أو إلى اختلافٍ وقع في إسناده؛ فقد رواه الزهري ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان الأخنسي، عن أم حبيبة (^٢).
وأخرج مسلم (^٣) من حديث الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره، أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "توضؤوا مما مسّت النار".
وأخرج الترمذي في "الشمائل " (^٤) وأحمد (^٥) وغيرهما، من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٨٠).
(٢) ينظر: "الفوائد المعللة" لأبي زرعة (٢٢٢ - ٢٢٥)، "النكت الظراف" لابن حجر (١٥٠٣٠).
(٣) "صحيح مسلم" (٣٥٢).
(٤) (١٧٦).
(٥) "مسند أحمد" (٩٠٣٨).
[ ٢ / ١٦ ]
الحال الثانية: أن يكون سكوته عنها ذهولًا.
ومن أمثلته -فيما يظهر لي-:
قال أبو عيسى ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب- قال: "إذا كان الماء قُلّتين لم يحمل الخبث".
قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها.
قال أبو عيسى: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغير ريحه أو طعمه. وقالوا: يكون نحوا من خمس قرب) (^١).
قلت: هذا الحديث لا يخفى أنه أصل أصيل في أبواب المياه، فبيان درجته من الأهمية بمكان، وقد حكم أبو عيسى على الأحاديث التي تدخل في هذه المسألة؛ كحديث بئر بضاعة، والبحر، وأما هذا فلم يحكم عليه، فلعلّه ذهولٌ منه ﵀، خاصة أنه ذكر شيئًا من فقه الحديث.
وقال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن، قالت: دخلت بابن لي على النبي ﷺ لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرشّه عليه.
وفي الباب عن علي، وعائشة، وزينب، ولبابة بنت الحارث -وهي أم الفضل ابن عباس بن عبد المطلب-، وأبي السمح، وعبد الله بن عمرو، وأبي ليلى، وابن عباس.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٦٨).
[ ٢ / ١٧ ]
قال أبو عيسى: وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، ومن بعدهم؛ مثل أحمد، وإسحاق، قالوا: يُنضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وهذا ما لم يَطعما، فإذا طعما غُسلًا جميعًا) (^١).
قلت: هذا الحديث إسناده صحيح جدًا، فهو مسلسل بالثقات المشاهير، ولذا خرّجه الشيخان (^٢)، وكأنه ذهل عن الحكم عليه.
* * *
ويمكن معرفة حكم الترمذي -أو ما يقرب من ذلك- على الأحاديث التي لم يحكم عليها بأحد أمرين:
الأول: أن ينظر إلى أمثالها من الأسانيد التي حكم عليها، فهذه يكون حكمها واحدًا غالبًا، فمن المعلوم أن كثيرًا من الأحاديث تتفق في الإسناد مع اختلاف المتن، لكن ليس هذا مطردًا؛ لأنه من المعروف أن للمتن تأثيرًا كبيرًا في الحكم على الحديث.
وأبو عيسى كثيرًا ما يتفنن في حكمه على الأخبار، فتراه يغاير بين الأحكام مع أن الأسانيد واحدة، بل أحيانًا إذا ذكر الحديث الواحد في أكثر من موضعٍ تجد أن حكمه قد يختلف من موضع لآخر، ولكن هذا الاختلاف غالبًا ما يكون في اللفظ وليس في المعنى، والأصل أن أحكامه مطّردة.
وبهذه الطريقة نقترب من معرفة حكمه على الأحاديث التي سكت عنها، هذا مع ملاحظة ما تقدم التنبيه عليه من أن اختلاف المتن قد يؤدي إلى اختلاف الحكم.
الثاني: أن يتتبع منهجه، ومعرفة طريقته في الحكم على الأحاديث،
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٧٢).
(٢) "صحيح البخاري" (٢٢٣)، "صحيح مسلم" (٢٨٧).
[ ٢ / ١٨ ]
فإن من حصلت له هذه المعرفة؛ استطاع بإذن الله تبيُّن أحكامه على الأخبار التي سكت عنها، واستطاع أيضًا الترجيح بين النسخ عند اختلافها في حكم الترمذي (^١).
* * *
أشرت قريبًا إلى أن أحكام الترمذي أحيانًا ربما اختلفت -خلافًا للأصل والغالب-، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - سلسلة (عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده)، صحّح منها ثلاثة أحاديث (^٢)، والكثير منها حسّنه إما مطلقًا (^٣) أو مع الغرابة (^٤)، مع أنها من رواية الثقات المشهورين عن عمرو بن شعيب (^٥).
