عِلْمُ العِلَل من أهم علوم الحديث، وقد خصَّ الله ﷿ هذه الأمة عن سائر الأمم بهذا العلم؛ لأنه فرعٌ من علم الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة.
ولقد بين علماء الحديث مكانة هذا العلم وأهميته، ومن ذلك:
قال عبدالرحمن بن مهدي: (لأن أعرف علةَ حديثٍ هو عندي أحبُ إليَّ من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي) (^١).
وقال الحاكم: (وإنما يعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير، وقال عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة) (^٢).
وعقد الخطيب فصلا (في أن المعرفة بالحديث ليست تلقينا وإنما هو علم يحدثه الله في القلب) قال فيه: (أشبه الأشياء بعلم الحديث، معرفة الصرف ونقد الدنانير والدراهم، فإنه لا يعرف جودة الدينار والدراهم بلون، ولا مس، ولا طراوة، ولا دنس، ولا نقش، ولا صفة تعود إلى صغر أو
_________________
(١) "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص: ١١٢).
(٢) "معرفة علوم الحديث" (ص: ٣٧٧).
[ ١ / ٢٩٥ ]
كبر، ولا إلى ضيق أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف البهرج والزائف، والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب، بعد طول الممارسة له والاعتناء به) (^١).
وقال الحميدي: (ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم الاهتمام بها: العلل، وأحسن كتاب صنف فيها كتاب الدارقطني، ومعرفة المؤتلف والمختلف، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا، ووفيات الشيوخ وليس فيها كتاب، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير ابن ماكولا: رتبه على حروف المعجم بعد أن رتبته على السنين. قال أبو بكر ابن طرخان: فشغله عنه الصحيحان إلى أن مات) (^٢).
وقال ابن تيمية: (وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظٍ فإنهم أيضًا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها ويسمون هذا "علم علل الحديث" وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه وغلطه فيه عرف؛ إما بسبب ظاهر كما عرفوا "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال وأنه صلى في البيت ركعتين" وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها حرامًا؛ ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه "اعتمر أربع عمر" وعلموا أن قول ابن عمر: "إنه اعتمر في رجب" مما وقع فيه الغلط، وعلموا أنه تمتع وهو اَمن في حجة الوداع وأن قول عثمان لعلي: "كنا يومئذ خائفين" مما وقع فيه الغلط، وأن ما وقع في بعض طرق البخاري "أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقا آخر" مما وقع فيه الغلط وهذا كثير.
_________________
(١) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/ ٢٥٥).
(٢) "معجم الأدباء" لياقوت الحموي (٦/ ٢٥٩٩).
[ ١ / ٢٩٦ ]
والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث، أو في القطع بها، مع كونها معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط) (^١).
وقال ابن رجب: (قد ذكرنا في كتاب العلم فضل علم علل الحديث، وشرفه وعزته، وقلة أهله المتحققين به من بين الحفاظ والمحدثين) إلى أن قال: (وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين وحفظًا لسنة النبي ﷺ، وصيانة لها، وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعللة، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله ﷺ حقًا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به) (^٢).
وقال ابن حجر: (وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٣٥٢).
(٢) "شرح علل الترمذي" (٢/ ٨٠٥ - ٨٠٨).
[ ١ / ٢٩٧ ]
وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله ﷿ فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك) (^١).
وقال أيضًا في نوع المعلّل: (وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، لا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم) (^٢).
* * *
وقد اهتم أبو عيسى اهتمامًا كبيرًا في كتابه "الجامع" ببيان علل الأخبار وشرحها، ونقله لكلام البخاري وغيره في التعليق على ذلك، لذا قال ابن طاهر الحافظ: (سمعت أبا إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قلت: لم؟ قال: لأن كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم) (^٣).
ولهذا كانت تسمية كتابه بـ "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" اسمٌ منطبقٌ على مسماه.
فقد بيَّن كثيرًا من علل الأحاديث، أو فيما يتعلق بالغرابة، أو
_________________
(١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (ص: ٥١٨).
(٢) "نزهة النظر" (ص: ٩٠).
(٣) "التقييد" لابن نقطة (١/ ٩٤)، "فضائل كتاب الجامع" للإسعردي (ص: ٣٣)، "شروط الستة" لابن طاهر (ص: ١٠١).
[ ١ / ٢٩٨ ]
الاختلاف في الإسناد، أو المتن، لذا أخذ هذا الجانب حيزًا كبيرًا من كتابيه "الجامع"، و"العلل الكبير"، ولا يخفى أن جل الأخبار التي علّلها في "العلل الكبير" موجودة في كتابه "الجامع"، فهل "العلل" مأخوذ من "الجامع" أو هو تأليف مستقل؟ يظهر أنه كتاب مستقل، فقد يكون الترمذي ألف "الجامع" أولا، ثم أفرد الحديث المعلول منه، ويؤيد هذا أن في "العلل الكبير" أسانيد ليست موجودة في "الجامع"، وكذلك بعض التعليقات على الأحاديث، والله تعالى أعلم.
وأما "العلل الصغير" الذي كان ملحقًا بكتابه، ففيه أيضًا حديثٌ عن ذلك بذكر الغريب وأنواعه، وما يتعلق بالجرح والتعديل، وأنه مشروعٌ، بالإضافة إلى بيان منهجه في الكتاب، وأسانيده إلى من نقل عنهم.
وقد تميز أبو عيسى ﵀ بتمكنه من علم العلل، وبدقته في نقد الأخبار، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في السواك: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ.
وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة، إنما صح لأنه قد روي من غير وجه.
وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح.
[ ١ / ٢٩٩ ]
حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل" قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: خالف أبو عيسى شيخه البخاري في الترجيح بين هذين الطريقين، فذهب البخاري إلى ترجيح طريق زيد بن خالد، ووجه ذلك:
١ - أن الراوي عن أبي سلمة عن زيد بن خالد هو محمد بن إبراهيم التيمي، وهو أوثق من محمد بن عمرو الراوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
٢ - أن رواية أبي سلمة عن زيد بن خالد خلاف الجادة المشهورة في حديثه، فهو مكثر جدًا عن أبي هريرة كما هو معلوم، والأصل عند المحدثين أن من خالف الجادة يقدم على من سلكها.
٣ - أن طريق زيد بن خالد فيها قصة بخلاف طريق أبي هريرة، وهذه قرينة على أن الراوي قد حفظ ما رواه.
وأما وجه ما ذهب إليه أبو عيسى من تصحيح كلتا الطريقين: أن هذا الحديث جاء عن أبي هريرة من غير وجهٍ، وبعضها مخرج في "الصحيحين" (^٢)، فدل هذا على أنه محفوظ أيضًا. وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى.
_________________
(١) (١/ ٢٩٠ - ٢٩١).
(٢) "صحيح البخاري" (٨٨٧، ٧٢٤٠)، "صحيح مسلم" (٢٥٢).
[ ١ / ٣٠٠ ]
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود: (حدثنا سلمة بن شبيب وعبدالله بن منير وأحمد بن إبراهيم الدورقي والحسن بن علي الحلواني وغير واحد، قالوا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
وزاد الحسن بن علي في حديثه: قال يزيد بن هارون: ولم يَرو شريك، عن عاصم بن كليب، إلا هذا الحديث.
قال: هذا حديث غريب حسن، لا نعرف أحدا رواه غير شريك.
والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
وروى همام، عن عاصم هذا مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر.
باب آخر (^١)
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبدالله بن نافع، عن محمد بن عبدالله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل".
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه.
وقد روي هذا الحديث عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (منه).
[ ١ / ٣٠١ ]
وعبدالله بن سعيد المقبري ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره) (^١).
قلت: بين أبو عيسى في هذين البابين ضعف جميع الأحاديث الواردة في ذلك، وأنه لا يصح فيه شيء مرفوع، ولكنه يرى النزول على الركبتين أرجح؛ وذلك لأنه حكم على حديث وائل بن حجر بأنه: غريب حسن- وفي بعض النسخ: حسن غريب (^٢) -، بخلاف حديث أبي هريرة فإنه قال عنه: غريب، فحديث وائل أقوى عنده إذًا من حديث أبي هريرة، لذا قال عن حديث وائل: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم).
وكلام أبي عيسى كافٍ في هذه المسألة، سواء من الناحية الحديثية أو الفقهية، إلا أن بعض أهل العلم لم يتبين له الحقّ في هذا الباب، فصحح حديث أبي هريرة، وهو حديث منكر، كما قال حمزة الكناني (^٣)، وهو مقتضى كلام البخاري: (لم يتابع عليه) (^٤). وهو ما نص عليه أبو عيسى بقوله: حديث غريب. وقد بسطت الكلام عليه في موضعه.
٣ - وقال أيضًا في باب القراءة في العيدين: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما.
_________________
(١) (١/ ٤٤١ - ٤٤٢).
(٢) طبعة الرسالة (٢٦٧).
(٣) "فتح الباري" لابن رجب (٧/ ٢١٨).
(٤) قال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١٣٩) في ترجمة محمد بن عبدالله -ويقال: ابن حسن-: (حدَّثني محمد بن عبيدالله، قال: حدثنا عبدالعزيز، عن محمد بن عبدالله، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رفعه: "إذا سجد فليضع يديه قبل ركبتيه". ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا).
[ ١ / ٣٠٢ ]
وفي الباب عن أبي واقد، وسمرة بن جندب، وابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح.
وهكذا روى سفيان الثوري ومسعر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، مثل حديث أبي عوانة.
وأما سفيان بن عيينة فيُختلف عليه في الرواية:
يروى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير.
ولا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه.
وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، وروى عن النعمان بن بشير أحاديث.
وقد روي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر نحو رواية هؤلاء) (^١).
قلت: يظهر للناظر في كلام أبي عيسى دقته في نقد رواية ابن عيينة من أوجه أربعة:
الأول: بين أن رواية أبي عوانة هي الصحيحة، وأنه قد وافقه عليها الثوري ومسعر، وهما مَن هما في الحفظ والإتقان!.
الثاني: أن ابن عيينة قد اختُلف عليه، وهذا من قرائن التضعيف.
الثالث: أنه وقع في روايته: (حبيب بن سالم عن أبيه)، فبين أبو عيسى أنه لا يعرف لحبيبٍ روايةٌ عن أبيه أصلا، وإنما هو يروي عن النعمان مباشرة.
_________________
(١) (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩).
[ ١ / ٣٠٣ ]
رابعا: أنه قد جاء عن ابن عيينة رواية أخرى موافقة لرواية الجماعة.
٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ.
قال أبو عيسى: حدَّثني الحسن بن علي بهذا أو بشبهه في المذاكرة.
وفي الباب عن أبي سعيد.
قال أبو عيسى: حديث صفوان رواه معمر وغيره، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ. وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية) (^١).
قلت: قدّم أبو عيسى رواية معمر عن الزهري في هذا الخبر؛ وذلك لأنه قد توبع عليها، مع أن رواية يونس وقعت عند مسلم (^٢) وأبي عوانة (^٣) مثل رواية معمر: أن صفوان، ولكن في "تحفة الأشراف" (^٤) عندما ذكر رواية يونس التي خرّجها مسلم قال: عن صفوان.
وهذا قد يكون بسبب أن هذا الحديث قد حدث به مذاكرة.
وفي هذا أيضًا أن أبا عيسى فرَّق ما بين: (عن صفوان) و(أن صفوان). وهذا من دقته، ولا يخفى أن بينهما فرقا (^٥)، مع أن قوله: أن
_________________
(١) (٢/ ٧١ - ٧٢).
(٢) "صحيح مسلم" (٢٣١٣).
(٣) "مستخرج أبي عوانة" (١٠٢٢٢).
(٤) (٤٩٤٤).
(٥) ينظر: "شرح علل الترمذي" لابن رجب (١/ ٣٧٧ - ٣٨٢).
[ ١ / ٣٠٤ ]
صفوان قال، يفيد الاتصال إذا كان أصل السماع ثابتا، ولكن قوله: عن، أقوى في ذلك.
كما أن في قوله: (حدثني الحسن بن علي بهذا أو بشبهه في المذاكرة) دليلًا على دقته وأمانته.
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أحصوا هلال شعبان لرمضان".
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة (^١) لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية، والصحيح ما روي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تتقدموا شهر رمضان بيوم ولا يومين".
وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، (^٢) نحو حديث محمد بن عمرو الليثي) (^٣).
قلت: هذا الحديث تفرد به أبو معاوية، كما قال أبو عيسى، وقد جاءت متابعة له من قبل يحيى بن راشد، ولكن يحيى قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف، في حديثه إنكار، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب. وقال أبو زرعة: شيخ لين الحديث (^٤).
وهذا اللفظ الثاني منه: "لا تتقدموا شهر رمضان … "، قد رواه عبد
_________________
(١) في "تحفة الأشراف" (١٥١٢٣): (غريب).
(٢) في بعض النسخ زيادة: (عن النبي ﷺ).
(٣) (٢/ ٨٤ - ٨٥).
(٤) "الجرح والتعديل" (٩/ ١٤٣).
[ ١ / ٣٠٥ ]
العزيز بن محمد الدراوردي، كما أخرجه الشافعي (^١)، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، كما أخرجه أحمد (^٢)، كلاهما عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به.
ورواية عبدالعزيز الدراوردي مطولة.
وجاء أيضًا من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة كما في "مستخرج الطوسي" (^٣)، ومن طريق الفضل بن موسى عنده أيضًا (^٤)، ومن طريق هشام وسليمان بن بلال وعبدالوهاب عند الطحاوي مفرقين (^٥)، ومن طريق يزيد بن هارون عند ابن حبان (^٦)، كلهم عن محمد بن عمرو به.
وأخرجه الشيخان (^٧) وغيرهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، هكذا.
فتبين أن أبا معاوية خالف الجماعة باللفظ الذي رواه به، والذي يظهر أنه رواه بالمعنى ولم يضبط لفظه.
٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في حج الصبي: (حدثنا محمد بن طريف الكوفي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبدالله قال: رفعت امرأة صبيا لها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟، قال: "نعم، ولك أجر".
_________________
(١) "مسند الشافعي" بترتيب السندي: (٧٢٤).
(٢) "مسند أحمد" (١٠٤٥١).
(٣) (٦٣١).
(٤) (٦٢٦).
(٥) "شرح معاني الآثار" (٣٣٣٥، ٣٣٣٨، ٣٣٣٩).
(٦) "صحيح ابن حبان" (٣٤٦٤) ولفظه: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم أفطروا).
(٧) "صحيح البخاري" (١٩١٤)، "صحيح مسلم" (١٠٨٢).
[ ١ / ٣٠٦ ]
وفي الباب عن ابن عباس.
حديث جابر حديث غريب) (^١).
قلت: ظاهر هذا الحديث الصحة، ومع ذلك لم يصححه أبو عيسى، والسبب في ذلك أنه خبر معلول، وشرح ذلك:
قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه قزعة بن سويد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في المسير بعرفة، فأخرجت امرأة أعرابية رأسها من هودج، ومعها صبي، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر".
قال أبي: قال ابن عيينة: قال إبراهيم بن عقبة: أنا حدثت ابن المنكدر، عن كريب، عن ابن عباس … هذا الحديث) (^٢).
وأخرجه الحميدي عن سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس به، فذكره.
ثم قال: (قال سفيان: وكان ابن المنكدر حدثناه أولا مرسلًا، فقيل لي: إنما سمعه من إبراهيم، فأتيت إبراهيم فسألته عنه فحدثني به، وقال: حدثت به ابن المنكدر فحج بأهله كلهم) (^٣).
قلت: يتبين مما تقدم علة هذا الحديث، فهو ليس بصحيح من حديث جابر، وإنما يصح من حديث ابن عباس، وابن عيينة ثقة حافظ، ولا شك أنه مقدم على محمد بن سوقة؛ لأنه وإن كان ثقة ومن أفضل الناس بالكوفة في زمانه، ولكن لم يكن بالمتقن الضابط، بل كان له بعض الأوهام والغرائب.
_________________
(١) (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠).
(٢) "علل الحديث" (٣/ ٢٩٢).
(٣) "مسند الحميدي" (٥١٤).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وأما عن متابعة قزعة بن سويد له، فقزعة لا يحتج به (^١)؛ لأن فيه بعض الضعف، وقد سلكا - أعني ابن سوقة وقزعة - الجادة في هذا الحديث، فظنا أنه عن جابر، وابن المنكدر مشهور بالرواية عن جابر، فالصواب أنه مرسل، لذا لم يصححه أبو عيسى، بل ضعفه عندما حكم عليه بـ "غريب".
٧ - وقال أيضًا في باب ما يقول في الصلاة على الميت: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا هقل بن زياد، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا".
قال يحيى: وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثل ذلك، وزاد فيه: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفَّيته منا فتوفَّه على الإيمان".
وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعائشة، وأبي قتادة، وجابر، وعوف بن مالك.
قال أبو عيسى: حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح.
وروى هشام الدستوائي وعلي بن المبارك هذا الحديث، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسل، وروى عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ.
وحديث عكرمة بن عمار غير محفوظ، وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى.
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٢٣/ ٥٩٣).
[ ١ / ٣٠٨ ]
وروي عن يحيى بن أبي كثير (^١)، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
قال أبو عيسى: وسمعت محمدا يقول: أصح الروايات في هذا: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه.
قال: وسألته عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي، فلم يعرفه) (^٢).
وقال ابن الجنيد: (قلت ليحيى بن معين: حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ في الصلاة على الميت. ويقول يحيى أيضًا في الصلاة: عن أبي إبراهيم الأنصاري، عن أبيه، فأي الحديثين أصح؟
قال: قد رواهما جميعًا. قلت: يقولون: إن أبا إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة؟ قال: لا) (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: أنه صلى على جنازة، فقال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا" (^٤).
_________________
(١) في طبعة بشار: (وروى همام، عن يحيى بن أبي كثير).
(٢) (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(٣) "سؤالات ابن الجنيد" (ص: ٤٦٣).
(٤) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١٠٨٥٣)، والبزار (٨٥٥٦)، والطبراني في "الدعاء" (١١٧٣)، وتابعه عبدة بن سليمان عند الطحاوي في "شرح المشكل" (٩٧٣)، وعلي بن مسهر عند ابن ماجه (١٤٩٨)، وحماد بن سلمة عند البيهقي (٦٩٧٥). وخالفهم إسماعيل بن عياش عند الطبراني في "الدعاء" (١١٧٢)، فرواه عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعا.
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال أبي: رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن النبي ﷺ … مرسل؛ لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسل) (^١).
وقال أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن ذكوان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا".
قال أبي: هذا خطأ؛ الحفاظ لا يقولون: أبو هريرة؛ إنما يقولون: أبو سلمة، أن النبي ﷺ) (^٢).
وقال أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي إبراهيم الأنصاري - رجل من بني عبد الأشهل - قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: "اللهم، اغفر لأولنا وآخرنا، وحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا".
قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، عن النبي ﷺ بمثل هذا، وزاد فيه: "ومن أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
قال أبي: أبو إبراهيم: هو مجهول، هو وأبوه.
قال أبو محمد: وتوهم بعض الناس أنه عبد الله بن أبي قتادة، وغلط؛ فإن أبا قتادة من بني سلمة، وأبو إبراهيم رجل من بني عبد الأشهل) (^٣).
وسئل الدارقطني في "العلل" عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا
_________________
(١) "علل الحديث" (٣/ ٥٢٦).
(٢) "علل الحديث" (٣/ ٥١٧).
(٣) "علل الحديث" (٣/ ٥٥١).
