اختلف أهل العلم في مقصوده، حتى قيل في ذلك أقوالٌ كثيرة، وسبب هذا الاختلاف: الجمع بين الحسن والصحة في حكم واحد؛ لأن الحسن دون الصحيح فكيف يجمع بينهما؟ ولأن الترمذي -خاصة- عرّف الحسن بما يميزه عن الصحيح.
وغالب هذه الأقوال يأتي إليها الإشكال من جهتين:
الجهة الأولى: ظهور تعاريف للصحيح والحسن أدى للفصل بينهما، وقصر بعضها على معنى دون آخر، مما يتباين مع كثير من إطلاقات الأئمة.
الجهة الثانية: ضعف استقراء أحكام الترمذي في كتابه "الجامع"، وبالتالي لا تنضبط مع تصرفات الترمذي واستعمالاته.
والذي يظهر لي من خلال تتبعي لصنيع الترمذي في الأحاديث التي حكم عليها بحسن صحيح؛ أنه يعني بـ "حسن صحيح": أن هذا الخبر ثابت عنده ومقبول؛ سواء كان بأصح إسناد، أو جمع أدنى شروط القبول، فكلاهما -وما بينهما- يحكم عليه بذلك.
وهذه أنواع من الأمثلة تدل على ما ذهبت إليه:
أولا: أحاديث متفق على صحتها، وأسانيدها في أعلى درجات الصحة؛ كمالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه، وهذا كثير جدا مع ظهوره، ولذا سوف أذكر أمثلة مختلفة بعض الشيء:
[ ٢ / ٨١ ]
قال أبو عيسى: (٤ - حدثنا هنّاد قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمه واسع بن حَبّان، عن ابن عمر قال: رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
هذا حديث حسن صحيح).
قلت: وهذا حديث صحيح جدا، ولذا اتفق الشيخان على صحته (^١).
قال أبو عيسى: (٥ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
هذا حديث حسن صحيح).
قلت: وهذا إسناد صحيح جدا، وهو مشهور عن عبد العزيز بن صهيب، ورواه أبو عيسى قبل ذلك عن قتيبة وهنّاد، عن وكيع، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب به، وقال: (حديث أنس أصح شيء في هذا الباب وأحسن).
وقال أبو عيسى: (١٤ - حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللّه بن أبي قتادة، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه.
وفي الباب عن عائشة، وسلمان، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف.
هذا حديث حسن صحيح).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٤٨) "صحيح مسلم" (٢٦٦) من طريق عبيد الله بن عمر به.
[ ٢ / ٨٢ ]
قلت: وهذا الحديث إسناده صحيح جدا، ورجاله من الثقات المشاهير، ولذا اتفق الشيخان على صحته (^١).
وقال أبو عيسى: (١٥ - حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخِرَاءة، فقال سلمان: أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول، أو أن نستنجي باليمين، أو يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو بعظم.
وفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وجابر، وخلاد بن السائب، عن أبيه.
وحديث سلمان حديث حسن صحيح).
قلت: هذا الحديث صحيح جدا، ورجاله من الثقات المشاهير، وقد خرجه مسلم (^٢).
وقال أبو عيسى: (٧١ - حدثنا هنّاد وقتيبة وأبو كريب، قالوا: حدثنا وكغ، عن الأعمش، قال: سمعت مجاهدا يحدث، عن طاووس، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ مر على قبرين، فقال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة".
وفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وأبي موسى، وعبد الرحمن ابن حَسَنة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وروى منصور هذا الحديث، عن مجاهد، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه: عن طاووس، ورواية الأعمش أصح.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٥٣) "صحيح مسلم" (٢٦٧) من طريق يحيى بن أبي كثير به.
(٢) "صحيح مسلم" (٢٦٢) من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش به.
[ ٢ / ٨٣ ]
وسمعت أبا بكر محمد بن أبان، يقول: سمعت وكيعا، يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور).
قلت: هذا إسناد صحيح جدا، وقد خرجه الشيخان من حديث الأعمش به (^١).