٢ - سلسلة (محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة)، فقد صحّح كثيرًا من أحاديثها (^٦)، وأحاديث أخرى لم يصححها (^٧).
٣ - سلسلة (قتادة، عن الحسن، عن سمرة)، صحّح بعضها (^٨)، وحسن بعضًا (^٩).
_________________
(١) ينظر: "جامع العلوم والحكم" الحديث رقم (١٨).
(٢) ينظر: (١٢٢٤، ١٦٨٩، ٢٠٤٥).
(٣) ينظر: (٣٢٣، ١٢٩٩، ١٣٤٢، ١٤٥٧، ٢٠٠٤، ٢٦٧٤، ٣٠٤٤، ٣٠٤٦).
(٤) ينظر: (٦٧٩، ١٤٥٤، ٣٠٦٠، ٣٤٧٢، ٣٧٩٧، ٣٨٥٢).
(٥) ومن الأحاديث التي ضعفها لأجل أن في رواتها إلى عمرو من لا يحتج به، ينظر: (٦٤١، ٦٤٥، ١١٥١، ١١٨٠، ١٣٩٨، ١٤٦٧، ٢٢٥٩، ٢٢٦٠، ٢٩٠٣).
(٦) ينظر: (٢٢، ٦٨٩، ٦٩١، ١٠٦٥، ١٢٠٣، ٢٤٨٠).
(٧) ينظر: (١١٤١، ١٢٠٠، ١٤٨٠، ١٥٠٢، ١٥٦٠).
(٨) ينظر: (٥٠٣، ١٢٨٩، ١٤٢٩، ٢١٠٣، ٣٢٤٤).
(٩) ينظر: (٢٥٢، ١١١٤، ١١٤٢، ١٣٢٠، ٤٢٩١).
[ ٢ / ١٩ ]
٤ - سلسلة (عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة)، صحّح بعضها (^١)، وحسن بعضًا (^٢).
وثمة سلاسل دون ما تقدم في القوة؛ كسلسلة (دَرَّاج أبي السَّمْح، عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو، عن أبي سعيد الخدري)، فإنه حسّن بعضها (^٣)، وضعّف البعض الآخر التي في أسانيدها إلى دَرَّاج من هو متكلم فيه؛ كابن لَهيعة أو رشدين بن سعد (^٤).
إلا أنه صحّح حديثًا واحدًا بهذه السلسلة، وهو ما رواه في كتاب صفة جهنم، قال: (حدثنا سُويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد ابن يزيد أبي شجاع، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قال: "تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته".
هذا حديث حسن صحيح غريب) (^٥)
وساقه أيضًا في التفسير بنفس الإسناد، وقال: (حسن غريب صحيح) (^٦)
ولا أدري لماذا صحّح هذا الحديث منها دون غيره؟ لأنه في الغالب إذا صحَّ الإسناد إلى دَرَّاج فإنه يكتفي بتحسينه فقط، مع أن بعض ما حسّنه
_________________
(١) (١٠٨٣، ١٨٦٠).
(٢) (١١٠٨، ١٣٩٣).
(٣) ينظر: (٢٨١٨، ٢٨٩٤).
(٤) ينظر: (٢٧١٧، ٢٧٢٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٣، ٢٧٥٤، ٢٧٦٩، ٢٧٧٤).
(٥) "جامع الترمذي" (٢٧٨٢)، وكذا في طبعة الرسالة (٢٧٦٩) و"التّحفة" (٤٠٦١).
(٦) "جامع الترمذي" (٣٤٧١)، وفي الرسالة (٣٤٥٠): (حسن صحيح غريب)، وفي بعض النسخ: (حسن غريب)، والصواب الأول.
[ ٢ / ٢٠ ]
أقوى من حيث الإسناد إلى دّرَّاج من هذا الخبر الذي صحّحه؛ كما في حديث: "إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان"، فقد ساقه من طريق ابن أبي عمر العدني، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج به، وقال: (حسن غريب) (^١). وكذا حديث: "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة"، فقد ساقه من طريق قتيبة، عن ابن وهب به، وقال: (حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٢).