[ ١ / ٣١٠ ]
وشاهدنا وغائبنا … " الحديث، فقال: (اختلف على أبي سلمة، فرواه محمد بن إسحاق واختلف عنه؛
فرواه علي بن مسهر، ومحمد بن سلمة، وحماد بن سلمة، وإبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وخالفهم إسماعيل بن عياش، رواه عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة واختلف عنه؛
فرواه أيوب بن عتبة، وسعيد بن يوسف، وخالد بن يزيد الهدادي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وكذلك قال سويد أبو حاتم، عن صاحب له، عن يحيى.
ورواه الأوزاعي، عن يحيى واختلف عنه؛
فرواه سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزاد فيه ألفاظا لم يأت بها غيره، وهي قوله: إنه أتى القبر فحثى عليه ثلاثا، وكبر على الجنازة أربعا.
ووافقه محمد بن كثير الصنعاني، عن الأوزاعي، على الإسناد ولم يذكر هذه الألفاظ.
وخالفهم يحيى بن عبد الله الحراني، وعيسى بن يونس، وأبو إسحاق الفزاري، والمعافى بن عمران، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، والوليد بن مزيد، رووه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بالإسنادين جميعا.
وكذلك رواه هشام الدستوائي، عن يحيى بالإسنادين جميعا: عن أبي إبراهيم عن أبيه، وعن يحيى عن أبي سلمة مرسلا.
[ ١ / ٣١١ ]
ورواه محمد بن يعقوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبيه، ولم يذكر حديثه عن أبي سلمة.
ورواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂؛ عن النبي ﷺ.
وقال شيبان: عن يحيى، عن المهاجر بن عكرمة، عن أبي هريرة.
وقال همام: عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
والصحيح عن يحيى قول من قال: عن أبي إبراهيم، عن أبيه، وعن أبي سلمة مرسل.
ورواه إسرائيل، عن محمد بن عبد الرحمن - ولم ينسبه أكثر من هذا -، ثم قال: عن رجل أراه أبو سلمة، عن أبي هريرة.
ورواه ابن أبي ليلى، فقال هشيم عنه: أخبرني رجل من أهل مكة، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ.
وقال عقبة بن خالد: حدثنا ابن أبي ليلى، عن ابن يحيى أو أبي يحيى، عن أبي سلمة، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان يقول.
وخالفهم محمد بن عمرو بن علقمة، فرواه عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام موقوفا) (^١).
وقال البيهقي: (أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو إبراهيم رجل من بني عبد
_________________
(١) "العلل" (٤/ ٤٩٤ - ٤٩٧).
[ ١ / ٣١٢ ]
الأشهل، قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا". قال الأوزاعي: وحدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بهذا الحديث، قال: "ومن أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
وأنبأ أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله السوسي، قالا: ثنا أبو العباس هو الأصم، ثنا سعيد بن عثمان التنوخي، ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، فذكر الحديث بالإسنادين جميعا مثله، إلا أنه قال في أوله: "اللهم اغفر له ولنا وآخرنا وحينا وميتنا".
هذا هو الصحيح، حديث أبي إبراهيم الأشهلي موصول، وحديث أبي سلمة مرسل، رواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ مرسلا، ورواه هقل بن زياد وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، بإسناده عن أبي هريرة موصولًا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، ثنا الحكم بن موسى، ثنا هقل بن زياد، عن الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى على جنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
وأخبرنا أبو علي الروذباري، قال: حدثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا موسى بن مروان الرقي، ثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، فذكره بنحوه موصولا، إلا أنه قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، وذكر
[ ١ / ٣١٣ ]
لفظ الإيمان في أوله والإسلام في آخره، وزاد "اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده".
ورواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ على الميت؟ قالت: كان يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا، وغائبنا وشاهدنا، وصغيرنا وكبيرنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
ورواه همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وعن يحيى، عن أبي سلمة بزيادته دون ذكر أبي هريرة.
أخبرناه أبو الحسن بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا هشام بن علي، حدثنا ابن رجاء، عن همام، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أنه شهد النبي ﷺ صلى على ميت قال: فسمعته يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا"، قال: وقال أبو سلمة مع هذا الكلام "من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان".
وروي عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول في الصلاة على الجنازة فذكر معناه. أخبرناه أبو أحمد الحسين بن عَلُّوسا الأسداباذي، ثنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي البزاز، أخبرني أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري،
[ ١ / ٣١٤ ]
أنبأ أبو عمر الضرير حفص بن عمر، أنبأ حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، فذكره بمعناه.
وقال أبو عيسى الترمذي - فيما بلغني عنه -: سألت محمدا - يعني: البخاري - عن هذا الباب، فقلت: أي الروايات عن يحيى بن أبي كثير أصحّ في الصلاة على الميت؟ فقال: أصح شيء فيه حديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، ولوالده صحبة، ولم يعرف اسم أبي إبراهيم، قال أبو عيسى: قلت له: فالذي يقال: هو عبد الله بن أبي قتادة، فأنكر أن يكون هو عبد الله بن أبي قتادة، وقال: أبو قتادة هو سلمي، وهذا أشهلي، قال محمد: وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي قتادة، في هذا الباب غير محفوظ، وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك) (^١).
قلت: الكلام في هذا الحديث طويل الذيل، وذلك لكثرة الأوجه وتعدد الاختلاف فيه، والله أسأل الإعانة والتوفيق على الكلام عليها وجهًا وجهًا، طريقا طريقًا، فأقول وبالله تعالى التوفيق:
الوجه الأول: طريق يحيى عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه.
هذه الطريق لم يقع فيها اختلاف على يحيى، فقد رواها جمع من أصحابه؛ منهم هشام الدستوائي (^٢)، والأوزاعي (^٣)، وأبان بن يزيد العطار (^٤)، وحرب بن شداد (^٥)، ومحمد بن يعقوب (^٦).
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٤/ ٦٦ - ٦٨).
(٢) "المسند" للإمام أحمد (١٧٥٤٤، ٢٣٤٩٥).
(٣) ومن طريقه رواه الترمذي كما تقدم.
(٤) "المسند" للإمام أحمد (١٧٥٤٣، ١٧٥٤٥).
(٥) "الدعاء" للطبراني (١١٧٠)، وحرب ثقة، والإسناد إليه لا بأس به.
(٦) "الدعاء" للطبراني (١١٦٨)، ومحمد بن يعقوب ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وفي الإسناد إليه من لا يعرف.
[ ١ / ٣١٥ ]
فهذا الوجه صحيح عن يحيى بن أبي كثير، كما نص على هذا يحيى بن معين، والبخاري، والترمذي، والدارقطني، وقد تقدم فيه كلامهم.
هذا، وقد وقع التصريح بسماع يحيى بن أبي كثير من أبي إبراهيم، كما في رواية عفان، عن أبان عنه (^١)، وفي رواية هقل بن زياد، وبشر بن بكر، والوليد بن مزيد، عن الأوزاعي (^٢) عنه.
ووقع أيضًا التصريح بسماع أبي إبراهيم من أبيه، كما في رواية يحيى بن سعيد عند أحمد (^٣)، ورواية عبد الصمد عند أحمد أيضًا (^٤)، كلاهما عن هشام الدستوائي.
وفي رواية بشر بن بكر، عن الأوزاعي عند الطحاوي (^٥)، وفي رواية الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي أيضًا عند البيهقي (^٦).
وقد صرح أبوه بسماع هذا الخبر عن رسول الله ﷺ، كما في رواية يحيى بن سعيد، وعبد الصمد، عن هشام. وأيضًا في رواية يزيد بن زريع، عن هشام، عند الطحاوي (^٧).
وأيضًا في رواية الوليد بن مزيد، وبشر بن بكر (^٨)، عن الأوزاعي.
_________________
(١) كما عند أحمد في "مسنده" (١٧٥٤٥).
(٢) رواية هقل عند الترمذي في "الجامع" (١٠٤٨)، ورواية بشر بن بكر عند الطحاوي في "مشكل الآثار" (٩٦٩)، ورواية الوليد بن مزيد عند البيهقي (٦٩٦٩).
(٣) "المسند" (٢٣٤٩٥).
(٤) "المسند" (١٧٥٤٤).
(٥) "شرح مشكل الآثار" (٩٦٩).
(٦) "السنن الكبرى" (٦٩٦٩).
(٧) "شرح مشكل الآثار" (٩٧٠).
(٨) ينظر "السنن الكبرى" للبيهقي، فقد عطف رواية بشر بن بكر عن الوليد بن مزيد وقال: إنها مثلها. (٦٩٦٩، ٦٩٧٠).
[ ١ / ٣١٦ ]
وفي رواية حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير في الثلاثة كلها، كما في "الدعاء" للطبراني (^١).
كما أن هناك روايات عن الأوزاعي فيها تصريح بالسماع من غير من ذُكر.
وكما في رواية حجاج بن نصير، عن هشام، في الموضع الثاني والثالث (^٢)، ولكنه ضعيف.
فتبين مما تقدم أن والد أبي إبراهيم صحابي، وهذا ما نص عليه البخاري فيما ذكره البيهقي، وهذا مقتضى صنيع الترمذي؛ لأنه صحح حديثه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: (أبو إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة) (^٣).
وهذا أيضًا مقتضى صنيع ابن أبي عاصم، لكنه قال: (أبو أبي إبراهيم الأنصاري، واسمه عبد الله بن أبي قتادة ﵁) (^٤).
وكذا أبو نعيم (^٥).
وأما قول أبي حاتم عنه: (مجهول) (^٦)، وفي موضع: (لا يدرى من هو) (^٧)، فهذا لا ينافي ما تقدم؛ لأن ابنه غير معروف - كما سوف يأتي - فكذا الأب، ومن المعلوم أن هذا لا يضر من كان صحابيًا؛ لأنهم كلهم عدول.
_________________
(١) (١١٧٠).
(٢) "الدعاء" للطبراني (١١٦٦).
(٣) "الآحاد والمثاني" (٤/ ٢٠٤).
(٤) "الآحاد والمثاني" (٤/ ٢٠٣).
(٥) "معرفة الصحابة" (٦/ ٣٠٧٠).
(٦) كما تقدم نقلا عن "العلل" لابنه.
(٧) "الجرح والتعديل" لابنه (٩/ ٣٣٢)، وفيه (أبو إبراهيم الأنصاري الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير لا يُدرى من هو، ولا أبوه).
[ ١ / ٣١٧ ]
ولكنْ في الإسناد إلى والد أبي إبراهيم ضعفٌ، وذلك أن ابنه أبا إبراهيم ليس بالمشهور، ولم يَرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير، ولا يعرف إلا بهذا الخبر، وخبرٍ آخر جاء أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عنه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية، غير عثمان بن عفان وأبي قتادة، فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاث مرار، وللمقصرين مرةً (^١).
فهل تثبت الصحبة بمثل هذا؟
قلت: الأقرب أن الصحبة تثبت به، وذلك لأمور:
أولًا: استقامة كلا الخبرين اللذيْن رواهما أبو إبراهيم، فالحديث الأول إن لم يكن ثابتًا بذاته فهو صحيح بغيره؛ لأنه جاء من طرق، وسوف يأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وأما الثاني: فأصله ثابت في "الصحيحين" (^٢) وغيرهما، وهو الدعاء للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرةً.
_________________
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي في "المسند" الذي جمع له (٢٣٣٨)، وأحمد (١١١٤٩، ١١٨٤٧)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤/ ١٥١)، من طريق هشام. وأخرجه أحمد (١١٨٤٨) من طريق يحيى بن شيبان. وأخرجه الطحاوي في "معاني الآثار" (٤١٤٤) و"مشكل الآثار" (١٣٦٨) من طريق علي بن المبارك. وأخرجه الطحاوي أيضًا في "معاني الآثار" (٤١٤٣) و"مشكل الآثار" (١٣٦٩) من طريق الأوزاعي. أربعتهم (هشام، ويحيى بن شيبان، وعلي بن المبارك، والأوزاعي) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ أحرم وأصحابه عام الحديبية، غير عثمان وأبي قتادة، فاستغفر للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة.
(٢) "صحيح البخاري" (١٧٢٨)، "صحيح مسلم" (١٣٠٢) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٣١٨ ]
ويؤيد هذا أيضًا، أنه قد جاء من أوجه أخرى أن لأبي قتادة جُمَّةً، فأمره أن يكرمها (^١).
وقد جاء ما يشهد لذلك أيضًا، ففي ترجمة أبي قتادة عند الذهبي، قال: (أيوب، عن محمد، أن النبي ﷺ أرسل إلى أبي قتادة، فقيل: يترجل، ثم أرسل إليه، فقيل: يترجل، ثم أرسل إليه، فقيل: يترجل. فقال: "احلقوا رأسه". فجاء، فقال: يا رسول الله، دعني هذه المرة، فوالله لأعتبنك، فكان أول ما لقي قتل رأس المشركين مسعدة.
معن القزاز: حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن سيرين: أن رسول الله ﷺ رأى أبا قتادة يصلي ويتقي شعره، فأراد أن يجزه، فقال: يا رسول الله، إن تركته لأرضينك. فتركه، فأغار مسعدة الفزاري على سرح أهل المدينة، فركب أبو قتادة فقتله، وغشاه ببردته) (^٢).
فهذا يقوي الخبر السابق.
ثانيًا: بناء على ما تقدم أن أبا إبراهيم روى خبريْن جاء ما يشهد لهما، فدل هذا على قوته.
_________________
(١) أخرجه النسائي في "المجتبى" (٥٢٨٠)، و"الكبرى" (٩٤٥٨ - ٩٤٥٩)، باب تسكين الشعر، قال: (أخبرنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: أتانا النبي ﷺ فرأى رجلا ثائر الرأس فقال: "أما يجد هذا ما يسكن به شعره؟ " خالفه يحيى بن سعيد، رواه عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة مرسلا. أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عمر بن علي بن مقدم قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن أبي قتادة قال: كانت له جمة ضخمة، فسأل النبي ﷺ فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم. قال أبو عبد الرحمن: وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم). وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٩): (ولا ينكر سماع ابن المنكدر من أبي قتادة).
(٢) "سير أعلام النبلاء" (٢/ ٤٥٤).
[ ١ / ٣١٩ ]
ثالثًا: ليس في الإسناد ما يحتاج النظر إليه في إثبات صحبة والد أبي إبراهيم، إلا ابنه، وقد تقدم ما يدل على قوته.
رابعًا: ما تقدم من كلام الحفاظ من الحكم بصحبته.
أما الوجه الثاني في هذا الحديث: فرواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وهمام وعلي بن المبارك (^١)، عن يحيى، عن أبي سلمة مرسلًا.
ورواه هقل بن زياد وشعيب بن إسحاق والوليد بن مسلم ومحمد بن كثير، أربعتهم عن الأوزاعي، ورواه أيوب بن عتبة (^٢)، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير موصولًا (^٣).
قلت: والكلام في هذا الوجه يطول، وذلك لأن هناك اختلافات أخرى، سبقت في كلام الدارقطني في "العلل".
ويكفينا ما ذهب إليه البخاري، وأبو حاتم، والدارقطني، والبيهقي، فقد قال البخاري - كما عند البيهقي -: (وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي قتادة في هذا الباب غير محفوظ).
وأما أبو حاتم فقال: (لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسلٌ) (^٤).
وقال الدارقطني: (والصحيح عن يحيى قول من قال: عن أبي إبراهيم عن أبيه، وعن أبي سلمة مرسلٌ) (^٥).
والبيهقي، تقدم كلامه.
_________________
(١) ذكر روايته الترمذي عند كلامه في هذا الحديث.
(٢) روايته عند أحمد في "مسنده" (٨٨٠٩).
(٣) ينظر "السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ٦٦).
(٤) "علل الحديث" (٣/ ٥٢٦).
(٥) "العلل" (٤/ ٤٩٦).
[ ١ / ٣٢٠ ]
وأما رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فقد قال أبو حاتم: (رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن النبي ﷺ … مرسل؛ لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسل).
وما تقدم من كلام البخاري والبيهقي، وأن الصواب في رواية أبي سلمة الإرسال، يدخل تحته رواية محمد بن إسحاق.
الوجه الثالث: رواه همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه (^١).
قلت: اختلف في هذا الوجه هل هو محفوظ كما ذهب إلى هذا يحيى بن معين - وقد تقدم كلامه -؟ أو ليس بمحفوظ - كما تقدم في كلام البخاري.
وقال الدارقطني: (وقيل: عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، والصحيح حديث يحيى، عن أبي إبراهيم، عن أبيه، وعن يحيى، عن أبي سلمة، مرسلًا) (^٢).
وهذا هو ظاهر صنيع البيهقي؛ لأنه نقل كلام البخاري المتقدم وأقره ولم يتعقبه بشيء.
وأنا أذهب إلى ذلك؛ لأن همامًا قد تفرد بذلك عن باقي أصحاب يحيى بن أبي كثير، فلم يتابع على هذا الإسناد - وقد رواه عنه جمعٌ، كما تقدم -، خاصة أن هماما ليس مقدمًا جدًا في حديث يحيى بن أبي كثير،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٦١٩، ٢٢٥٥٤) من طريق عفان وعبد الصمد، والنسائي في "الكبرى" (١١٠٣٦) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، وغيرهم.
(٢) "العلل" (٨/ ٣٠٩).
[ ١ / ٣٢١ ]
نعم، لم يتكلم في روايته عنه كما تكلم في رواية عكرمة بن عمار، لذا خرّج البخاري ومسلم من طريقه عن يحيى.
الوجه الرابع: رواه عكرمة بن عمار (^١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.
قلت: وهذا خطأ، كما نص عليه البخاري، والترمذي.
والخلاصة أن هذا الخبر صحيحٌ إما بذاته، وإما بغيره، والثاني هو الأقرب، وذلك أن طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه ليس فيها إلا جهالة أبي إبراهيم، فيصلح للاعتضاد ويتقوى بغيره، خاصةً أن يحيى قد وُصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة، قال أبو حاتم: (إمام، لا يحدث إلا عن ثقة) (^٢).
وقد تقدم لنا مجيء هذا الحديث من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، والطريق صحيحة إليه، وأبو سلمة من أوساط التابعين، وهو من كبار أهل العلم في زمانه، فيتقوّى مرسله بالوجه السابق، وبالتالي يكون الحديث محفوظًا، وقد تقدم أن أبا عيسى قد صحح هذا الخبر، كما أن البخاري قد قوّاه.
من هو أبو إبراهيم الأشهلي؟
تقدم أن أبا إبراهيم لم يُذكر إلا في هذا الحديث، وحديث آخر، ولم يرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير، وعندما روى عنه لم يسمه، وإنما ذكره
_________________
(١) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١١٠٢٩)، طريق عمر بن يونس، وابن المنذر في "الأوسط" (٣١٧١) من طريق أبي حذيفة، عن عكرمة به، وأبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي.
(٢) "الجرح والتعديل" (٩/ ١٤١).
[ ١ / ٣٢٢ ]
بكنيته، فهل كان يعرفه؟ الظاهر ذلك، والدليل عليه: أنه نسبه أنصاريًا، ثم ذكر من أي الأنصار، فقال: الأشهلي. وقد ذُكر عن أيوب بن أبي تميمة السختياني أنه قال: (ما أعلم أحدًا بعد الزهري أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى بن أبي كثير) (^١)، كما أنه ذُكر أنه أقام بالمدينة عشر سنين (^٢)، فعلى هذا يكون عالمًا بالمدينة وأهلها، فهذا كله قد يُقوّي أنه كان يعرف اسمه، إذًا لماذا لم يسمه؟ لعله دلّسه، وقد وُصف بذلك، قال العقيلي: (ذُكر بالتدليس) (^٣). نعم، لم يُوصف بتدليس الشيوخ، ولكن هذا لا يمنع أنه كان يفعله في بعض الأحيان، والله تعالى أعلم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أبا إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة، وذلك أن هماما قد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وأن ابن أبي قتادة يكنى بأبي إبراهيم، فيحتمل أنه هو، ولكن البخاري ردّ ذلك، وقال بأن عبد الله بن أبي قتادة من بني سلمة، بينما أبو إبراهيم من بني عبد الأشهل، وذكر ذلك أيضًا ابن أبي حاتم.
