استعمل الأئمة -قبل الترمذي- مصطلح "حسن صحيح"؛ كالإمام أحمد، وابن المديني، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وهذه بعض نصوصهم:
١ - أخرج الترمذي حديث حَمْنَةَ ﵁ في الاستحاضة، من طريق زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنَةَ ابنة جحش .. الحديث.
قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة، إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح: عمران بن طلحة.
وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن.
وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح) (^١).
_________________
(١) "الجامع" (١٢٩)، ونقله عنه جماعة؛ كابن عبد الهادي في "التنقيح" (١/ ٤٠٥)، وابن رجب في "الفتح" (٢/ ٦٣). وقال الترمذي في "العلل الكبير" (٧٤): (قال محمد: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبد اللّه بن محمد بن عقيل أم لا، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح). ونقله كه البيهقي في "السنن" (٢/ ٤٧٥). قال ابن رجب - بعد كلام الترمذي السابق الذي في "جامعه" - (٢/ ٦٤): (هذا ما ذكره الترمذي، ونقل حرب، عن أحمد، أنه قال: نذهب إليه، ما أحسنه من حديث.=
[ ٢ / ٧٧ ]
قلت: ساوى الترمذي بين (حسن) و(حسن صحيح)، وذلك في قوله: (وهكذا قال أحمد …).
والجواب عن ذلك: أن هذا ليس نصا في التسوية، فلا يلزم من قول الترمذي السابق التسوية ما بين (حسن) و(حسن صحيح).
ولكن يعكِّر على ذلك أنه وقع في بعض نسخ الترمذي، أن البخاري قال: (حسن صحيح)؛ قاله أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (^١)، وبهذا يزول الإشكال.
٢ - أخرج الترمذي أيضا حديث معاذ ﵁ في اختصام الملأ الأعلى، من طريق جَهضم بن عبد اللّه، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، أنه حدثه عن مالك بن يَخامر السَكْسَكي، عن معاذ بن جبل .. الحديث.
قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
_________________
(١) = والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعّفه ولم يأخذ به، وقال؛ ليس بشيء. وقال مرة: ليس عندي بذلك، وحديث فاطمة أصحّ منه وأقوى إسنادًا. وقال مرة: في نفسي منه شيء. ولكن ذكر أبو بكر الخلال، أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به. واللّه أعلم).
(٢) (١/ ١٢٦).
(٣) "الجامع" (٣٥٣٧)، ونقله عنه جماعة؛ كابن حجر في "النكت الظراف" (١١٣٦٢)، وابن رجب في "شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" (ص: ٣٧). وقال الترمذي في "العلل الكبير" (٦٦١): (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: عبد الرحمن بن عائش لم يدرك النبي ﷺ، وحديث الوليد بن مسلم غير صحيح، والحديث الصحيح ما رواه جهضم بن عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، حديث معاذ بن جبل هذا).
[ ٢ / ٧٨ ]
وذكر ابن رجب أن الترمذي ذكر في كتاب "العلل" عن البخاري أنه قال في حديث البحر "هو الطهور ماؤه": (هو حديث حسن صحيح) (^١).
ويحتمل أن أبا عيسى عبّر عن كلامهم بالمعنى، فاستعمل مصطلحاته لا مصطلحاتهم، ولكن الأصل أنه ينقل عباراتهم باللفظ، ويؤيد ذلك النّقولُ الآتية.
٣ - نقل ابن الملقِّن في "البدر المنير" عن ابن المديني أنه قال في حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها: (حديث حسن صحيح) (^٢).
٤ - ذكر يعقوب بن شيبة حديث يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "أتاني آت من ربي ﷿، فأمرني أن أصلي في الوادي المبارك"، وقال: (حديث حسن الإسناد، وهو صحيح) (^٣).
٥ - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن أبي شيبان، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبس، عن أبي إدريس، عن عبد اللّه بن حوالة، عن النبي ﷺ قال: "تجندون أجنادا؟ ".
قال: هو صحيح حسن غريب) (^٤).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه يحيى بن
_________________
(١) "شرح علل الترمذي" (١/ ٣٤٢). والذي في "العلل الكبير" المطبوع (٣٣): (حديث صحيح) فقط، ونقله عنه جماعة؛ كالبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١/ ٢٢٣)، وابن عبد البر في "الاستذكار" (١/ ٢٠٧)، وابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (١/ ١١ - ١٢).
(٢) "البدر المنير" (٣/ ٢٩٨).
(٣) "مسند عمر بن الخطاب" (١٧).
(٤) "العلل" (١٠٠١).
[ ٢ / ٧٩ ]
حمزة، عن زيد بن واقد، عن مُغيث بن سُميّ، عن عبد اللّه بن عمرو؛ قال: قيل: يا رسول اللّه، أي الناس أفضل؟ قال: "مخموم القلب، صدوق اللسان".
قال أبي: هذا حديث صحيح حسن، وزيد محله الصدق، وكان يرى رأي القدر) (^١).
والمقصود، أن هذا المصطلح قد جاء على لسان بعض الأئمة من شيوخ الترمذي وغيرهم، على قلة في ذلك، غير أن الترمذيَّ أكثر جدّا من استعمال هذا المصطلح حتى أصبح عَلَما عليه، واشتهر عنه.
* * *
_________________
(١) "العلل" (١٨٧٣).
[ ٢ / ٨٠ ]