وقد يكون هذا التصحيح ذهولًا من المصنف، وقد يكون خطأ عليه- مع بعد الاحتمالين-، وقد يكون التصحجح للمتن؛ لأن معنى هذا المتن جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، وهذا فيه بعدٌ أيضًا؛ لأن حديث: "إذا رأيتم الرجل … " قد جاء ما يشهد له في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨]، وهو يشمل العمارة الحسية والمعنوية، والله أعلم.
ومن الأمثلة أيضًا على الأحاديث التي تردّد حكمه فيها:
١ - قال أبو عيسى: (حدثنا علي بن خَشْرم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد القَدَّاح، عن شَهر بن حَوشب، عن أسماء بنت يزيد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] ".
هذا حديث حسن صحيح) (^٣).
قلت: أورد أبو عيسى سبعة أحاديث بهذه السلسة، أعني (شهرًا، عن
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢٨١٨)، وكذا في الرسالة (٢٨٠٥) و"تحفة الأشراف " (٤٠٥٠).
(٢) "جامع الترمذي" (٢١٦٤).
(٣) "جامع الترمذي" (٣٨٠٢).
[ ٢ / ٢١ ]
أسماء)، ولم يصحِّح منها حديثًا سوى هذا الحديث، وحسّن أكثرها (^١)، وحديثا رواه بإسنادين ولم يحكم عليه بشيء (^٢).
وهذا الحديث الذي صحّحه، فيه -بالإضافة إلى وجود شهر- عبيد الله القَدَّاح، وفيه خلاف قويٌّ بين النُقّاد، وبعض أسانيد الأحاديث الأخرى أقوى منه؛ فبعضها من طريق عبدالحميد بن بَهرام عن شهر (^٣)، وقد أثنى الحفاظ على روايته عن شهر، ومع ذلك لم يصحّحها.
وقد يكون صحّحه لأن المتن له شواهد، فالله أعلم.
٢ - وقال أبو عيسى: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا هُشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس قال -يرفع الحديث-: إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحُجْر.
وفي الباب: عن عبدالله بن عمرو.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح) (^٤).
قلت: هذا حديث منكر مرفوعًا، والصواب وقفه على ابن عباس، فقد وقفه عبد الملك بن أبي سليمان وهمّام، عن عطاء به، وهذا ظاهر كلام أبي داود والبيهقي (^٥)، ولم يصحح أبو عيسى لابن أبي ليلى إلا هذا الحديث (^٦).
_________________
(١) وهي خمسة أحاديث: (١٨٧٦، ٢٠٦٣، ٢٩٠٦، ٣٥٣٩، ٣٦١٤).
(٢) (٣١٧٥، ٣١٧٦).
(٣) (٢٩٠٦)، وقال: (حديث حسن، قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد ابن بهرام عن شهر بن حوشب).
(٤) "جامع الترمذي" (٩٣٨)، وكذا في طبعة الرسالة (٩٣٦).
(٥) "سنن أبي داود" (١٨١٧) "السنن الكبرى" للبيهقي (٩٤١٠).
(٦) سيأتي كلام على هذا المثال أيضًا في (مصطلح الصحيح) في النوع الثالث برقم (٦)، وكلام أوسع في أمثلة ما قال عنه: (حسن صحيح) وهو في أدنى درجات القبول برقم (١٦).
[ ٢ / ٢٢ ]
نعم هناك حديث آخر من روايته وصحّحه، ولكنه كان مقرونًا بغيره (^١).
٣ - وقال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا عمر بن علي، عن الحجّاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمروا هو أفضل".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
قلت: وهو خبر منكر مرفوعًا، لا يصح، وإنما هو موقوف.
وقد خرّج أبو عيسى لحجّاج نحو خمسة وعشرين حديثًا، ولم يصحِّح له سوى هذا الحديث.
أقول: لا شك أن الغالب على أحكام الترمذي الاطّرادُ، وما تقدم من أمثلة على اختلاف حكمه إنما هو يسيرٌ بجانب آلاف من الأحاديث التي حكم عليها.
ولا يخفى أن هذا قد يكون مرجعه إلى اختلاف المتن، أو لشهرة الإسناد من عدمه (^٣)، مع ملاحظة أن هذه الأسانيد هي محل خلاف بين أهل العلم قوة وضعفًا، بخلاف الأسانيد المشهورة في الصحة أو في الضعف؛ فهذه يقلُّ الاختلاف فيها.
* * *
_________________
(١) (١٤٦).
(٢) "جامع الترمذي" (٩٥١).
(٣) ينظر: "جامع الترمذي" (٣٨٨٣).
[ ٢ / ٢٣ ]