قلت: يمكن الجواب عن ذلك؛ بأن يحيى بن أبي كثير أخطأ في نسبته، أو تساهل، وهذا محتمل، أو لربما يكون دلّسه؛ قال همام بن يحيى العوذي: (كنا نحدث يحيى بن أبي كثير بالغداة، فإذا كان بالعشي قلبه عنّا. وفي رواية عنه: ما رأيت أصلب وجهًا من يحيى بن أبي كثير، كنا نحدثه بالغداة، فيروح بالعشي فيحدثناه) (^٤).
فاحتمال التدليس في نسبته واردٌ أيضًا، خاصة إذا عُلم أنهما بنو عمومة، فكلاهما من الخزرج، والله تعالى أعلم.
٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الأطفال: (حدثنا
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٩/ ١٤١).
(٢) "الجرح والتعديل" (٩/ ١٤١).
(٣) "الضعفاء" للعقيلي (٤/ ٤٢٣).
(٤) "الضعفاء" للعقيلي (٤/ ٢٧٠).
[ ١ / ٣٢٣ ]
بشر بن آدم ابن ابنة أزهر السمان، قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد بن عبيد الله، قال: حدثنا أبي، عن زياد بن جبير بن حية، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، رواه إسرائيل وغير واحد، عن سعيد بن عبيد الله) (^١).
وأخرجه أبو داود في "سننه" (^٢)، قال: (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ قال: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبا منها، والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة").
وأخرجه ابن ماجه، قال: (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قال: حدثني زياد بن جبير بن حية، سمع المغيرة بن شعبة، يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الراكب خلف الجنازة، والماشي منها حيث شاء") (^٣).
وقال: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قال: حدثني عمي زياد بن جبير قال: حدثني أبي جبير بن حية، أنه سمع المغيرة بن شعبة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطفل يصلى عليه") (^٤).
_________________
(١) (٢/ ٢٦٥).
(٢) (٣١٨٠).
(٣) "السنن" (١٤٨١).
(٤) "السنن" (١٥٠٧).
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأخرجه النسائي، قال: (أخبرني زياد بن أيوب، قال: حدثنا عبد الواحد بن واصل، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله - وهو الثقفي - وأخوه المغيرة، جميعا عن زياد بن جبير، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه".
أخبرني أحمد بن بكار الحراني قال: حدثنا بشر بن السري، عن سعيد الثقفي، عن عمه زياد بن جبير بن حية عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه") (^١).
وقال أيضًا: (أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله قال: سمعت زياد بن جبير يحدث عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه") (^٢).
وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني، قال: (حدثنا أبو أمية سلم بن عصام، قال: ثنا بشر بن آدم …) به، وقال: (لا يروى هذا المتن إلا بهذا الإسناد) (^٣).
وسئل عنه الدارقطني في "العلل" فقال: (يرويه زياد بن جبير، عن أبيه، واختلف عنه؛
فرواه سعيد بن عبيد الله الثقفي الجبيري، وأخوه المغيرة بن عبيد الله، عن زياد بن جبير مرفوعا.
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٢٢٧٤، ٢٢٧٥).
(٢) (٢٢٨٠).
(٣) "طبقات المحدثين" (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
[ ١ / ٣٢٥ ]
ورواه يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، واختلف عنه؛
فرفعه عبد الله بن بكر المزني، عن يونس.
ورواه قبيصة، عن الثوري، عن يونس فشك في رفعه، ووقفه الباقون عن يونس، إلا أن ابن علية، وعنبسة بن عبد الواحد، قالا: عن يونس، وأهل زياد يرفعونه، قال يونس: وأما أنا فلا أحفظ رفعه) (^١).
قلت: هذا الحديث وقع فيه اختلاف في الإسناد والمتن:
أما الاختلاف في الإسناد، ففي موضعين:
١ - في وقف هذا الحديث ورفعه، قال البيهقي: (فهذا حديث مشكوك في رفعه، وكان يونس بن عبيد يقفه عن زياد بن جبير، ثم يقول: وحدثني بعض أهله أنه رفعه إلى النبي ﷺ) (^٢).
٢ - في إسقاط رجل من الإسناد، وهو والد زياد، كما وقع في بعض الروايات.
أما الأمر الأول، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد أنه قال: (لا أحفظ رفعه).
قلت: والأقرب الرفع، وذلك أن سعيد بن عبيد الله وأخاه مغيرة قد رفعاه، لذا قال يونس بن عبيد: (وأحسب أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ)، فثبت رفع هذا الخبر.
ويؤكد ذلك أن يونس إنما قال: (لا أحفظ رفعه) فلم يجزم بوقفه.
وأما الأمر الثاني، وهو إسقاط والد زياد، فالأقرب ثبوته في الإسناد،
_________________
(١) (٣/ ٣١٨).
(٢) "معرفة السنن والآثار" (٥/ ٢٧٢) رقم (٧٥٠٤).
[ ١ / ٣٢٦ ]
وذلك كما جاء في أكثر الروايات، خاصة في رواية ابن ماجه (^١)، فإن فيها تصريحا بالسماع من المغيرة بن شعبة.
وأما الاختلاف في المتن، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد: "ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"، ولم يأت ذلك في رواية سعيد وأخيه المغيرة.
والأقرب أن هذه الزيادة محفوظة؛ وذلك أن يونس بن عبيد من الثقات الأثبات.
وعلى هذا فإنه يصلى على السقْط، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة، والمراد به ما نفخ فيه الروح.
قال ابن المنذر - بعد أن ساق هذا الحديث -: (وبه قال محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وقال أحمد بن حنبل: إذا علم أنه ولد يغسل ويصلى عليه، وقال إسحاق: كل ما نفخ فيه الروح صلي عليه، وكذلك قال أحمد قال: إذا تمت أربعة أشهر يصلى عليه لأنه قد نفخ فيه الروح، وقال إسحاق: مضت السنة في أصحاب النبي ﷺ في الصبي إذا سقط من بطن أمه ميتا بعد تمام خلقه ونفخ فيه الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر وعشرا، أنه يصلى عليه، إنما الميراث في الاستهلال، وأما ما يبعث يوم القيامة نسمة تامة وقد كتب عليه الشقاء والسعادة، فلأي شيء يترك الصلاة عليه؟ وقد ذكر عن النبي ﷺ: "صلوا على أطفالكم"، رواه المغيرة بن شعبة) (^٢).
وقال البغوي: (والسقط يصلى عليه إذا مات بعد أن استهل، واختلفوا فيه إذا مات قبل أن يستهل، فذهب قوم إلى أنه لا يصلى عليه، يروى ذلك عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وبه قال الزهري، وهو قول الثوري،
_________________
(١) "السنن" (١٥٠٧).
(٢) "الأوسط" (٥/ ٤٠٥).
[ ١ / ٣٢٧ ]
والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورفع بعضهم عن جابر، قال: "الطفل لا يصلى عليه حتى يستهل"، والأصح أنه موقوف عليه.
وذهب قوم إلى أنه يصلّى عليه، يروى ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب، وهو قول أحمد، وإسحاق، لما يروى عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ، قال: "السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة".
قال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال، أما الصلاة، فإنه يصلى عليه، لأنه نسمة كتب عليه الشقاء والسعادة) (^١).
وسوف أتحدث هنا - بمشيئة الله - عن منهج أبي عيسى الترمذي في تعليل الأخبار وتصحيحها من خلال الوجوه الآتية:
* * *
_________________
(١) "شرح السنة" (٥/ ٣٧٣).
[ ١ / ٣٢٨ ]
الوجه الأول: أنه يبدأ بما هو معلول أو خطأ أو ضعيف، ثم يذكر بعد ذلك الصحيح، أو يذكر ما هو صحيح ثم ما هو أصح منه.
قال ابن رجب ﵀: (وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان قصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود ﵀ فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية) (^١).
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الوضوء مرة، ومرتين، وثلاثًا: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.
حدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت نحو رواية وكيع (^٢).
_________________
(١) "شرح علل الترمذي" (١/ ٤١١).
(٢) في بعض الطبعات: (قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت، وهذا أصح من حديث شريك، لأنه قد روي من غير وجه، هذا عن ثابت، نحو رواية وكيع).
[ ١ / ٣٢٩ ]
وشريك كثير الغلط، وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي) (^١).
قلت: لا شك أن رواية وكيع أصح؛ لأنه أحفظ بكثير من شريك، فقدم أبو عيسى رواية شريك، وهي الغلط، ثم ذكر رواية وكيع وهي الصحيحة.
٢ - وقال أيضًا في باب الوضوء لكل صلاة: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب (^٢)، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس.
وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحبابا لا على الوجوب.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحْدث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٣).
قلت: والقول في هذا مثل ما تقدم.
_________________
(١) (١/ ٣٠٧).
(٢) في "تحفة الأشراف" (٧٤٠): (غريب) حسب.
(٣) (١/ ٣١٣ - ٣١٤).
[ ١ / ٣٣٠ ]
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ: (حدثنا هناد، قال: حدثنا هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
وفي الباب عن أبي سعيد، وجابر.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله …
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قال يوم الخندق - وجعل يسب كفار قريش -، قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى تغرب الشمس، فقال رسول الله ﷺ: "والله إن صليتها"، قال: فنزلنا بطحان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: حديث جابر أصح بكثير، فقد خرجه الشيخان (^٢)، ومع ذلك أخّره أبو عيسى وقدم عليه حديث ابن مسعود.
٤ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا مروان بن معاوية
_________________
(١) (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
(٢) "صحيح البخاري" (٥٩٦)، "صحيح مسلم" (٦٣١) من طريق هشام به.
[ ١ / ٣٣١ ]
الفزاري، عن أبي يعفور، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، أن رجلا قال لابن مسعود: أي العمل أفضل؟ قال: سألت عنه رسول الله ﷺ، فقال: "الصلاة على مواقيتها"، قلت: وماذا يا رسول الله؟ قال: "وبر الوالدين"، قلت: وماذا (^١)؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.
وقد روى المسعودي وشعبة والشيباني وغير واحد، عن الوليد بن العيزار هذا الحديث) (^٢).
قلت: رواية أبي يعفور صحيحة كما قال أبو عيسى، وقد خرجها مسلم أيضًا (^٣)، إلا أن رواية شعبة أصح؛ فقد خرجها الشيخان (^٤).
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة: (حدثنا محمود، قال: حدثنا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد وأبو نعيم، قالوا: حدثنا سفيان، عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة".
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن.
وقد رواه أبو إسحاق الهمداني، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، عن النبي ﷺ مثل هذا) (^٥).
قلت: الإسناد الأول فيه زيد العمي، وهو لا يحتج به، لذا لم يصحح
_________________
(١) في بعض الطبعات زيادة (يا رسول الله).
(٢) (١/ ٣٨٢).
(٣) "صحيح مسلم" (٨٥).
(٤) "صحيح البخاري" (٥٢٧)، "صحيح مسلم" (٨٥).
(٥) (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
[ ١ / ٣٣٢ ]
أبو عيسى هذا الإسناد، وأما الثاني فرجاله ثقات، وهو صحيح؛ وبالتالي فهو أقوى من الأول.
ويستفاد من صنيع أبي عيسى هذا: أن حكمه على حديثٍ ما هو حكمٌ على الإسناد الذي ساقه لهذا الحديث، وليس حكمًا على باقي أسانيده، مع التنبيه إلى أنه لا يلتزم ذلك دائمًا، كما سيأتي.
٦ - وقال أيضًا في باب في نشر الأصابع عند التكبير: (حدثنا قتيبة وأبو سعيد الأشج، قالا: حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة نشر أصابعه.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد رواه غير واحد (^١) عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدا.
وهو أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث.
وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا.
قال أبو عيسى: قال عبد الله (^٢): وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان، وحديث يحيى بن يمان خطأ) (^٣).
قلت: ذكر الخطأ أولًا ثم بين بعده الصحيح.
_________________
(١) في بعض النسخ: (وقد روى غير واحد هذا الحديث، عن ابن أبي ذئب).
(٢) هو الدارمي.
(٣) (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).
[ ١ / ٣٣٣ ]
٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة: (حدثنا محمد بن أبي معشر، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا محمد بن أبي معشر … مثله.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد روي عنه من غير وجه.
وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، واسمه نجيح مولى بني هاشم، قال محمد: لا أروي عنه شيئًا، وقد روى عنه الناس.
قال محمد: وحديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أقوى وأصح من حديث أبي معشر (^١).
حدثنا الحسن بن بكر المروزي، قال: حدثنا المعلى بن منصور، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
قلت: تبين مما تقدم أنه بدأ بالضعيف ثم بالصحيح.
٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صدقة الزرع والتمر والحبوب: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى
_________________
(١) في بعض النسخ: (أقوى من حديث أبي معشر وأصح).
(٢) (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).
[ ١ / ٣٣٤ ]
المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس ذَود صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُق صدقة".
وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن عمرو.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان وشعبة ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ … نحو حديث عبد العزيز، عن عمرو بن يحيى.
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: لا شك أن طريق سفيان وشعبة ومالك أصحّ، ومع ذلك قدم طريق الدراوردي، ولهذا نظائر في كتابه "الجامع"، يبدأ بالصحيح ثم يتبعه بما هو أصح.
٩ - وقال أيضًا في باب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يزيد بن عياض، عن عاصم بن عمر بن قتادة (ح) وحدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته".
قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن، ويزيد بن عياض ضعيف عند أهل الحديث، وحديث محمد بن إسحاق أصح) (^٢).
قلت: ذكر الضعيف أولًا، وفي إسناده يزيد بن عياض وهو متروكٌ، ثم ذكر ما هو أصح منه وأقوى وهو طريق ابن إسحاق.
_________________
(١) (٢/ ٨٠).
(٢) (٢/ ٩٠).
[ ١ / ٣٣٥ ]
١٠ - وقال أيضًا في باب ما جاء في رضا المصدق: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جرير قال: قال النبي ﷺ: "إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنكم إلا عن رضا".
حدثنا أبو عمار (^١)، قال: حدثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، عن جرير، عن النبي ﷺ بنحوه.
قال أبو عيسى: حديث داود، عن الشعبي أصح من حديث مجالد، وقد ضعف مجالدا بعضُ أهل العلم، وهو كثير الغلط) (^٢).
قلت: الإسناد الثاني أقوى من الأول؛ فإن داود - وهو ابن أبي هند - أوثق من مجالد، وهو ابن سعيد؛ فإن فيه ضعفًا.
١١ - وقال أيضًا في باب ما جاء في فضل الصائم إذا أكل عنده: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن حبيب بن زيد، عن ليلى، عن مولاتها، عن النبي ﷺ قال: "الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة".
قال أبو عيسى: وروى شعبة هذا الحديث، عن حبيب بن زيد، عن ليلى، عن جدته أم عمارة، عن النبي ﷺ … نحوه.
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، عن حبيب بن زيد، قال: سمعت مولاة لنا يقال لها: ليلى تحدث، عن جدته أم عمارة ابنة كعب الأنصارية، أن النبي ﷺ دخل عليها فقدمت إليه طعاما، فقال: "كلي"، فقالت: إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ: "إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا"، وربما قال: "حتى يشبعوا".
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (الحسين بن حريث).
(٢) (٢/ ٩١).
[ ١ / ٣٣٦ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث شريك.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن حبيب بن زيد، عن مولاة لهم يقال لها: ليلى، عن جدته أم عمارة بنت كعب، عن النبي ﷺ … نحوه، ولم يذكر فيه: "حتى يفرغوا" أو "يشبعوا".
قال أبو عيسى: وأم عمارة هي جدة حبيب بن زيد الأنصاري) (^١).
قلت: قد ساق المصنف لهذا الخبر ثلاثة أسانيد، بدأها بالأضعف، وهو طريق شريك، ثم أتبعه بذكر ما هو أصح منه، وهو طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، وختمها بأصحها كلها، وهو طريق محمد بن جعفر، عن شعبة.
١٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المسك للميت: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ سئل عن المسك؟ فقال: "هو أطيب طيبكم".
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود وشبابة، قالا: حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر … نحوه (^٢).
_________________
(١) (٢/ ١٦٠ - ١٦١).
(٢) في بعض النسخ: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود وشبابة، قالا: حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، سمع أبا نضرة، يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "أطيب الطيب المسك". هذا حديث حسن صحيح. حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي، عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ سئل عن المسك؟ فقال: "هو أطيب طيبكم". هذا حديث حسن صحيح).
[ ١ / ٣٣٧ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا خبر صحيح سندًا ومستقيم متنًا، لذا صححه أبو عيسى، وصححه أيضًا مسلم بأن أخرجه في "صحيحه" (^٢).
ويلاحظ أن المصنف رواه عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن شعبة به، وهذا الإسناد فيه سفيان بن وكيع وهو متكلَّم فيه كما هو معلوم، ثم رواه عن محمود بن غيلان عن أبي داود وشبابة، كلاهما عن شعبة به، وحكم عليه بأنه حسن صحيح، فالثاني هو الصحيح بخلاف الأول، كما بيّن أبو عيسى.
وأحيانا يبدأ بالصحيح، ثم ما هو دونه، ومن الأمثلة على ذلك:
قال في باب ما جاء في فضل من جهز غازيا: (حدثنا أبو زكريا يحيى بن درست، قال: حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا".
هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا الوجه.
حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: "من جهز غازيا في سبيل الله، أو خلفه في أهله فقد غزا".
هذا حديث حسن (^٣).
_________________
(١) (٢/ ٢٦٥).
(٢) (٢٢٥٢).
(٣) كذا في ط. الرسالة أيضًا (١٧٢٣)، وعند شاكر (١٦٢٩)، وبشار، وفي "تحفة الأشراف" (٣٧٦١): (حسن صحيح)، وقال بشار بأن النسخ (حسن)، وما أضافه هو من "تحفة الأشراف".
[ ١ / ٣٣٨ ]
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني، عن النبي ﷺ نحوه.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا".
هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: في هذا الحديث بدأ أبو عيسى بالأصحّ، ثم ذكر بعده طريقا آخر دون الأول.
وهذا أيضًا يفعله - في بعض الأحيان - في الرواة المختلف في أسمائهم، فقد يبدأ بالخطأ، ثم يذكر الصواب، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (وأبو هريرة اختلفوا في اسمه، فقالوا: عبد شمس، وقالوا: عبد الله بن عمرو، وهكذا قال محمد بن إسماعيل، وهذا الأصح) (^٢).
٢ - وقال أيضًا: (وأبو عطية: اسمه مالك بن أبي عامر الهمداني، ويقال: مالك بن عامر الهمداني، وابن عامر أصح) (^٣).
وربما بدأ بالصحيح، ثم ما هو دونه، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، أنه
_________________
(١) (١٧٣٤ - ١٧٣٧).
(٢) (١/ ٢٧٤).
(٣) (٢/ ١١٩).
[ ١ / ٣٣٩ ]
سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما يذهب عني مَذمَّة الرضاع؟ فقال: "غرة عبد أو أمة".
هذا حديث حسن صحيح.
هكذا رواه يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
وروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن أبي حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ. وحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح ما روى هؤلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه.