وقد بين أبو عيسى أن رواية الأعمش أصح من واية منصور في هذا الخبر، مع أن منصورا ثقة ثبت، فعلى هذا تكون رواية الأعمش في الدرجة العليا من الصحة.
والأمثلة على هذا كثيرة جدا، أكتفي بما تقدم.
ثانيا: هناك سلاسل هي دون ما سبق في الصحة، حكم عليها جمع من أهل العلم بالحسن، وحكم عليها أبو عيسى بالصحة.
منها: حديث سماك بن حرب، سواء كان ذلك من روايته عن الصحابة؛ كروايته عن جابر بن سمرة، أو عن التابعين كمصعب بن سعد (^٢)، بل حتى في روايته عن عكرمة عن ابن عباس، التي تكلم فيها غير واحد من أهل العلم:
قال أبو عيسى: (٦٦ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول اللّه ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول اللّه، إني كنت جنبا، فقال: "إن الماء لا يجنب".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٦٠٥٢)، "صحيح مسلم" (٢٩٢).
(٢) ينظر أمثلة لما تقدم: (٣٣٦، ٥١٣، ٥٤٠)، (٢٢٦، ١٢٥٥)، (١٥٣١، ٢٩٨٩ - ٢٩٩٠، ٣٢٢٠).
[ ٢ / ٨٤ ]
وقال أبو عيسى: (٣٣٢ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه ﷺ يصلي على الخمرة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح).
وقال أبو عيسى: (٦٩٦ - حدثنا قتيبة، قال: حدثا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوما".
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه) (^١).
ومنها: حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فإنه صحح عدة أحاديث بهذه السلسلة:
قال أبو عيسى: (١٢٨٣ - حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه ﷺ عن بيعتين في بيعة.
حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح).
وقال أبو عيسى: (١٩١٢ - حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، والمجثّمة، والحمار الإنسي.
هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
_________________
(١) وينظر أيضا: (١٣٢٢، ١٥٥٥، ٣٢٢٠).
(٢) وينظر أيضا: (٢٢، ٦٩١، ٢٢٣٢، ٢٤٨٠).
[ ٢ / ٨٥ ]
ثالثا: هناك درجة دون ما سبق أيضا، وهي التي اختلف أهل العلم في قبولها، فقبلها بعض النقاد وردّها آخرون.
منها: حديث عبد اللّه بن محمد بن عقيل:
قال أبو عيسى: (١٢٩ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة ابنة جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول اللّه، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها؛ قد منعتني الصيام والصلاة، قال: "أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم" …
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح).
وقال أبو عيسى: (١١٤٤ - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن جريج، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه، عن النبي ﷺ قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر".
هذا حديث حسن صحيح).
وقال أبو عيسى: (٣٩٥٩ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، أن رسول اللّه ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا، فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك منها موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع تلك اللبنة، وأنا في النبيين موضع تلك اللبنة".
٣٩٦٠ - وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ، قال: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير فخر".
[ ٢ / ٨٦ ]
هذا حديث حسن صحيح غريب).
ومنها: حديث شريك بن عبد الله القاضي:
قال أبو عيسى: (٢٨٦٤ - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، ابن ابنة السدي، قال: حدثنا شريك بن عبد اللّه، عن منصور بن المعتمر، عن رِبْعي ابن حِرَاش، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي يلج النار".
حديث علي بن أبي طالب حديث حسن صحيح).
ومنها: حديث محمد بن إسحاق (^١)، ويزيد بن أبي زياد (^٢)، وعلي بن زيد بن جُدعان (^٣)، فقد صحح لهم بعض الأحاديث دون بعض.
رابعا: وهناك درجة من الإسناد بعض رواتها ليس بالمشهور، وحكم عليها أبو عيسى بالصحة:
قال أبو عيسى: (١١٩٤ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، أنه سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللّه، ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ فقال: "غرة: عبد أو أمة".
هذا حديث حسن صحيح (^٤).