وهشام بن عروة يكنى أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد الله، وابن عمر) (^١).
٢ - وقال ﵀: (وأبو المليح بن أسامة اسمه عامر، ويقال: زيد بن أسامة بن عمير الهذلي) (^٢).
قلت: بدأ أبو عيسى بالراجح عنده فقال: (اسمه عامر)، ثم ذكر القول الآخر، وما رجحه قد رجحه الدارقطني أيضًا (^٣).
والأمثلة عديدة.
* * *
_________________
(١) (١١٩٤).
(٢) (١/ ٢٧٣).
(٣) "المؤتلف والمختلف" (٤/ ٢٠٤٧).
[ ١ / ٣٤٠ ]
الوجه الثاني: أنه غالبًا يشير إلى كل اختلاف يقع في الحديث.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب في فضل التكبيرة الأولى: (حدثنا عقبة بن مكرم ونصر بن علي، قالا: حدثنا سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق".
قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث عن أنس موقوفا، ولا أعلم أحدا رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو.
وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس بن مالك قوله.
حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا وكيع، عن خالد بن طهمان، عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس قوله، ولم يرفعه.
وروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث، عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ نحو هذا.
وهذا حديث غير محفوظ، وهو حديث مرسل؛ عمارة بن غزية لم يدرك أنس بن مالك (^١» (^٢).
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وهناك العديد منها منثور في أثناء هذا "المدخل".
* * *
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (قال محمد بن إسماعيل: حبيب بن أبي حبيب يكنى أبا الكشوثا، ويقال أبو عميرة).
(٢) (١/ ٤٢٥).
[ ١ / ٣٤١ ]
الوجه الثالث: اعتناؤه بنقل كلام النقاد في تعليل الأخبار والحكم عليها، وخاصة الإمام البخاري.
من يطلع على كتاب أبي عيسى يلاحظ اعتناءه بنقل كلام الحفّاظ من شيوخه أو من شيوخ شيوخه - أو غيرهم - في الحكم على الحديث أو في بيان علته، أو في الحكم على أحد رواته، حتى أنه قلّ أن يخلو بابٌ من الكتاب من هذه النقولات، وخاصة فيما ينقله عن الإمام البخاري، حتى أصبحتْ كتبه هي المصدر الثاني بعد كتب الإمام البخاري في النقل عنه (^١)، ولا يخفى أهمية ذلك، وخاصة في معرفة علة الخبر، وبهذا حفظ لنا ثروةً كبيرة، من كلامهم على الأحاديث والرواة.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء أن الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عائشة، وسهل بن سعد، وعقبة بن عامر.
حديث أبي هريرة رواه سفيان الثوري وحفص بن غياث وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٢).
وروى أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حُدِّثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
وروى نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ، هذا الحديث.
_________________
(١) وقد سبق بيان ذلك.
(٢) في الطبعات الأخرى زيادة: (عن النبي ﷺ).
[ ١ / ٣٤٢ ]
قال أبو عيسى: وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي صالح، عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح، عن عائشة.
قال: وسمعت محمدًا يقول: حديث أبي صالح، عن عائشة أصح، وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح، عن عائشة في هذا) (^١).
قلت: هذا الحديث وقع فيه اختلافٌ شديدٌ، يصعب معه الترجيح بين أوجُهه المختلفة، وهنا ذكر أبو عيسى أحكامًا متباينةً عن ثلاثة من كبار الحفاظ، والنظر فيها يساعد في الحكم على هذا الحديث ومعرفة الوجه الراجح.
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في التأمين: (حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقال: "آمين"، ومدّ بها صوته.
وفي الباب عن علي، وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن …
وروى شعبة هذا الحديث، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: "آمين" وخفض بها صوته.
قال أبو عيسى: سمعت محمدا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر
_________________
(١) (١/ ٤٠٣).
[ ١ / ٣٤٣ ]
أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن. وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر. وقال: وخفض بها صوته، وإنما هو: ومد بها صوته.
قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة، قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل، نحو رواية سفيان.
قال أبو عيسى: حدثنا أبو بكر محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ نحو حديث سفيان، عن سلمة بن كهيل) (^١).
* * *
_________________
(١) (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦).
[ ١ / ٣٤٤ ]
الوجه الرابع: أنه يحتاط كثيرًا في تصحيح الخبر وقبوله.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في فضل صوم يوم عرفة: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: "صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله (^١).
وفي الباب عن أبي سعيد.
قال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن، وقد استحب أهل العلم صيام يوم عرفة، إلا بعرفة) (^٢).
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الحث على صوم يوم عاشوراء: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: "صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".
وفي الباب عن علي، ومحمد بن صيفي، وسلمة بن الأكوع، وهند بن أسماء، وابن عباس، والربيع بنت مُعَوّذ ابن عفراء، وعبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه، وعبد الله بن الزبير. ذكروا عن رسول الله ﷺ أنه حثّ على صيام يوم عاشوراء.
قال أبو عيسى: لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال في صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، إلا في حديث أبي قتادة.
وبحديث أبي قتادة، يقول أحمد، وإسحاق) (^٣).
_________________
(١) في بعض النسخ: (السنة التي قبله، والسنة التي بعده).
(٢) (٢/ ١٤٣).
(٣) (٢/ ١٤٥).
[ ١ / ٣٤٥ ]
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صوم الدهر: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة قال: قيل يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر"، أو "لم يصم ولم يفطر".
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الشخير، وعمران بن حصين، وأبي موسى.
قال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن) (^١).
قلت: هذا الخبر رجاله كلهم ثقاتٌ، وقد حكم الإمام مسلم بصحته، فأخرجه في كتابه "الصحيح" (^٢) - وساقه سوْقا واحدا، وفرقه أبو عيسى كما ترى -، وصححه ابن حبان (^٣)، وقال البغوي بعد أن أخرجه: (هذا حديث صحيح أخرجه مسلم) (^٤).
إذًا لماذا توقف أبو عيسى في تصحيحه؟ هل لقوله: (لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال في صيام يوم عاشوراء كفارة سنة إلا في حديث أبي قتادة)؟ لكنه ساقه دون هذه الجملة واكتفى بتحسينه أيضًا، وقد عُلِم من منهج أبي عيسى: أنه - في بعض الأحيان - إذا ساق الخبر دون موضع الإشكال فقد يصححه (^٥)، ويجاب عن ذلك: بأن هذه اللفظة جزءٌ من الحديث، وهي موجودةٌ فيه من حيث الأصل.
_________________
(١) (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) (١١٦٢).
(٣) "الصحيح" (٣٦٤٦).
(٤) "شرح السنة" (١٧٩٠).
(٥) ومن الأمثلة على ذلك أنه أخرج (١/ ٣٠٠ - ٣٠١) حديث عبد الله بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بآخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما، ظهورهما وبطونهما، وقال: هذا حديث حسن. =
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقد يكون توقف في تصحيحه لقول البخاري في عبد الله بن معبد: (لا يعرف له سماع من أبي قتادة) (^١)، وهذا أقرب.
٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ: "يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة، فصل الصلاة لوقتها، فإن صُلِّيت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك".
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت.
قال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن.
وأبو عمران الجوني اسمه: عبد الملك بن حبيب) (^٢).
قلت: هذا حديث صحيح، وقد توبع جعفر بن سليمان عليه عند مسلم من قبل حماد بن زيد (^٣)، كما أخرجه أيضًا من وجه آخر عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر بنحوه (^٤).
وقد يكون تحسين المصنف للحديث دون تصحيحه لخصوص طريق جعفر بن سليمان فقط، فإنه ليس بالقوي كما هو معلوم (^٥).
_________________
(١) = ثم ساقه مرة أخرى بإسنادٍ دون السابق من حيث الصحة، وفيه: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وأدبر، وصدغيه وأذنيه مرة واحدة، وقال: حسن صحيح. قلت: صححه هنا؛ لاستقامة متنه، بخلاف الذي قبله؛ فإن متنه غير مستقيم: ففيه أنه مسح مرتين، والصواب مرة، وفيه أنه بدأ بمؤخره، والصواب أنه بدأ بمقدم رأسه.
(٢) "التاريخ الكبير" (٣/ ٦٨، ٥/ ١٩٨)، وينظر: "التاريخ الأوسط" (٣/ ١٣٣).
(٣) (١/ ٣٨٦).
(٤) "صحيح مسلم" (٦٤٨).
(٥) "صحيح مسلم" (٦٤٨).
(٦) وقد أخرجه مسلم (٦٤٨) من طريق جعفر كذلك.
[ ١ / ٣٤٧ ]
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء بأي جانب الرأس يبدأ في الحلق: (حدثنا أبو عمار (^١)، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة نحر نسكه، ثم ناول الحالقَ شقه الأيمن فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه، فقال: "اقسمه بين الناس".
حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام نحوه.
هذا حديث حسن) (^٢).
قلت: أخرجه مسلم (^٣) عن ابن أبي عمر به.
وأخرجه قبله من حديث حفص بن غياث - في بعض الروايات عنه -، وعبد الأعلى بعكس رواية ابن عيينة: أن الشق الأيسر هو الذي أعطاه أبا طلحة.
وأخرجه البخاري (^٤) من طريق ابن عوْن، عن ابن سيرين به مختصرًا، ولفظه: (لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره) (^٥).
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (الحسين بن حريث).
(٢) (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٣) "صحيح مسلم" (١٣٠٥).
(٤) "صحيح البخاري" (١٧١).
(٥) وروي من وجه آخر، أخرجه أحمد (١٣٦٨٥)، وأبو عوانة (٣٢٣٣)، والبيهقي (٤٢٣٣) من طريق مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد - يعني ابن سيرين -، عن أنس، قال: لما حلق رسول الله ﷺ رأسه بمنى، أخذ شق رأسه الأيمن بيده، فلما فرغ ناولني، فقال: "يا أنس، انطلق بهذا إلى أبي طلحة وأم سليم"، فلما رأى الناس ما خصها به من ذلك تنافسوا في الشق الآخر، هذا يأخذ الشيء، وهذا يأخذ الشيء قال محمد: فحدثته عبيدة السلماني، فقال: (لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء أصبحت على وجه الأرض وفي بطنها). لكن مؤمل سيئ الحفظ. ينظر "تهذيب الكمال" (٢٩/ ١٧٦).
[ ١ / ٣٤٨ ]
فتبين مما تقدم أن هذا الحديث حديث صحيح، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد توبع ابن عيينة من قبل عبد الأعلى وحفص، كما أن هشاما توبع من قبل ابن عون، وإن كانت روايتهم مختصرة، لذا خرّجه الشيخان كما تقدم، فلا أدري لماذا لم يصححه أبو عيسى، هل للاختلاف الذي وقع فيه؟ وهو كما تقدم في التخريج. والله أعلم.
٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الميت في المسجد: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء في المسجد.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^١).
قلت: لا أدري لماذا لم يصححه أبو عيسى؟ مع أنه حديث صحيح، أخرجه مسلم (^٢) من طريق الدراوردي به، وقد توبع الدراوردي، تابعه موسى بن عقبة كما عند مسلم (^٣).
كما أن عبد الواحد بن حمزة قد توبع أيضًا، تابعه صالح بن عجلان، ومحمد بن عبد الله بن عباد، كما عند أحمد (^٤)، وأبي داود (^٥).
فلعله إنما حكم على الإسناد الذي ساقه فقط، بغض النظر عن الأسانيد الأخرى، وهذا الإسناد - أي: الذي ساقه - فيه عبد الواحد بن حمزة وهو ليس بالمشهور، ولا يصل إلى درجة الثقة، وإنما هو لا بأس به، ولم يذكر في ترجمته أنه روى عن أحد سوى عمه عباد بن عبد الله بن الزبير، وليس له عند مسلم والترمذي والنسائي سوى هذا الحديث.
* * *
_________________
(١) (٢/ ٢٦٦).
(٢) "صحيح مسلم" (٩٧٣).
(٣) "صحيح مسلم" (٩٧٣).
(٤) "المسند" (٢٥٠١٤).
(٥) "السنن" (٣١٨٩).
[ ١ / ٣٤٩ ]
الوجه الخامس: أنه في بعض الأحيان قد يتوقف في تصحيح الحديث لأدنى اختلاف وقع فيه، مع ترجيحه لجانب الرفع أو الوصل مثلًا، وفي بعض الأحيان لا يلتفت إلى هذا الاختلاف إذا ترجح لديه أحد الأوجه، فيحكم بصحة الخبر.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
وفي الباب عن ابن بحينة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سرجس، وابن عباس، وأنس.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن.
وهكذا روى أيوب وورقاء بن عمر وزياد بن سعد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
وروى حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، ولم يرفعاه.
والحديث المرفوع أصحّ عندنا.
وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه؛ رواه عياش بن عباس القتباني المصري، عن أبي سلمة، عن
[ ١ / ٣٥٠ ]
أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^١» (^٢).
قلت: هذا الحديث صحيح مرفوع، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد رجح أبو عيسى الرفع كما تقدم، ومع أن الحديث قد خرّجه مسلم (^٣)، فلم يصححه أبو عيسى وإنما اكتفى بتحسينه لأجل الخلاف الذي وقع فيه.
٢ - وقال ﵀ في باب ما جاء في وصال شعبان برمضان: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.
وفي الباب عن عائشة.
قال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن.
وقد روي هذا الحديث أيضًا عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله.
حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ بذلك.
وكذلك روى سالم أبو النضر وغير واحد، عن أبي سلمة، عن عائشة نحو رواية محمد بن عمرو) (^٤).
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (نحو هذا).
(٢) (١/ ٥٢٠ - ٥٢١).
(٣) "الصحيح" (٧١٠)، من طريق روح به، ومن طريق ورقاء، عن عمرو بن دينار.
(٤) (٢/ ١١١).
[ ١ / ٣٥١ ]
قلت: حسّن أبو عيسى هذا الخبر مع أن رجاله من الثقات المشاهير؛ وذلك لكونه قد جاء أيضًا من طريق أبي سلمة عن عائشة، فهل هو اختلاف عن أبي سلمة أو أن الخبر في أصله حديثان؟ الصحيح الثاني، لذا عندما رواه في "الشمائل" (^١) صحح كلا الطريقين، فقال:
(حدثنا محمد بن بشّار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أمّ سلمة قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.
قال أبو عيسى: هذا إسناد صحيح، وهكذا قال: عن أبي سلمة عن أم سلمة.
وروى هذا الحديث غير واحد عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النّبي ﷺ، ويحتمل أن يكون أبو سلمة بن عبد الرحمن قد روى هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة جميعا عن النّبي ﷺ).
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة".
وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وعبد الله بن سعد، وزيد بن خالد الجهني.
قال أبو عيسى: حديث زيد بن ثابت حديث حسن.
وقد اختلفوا في رواية هذا الحديث:
_________________
(١) (٢٨٤).
[ ١ / ٣٥٢ ]
فرواه موسى بن عقبة وإبراهيم بن أبي النضر، عن أبي النضر مرفوعًا، وأوقفه بعضهم،
ورواه مالك بن أنس، عن أبي النضر ولم يرفعه، والحديث المرفوع أصح) (^١).
قلت: القول في هذا الحديث كالقول في الذي قبله، فمع أن الترمذي رجّح جانب الرفع - وهو ما ذهب إليه الشيخان حين أخرجاه في "صحيحيهما" (^٢) - إلا أنه لم يصححه.
٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء: (حدثنا هناد والحسن بن علي الخلال وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء".
هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، لم يُرْوَ (^٣) حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد) (^٤).
قلت: مع تجويده لطريق أبي أسامة فإنه لم يصححه.
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم
_________________
(١) (١/ ٥٣٩ - ٥٤٠).
(٢) "صحيح البخاري" (٧٣١)، "صحيح مسلم" (٧٨١).
(٣) في بعض النسخ: (فلم يرو أحد)
(٤) (١/ ٣١٦).
[ ١ / ٣٥٣ ]
الخلاء فليبدأ بالخلاء: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، قال: أقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه - وكان إمام قومه - وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء".
وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وثوبان، وأبي أمامة.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح.
هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم.
وروى وهيب وغيره، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل، عن عبد الله بن الأرقم) (^١).
قلت: هذا الحديث وإن كان قد وقع فيه اختلاف إلا أنه لا يضر، والصواب أن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم لأمرين:
١ - أن أكثر الرواة - ومنهم مالك - لم يذكروا واسطة بينهما.
٢ - أن عبد الرزاق رواه عن معمر والثوري، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كنا مع عبد الله بن الأرقم … الحديث. فهذا يدل على أنه سمع منه، لذا صححه أبو عيسى، ولم يلتفت إلى هذا الاختلاف.
٦ - وقال أيضًا: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه قال في صلاة الوسطى: "صلاة العصر" (^٢).
_________________
(١) (١/ ٣٦٦).
(٢) في بعض النسخ: (عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الوسطى صلاة العصر").
[ ١ / ٣٥٤ ]
وفي الباب عن علي، وعائشة، وحفصة، وأبي هريرة، وأبي هاشم بن عتبة.
قال أبو عيسى: قال محمد: قال علي بن عبد الله: حديث الحسن عن سمرة حديث حسن (^١)، وقد سمع منه.
وقال أبو عيسى: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن (^٢) …
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة، فسألته، فقال: سمعته من سمرة بن جندب.
قال أبو عيسى: وأخبرني محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الله بن المديني، عن قريش بن أنس، بهذا الحديث.
قال محمد: قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح، واحتج بهذا الحديث) (^٣).
قلت: أولًا: اختلفت نسخ الترمذي في قول علي بن المديني هذا، ففي بعضها: "صحيح"، هكذا في نسخةٍ و"شرح ابن سيد الناس" (^٤)، وفي نسخة أخرى: "حسن صحيح"، ولعل الأرجح عنه قوله: "صحيح"؛ وذلك لقوله: سماع الحسن من سمرة صحيح.
ثانيًا: قول أبي عيسى: "حديث حسن"، هكذا فيما وقفت عليه من النسخ.
وأما ما جاء في طبعة بشار من قوله: "حسن صحيح" (^٥)، فهذا فيما يظهر أنه تابع ما جاء في "تحفة الأشراف" (^٦).
_________________
(١) في النسخ الأخرى: (صحيح).
(٢) في بعض النسخ: (حسن صحيح).
(٣) (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠).
(٤) "النفح الشذي" (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
(٥) "الجامع" (١/ ٢٢٣).
(٦) (٣/ ٥٩٣).
[ ١ / ٣٥٥ ]
ويجاب عما جاء في "التحفة": بأن المزي من عادته إذا خرج الترمذي الحديث في موضعين، ويكون هناك اختلاف في حكمه = لا يشير إلى هذا الاختلاف، والترمذي قد خرج هذا الحديث الذي معنا في "التفسير" (^١) وقال: "حسن صحيح"، فنقل المزي ذلك.
ثالثًا: إذا عُلم ذلك - أي قوله في الموضع الأول: (حسن)، وفي الثاني: (حسن صحيح) -؛ فالجواب عنه: أن أبا عيسى أحيانًا يصحح رواية الحسن عن سمرة، وأحيانًا يحسنها فقط، والسبب في ذلك أن الحسن قد اختلف في سماعه من سمرة، فأحيانًا يراعي ذلك فيحكم بالحسن فقط، وأحيانا لا يراعيه فيصحح الخبر.
٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الحصير: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ صلى على حصير.
وفي الباب عن أنس، والمغيرة بن شعبة.
قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد حديث حسن) (^٢).
قلت: هذا حديث صحيح، وقد أخرجه مسلم (^٣)، وإنما توقف المصنف في تصحيحه من أجل ما قيل إن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، وإن روايته من صحيفةٍ، ويؤيد هذا أنه خرّج عدة أحاديث بهذه السلسلة مكتفيا بتحسينها، نعم هناك أحاديث أخرى بنفس الإسناد صححها (^٤).
_________________
(١) (٣٢٤٣).
(٢) (١/ ٤٧٧).
(٣) "صحيح مسلم" (٥١٩).
(٤) أخرج الترمذي لأبي سفيان طلحة بن نافع (١٢) حديثا: عشرة منها من رواية الأعمش، عنه، عن جابر، وأحكامه عليها كما يأتي: =
[ ١ / ٣٥٦ ]
٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد - يعني الضمري، وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو -، قال: قال رسول الله ﷺ: "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه".
وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وسمرة.
قال أبو عيسى: حديث أبي الجعد حديث حسن.
قال: وسألت محمدا: عن اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرف اسمه.
وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث.
قال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو) (^١).
قلت: قد صحح أبو عيسى لمحمد بن عمرو بعض الأحاديث، وتوقف في بعضها، وهذا أحدها، وقد يكون توقفه هنا من أجل قول الراوي: (… وكانتْ له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو)، فكأنه شك في صحبة أبي الجعد الضمري.
ويلاحظ أنه لا اختلاف في الإسناد، وإنما الشك في صحبة أبي الجعد الضمري، وهو داخل من حيث العموم فيما نحن بصدده.
_________________
(١) = - حسن صحيح: (٢٧٦، ٢٧٩٣)، (٢٨١٩، ٢٨٢٠) حديث واحد بإسنادين. - حسن: (٣٣٣)، (٢٠٦٢)، (٢٤١٥). - لم يحكم عليه: (٤٥٩)، (١٩٣٧). - فيه اضطراب: (١٣٣٣). والحادي عشر (٢٢٩٠) من رواية الأعمش، عنه، عن أنس، وقال: (حسن). والثاني عشر (٣٦١٧) من رواية حصين، عنه، عن جابر، وقال: (حسن صحيح).
(٢) (١/ ٥٧٠ - ٥٧١).
[ ١ / ٣٥٧ ]
٩ - وقال أيضًا في باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع: (حدثنا بندار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال في بول الغلام الرضيع: "يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية".
قال قتادة: وهذا ما لم يَطعَما، فإذا طَعِما غُسلا جميعا.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة، وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ولم يرفعه) (^١).
قلت: توقف في تصحيحه فيما يظهر من أجل الاختلاف في وقفه ورفعه، مع أن الذي رفعه ثقةٌ ثبتٌ مشهورٌ، وهو مقدم على من وقفه وهو سعيد بن أبي عروبة، وإن كان سعيد أيضًا من أثبت الناس في قتادة.
والخبر أخرجه عبد الرزاق (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، وأبو داود (^٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن علي بن أبي طالب موقوفا.
وأخرجه البزار (^٥) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة به مرفوعا، ثم قال: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ بن هشام عن أبيه، وقد رواه غير معاذ، عن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن علي موقوفا).
وقال البخاري في "العلل الكبير" (^٦) للترمذي: (شعبة لا يرفعه، وهشام
_________________
(١) (٢/ ٣٩).
(٢) (١٥٠٠).
(٣) (١٣٠٢).
(٤) (٣٧٧).
(٥) (٧١٧).
(٦) (٣٨).
[ ١ / ٣٥٨ ]
الدستوائي حافظ، ورواه يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة فلم يرفعه).
١٠ - وقال أيضًا في باب ما جاء إذا أدّيت الزكاة فقد قضيت ما عليك: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حديث علي بن عبد الحميد الكوفي، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نتمنى أن يبتدئ الأعرابي العاقل فيسأل النبي ﷺ ونحن عنده … الحديث.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقد روي من غير هذا الوجه عن أنس، عن النبي ﷺ) (^١).
قلت: هذا حديثٌ صحيحٌ، فقد علّقه البخاري في "صحيحه" (^٢)، وخرّجه مسلم (^٣) موصولًا، وصححه ابن حبان حيث خرجه في كتابه "التقاسيم والأنواع" (^٤)، ورواته من الثقات، وتوقف أبو عيسى في تصحيحه من أجل أن حماد بن سلمة رواه عن ثابت فأرسله، كما في "العلل" للدارقطني، ففيه أنه سئل عن حديث ثابت، عن أنس: سأل رجل من أهل البادية رسول الله ﷺ، فقال: من خلق السماء؟ فقال: "الله".
فقال: (يرويه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
وخالفهما (^٥) حماد بن سلمة؛ فرواه عن ثابت، مرسلا.
وحماد بن سلمة أثبت الناس في حديث ثابت) (^٦).
قلت: سليمان بن المغيرة ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ، قال أحمد: ثبتٌ ثبتٌ. وقال
_________________
(١) (٢/ ٤٤ - ٤٥).
(٢) عقب حديث رقم (٦٣).
(٣) "صحيح مسلم" (١٢)
(٤) (١٥٦).
(٥) قال المحقق: (هكذا في جميع النسخ).
(٦) (٦/ ٢٧).
[ ١ / ٣٥٩ ]
ابن معين: ثقةٌ ثقةٌ. وقال علي بن المديني: أثبت الناس في ثابت: حمادُ بن سلمة، ثم سليمان بن المغيرة، ثم حماد بن زيد (^١).
فتبين مما تقدم أن الوصل زيادةٌ من ثقةٍ ثبتٍ، فتكون مقبولة، وهذا ما ذهب إليه البخاري، ومسلم، وغيرهما.
١١ - وقال أيضًا في باب ما جاء من لا تحل له الصدقة: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا سفيان (ح) وحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي".
وفي الباب عن أبي هريرة، وحبشي بن جنادة، وقبيصة بن المخارق.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن.
وقد روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه) (^٢).
قلت: هذا الحديث توقف في تصحيحه من أجل الاختلاف الذي وقع في رفعه ووقفه، مع أن رجاله كلهم ثقاتٌ، وريحان بن يزيد جيد الحديث، وقد جاء عن شعبة أيضًا رفعه، قال البخاري في "تاريخه": (ريحان بن يزيد العامري، قال حجاج: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمع ريحانا - وكان أعرابي صدق -، سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني".
وروى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، ولم يرفعه.
_________________
(١) ينظر: "الجرح والتعديل" (٤/ ١٤٥)، "تهذيب الكمال" (١٢/ ٧٢).
(٢) (٢/ ٦٤).
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقال أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن سعد، عن ريحان بن يزيد العامري، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ) (^١).
قلت: والرفع صحيحٌ؛ لأن سفيان إمامٌ حافظٌ، كيف وقد توبع على الرفع؟! وهذا هو ظاهر صنيع البخاري حيث إنه يذهب إلى صحة رفعه.
١٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي ﷺ، وأهل بيته ومواليه: (حدثنا بندار، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، ويوسف بن يعقوب الضبعي، قالا: حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بشيء سأل: "أصدقة هي، أم هدية؟ "، فإن قالوا: صدقة لم يأكل، وإن قالوا: هدية أكل.
وقد روي هذا الحديث أيضًا عن عبد الرحمن بن علقمة، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل، عن النبي ﷺ، وجد بهز بن حكيم اسمه معاوية بن حيدة القشيري.
قال أبو عيسى: حديث بهز بن حكيم حديث حسن غريب) (^٢).
قلت: كأنه توقف في تصحيحه من أجل الخلاف في بهزٍ، وهذه السلسلة بعض الحفاظ لا يرى الاحتجاج بها، وبعضهم يرى ذلك، وهو الصواب، وعندما نقل أبو عيسى كلام شعبة في بهز، قال: (وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة) (^٣).
فهذا نصٌ منه بتوثيق بهزٍ، ومع ذلك لم يصحح له سوى حديثٍ
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٣/ ٣٢٩).
(٢) (٢/ ٦٦).
(٣) (٣/ ١٣٩).
[ ١ / ٣٦١ ]
واحدٍ (^١)، وحسّن الباقي، وهي سبعة أحاديث، وهذا احتياط منه، وإلا فإن هذه السلسلة كأنها قوية عنده، والله تعالى أعلم.
١٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء شهرا عيد لا ينقصان: (حدثنا يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة".
قال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﷺ، مرسلا) (^٢).
قلت: هذا الحديث صحيح، ورواته من الثقات المشاهير، وقد خرَّجه الشيخان في صحيحيهما (^٣)، ويظهر أن أبا عيسى إنما توقف في تصحيحه لكونه جاء مرسلًا، ولكن هذا الإرسال لا يؤثر، والله تعالى أعلم.
١٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صوم المحرم: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري،
_________________
(١) وهو حديث: (قلت: يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: هاهنا، ونحا بيده نحو الشام)، أخرجه عن أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، ينظر: "الجامع" (٢٣٥١). وقد توبع بهز عند النسائي في "الكبرى" - كما في "تحفة الأشراف" (٨/ ١٢٦) -، فقد أخرجه من طريق سويد بن حجير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، به، فهل صححه أبو عيسى من أجل المتابعة؟ الأقرب لا، والله تعالى أعلم. كما أنه صحح حديثًا آخر من غير طريق بهز، فقد أخرجه (٢٧٥٧) من طريق سعيد بن إياس الجُريْري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد".
(٢) (٢/ ٨٦).
(٣) "صحيح البخاري" (١٩١٢)، "صحيح مسلم" (١٠٨٩).
[ ١ / ٣٦٢ ]
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم".
حديث أبي هريرة حديث حسن) (^١).
قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الخبر، ففي أكثرها كـ "التأصيل"، و"الرسالة" (^٢)، و"تحفة الأحوذي" (^٣)، والطبعة الحجرية التي مع "تحفة الأحوذي"، والنسخة التي مع "عارضة الأحوذي" (^٤) في أعلاها: (حسن)، وجاء في "تحفة الأشراف" (^٥): (حسن صحيح).
الذي يظهر أن ما جاء في "تحفة الأشراف" إنما أُخذ من حكم الترمذي السابق لهذا الحديث - والذي تقدم في الصلاة -، فهنالك حكم عليه بـ "حسن صحيح" (^٦)؛ وبالتالي لا يوجد بين "نسخ الترمذي" اختلافٌ في حكمه عليه.
وهنا يرد إشكالٌ: لماذا حكم عليه في كتاب الصيام بـ "حسن"، هل من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده؟ حيث إن شعبة رواه عن أبي بشر، عن حميد به، مرسلًا، أخرجه النسائي (^٧).
الجواب: نعم؛ من أجل هذا الاختلاف، ولكنَّ وصل الحديث ثابتٌ، كما في الطريق الآخر الذي أخرجه مسلم وغيره.
قال مسلم في "صحيحه": (حدثني قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة،
_________________
(١) (٢/ ١١٣)، وأخرجه أيضًا في الصلاة (٤٤٠)، باب ما جاء في فضل صلاة الليل، بنفس الإسناد.
(٢) (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).
(٣) (٣/ ٣٦٩).
(٤) (٣/ ٢٧٧).
(٥) (٩/ ٨٥).
(٦) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها - كنسخة التأصيل -: (حسن).
(٧) "المجتبى" (١٦٣٠)، "السنن الكبرى" (١٤٠٦).
[ ١ / ٣٦٣ ]
عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل".
وحدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه، قال: سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم" (^١).
وقال البزار في "مسنده": (حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن - يعني: الحميري -، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، قال: "جوف الليل"، وسئل عن أفضل الصيام بعد شهر رمضان، قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم".
وهذا الحديث هكذا رواه أبو عوانة وزائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وهو الصواب.
ورواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن جندب، عن النبي ﷺ، فلم يحفظ عبيد الله بن عمرو، والحديث لزائدة ولأبي عوانة) (^٢).
وقال الطوسي: (نا الحسن بن عرفة، قال: نا يحيى بن أبي بكير الكرماني، قال: أنا زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد - وهو ابن عبد الرحمن الحميري -، عن أبي هريرة،
_________________
(١) (١١٦٣).
(٢) "المسند" (٩٥١٥).
[ ١ / ٣٦٤ ]
قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فسأله عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، فقال: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان الشهر الذي يدعونه المحرم".
وفي الباب عن جابر وبلال.
وحديث أبي هريرة حديث حسن) (^١).
وفي "العلل" للدارقطني: (وسئل عن حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان المحرم".
فقال: واختلف فيه على حميد بن عبد الرحمن؛
فرواه عبد الملك بن عمير واختلف عنه؛
فرواه زائدة بن قدامة، وأبو حفص الأبار، والثوري، وشيبان، وأبو حمزة، وأبو عوانة، وعبد الحكيم بن منصور، وعكرمة بن إبراهيم، وجرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
وخالفهم عبيد الله بن عمرو الرقي، رواه عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان، عن النبي ﷺ، ووهم فيه، والذي قبله أصح عن عبد الملك.
ورواه أبو بشر جعفر بن إياس، عن حميد الحميري، واختلف عنه؛
فأسنده أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد الحميري، عن أبي هريرة.
وخالفه شعبة؛ فرواه عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلا، ورفعه صحيح) (^٢).
_________________
(١) "المستخرج" (٤١٨).
(٢) (٤/ ٣٢٩، ٣٣٠).
[ ١ / ٣٦٥ ]
١٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الذي يُهلّ بالحج فيُكسَر أو يُعرَج: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا روح بن عبادة، قال: حدثنا حجاج الصواف، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: حدثني الحجاج بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "من كُسر أو عَرج فقد حل وعليه حجة أخرى".
فذكرت ذلك لأبي هريرة، وابن عباس، فقالا: صدق.
حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن الحجاج مثله.
قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وهكذا رواه غير واحد عن الحجاج الصواف نحو هذا الحديث.
وروى معمر ومعاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ.
وحجاج الصواف لم يذكر في حديثه عبد الله بن رافع، وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث.
وسمعت محمدا يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح.
حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ نحوه) (^١).
قلت: توقف أبو عيسى في تصحيحه فيما يظهر لي بسبب الاختلاف
_________________
(١) (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).
[ ١ / ٣٦٦ ]
الذي وقع في إسناده، وإلا فإنّ رجاله كلهم من الثقات المشاهير، وسواء قلنا إن الراجح رواية من رواه عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو دون واسطة، أو أن بينهما عبد الله بن رافع = فإن الحديث صحيح، وعبد الله بن رافع ثقة بالاتفاق، خرّج له الجماعة سوى البخاري.
ورواية من رواه بذكر عبد الله بن رافع أرجح، وذلك لأمرين:
الأول: أنها زيادة، وهي مقبولة إذا كانت من ثقة كما في هذا الخبر، فمعمر ومعاوية بن سلام كلاهما من الثقات المشاهير، وتابعهما يوسف بن سعيد عند الطبراني.
الثاني: أن يزيد بن أبي حبيب قد رواه عن عكرمة عن عبد الله بن رافع، قاله البيهقي (^١)، وهذا ما ذهب إليه البخاري، ويظهر أن الترمذي يذهب إلى ذلك؛ لأنه نقل قوله في "الجامع" و"العلل"، ولم يتعقبه بشيء.
وأما قوله عن الحجاج بن الصواف: (ثقة حافظ عند أهل الحديث) فهو كذلك، ولا يظهر لي أن أبا عيسى يريد بذلك ترجيح روايته، وقد يكون هذا الاضطراب من يحيى نفسه - وهو الأقرب -، ويحتمل أن عكرمة سمعه من عبد الله بن رافع، ثم سمعه من حجاج بن عمرو نفسه كما في رواية حجاج بن الصواف، فحدث به على الوجهين، وقد ذهب علي بن المديني إلى ترجيح رواية الحجاج الصواف، فقد قال البيهقي: (قال علي بن المديني: الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير أثبت) (^٢).
وإلى هذا ذهب الحاكم؛ لأنه عندما ساق رواية الحجاج الصواف قال: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرّجاه، وقيل: عن
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٥/ ٣٦٠).
(٢) "السنن الكبرى" (٥/ ٣٦٠).
[ ١ / ٣٦٧ ]
عكرمة، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ﵂، عن الحجاج بن عمرو) (^١).
وقال البيهقي: (فهو حديث مختلف في إسناده. فقيل هكذا. وقيل: عنه عن عبد الله بن رافع عن الحجاج، وحديث الاستثناء في الحج أصح من هذا) (^٢).
١٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره، أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: "أيهما أكثر أخذا للقرآن"، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد، فقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
وفي الباب عن أنس بن مالك.
قال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ، وروي عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعير، عن النبي ﷺ، ومنهم من ذكره عن جابر) (^٣).
قال ابن حجر: (قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث الليث عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن جابر: أن النبي ﷺ كان يجمع بين قتلى أحد ويقدم أقرأهم، وقد رواه ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن
_________________
(١) "المستدرك" (١/ ٦٥٧).
(٢) "السنن الصغير" (٢/ ٢٠٩).
(٣) (٢/ ٢٦٨).
[ ١ / ٣٦٨ ]
الزهري، مرسلا، عن جابر، ورواه معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، عن جابر، ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، حدثني من سمع جابرا، وهو حديث مضطرب. انتهى.
أطلق الدارقطني القول في هذا الحديث بأنه مضطرب مع إمكان نفي الاضطراب عنه، بأن يفسر المبهم الذي في رواية سليمان بالمسمى الذي في رواية الليث، وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين، وأما رواية الأوزاعي المرسلة فقصر فيها بحذف الواسطة.
فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاري ذكر الخلاف فيه، وإنما أخرج رواية الأوزاعي مع انقطاعها؛ لأن الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك، عن الليث والأوزاعي جميعا، عن الزهري، فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب، وأثبته الليث، وهما في الزهري سواء، وقد صرحا جميعا بسماعهما له منه، فقبلت زيادة الليث لثقته.
ثم قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، عمن سمع جابرا، وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في الجملة، وتأكيد رواية الليث بذلك، ولم يرها علة توجب اضطرابا.
وأما رواية معمر فقد وافقه عليها سفيان بن عيينة، فرواه عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، وقال: ثبتني فيه معمر، فرجعت روايته إلى رواية معمر.
وعن الزهري فيه اختلاف لم يذكره الدارقطني، فقيل: عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود، والترمذي، ونقل في "العلل" عن البخاري أنه قال: حديث أسامة خطأ، غلط فيه. يعني: أن الصواب حديث الليث.
ووهم الحاكم فأخرج حديث أسامة هذا في "مستدركه".
[ ١ / ٣٦٩ ]
وعن الزهري فيه اختلاف آخر، رواه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وهو خطأ أيضًا، وعبد الرحمن هذا ضعيف، ولا يخفى على الحاذق أن رواية الليث أرجح هذه الروايات، كما قررناه، وأن البخاري لا يعل الحديث بمجرد الاختلاف) (^١).
وقال أيضًا: (قوله: "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر" كذا يقول الليث، عن ابن شهاب، قال النسائي: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك. ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرا.
وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث، كلهم عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة، وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسل.
وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، فزاد فيه جابرا، وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة.
وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر: رواه أسامة بن زيد الليثي عنه، عن أنس، أخرجه أبو داود، والترمذي، وأسامة سيء الحفظ، وقد حكى الترمذي في "العلل" عن البخاري: أن أسامة غلط في إسناده.
وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن
_________________
(١) "مقدمة فتح الباري" (٣٥٥).
[ ١ / ٣٧٠ ]
ابن شهاب فقال: عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، وابن عبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله: عن أبيه) (^١).
قلت: يتلخص مما تقدم أن هذا الحديث صحيح إلى الزهري، ولكن اختلف فيه عليه في موضعين:
الأول: في شيخه.
والثاني: في راوي الحديث.