هكذا رواه يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد،
_________________
(١) ومن الأحاديث التي صححها له الترمذي: (٢٣، ١١٦، ١٥٦، ١٨٩).
(٢) ومن الأحاديث التي صححها له الترمذي: (١١٥، ٧٩٠، ٣٨٤٣، ٤١١١، ٤١٢٢ - ٤١٢١).
(٣) ومن الأحاديث التي صححها له الترمذي: (١١٠، ٥٥٣، ١١٨٦).
(٤) في "التحفة" (٣٢٩٥): (صحيح) فقط، وينظر: "العلل الكبير" للترمذي (٢٩٣).
[ ٢ / ٨٧ ]
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
وروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن أبي حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
وحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح ما روى هؤلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه.
وهشام بن عروة يكنى: أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد اللّه، وابن عمر).
قلت: هذه الترجمة ليست بالمشهورة، وأعني (ابن حجاج عن أبيه)، ولعلها لم يرو بها إلا هذا الحديث.
حجاج بن حجاج الأسلمي ليس بالمشهور، وهو مقل، سكت عنه البخاري (^١)، وابن أبي حاتم (^٢)، ووثقه العجلي (^٣) وابن حبان (^٤) - وفق منهجهما في التوثيق -.
وقال أبو عيسى: (١٢٣٤ - حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عبد اللّه بن عمر، عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: "يا عبد الله بن عمر، طلق امرأتك".
هذا حديث حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث ابن أبي ذئب).
قلت: هذا الحديث في إسناده الحارث بن عبد الرحمن، خال ابن أبي
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٧١).
(٢) "الجرح والتعديل" (٣/ ١٥٧).
(٣) "الثقات" (٢٦٥).
(٤) "الثقات" (٤/ ١٥٣).
[ ٢ / ٨٨ ]
ذئب، وهو لي بالمشهور جدا، وقد ذكر ابن سعد (^١) وأبو أحمد الحاكم (^٢) أن محمد بن أبي ذئب تفرد عنه بالرواية.
وهو قليل الحديث، قاله ابن سعد (^٣).
وقال أبو عيسى: (١٢٦١ - حدثنا يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر ابن المفضَّل، عن عبد اللّه بن عثمان بن خُثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: "يا معشر التجار"، فاستجابوا لرسول اللّه ﷺ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من اتقى الله وبر وصدق".
هذا حديث حسن صحيح).
عبد اللّه بن عثمان بن خُثيم مختلف فيه، وإسماعيل بن عبيد ليس بالمشهور.
وقال أبو عيسى: (١٣٧٦ - حدثنا عباس بن محمد الدُّوري، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدثنا إسرائيل، عن زيد بن عطاء بن السائب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول اللّه ﷺ: "غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلا إذا باع، سهلا إذا اشترى، سهلا إذا اقتضى".
هذا حديث غريب حسن صحيح من هذا الوجه) (^٤).
زيد بن عطاء بن السائب ليس بالمشهور، قال أبو حاتم: ليس بالمعروف (^٥). وذكره ابن حبان في "الثقات" (^٦) وفق منهجه.
_________________
(١) "الطبقات الكبير" (٧/ ٤٨٤).
(٢) "تهذيب الكمال" (٥/ ٢٥٦).
(٣) "الطبقات الكبير" (٧/ ٤٨٤).
(٤) "جامع الترمذي" (١٣٧٦).
(٥) "الجرح والتعديل" (٣/ ٥٧٠).
(٦) (٦/ ٣١٦).
[ ٢ / ٨٩ ]
وقد خرجه البخاري في "صحيحه" (^١)، ولكن من وجه آخر، فقال: (حدثنا علي بن عياش، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، قال: حدثني محمد بن المنكدر به. ولفظه: "رحم الله رجلا سهلا إذا باع … ") الحديث.
ولا يقال: إن الترمذي إنما أراد الحكم على أصل الحديث؛ لأنَّه قد قال: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، فإذًا قصده هذا الوجه من الحكم.