فأما الأول: فقيل: عبد الرحمن بن كعب، وقيل بإبهامه - عمن سمع جابرًا -، وقيل بإسقاطه، فيكون الخبر مرسلًا الزهري عن جابر. وقيل: عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير.
فأما الأول، فهي رواية الليث بن سعد.
وأما الثاني، فهي رواية سليمان بن كثير.
وأما الثالث، فهي رواية الأوزاعي.
وأما الرابع، فهي رواية معمر من رواية ابن المبارك عنه، وتابعه على ذلك سفيان بن عيينة، كما عند أحمد (^٢)، ومحمد بن إسحاق، عند أحمد أيضًا (^٣).
وتابعهم: عبد الرحمن بن إسحاق، كما عند ابن أبي عاصم (^٤)، وأبو بكر الشافعي (^٥).
وعمرو بن الحارث، كما عند ابن أبي عاصم (^٦)، والطحاوي (^٧).
_________________
(١) "فتح الباري" (٣/ ٢١٠).
(٢) "المسند" (٢٣٦٥٩).
(٣) "المسند" (٢٣٦٥٧، ٢٣٦٥٨).
(٤) "الجهاد" (١٧٨).
(٥) "الغيلانيات" (٤٢٧).
(٦) "الجهاد" (١٧٦).
(٧) "شرح مشكل الآثار" (٢٥٨).
[ ١ / ٣٧١ ]
وصالح بن كيسان، كما عند ابن أبي عاصم (^١).
قلت: أما من أبهمه كما في رواية سليمان بن كثير، فالجواب عن ذلك: أن رواية من سماه أولى بالتقديم، خاصة أنه أوثق من سليمان بن كثير، وسليمان ليس مقدمًا في الزهري، بلى قد تُكلم في روايته عنه.
وأما من أسقطه، فرواية مَن ذكره أولى؛ لأن معه زيادة علمٍ، وهم جماعة كما تقدم في تخريج الخبر.
بقي النظر في تسمية شيخه، هل هو عبد الرحمن بن كعب، أو عبد الله بن ثعلبة بن صعير؟
فالأول هو الذي وقع في رواية الليث.
وأما الثاني، فهو الذي وقع في رواية الجماعة.
وعلى كلا القولين فإن الخبر صحيحٌ، وذلك أنه إذا قلنا برجحان رواية الليث، فهذا ظاهر، وعبد الرحمن بن كعب ثقة.
وإذا قلنا بترجيح رواية الجماعة، فإن عبد الله بن ثعلبة له رؤية، وقد جاء عند البخاري معلقًا: (أن النبي ﷺ قد مسح وجهه عام الفتح) (^٢). لذا قال أبو حاتم: (قد رأى النبيَّ ﷺ وهو صغير) (^٣)، فروايته قد تلحق بمراسيل الصحابة، كيف وقد جاء أن عبد الله بن ثعلبة قد رواه عن جابر بن عبد الله، كما عند عبد الرزاق (^٤) وأحمد (^٥) عن معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن جابر.
وفي هذه الرواية جمعٌ بين الروايتين السابقتين، فيكون للزهري شيخان
_________________
(١) "الجهاد" (١٧٧)، و"الآحاد والمثاني" (٢٦٠٨).
(٢) "الصحيح" (٤٣٠٠).
(٣) "المراسيل" (ص: ١٠٣).
(٤) "المصنف" (٦٧٤٠) و(١٠٣٠٧).
(٥) "المسند" (٢٣٦٦٠).
[ ١ / ٣٧٢ ]
في هذا الخبر، أو يكونان حديثين، وقد قوّى ذلك ابن حجر؛ لأن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، والله تعالى أعلم.
وأما الموضع الثاني، وهو الاختلاف في راوي الحديث، فقيل: عن جابر، وقيل: عن عبد الله بن ثعلبة، وقيل: عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس. وقيل: عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وقد تقدم ذلك كله.
ولا شك أن رواية أسامة وعبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري خطأ ظاهرٌ؛ لأنهما لم يتابعا على ذلك، وقد خالفا رواية الأكثر، كما أنه قد تُكلم فيهما، فبطلت روايتهما، وبالتالي لا يلتفت إلى ما روياه.
فبقي رواية من جعله عن جابر، وقد رواها أربعة كما تقدم.
وأما الرواية الثانية، فقد رواها ستةٌ.
والجمع بين هذين الوجهين: هو ما جاء في رواية معمر؛ لأنه روى كلا الروايتين، ثم إن في رواية عبد الرزاق عنه ما يفيد أن عبد الله بن ثعلبة قد روى ذلك عن جابر، وبهذا يُجمع بينهما.
والخلاصة أن للزهري شيخين في هذا الحديث. قال ابن حجر: (وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين) (^١)، ويؤيد هذا أن في رواية أحدهما ما ليس في رواية الآخر كما تقدم، والأقرب أن الحديث واحدٌ، رواه عبد الرحمن بن كعب تامًّا، واختصره عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر.
وأما من ردّ هذا الخبر بدعوى الاضطراب، فهذا فيه بعض النظر لما تقدم، فالحديث صحّ عن جابر، وصح أيضًا عن عبد الله بن ثعلبة، فإذا قلنا: إن عبد الله قد أخذه من جابر - كما في رواية معمر - انتفى الاضطراب، وإذا قلنا:
_________________
(١) سبق.
[ ١ / ٣٧٣ ]
إن حديث عبد الله بن ثعلبة هو الصحيح، فيكون صحيحًا أيضًا؛ لأن مراسيل الصحابة يحتج بها، وعبد الله بن ثعلبة ممن يُلحق بهم، والله تعالى أعلم.
١٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء في تسوية القبور: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حديث عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، أن عليا قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ أن لا تدع قبرا مُشرفا إلا سوّيته، ولا تمثالا إلا طمسته.
وفي الباب عن جابر.
قال أبو عيسى: حديث عليّ حديث حسن) (^١).
قلت: رجال هذا الحديث ثقات، إذًا لماذا توقف أبو عيسى في تصحيحه؟ يظهر لي أنه بسبب الاختلافُ الذي وقع في إسناده:
فمنهم من رواه عن أبي وائل، أن عليًا قال لأبي الهياج.
ومنهم من رواه عن أبي وائل، عن أبي الهياج، قال لي علي.
وذكره أبو عيسى في "العلل الكبير" (^٢) قال: (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، أن عليا قال لأبي الهياج: أبعثك على ما بعثني عليه النبي ﷺ ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته. وقال بشر بن السري: عن سفيان الثوري، عن حبيب، عن أبي هياج قال: قال لي علي.
فسألت محمدًا فقال: الصحيح عن أبي وائل أن عليا قال لأبي الهياج).
_________________
(١) (٢/ ٢٧٥).
(٢) (٢٥٨).
[ ١ / ٣٧٤ ]
وذهب بعض الحفاظ إلى ترجيح الوجه الثاني، كما صنع مسلم، فقد أخرجه في "صحيحه" من هذا الوجه (^١)، وهو ما أشار إليه أبو حاتم الرازي، فقال ابنه: (سمعت أبي يقول: أبو وائل قد أدرك عليا، غير أن حبيب بن أبي ثابت روى عن أبي وائل عن أبي الهياج عن علي ﵁، أن النبي ﷺ بعثه أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته) (^٢).
والدارقطني أيضًا، فقد سئل عنه فقال: (يرويه حبيب بن أبي ثابت، واختلف عنه:
فرواه الثوري، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهياج.
قال ذلك يحيى القطان، وخالد بن الحارث، ووكيع، وعبد الرحمن، وأبو نعيم، وقبيصة، وغيرهم …
والحديث حديث الثوري، ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي، ومن تابعهما وهو الصحيح) (^٣).
قلت: بعض من ذكرهم الدارقطني جاء عنهم أيضًا أنهم رووه عن الثوري عن حبيب، عن أبي وائل، عن علي أنه قال لأبي الهياج، ومنهم عبد الرحمن بن مهدي.
فقد رواه أحمد بن حنبل (^٤) والحاكم (^٥) من طريقه، والترمذي من طريق محمد بن بشار.
كلاهما (أحمد، ومحمد بن بشار) عن ابن مهدي، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن علي، أنه قال لأبي الهياج.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٩٦٩).
(٢) "المراسيل" (٣٢٠).
(٣) "العلل" (٢/ ١١١ - ١١٢).
(٤) "المسند" (١٠٦٤) مقرونا برواية وكيع.
(٥) "المستدرك" (١٣٦٦) وصححه.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ورواه عبيد الله القواريري، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، أن عليًا (^١).
ورواه أبو نعيم كما عند الدارقطني، وابن المبارك كما ذكره الدارقطني، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو أحمد الزبيري (^٢) كلهم عن سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، أن عليًا … مثل رواية ابن مهدي (^٣).
فتبين أن الخلاف قوي على سفيان، بل جاء في بعض الطرق: أن أبا وائل ذكر بينه وبين أبي الهياج واسطة:
قال الدارقطني: (وقال معاوية بن هشام، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا في بيت إلا طمسته.
وقال قيس بن الربيع، وسعاد بن سليمان، وزياد بن خيثمة: عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن سعيد بن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي) (^٤).
قلت: أما رواية معاوية بن هشام عن الثوري، فهي خطأ؛ ذلك أن الحفّاظ من أصحاب الثوري - وعلى رأسهم القطان وابن مهدي - لم يذكروا ما ذكره معاوية بن هشام، خاصة أن معاوية وُصف بشيء من الوهم؛ فتبين أنّ في روايته نظرًا.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣٥٠).
(٢) ينظر: "العلل" (٢/ ١١٤ - ١١٥).
(٣) وخالفهم: يحيى القطان، ووكيع، وخالد بن الحارث، ومحمد بن يوسف الفريابي، كلهم عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي. كما تقدم عند الدارقطني.
(٤) "العلل" (٢/ ١١١ - ١١٢).
[ ١ / ٣٧٦ ]
ورواه الأعمش:
قال الدارقطني: (ورواه الأعمش، واختلف عنه:
فرواه جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج.
وهو غريب عن الأعمش، لا أعلم حدث به عن الأعمش هكذا غير جرير.
وخالفه عيسى بن الضحاك - أخو الجراح بن الضحاك - وروح بن مسافر، فقالا: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي.
وقال عمرو بن قيس: عن الأعمش عن أبي وائل عن علي، ولم يذكر أبا الهياج) (^١).
قلت: إما أن يكون الأعمش روى عن حبيب بن أبي ثابت فيكون متابعًا لسفيان الثوري، وإما أن يكون رواه عن أبي وائل، والاختلاف الذي وقع عليه هو نفسه الذي وقع على سفيان الثوري، فعادت روايته إلى الطريق المتقدمة.
طريق أخرى:
رواه مسعر، والمسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج به.
أخرجه الدارقطني، قال: (حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا يعلى بن عبيد (ح) وحدثنا محمد بن مخلد، وحمزة بن الحسين بن عمر السمسار، قالا: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، وأبو النضر (ح) وحدثنا أحمد بن محمد بن سعدان بواسط، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يعلى بن عبيد، وعبد الله بن رجاء البصري
_________________
(١) "العلل" (٢/ ١١٢).
[ ١ / ٣٧٧ ]
(ح) وحدثنا ابن مبشر، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، قالوا: حدثنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج، عن علي ﵁ قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، أن لا تدع تمثالا إلا لطخته، ولا قبرا إلا سويته.
هذا لفظ شعيب.
وقال يوسف: قال: قال لي علي: أبعثك، وقال الرمادي: ولا قبرا مشرفا إلا سويته.
وقال يزيد: أخبرنا المسعودي، وقال أيضًا: أبعثك لما بعثني له رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا ولا تمثالا إلا نطحته؛ بالحاء.
حدثنا عبد الملك بن يحيى بن الحسن العطار بن أبي زكار، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الحميد الحلواني، حدثنا أحمد بن محمد الكوفي، حدثنا بشر بن آدم، عن حماد بن دليل، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج الأسدي، عن علي بن أبي طالب، قال: بعثني النبي ﷺ، فقال: "لا تتركن قبرا مشرفا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها") (^١).
وأخرج رواية المسعودي أبو يعلى الموصلي، قال: (حدثنا عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج، قال: قال علي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته) (^٢).
قلت: فسقط من هذه الرواية أبو وائل، لذا قال الدارقطني: (تفرد به حماد بن دليل - أبو زيد، قاضي المدائن -، عن مسعر، عن حبيب.
_________________
(١) "العلل" (٢/ ١١٥ - ١١٦).
(٢) "المسند" (٣٤٣).
[ ١ / ٣٧٨ ]
ولم يسمع حبيب هذا من أبي الهياج، وإنما سمعه من أبي وائل شقيق بن سلمة، عن أبي الهياج، كما قال الثوري) (^١).
ورواه قيس بن الربيع:
أخرجه أبو داود الطيالسي، قال: (حدثنا قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي ﵁: أستعملك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ: على مسخ التماثيل وتسوية القبور) (^٢).
وأخرجه البزار (^٣) من طريق أبي داود، وحسين بن الحسن، قالا: نا قيس به.
قال البزار: (وهذا الحديث قد رواه غير قيس عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي، ولا نعلم أحدا قال: عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، إلا قيس).
وأخرجه الدارقطني قال: (حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا أبو الحسين كردوس بن محمد بن عيسى الواسطي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن شقيق بن سلمة، عن سعيد بن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى، قال: بعثني على تسوية القبور ومسح التماثيل.
وقال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن يونس، حدثنا قيس، عن حبيب، عن شقيق، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: تسوية القبور وكسر التماثيل) (^٤).
_________________
(١) "العلل" (٢/ ١١٦).
(٢) "المسند" الذي جمع له (١٥٠).
(٣) "المسند" (٩١١).
(٤) "العلل" (٢/ ١١٦).
[ ١ / ٣٧٩ ]
قلت: رواية الثلاثة: قيس بن الربيع، وسعاد بن سليمان، وقيس بن خيثمة؛ رواية قوية، فقيس وإن كان ليس بالقوي، ومثله سعاد = لكنَّ أحدهما يقوي الآخر، فكيف إذا انضم إليهما زياد بن خيثمة، وهو ثقة؟ فسوف تزداد قوةً إلى قوةٍ، وقد زادوا زيادةً، والأصل قبولها، فمن علِم حجة على من لم يعلم، وإن كان سعيد بن أبي الهياج لا يُعرف، ولكن رواية أبي وائل - وهو من كبار التابعين - عنه مما يقويه، فهو إسناد قويٌ، كيف وقد جاء أيضًا من طرق أخرى سوى ما تقدم:
قال الدارقطني: (ورواه يونس بن خباب، وسيار أبو الحكم، عن جرير بن حيان، عن أبيه، عن علي. وجرير هذا هو ابن أبي الهياج، وأبوه: حيان بن حصين، يكنى: أبا الهياج) (^١).
قلت: هذه الرواية إسنادها قويٌ، سيار ثقة بالاتفاق، بل قال أحمد: (ثقة ثبت في كل المشايخ) (^٢).
وأما يونس، فقد تكلموا فيه، حتى أن هناك من كذّبه، ولكن أغلب كلامهم فيما يظهر إنما بسبب خبث رأيه، وسوء معتقده، وأما من حيث استقامة حديثه، فيظهر أنه قوي: قال عثمان الدارمي: ثقة صدوق (^٣)، وقال أبو داود: وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة (^٤). وقال ابن عدي - بعد أن ذكر له بعض أحاديث -: ويونس بن خباب له غير ما ذكرت، وهو من الغالين في التشيع، وكان يحمل على عثمان، وأحاديثه مع غلوه تُكتب (^٥).
وأما جرير بن حيان، فليس بالمشهور، وإنما عُرف بهذا الحديث، ذكره ابن حبان في "الثقات" (^٦).
_________________
(١) "العلل" (٢/ ٢١٢).
(٢) "تهذيب الكمال" (١٢/ ٣١٥).
(٣) "تاريخ أسماء الثقات" (ص: ٢٦٤).
(٤) "سؤالات الآجري" (١/ ٢٢٤).
(٥) "الكامل" (١٠/ ٤٧٥).
(٦) "الثقات" (٦/ ١٤٣).
[ ١ / ٣٨٠ ]
أخرجه أحمد قال: (حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، عن يونس بن خباب، عن جرير بن حيان، عن أبيه، أن عليا، قال: أبعثك فيما بعثني رسول الله ﷺ أمرني أن أسوي كل قبر، وأطمس كل صنم) (^١).
وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند"، قال: (حدثنا شيبان أبو محمد، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس بن خباب به) (^٢).
طريق أخرى: رواه شعبة:
أخرجه أحمد قال: (حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شعبة، قال: الحكم أخبرني، عن أبي محمد، عن علي، قال: بعثه النبي ﷺ إلى المدينة فأمره أن يسوي القبور) (^٣).
وأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا، قال: (حدثني أبو داود المباركي سليمان بن محمد، حدثنا أبو شهاب، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي المورع، عن علي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فقال: "من يأتي المدينة فلا يدع قبرا إلا سواه، ولا صورة إلا طلخها، ولا وثنا إلا كسر") (^٤).
وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن رجل من أهل البصرة - قال: وأهل البصرة يكنونه أبا مورع، قال: وكان أهل الكوفة يكنونه بأبي محمد -، قال: كان رسول الله ﷺ في جنازة، فذكر نحو حديث أبي داود، عن أبي شهاب) (^٥).
_________________
(١) "المسند" (٦٨٣).
(٢) "المسند" (٨٨٩).
(٣) "المسند" (١١٧٥).
(٤) "المسند" (١١٧٠).
(٥) "المسند" (١١٧٧).
[ ١ / ٣٨١ ]
وأخرجه النسائي في مسند علي، - كما في "تهذيب الكمال" في ترجمة أبي محمد الهذلي - عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن الحكم به نحوه (^١).
وأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا قال: (حدثني شيبان أبو محمد، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، أخبرنا حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي محمد الهذلي، عن علي بن أبي طالب به نحوه مسندًا كرواية أسود بن عامر وأبي شهاب) (^٢).
قلت: إسناد هذه الطريق صحيح إلى الحكم وهو ابن عتيبة، ولكن شيخه أبا محمد - ويكنى أيضًا بأبي المورع - لا يُعرف، ولا يُدرى عن سماعه من علي، مع أن محمد بن جعفر قد أرسل هذا الخبر عن شعبة.
طريق أخرى عن علي:
قال أحمد: (حدثنا يزيد، أخبرنا أشعث بن سوار، عن ابن أشوع، عن حنش بن أبي المعتمر، أن عليا، بعث صاحب شرطه فقال: أبعثك لما بعثني له رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا إلا سويته، ولا تمثالا إلا وضعته) (^٣).
وقال عبد الله بن أحمد: (حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا السكن بن إبراهيم، حدثنا الأشعث بن سوار، عن ابن أشوع، عن حنش الكناني، عن علي: أنه بعث عامل شرطته، فقال له: أتدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن أنحت كل - يعني صورة -، وأن أسوي كل قبر) (^٤).
قلت: أشعث لا يحتج به. وابن أشوع هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي، ثقةٌ.
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٣٤/ ٢٦٣).
(٢) "المسند" (١١٧٦).
(٣) "المسند" (١٢٣٩).
(٤) "المسند" (١٢٨٤).
[ ١ / ٣٨٢ ]
وحنش بن أبي المعتمر مختلف فيه.
فهذه الطريق صالحة للاعتبار والاعتضاد، فيزداد الخبر قوةً إلى قوة.
طريق أخرى:
أخرجها البزار، قال: (حدثنا محمد بن صالح العدوي، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال: أُخبرتُ عن الحكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي حازم، عن علي ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ، وأمرني أن لا أمر بقبر إلا سويته) (^١).
قلت: هذا منقطع؛ لقول صالح بن كيسان: أُخبرتُ (^٢). وقد تقدم من رواية شعبة وحجاج، عن الحكم، عن أبي محمد الهذلي. فهل هو اختلاف على الحكم بن عتيبة، فتكون رواية شعبة ومن معه هي الراجحة، (وذلك لأن صالح بن كيسان قال: أخبرتُ) أو طريق أخرى؟ وهذا هو الأقرب؛ لأنه هو الظاهر، وذلك لشهرة هذا الخبر، ويؤيد ذلك الإسناد الذي بعده:
طريق أخرى:
أخرجه البزار قال: (حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: نا سعيد بن سليمان، قال: نا عباد يعني ابن العوام، قال: نا أبان بن تغلب، عن الحكم بن عتيبة، عن ثعلبة بن يزيد، عن علي بن أبي طالب ﵁ أو يزيد بن ثعلبة عن علي -، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أسوي كل قبر شاخص وأطمس كل صنم، ففعلت ثم أتيته فقال: أفعلت؟ قلت: نعم) (^٣).
_________________
(١) "المسند" (٥٧٦).
(٢) ومحمد بن صالح العدوي، لا أدري من هو؟ قد ذكر البزار في "مسنده" من شيوخه ثلاثة كلّهم اسمه محمد بن صالح، وهم: محمد بن صالح العدوي، ومحمد بن صالح بن العوام، ومحمد بن صالح البغدادي، فلا أدري أهم شخص واحد أم لا؟
(٣) "المسند" (٨٧٠).
[ ١ / ٣٨٣ ]
قلت: هذا إسناد قوي، ورجاله كلهم ثقات، سوى ثعلبة، فقد اختلف فيه، ذكره البخاري فقال: (ثعلبة بن يزيد الحماني، سمع عليًا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر. قال النبي ﷺ لعلي: إن الأمة ستغدر بك، ولا يتابع عليه) (^١).
وأما النسائي، فروى له في "مسند علي" وقال عنه: ثقة (^٢). وذكره ابن حبان في "الثقات" (^٣)، ولكن أورده في "المجروحين" أيضًا، وقال: (كان غاليا في التشيع لا يحتج بأخباره التي يتفرد بها عن علي) (^٤).
وذكره العقيلي، قال: (ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، حدثني آدم قال: سمعت البخاري قال: ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، قال البخاري: لا يتابع، في حديثه نظر.
والحديث ما حدثناه محمد بن إسماعيل قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا كامل أبو العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، عهد إلي النبي ﵇: "أن هذه الأمة ستغدر بي") (^٥).
وأما ابن عدي، فقال في "الكامل": (حدثنا أحمد بن الحسين بن عبد الصمد، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن الأجلح، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار") (^٦).
قال ابن عدي: (ولثعلبة عن علي غير هذا، ولم أر له حديثا منكرا في مقدار ما يرويه، وأما سماعه من علي ففيه نظر، كما قال البخاري) (^٧).
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٢/ ١٧٤).
(٢) "تهذيب الكمال" (٤/ ٣٩٩).
(٣) (٤/ ٩٨).
(٤) (١/ ٢٠٧).
(٥) "الضعفاء" (١/ ١٧٨).
(٦) (٣/ ٢٢).
(٧) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه ابن عدي، وأن أحاديث ثعلبة مستقيمة، قد ذكرها البزار في "مسنده" (^١).
وجاءت من طرق أخرى وليس فيها ما ينظر فيه، سوى الحديث الذي استنكره البخاري، وهذا قد جاء من أكثر من وجه عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة به، ولم أقف على تصريح لحبيب بسماعه هذا الخبر من ثعلبة، مع أنه أيضًا قد جاء من وجه آخر:
قال الدولابي: (حدثنا يحيى بن غيلان، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، وحدثنا فهد بن عوف، قال، ثنا أبو عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس إبراهيم بن أبي حديد الأودي: أن علي بن أبي طالب، قال: عهد إلي النبي ﷺ أن الأمة ستغدر بي من بعده) (^٢).
وأخرجه الحاكم: (حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد الجمحي بمكة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأودي، عن علي ﵁ قال: إن مما عهد إلي النبيّ ﷺ: أن الأمة ستغدر بي بعده. هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) (^٣).
وقد استنكره أيضًا العقيلي، فقال بعد أن رواه: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس العبدي، عن سعيد بن عمرو بن سفيان، عن أبيه، قال: خطب علي ﵁ فقال: إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة عهدا نأخذ به، ولكنه رأي رأيناه، استخلف أبو بكر
_________________
(١) ينظر فيه الأحاديث: (٨٦٧ - ٨٧١).
(٢) "الكنى والأسماء" (٥٣٦).
(٣) "المستدرك" (٤٦٧٦).
[ ١ / ٣٨٥ ]
فأقام واستقام، ثم استخلف عمر فأقام واستقام، حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا يعفو الله عن من يشاء، ويعذب من يشاء) (^١).
قلت: وهذا الخبر في استقامته ونكارته تفصيل:
قول علي ﵁: (عهد إلي النبي ﷺ أن هذه الأمة ستغدر بي) لا يلزم أن يكون هذا الغدر في الخلافة، فقد يكون في القتل، كما هو ظاهر، ولكن وصف الأمة بالغدر في نفسي منه شيء؛ لأن الله ﷿ قد أثنى على هذه الأمة، فوصفها بأنها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فعلى هذا يكون الوصف بالغدر منكرا، فالأمة - بحمد الله - لم تغدر بأمير المؤمنين علي ﵁، وإنما غدر به من قتله وتمالأ على قتله دون باقي الأمة.
ولأجل ما تقدم؛ قال عنه ابن حجر: صدوق شيعيٌّ (^٢).
والخلاصة؛ إذا كان حديث الغدر منكرًا، فإن حديث تسوية القبور حديث مستقيم، فقول البخاري: (فيه نظر) لعله منصبٌّ على حديث الغدر؛ لأنه ذكر هذا الحديث بعد قوله المتقدم، ثم قال: (ولا يتابع عليه)، وهذا ظاهر صنيع العقيلي.
طريق أخرى:
أخرجه الطبراني قال: (حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن عمار الرازي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: نا أبو حماد المفضل بن صدقة، عن أبي إسحاق، عن أبي الهياج الأسدي، قال: بعثني علي بن أبي طالب ﵁، فقال: تدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني رسول الله ﷺ قال: "لا تدع تمثالا إلا كسرته، ولا قبرًا مسنمًا إلا سويته" (^٣).
_________________
(١) "الضعفاء" (١/ ١٧٨).
(٢) "تقريب التهذيب" (ص: ١٣٤).
(٣) "المعجم الأوسط" (٢٠٥٩).
[ ١ / ٣٨٦ ]
وأخرجه في "المعجم الصغير" بنفس الإسناد، وقال: (لم يروه عن أبي إسحاق إلا المفضل، ولا عنه إلا إسحاق الرازي تفرد به محمد بن عمار) (^١).
قلت: وهذا الإسناد فيه المفضل بن صدقة، ليس بقوي، قاله أبو حاتم، وقال أبو زرعة: ضعيف (^٢). وقال يحيى بن معين: ليس بشيء (^٣). وقال النسائي: متروك الحديث (^٤). وقال الدارقطني: ليس بالقوي (^٥). وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ حتى يروي عن المشاهير الأشياء المناكير فخرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا (^٦).
فهذا الإسناد لا يعتبر به.
طريق أخرى: رواه الشعبي؛
أخرجه ابن المخلص، قال: (حدثنا محمد قال: حدثنا ابن أبي مذعور محمد بن عمرو بن سليمان قال: حدثنا النضر بن إسماعيل قال: حدثنا مسعر، عن جابر، عن الشعبي قال: استعمل علي بن أبي طالب ﵇ أبا الهياج، وقال له:
استعملتك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ: "لا تتركن قبرا شاخصا إلا سويته بالأرض") (^٧).
وأخرجه الدارقطني، قال: (حدثنا أبو حامد بن محمد بن هارون الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن أبي مذعور، حدثنا النضر بن
_________________
(١) (١٥٢).
(٢) "الجرح والتعديل" (٨/ ٣١٦).
(٣) المصدر السابق (٨/ ٣١٦).
(٤) "الضعفاء والمتروكون" (ص: ١١٦).
(٥) "الضعفاء والمتروكون" (ص: ٤١٢).
(٦) "المجروحين" (٣/ ٢١).
(٧) "المخلصيات" (١٦٤٠).
[ ١ / ٣٨٧ ]
إسماعيل، حدثنا مسعر، عن جابر، عن الشعبي، قال: استعمل علي بن أبي طالب أبا الهياج، فقال: أستعملك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ: لا تتركن قبرا شاخصا إلا سويته بالأرض.
تفرد به النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، عن إسماعيل، عن جابر) (^١).
قلت: هذا إسناد لا يصح؛ النضر بن إسماعيل ليس بالقوي.
قال المزي: (قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: لم يكن يحفظ الإسناد، روى عن إسماعيل، عن قيس، قال: رأيت أبا بكر أخذ بلسانه، وهو حديث منكر، وإنما هو حديث زيد بن أسلم. وحكى البخاري عن أحمد نحو ذلك.
وقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: قد كتبنا عنه ليس بقوي، يعتبر بحديثه، ولكن ما كان من رقائق، وكان أكثر حديثا من ابن السماك.
وقال عباس الدوري، ويعقوب بن شيبة، عن يحيى بن معين: ليس بشيء.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال مرة: ليس حديثه بشيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن معين: كان ضعيفًا.
وقال الليث بن عبدة المصري، عن يحيى بن معين: كان صدوقًا، وكان لا يدري ما يحدث به. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان إمام مسجد الجامع.
_________________
(١) "العلل" (٢/ ١١٧).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، ضعيف الحديث.
وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف.
وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: تجيء عنه مناكير.
وقال أبو زرعة، والنسائي: ليس بالقوي.
وقال الدارقطني: صالح.
وقال أبو أحمد بن عدي: أرجو أنه لا بأس به) (^١).
وجابرٌ، هو الجعفي (^٢)، متروك.
والشعبي في سماعه من عليٍّ خلافٌ (^٣).
يتبين مما تقدم صحة هذا الحديث بمجموع طرقه، والله تعالى أعلم.
١٨ - وقال أيضًا في باب كيف الصلاة على الميت والشفاعة له: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ويونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، قال: كان مالك بن هبيرة، إذا صلى على جنازة فتقالَّ الناس عليها، جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب".
وفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وميمونة زوج النبي ﷺ.
قال أبو عيسى: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن.
هكذا رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق، وروى إبراهيم بن سعد،
_________________
(١) ينظر: "تهذيب الكمال" (٢٩/ ٣٧٢).
(٢) "تهذيب الكمال" (٤/ ٤٦٥).
(٣) ينظر: "العلل" للدارقطني (٢/ ٥٩).
[ ١ / ٣٨٩ ]
عن محمد بن إسحاق هذا الحديث، وأدخل بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلا، ورواية هؤلاء أصح عندنا) (^١).
قلت: هذا الحديث اختلف فيه على ابن إسحاق كما ذكره أبو عيسى:
فرواه حماد بن زيد كما عند أبي داود (^٢) وغيره، وعبد الله بن نمير كما عند ابن ماجه (^٣) وغيره، ويزيد بن هارون وإسماعيل بن علية كما عند الحاكم (^٤)، وعبد الله بن المبارك ويونس بن بكير عند الترمذي كما تقدم، ومحمد بن أبي عدي كما في "مسند الروياني" (^٥)، وأبو شهاب الحناط كما عند أبي يعلى (^٦)، وعبد الأعلى - وهو ابن عبد الأعلى السامي - كما ذكره أبو نعيم (^٧)، وجرير بن حازم كما عند البيهقي (^٨)؛ كلهم عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن مالك بن هبيرة به.
وقد وقع تصريح محمد بن إسحاق بالتحديث في رواية محمد بن أبي عدي عنه كما عند الروياني وابن عساكر (^٩)، وفي رواية إبراهيم بن سعد كما سوف يأتي.
وخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عنه فزاد رجلًا بين مرثد ومالك بن هبيرة.
أخرجه ابن عساكر (^١٠) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن الحارث بن مالك، عن مالك بن هبيرة موقوفًا عليه.
_________________
(١) (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٢) "السنن" (٣١٦٦).
(٣) "السنن" (١٤٩٠).
(٤) "المستدرك" (١٣٤١).
(٥) (١٥٣٧).
(٦) "المسند" (٦٨٣١).
(٧) "معرفة الصحابة" عقب حديث (٦٠١٣).
(٨) "السنن الكبرى" (٦٩٠٥).
(٩) "تاريخ دمشق" (٥٦/ ٥١٠).
(١٠) "تاريخ دمشق" (٥٦/ ٥١٢).
[ ١ / ٣٩٠ ]
قلت: ولعل الصواب هنا رواية الجماعة؛ لأنهم جماعة، وقد فصلوا الموقوف من المرفوع، فروايتهم فيها زيادة علمٍ، فتُقدم روايتهم على رواية إبراهيم بن سعد.
ثم إن سياق الحديث يقتضي ذلك، ولكنْ عندي تردد في هذا كما سوف يأتي.
قال أبو عيسى - بعد أن ذكر رواية إبراهيم بن سعد -: (ورواية هؤلاء أصح)، وقد ساق قبل ذلك رواية ابن المبارك، ويونس بن بكير، فقوله: (رواية هؤلاء أصح)، هل يعني رواية إبراهيم بن سعد؛ لأنه هو أقرب مذكور، أو يقصد الرواية المتقدمة؛ لأنها هي رواية الأكثر؟ هذا محتمل أيضًا (^١)، ولكن في النفس شيء من ذلك لأنه قال: (رواية هؤلاء)، وهذا يعود إلى رواية الجماعة، لكن قد يؤيد رواية إبراهيم بن سعد أن البخاري قال في ترجمة مالك بن هبيرة: (له صحبة، روى عنه شرحبيل بن شفعة، ومرثد بن عبد الله اليزني، عن الحارث بن مخلد (^٢)، عن مالك بن هبيرة …) (^٣). فالذي يظهر أن البخاري يرى أن مرثد بن عبد الله اليزني لم يَرو عنه مباشرةً، وإنما روى عن الحارث بن مخلد عنه، وهو يشير - فيما يظهر - إلى رواية إبراهيم بن سعد.
_________________
(١) وقد ذكر ابن حجر في "الإصابة" (٩/ ٤٩٧) كلام الترمذي حسبَ فهمه: (تفرّد به إبراهيم بن سعد، ورواية الجماعة أصح).
(٢) كذا وقع عند البخاري، في طبعة المعلمي ﵀، وفي طبعة أخرى غُيّر إلى الحارث بن مالك، والصواب أن ما وقع في الطبعة الأولى صحيح، وأنه نسب إلى جده، فيكون اسمه الحارث بن مالك بن مخلد، والدليل على هذا؛ ما جاء عند ابن الأثير في "أسد الغابة" (٥/ ٥٠)، قال: (ورواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وأدخل بين مرثد ومالك: الحارث بن مالك بن مخلد الأنصاري).
(٣) "التاريخ الكبير" (٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
[ ١ / ٣٩١ ]
وقد سمى أبو نعيم هذا الرجل الذي زاده إبراهيم بن سعد بـ (الحارث بن مالك) (^١)، وكذا ابن منده فيما ذكره ابن حجر (^٢).
ومما يؤيد رواية إبراهيم بن سعد أيضًا: أني لم أقف على تصريح بالتحديث بين مرثد بن عبد الله وبين مالك بن هبيرة في هذا الخبر.
ويقوي هذا أن الأصل في الزيادة إذا كانت من حافظٍ فإنها تقبل، والأمر هكذا هنا، كما أنه لا يخفى اختصاص إبراهيم بن سعد بمحمد بن إسحاق، وأنه قد أكثر عنه جدًّا.
قال البخاري - كما في "تهذيب الكمال" -: (قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه) (^٣).
وفي "العلل ومعرفة الرجال" لأحمد رواية ابنه عبد الله (^٤): (سمعت أبي يذكر عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه قال: نقض محمد بن إسحاق المغازي ثلاث مرات، كل ذلك أشهده وأحضره).
وهذا يدل أيضًا على اختصاصه به.
وأمر آخر أيضًا، وهو ما جاء في "العلل ومعرفة الرجال لأحمد" رواية المروذي وغيره (^٥):
(وقال - يعني الإمام أحمد -: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال …).
_________________
(١) "معرفة الصحابة" (٥/ ٢٤٦٧).
(٢) "الإصابة" (٩/ ٤٩٦).
(٣) (٢/ ٩٢).
(٤) (٣/ ٤٣٦).
(٥) (ص: ٣٨).
[ ١ / ٣٩٢ ]
وفي "سؤالات أبي داود للإمام أحمد" (^١): (سمعت أحمد قال: إبراهيم بن سعد صحيح الحديث عن ابن إسحاق).
فهذا كله مما يرجح رواية إبراهيم بن سعد، والله تعالى أعلم أيهما الراجح.
وأما قول أبي عيسى عن هذا الخبر بأنه "حسن"؛ فلأن إسناده ليس بالقوي، وذلك أن الحارث بن مخلد أو ابن مالك، ليس بمعروف، ولأن الخبر أيضًا وقع فيه اختلاف كما تقدم.
وأما ما وقع فيه التصريح بالتحديث بين ابن إسحاق ويزيد بن أبي حبيب، كما عند الروياني، ففيه بعض النظر.
وله شاهدٌ، أخرجه أبو بكر الشافعي (^٢) - ومن طريقه الذهبي (^٣) -، عن محمد بن غالب ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما صُفَّ صفوف ثلاثة على ميت فيشفعون له، إلا شفعوا فيه".
وأخرجه أيضًا في موضعه السابق (^٤) عن محمد بن يونس، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا شيبان به مثله.
قلت: وهذا الخبر لا يصح، بل هو باطل؛ قال ابن ماجه (^٥): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله، أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي
_________________
(١) (ص: ٢٢٤).
(٢) الغيلانيات" (ص: ٦١٨)، رقم (٨١٩).
(٣) "التذكرة" (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).
(٤) رقم (٨٢٠)، وهو عند ابن أبي شيبة في المصنف (١١٩٧٨).
(٥) "السنن" (١٤٨٨).
[ ١ / ٣٩٣ ]
صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له".
وأخرجه الطحاوي (^١) من طريق عبيد الله به.
وأخرجه أيضًا (^٢) من طريق أبي حمزة السكري عن الأعمش به.
وأخرجه البزار (^٣) من طريق شعبة عن الأعمش به.
فهذا هو اللفظ الصحيح لهذا الخبر.
وفي "علل الدارقطني" أنه سئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: "من صلى عليه مئة من المسلمين غفر له"، فقال: (يرويه الأعمش، واختلف عنه؛
فرواه الحسين بن واقد، وأبو حمزة، وشيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا.
واختلف عن شعبة فرواه عنه عثمان بن عمر موقوفًا، وقال عفان، عن شعبة: رفعه مرة، ووقفه غيره عنه.
وكذلك رواه ابن فضيل عن الأعمش موقوفًا.
ورواه عبد الصمد بن النعمان، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فقال في لفظه: "ما صف قوم صفوفًا ثلاثة على ميت يشفعون له إلا شفعوا فيه" قاله تمتام عن عبد الصمد، وأظنه حدث به تمتام من حفظه، فوهم فيه) (^٤).
_________________
(١) "شرح مشكل الآثار" (٢٧٠).
(٢) "شرح مشكل الآثار" (٢٦٩).