وقال أبو عيسى: (١٣٤٣ - حدثنا أبو عمار الحسين بن حُريث الخزاعي، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن صالح بن أبي جبير، عن أبيه، عن رافع بن عمرو قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي ﷺ، فقال: "يا رافع، لمَ ترمي نخلهم؟ " قال: قلت: يا رسول اللّه، الجوع. قال: "لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله وأرواك".
هذا حديث حسن غريب صحيح).
قلت: صالح بن أبي جبير وأبوه، فيهما جهالة.
قلت: والكلام في هذا يطول، والأمثلة كثيرة جدا، وما تقدم فيه البيان الواضح على أن الترمذي يستعمل "حسن صحيح" ويعني به: أن هذا الخبر ثابت عنده؛ سواء كان بأصح إسناد، أو جمع أدنى شروط القبول.
وقد يرد على هذا التقرير بعض الأمثلة، أذكرها وأجيب عنها:
قال أبو عيسى: (٢٧٨٨ - حدثنا محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، قال: حدثنا المفضَّل بن صالح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "اشتكت النار إلى ربها وقالت:
_________________
(١) (٢٠٧٦).
[ ٢ / ٩٠ ]
أكل بعضي بعضا، فجعل لها نَفَسين، نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فأما نفسها في الشتاء فزمهرير، وأما نفسها في الصيف فسموم".
هذا حديث حسن صحيح، قد روي عن أبي هريرة من غير وجه.
والمفضل بن صالح ليس عند أهل الحديث بذلك الحافظ).
فهنا قال: (حسن صحيح)، مع قوله عن المفضَّل: (ليس عند أهل الحديث بذلك الحافظ)، وقال عنه البخاري: (منكر الحديث)؛ فيفهم منه خلاف ما سبق تقريره؛ من أنه يستعمل (حسن صحيح) في الخبر الثابت عنده.
والجواب: أن الشاذ لا حكم له، ولعل الترمذي يقصد أصل الحديث، ولذا قال: (قد روي عن أبي هريرة من غير وجه). واللّه أعلم.
وقال أبو عيسى: (٢٩٠٧ - حدثنا أبو حاتم البصري مسلم بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قال أن: قال لي رسول اللّه ﷺ: "يا بني، إذا دخلت على أهلك فسلم، يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك".
هذا حديث حسن صحيح غريب) (^١).
قال أبو عيسى: (علي بن زيد صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، سمعت محمد بن بشار، يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد وكان رفاعا) (^٢).
قلت: لم يصرح أبو عيسى بتضعيف علي بن زيد تصريحا بينا، وإنما أشار إلى ضعفه، وقد تقدم أن أبا عيسى يقتصد في ألفاظ الجرح.
_________________
(١) وينظر: "جامع الترمذي" (٥٩٦، ٢٨٨٦)، "تحفة الأشراف" (٨٦٥).
(٢) "جامع الترمذي" (٢٨٨٦).
[ ٢ / ٩١ ]
وتصحيحه لهذا الحديث قد يحمل على ما تقدم تقريره: أن الخبر الثابت عنده ولو بأدنى درجات القبول يقول عنه: حسن صحيح، وهو الذي يقال عنه عند غيره: إسناده صالح، لا بأس به، فتصحيحه لهذا الحديث من هذا الباب.
ومثله شريك بن عبد اللّه القاضي، فقد تكلم فيه وقال: (وشريك كثير الغلط) (^١)، ومع ذلك صحح له عدة أحاديث (^٢).
والجواب عن ذلك:
أنه عندما صحح له يكون مما استقام من حديثه وحفظه، وعندما تكلم فيه يكون مما أخطأ فيه.
وأحيانا قد يتوقف فيه فلا يصحح حديثه، كما أنه لا ينص على ضعفه، وإنما يكتفي بتحسينه.
* * *
_________________
(١) (١/ ٣٠٤).
(٢) ينظر: (١٠٨، ٥٢٧، ٢٦٦٤).
[ ٢ / ٩٢ ]