(٣) "المسند" (٩٢١٩)، وقال: (وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ مسندا إلا شعبة).
(٤) (٥/ ٦٦ - ٦٧).
[ ١ / ٣٩٤ ]
قلت: وأحيانًا لا يلتفت أبو عيسى إلى الخلاف إذا ترجح لديه القول الآخر، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في صلاة الخوف: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، أنه قال في صلاة الخوف، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو، وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك، فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين، فهي له ثنتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين.
قال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال لي يحيى: اكتبه إلى جنبه، ولست أحفظ الحديث، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري.
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، لم يرفعه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، هكذا روى أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفا، ورفعه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد.
وروى مالك بن أنس، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف، فذكر نحوه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
_________________
(١) (٢/ ١٨ - ١٩).
[ ١ / ٣٩٥ ]
قلت: هذا الخبر وقفه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم، ولكن رفعه شعبة وهو إمامٌ، وأيّد روايته برواية مالك، فلذا لم يلتفت أبو عيسى إلى من أوقف هذا الخبر.
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في البول يصيب الأرض: (حدثنا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: دخل أعرابيّ المسجد والنبي ﷺ جالس، فصلى، فلما فرغ، قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فالتفت إليه النبي ﷺ، فقال: "لقد تحجرت واسعا"، فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي ﷺ: "أهريقوا عليه سجلا من ماء، أو دلوا من ماء"، ثم قال: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، نحو هذا.
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق.
وقد روى يونس هذا الحديث، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة) (^١).
قلت: هذا الاختلاف على الزهري لا يضر؛ فقد رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواه أيضًا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
_________________
(١) (١/ ٣٧٠).
[ ١ / ٣٩٦ ]
عن أبي هريرة، كما رواه أيضًا عن أبي سلمة عن أبي هريرة بالشطر الأول منه (^١). لذا لم يتوقف أبو عيسى في تصحيح هذا الحديث.
٣ - وقال أيضًا في أبواب التفسير، باب: ومن سورة السجدة: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مطرف بن طريف وعبد الملك وهو ابن أبجر، سمعا الشعبي، يقول: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى رسول الله ﷺ يقول: "إن موسى سأل ربه فقال: أي رب، أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل (^٢)، فيقول: كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ قال: فيقال له: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم، أي رب قد رضيت، فيقال له: فإن لك هذا ومثله ومثله ومثله، فيقول: قد رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك".
هذا حديث حسن صحيح.
وروى بعضهم هذا الحديث عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح) (^٣).
قلت: يلاحظ أن الاختلاف الذي وقع في هذا الحديث لم يمنع أبا عيسى من تصحيحه، فليس كل اختلاف عنده يمنع من تصحيح الخبر.
* * *
_________________
(١) ينظر: "صحيح البخاري" (٦٠١٠)، و"سنن أبي داود" (٨٨٢).
(٢) في بعض الطبعات زيادة: (الجنة).
(٣) (٤/ ٢٠٩).
[ ١ / ٣٩٧ ]
الوجه السادس: أنه في بعض الأحيان لا يحكم على الخبر لوجود الاختلاف، مع أنه قد يكون في الدرجة العليا من الصحة.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قوله ﵀ في باب ما جاء في الاعتكاف: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه.
قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن النبي ﷺ مرسلا.
رواه مالك وغير واحد، عن يحيى بن سعيد (^١) مرسلا، ورواه الأوزاعي وسفيان الثوري، (^٢) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة) (^٣).
قلت: هذا الاختلاف الذي وقع في الحديث لا يضر؛ فقد وصله جمعٌ.
أخرجه البخاري من طريق حماد بن زيد، ومحمد بن فضيل بن غزوان (^٤).
وأخرجه مسلم من طريق أبي معاوية، وابن عيينة، والثوري، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث وابن إسحاق (^٥).
كلهم عن يحيى به موصولًا.
فتبين أن الوصل صحيح.
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (عن عمرة).
(٢) في بعض النسخ زيادة (وغير واحد).
(٣) (٢/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٤) "صحيح البخاري" (٢٠٣٣، ٢٠٤١).
(٥) "صحيح مسلم" (١١٧٢).
[ ١ / ٣٩٨ ]
وأما عدم حكم المصنف عليه فهذا من احتياطه ﵀.
٢ - وقال أيضًا - وهذا أوضح من المثال السابق -: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألّا يحرج أمته.
وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي.
وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا) (^١).
٣ - وقال أيضًا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وفي الباب عن أبي هريرة، والشريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمداء البلوي، وعبد الله بن عمرو.
حديث معاوية هكذا روى الثوري أيضًا، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية، عن النبي ﷺ.
وروى ابن جريج ومعمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
سمعت محمدا يقول: حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ في
_________________
(١) (١/ ٣٩٣).
[ ١ / ٣٩٩ ]
هذا؛ أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد.
هكذا روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"، قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن النبي ﷺ نحو هذا، قال: فرفع القتل، وكانت رخصة.
والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه") (^١).
قلت: قال ﵀ في آخر "الجامع": (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:
حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر.
وحديث النبي ﷺ أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وقد بينّا علة الحديثين جميعا في الكتاب) (^٢).
* * *
_________________
(١) (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩).
(٢) (٥/ ٧).
[ ١ / ٤٠٠ ]
الوجه السابع: أنه في بعض الأحيان مع ترجيحه لأحد الأوجه على غيره، يُعِلُّ الحديث بالاضطراب، وفي أحيان أخرى يعله به مع عدم الترجيح.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال أبو عيسى في باب في الاستنجاء بالحجرين: (حدثنا هناد وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار"، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "إنها ركس".
قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، نحو حديث إسرائيل.
وروى معمر وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.
وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه (^١)، عن عبد الله.
وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله.
وهذا حديث فيه اضطراب.
(^٢) قال أبو عيسى: سألت عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء.
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة (الأسود بن يزيد).
(٢) في بعض النسخ في هذا الموضع (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر …)، وفي ط. التأصيل وردت في آخر الباب كما سيأتي.
[ ١ / ٤٠١ ]
وسألت محمدا عن هذا، فلم يقض فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله، أشبه، ووضعه في كتاب "الجامع".
وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس بن الربيع.
وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم.
قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخرة.
سمعت أحمد بن الحسن، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير، فلا تبال ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق.
وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني.
وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، لم يسمع من أبيه، ولا نعرف اسمه.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا) (^١).
_________________
(١) (١/ ٢٨٥ - ٢٨٧).
[ ١ / ٤٠٢ ]
قلت: والشاهد في هذا أنه حكم على هذا الحديث بالاضطراب مع قوله: إن طريق إسرائيل وقيس هو أصح شيء عنده. وهذا الحديث قد خرجه البخاري (^١)، وقد تكلمت عليه في موضعه من "الجامع".
٢ - وقال أيضًا في باب ما يقال بعد الوضوء: (حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، قال: حديث زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء".
وفي الباب عن أنس، وعقبة بن عامر.
قال أبو عيسى: حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث.
وروى عبد الله بن صالح وغيره، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر.
وعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر.
وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء.
قال محمد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا) (^٢).
قلت: هذا الحديث صحيح، وقد خرّجه الإمام مسلم، وفيه ما ينفي
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٥٦).
(٢) (١/ ٣٠٩ - ٣١٠).
[ ١ / ٤٠٣ ]
عنه الاضطراب، فقال: (حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة - يعني: ابن يزيد -، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر. (ح) وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة" قال فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود! فنظرتُ فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء") (^١).
فتبين من رواية مسلم أن معاوية بن صالح روى هذا الخبر بإسنادين، الأول: عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة بن عامر عن عمر. والثاني قوله: فقال: وحدثني أبو عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر.
قلت: والعمل على الإسناد الأول، فهو إسناد جيد.
وأما الثاني ففيه أبو عثمان وغير متحقق من هو؟ قال ابن عساكر: (أظنه سعيد بن هانئ) (^٢).
وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عند النسائي، قال: (أخبرنا سويد بن نصر بن سويد، قال: أخبرنا عبد الله، عن حيوة بن شريح، قال: أخبرني زهرة بن معبد، أن ابن عمه أخي أبيه لحا أخبره، أن عقبة بن عامر
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢٣٤).
(٢) ينظر: "تحفة الأشراف" (٦/ ٦٠٦)، و"تهذيب الكمال" (٣٤/ ٧٦).
[ ١ / ٤٠٤ ]
الجهني حدثه، قال: قال لي عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع بصره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء") (^١).
قلت: وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، فرجاله كلهم ثقات، سوى ابن عم زهرة الذي لم يسمَّ، فتبين من هذا أن هذا الحديث محفوظ، لذا صحّحه مسلم كما تقدم.
وهذا ما أشار إليه أبو عيسى الترمذي في قوله: (روى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح …)، وهي رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، كما في طريق مسلم. وهي رواية ابن وهب أيضًا عند أبي داود.
وأما رواية معاوية بن صالح التي ذكرها الترمذي، فهي التي فيها اضطراب دون باقي الروايات عن معاوية بن صالح.
فمرةً جاءت عنه، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر، بإسقاط عقبة. أخرجها الترمذي عن جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي.
ومرةً جاءتْ عنه، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، وليس فيها ذكر عمر.
أخرجها أبو داود، قال: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني، أن
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٩٨٣٢).
[ ١ / ٤٠٥ ]
رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنة") (^١).
قلت: يظهر أن أبا داود اقتصر على الشطر الأول من الحديث، ولم يذكر رواية عقبة عن عمر بالشطر الثاني.
ومرة رواه عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عامر به، دون ذكر عمر.
أخرجها النسائي (^٢) عن الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن عقبة بن عامر به.
قلت: وقد تكون هذه الرواية مثل التي قبلها - أي رواية أبي داود - بدون ذكر الشطر الثاني.
وأصح شيء في الباب: ما رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ فذكر مثله، غير أنه قال: "من توضأ فقال: أشهد أن " (^٣). وقول مسلم: (فذكر مثله) يعني: عن عمر.
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور: (حدثنا علي بن حجر وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٩٠٦).
(٢) "السنن الكبرى" (١٤١).
(٣) "صحيح مسلم" (٢٣٤).
[ ١ / ٤٠٦ ]
هذا حديث في إسناده اضطراب (^١).
وقد روي هذا الحديث، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث …
وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه.
حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر ابن زيد الصنعاني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه.
هذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كبير أحد روى عنه غير عبد الرزاق) (^٢).
قال ابن أبي شيبة: (حدثنا وكيع، عن الأعمش، قال: أرى أبا سفيان ذكره عن جابر قال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب والسنور (^٣» (^٤).
وقال النَّسَائِي: (أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور، والكلب إلا كلب صيد.
قال النَّسَائِي: هذا الحديث منكر) (^٥).
قال أبو عوانة: (حدثنا أَبو داود السجزي، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى والربيع بن نافع وعلي بن بحر، قالوا: حدثنا عيسى بن يونس، عن
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (ولا يصح في ثمن السنور).
(٢) (٢/ ٤١١ - ٤١٢).
(٣) كلمة (والسنور) توجد في بعض طبعات "المصنف"، ولا توجد في البعض الآخر.
(٤) "المصنف" (٢٢١٨٣).
(٥) "السنن الكبرى" (٦٢١٩).
[ ١ / ٤٠٧ ]
الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنَّور.
حدثني أَبو جعفر محمد بن هشام بن أبي الدميك، قال: حدثنا أحمد ابن جناب، (ح).
وحدثني أَبو جعفر بن سنان قاضي سكبزر، قال: حدثنا عبد الوهاب ابن نَجْدة، قالا: حدثنا عيسى بن يونس بمثله.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد الجذامي: أن علي بن رباح حدثهم، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يحلُّ ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي ".
رواه مسلم عن سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن أعين، قال: حدثنا معقل، عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك.
ورواه حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور.
قال أَبو عوانة في الأخبار التي فيها نهى عن ثمن السنَّور: فيها نظر، في صحتها وتوهينها) (^١).
وقال العقيلي: (وروى أبو سفيان، عن جابر: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور. حدثناه علي بن عبد العزيز قال: حدثنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر … وهذا إسناد صالح) (^٢).
_________________
(١) "مستخرج أبي عوانة" (١٢/ ٣٣٤).
(٢) "الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٢٠).
[ ١ / ٤٠٨ ]
وقال ابن حبان: (ذكر الزجر عن بيع السنانير، أخبرنا أبو عروبة، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين، قال: حدثنا معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر رسول الله ﷺ عن ذلك). (^١)
وقال الدارقطني: (حدثنا إسماعيل بن يونس، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السنور والكلب.
حدثنا أبو محمد بن صاعد، حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا وهب الله بن راشد أبو زرعة الحجري، حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا خير بن نعيم الحضرمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور وهي الهرة.
حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عباد بن العوام، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ ثمن الكلب والهر إلا الكلب المعلم. الحسن بن أبي جعفر ضعيف.
حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ: أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.
حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا إسحاق بن الجراح بأَذَنَة، حدثنا الهيثم بن جميل، (ح) وحدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد بن برد، حدثنا الهيثم بن جميل، حدثنا حماد بن سلمة،
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (٤٩٧١).
[ ١ / ٤٠٩ ]
عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.
حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد. ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ. هذا أصح من الذي قبله) (^١).
وقال البيهقي: (وأخبرنا أبو بكر بن الحارث، أبنا أبو محمد بن حيان، أبنا أبو يزيد القرشي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد، ثنا أبو الزبير، عن جابر قال: نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد.
فهكذا رواه عبد الواحد، وكذلك رواه سويد بن عمرو، عن حماد، ثم قال: ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ. ورواه عبيد الله بن موسى، عن حماد، بالشك في ذكر النبي ﷺ فيه.
ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد، فقال: نهى رسول الله ﷺ.
ورواه الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، وليس بالقوي.
والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شبِّه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين، والله أعلم) (^٢).
وقال أيضا في باب ما جاء في ثمن السنور: (أخبرنا أبو نصر محمد ابن علي الفقيه، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن محمد،
_________________
(١) "السنن" (٤/ ٤١ - ٤٤).
(٢) "السنن الكبرى" (١١٠١٢).
[ ١ / ٤١٠ ]
وعبد الله بن محمد، قالا: ثنا سلمة بن شبيب، ثنا الحسن بن أعين، ثنا معقل، عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك. رواه مسلم في الصحيح عن سلمة بن شبيب.
أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، ثنا أبو حاتم محمد بن عيسى بن محمد الرازي بالري، أبنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن عمر بن فلد الصنعاني، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وأكل ثمنه. رواه أبو داود في السنن عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق بإسناده، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الهر.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم العدل بمرو، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا عيسى بن يونس، (ح) وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحسن بن الربيع الكوفي، ثنا حفص بن غياث، جميعا عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.
أخرجه أبو داود في "السنن" عن جماعة، عن عيسى بن يونس. وهذا حديث صحيح على شرط مسلم بن الحجاج دون البخاري؛ فإن البخاري لا يحتج برواية أبي الزبير، ولا برواية أبي سفيان، ولعل مسلما إنما لم يخرجه في "الصحيح"؛ لأن وكيع بن الجراح رواه عن الأعمش قال: قال جابر بن عبد الله، فذكره، ثم قال: قال الأعمش: أرى أبا سفيان ذكره، فالأعمش كان يشك في وصل الحديث، فصارت رواية أبي سفيان بذلك ضعيفة.
وقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه، ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوما
[ ١ / ٤١١ ]
بنجاسته، ثم حين صار محكوما بطهارة سؤره حل ثمنه، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة، والله أعلم) (^١).
وقال ابن عبد البر: (وقد روى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، وهذا لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة.
وروى الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ مثله، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.
وحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح؛ لأنها صحيفة، ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة، وكلما أبيح اتخاذه والانتفاع به وفيه منفعة فثمنه جائز في النظر، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له مما لا معارض له فيه، وليس في السنور شيء صحيح، وهو على أصل الإباحة، وباللّه التوفيق) (^٢).
وقال ابن رجب: (ومنهم (^٣) معقل بن عبيد الله الجزري، ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة، ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة.
ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء، ومما أنكر على معقل بهذا الإسناد: حديث الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء، وحديث: "النهي عن ثمن السنور"، وقد خرّجهما مسلم في
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٦/ ١٧ - ١٨).
(٢) "التمهيد" (٨/ ٤٠٢).
(٣) أي، القسم الذين تقدم ذكرهم، وهم: قوم ثقات في أنفسهم، لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف، بخلاف حديثهم عن بقية شيوخهم.
[ ١ / ٤١٢ ]
صحيحه، وكذلك حديث: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده") (^١).
قلت: تبين مما تقدم أن حديث "النهي عن بيع السنور" جاء من طرق، ولكن جميعها لا يخلو من كلام.
أما طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، فقد اختلف عليه كما تقدم، فمنهم من أرسله عنه، ومنهم من وصله، وقد ثبت عن الأعمش أنه كان يشك في ذكره رواية أبي سفيان، وهي أقوى الروايات عنه، لذا أعله أبو عيسى بالاضطراب.
وأما طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فهي خطأ.
وأما طريق معقل بن عبيد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، فقد تكلم فيها الإمام أحمد كما تقدم، وأن هذه الأحاديث التي يرويها إنما هي أحاديث ابن لهيعة عن أبي الزبير.
وأما الطرق الأخرى عن أبي الزبير، فقد اختلف عليه فيها في الرفع والوقف.
وأما رواية عمر بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه، فقد تكلم فيها أبو عيسى فقال: (هذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كثير أحد روى عنه غير عبد الرزاق).
وأما رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير، فقد اختلف عليه فيها بين الرفع والوقف.
_________________
(١) "شرح علل الترمذي" (٢/ ٧٩٣).
[ ١ / ٤١٣ ]
ولأجل هذا اختلف الحفاظ في صحة هذا الخبر، فتقدم أن الإمام مسلما صححه، وكذا ابن حبان، وقوّاه العقيلي.
وضعّفه أبو عيسى الترمذي، وأبو عوانة، وأبو عمر ابن عبد البر، ومال إلى ذلك البيهقي، ولكن هذه الطرق إذا اجتمعت دلّت على أن لهذا الحديث أصلًا؛ لأنها طرقٌ تعدّدت وتباينت مخارجها، مما يدل على قوتها، والله تعالى أعلم.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء: (حدثنا محمد بن موسى الحَرشي (^١) البصري، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، عن همام، عن خلاس نحوه، ولم يذكر فيه عن علي.
قال أبو عيسى: حديث عليّ فيه اضطراب.
وروي هذا الحديث عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها) (^٢).
قلت: هذا الحديث أعلّه بالاضطراب، وذلك لأنَّه مختلف فيه على قتادة، فمنهم من وصله كما في رواية همام، ومنهم من أرسله كما في رواية حماد، وكأن روايته هي الأرجح؛ لأن هشام الدستوائي قد تابعه على الإرسال، وهذا ما ذهب إليه الدارقطني فقال: (والمرسل أصح) (^٣).
_________________
(١) في بعض الطبعات: (الجُرشي).
(٢) (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٣) "علل الدارقطني" (١/ ٣٧٣).
[ ١ / ٤١٤ ]
الوجه الثامن: -أنه يتوقف- أحيانا- في تصحيح الحديث من أجل غرابته، مع أنها في بعض الأحيان غرابة لا تضر - وهذا ليس دائمًا كما سيأتي -، وفي أحيان أخرى يعلل الخبر بها، وفي أحيان كثيرة يصححها إذا استوفت شروطَ قبولِ الخبر الغريب.