اعلم علمك الله تعالى أن نسخ "جامع الترمذي" متفقة فيما بينها، ومتطابقة في مادتها وأحكامها، وأما الاختلاف الواقع بينها فهو يسير جدا (^١)، وأغلبه في أمرين:
الأول: اختلاف في أحكام الترمذي على الأحاديث، أو شيء من كلامه عليها.
والثاني: انفراد بعض النسخ بزيادة بعض الأحاديث، أو الرواة والكلمات، وأحيانا يكون الاختلاف في مسمى الباب، أو ذكره وعدم ذكره.
أما الأول - وهو الغالب في الاختلاف -: فهناك أحاديث وقع اختلاف بين النسخ في حكمه عليها، فمثلا: هل صححه أو اقتصر على تحسينه؟ أو: هل استغربه فقط، أو قال: حسن غريب؟
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ: "اصنعوا لأهل جعفر طعاما؛ فإنه قد جاءهم ما يشغلهم".
هذا حديث حسن).
_________________
(١) وهكذا الأمر في سائر مصادر السنة الأخرى.
[ ١ / ١٣١ ]
قلت: هكذا وقع في طبعة بشار (^١)، و"تحفة الأشراف" (^٢)، وكذلك حكم عليه البغوي (^٣).
ووقع في طبعة الرسالة (^٤)، وطبعة التأصيل (^٥)، و"تحفة الأحوذي" (^٦): (حسن صحيح)، وهو موافق لما نقله المنذري في "مختصر السنن" (^٧).
٢ - وقال أيضًا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا قران بن تمام، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن علي ابن ربيعة الأسدي، قال: مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة بن شعبة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال النوح في الإسلام؟ أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه عذب ما نيح عليه".
حديث المغيرة حديث حسن صحيح).
قلت: هكذا وقع في طبعة بشار (^٨)، ووقع في طبعة الرسالة (^٩) وطبعة التأصيل (^١٠): (غريب حسن صحيح)، وهكذا في "تحفة الأحوذي" (^١١) ونسخة دار الكتب العلمية (^١٢)، وأما "تحفة الأشراف" ففيها: (حسن صحيح) (^١٣).
٣ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو صفوان، عن أسامة ابن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله ﷺ على
_________________
(١) (٩٩٨).
(٢) (٥٢١٧).
(٣) "شرح السنة" (١٥٥٢).
(٤) (١٠١٩).
(٥) "الجامع" (١٠٢٢).
(٦) (٤/ ٥٣).
(٧) (٢/ ٣٧٤).
(٨) (١٠٠٠).
(٩) (١٠٢١).
(١٠) (١٠٢٤).
(١١) (٤/ ٥٦).
(١٢) (١٠٠٠).
(١٣) (١١٥٢٠).
[ ١ / ١٣٢ ]
حمزة يوم أحد، فوقف عليه فرآه قد مثل به، فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها".
حديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه).
قلت: هكذا في طبعة بشار (^١) و"تحفة الأشراف" (^٢)، وكذا نقله المنذري في "مختصر السنن" (^٣)، وأما في الرسالة (^٤) والتأصيل (^٥) و"تحفة الأحوذي" (^٦): (حسن غريب).
والأمثلة على هذا كثيرة، وقد ورد في هذا "المدخل" شيء منها في مواضع متفرقة.
وأما الثاني - وهو انفراد بعض النسخ بزيادة بعض الأحاديث، أو الرواة والكلمات، ونحو ذلك - فمن أمثلته:
١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: أخبرنا عمرٍو بن عون، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "لِيَنْظُر أحدكم ما الذي يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته".
هذا حديث حسن) (^٧).
قلت: الصواب أنه عن أبي هريرة، وأن ذكره قد سقط من الإسناد؛ بدليل أن كل من رواه سوى الترمذي رواه بذكره، وقد وقفت على ثمانية من الرواة كلهم رواه عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة.
_________________
(١) (١٠١٦).
(٢) (١٤٧٧).
(٣) (٢/ ٣٧٥).
(٤) (١٠٣٧).
(٥) "الجامع" (١٠٤٠).
(٦) (٤/ ٧٣).
(٧) "الجامع" (٣٩٤٧).
[ ١ / ١٣٣ ]
فقد أخرجه أحمد (^١)، وأبو داود الطيالسي (^٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (^٣)، وأبو يعلى (^٤)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (^٥)، والبيهقي في "الشعب" (^٦)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (^٧)، وابن عدي في "الكامل" (^٨)، من طريق أبي عوانة.
والذي يظهر أن هذا السقط قديم؛ بدليل أن المزي ذكر هذا الخبر عن الترمذي مرسلا، وكذا ذكره في قسم المراسيل من "التحفة" (^٩).
وهكذا المباركفوري في "الشرح"، قال: مرسل (^١٠).
ومما يؤكد ما تقدم أن الترمذي لو رواه مرسلا لقال: مرسل، كعادته.
ويؤيده أيضًا أنه وقع في نسخة (س) - من النسخ التي اعتمدت في طبعة الرسالة - مسندا بذكر أبي هريرة.
٢ - وقال أيضًا: (حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: توفي عبد الرحمن ابن أبي بكر بالحُبْشِي قال: فحمل إلى مكة، فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت:
وكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
_________________
(١) "المسند" (٨٦٨٩).
(٢) "المسند" (٢٤٦٢).
(٣) (٧٩٤).
(٤) "المسند" (٥٩٢٥، ٥٩٢٥).
(٥) (١٥١).
(٦) (٦٨٩٠).
(٧) (٧٦٨).
(٨) (١١٢٩٥).
(٩) (١٩٥٧٧).
(١٠) "تحفة الأحوذي" (١٠/ ٧٣).
[ ١ / ١٣٤ ]
ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك) (^١).
قلت: هذا الحديث لم نجده في "تحفة الأشراف"، فهل سقط من بعض نسخ "التحفة" أو من الطابِع غفلة، أم أن المزي لم يقف عليه في النسخ التي بين يديه، أو وقف عليه ولكن سها عنه؟
ومن أمثلة زيادة باب في إحدى النسخ:
وقع في طبعة أحمد شاكر: (باب ما ذكر في مسح النبي ﷺ بعد نزول المائدة (^٢).
حدثنا قتيبة، حدثنا خالد بن زياد، عن مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب، قال: رأيت جرير بن عبد الله توضأ ومسح على خفيه، قال: فقلت له في ذلك، فقال: رأيت النبي ﷺ توضأ فمسح على خفيه، فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ قال: ما أسلمت إلا بعد المائدة (^٣).
حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا نعيم بن ميسرة النحوي، عن خالد بن زياد نحوه (^٤).
_________________
(١) "الجامع" (١٠٨٤).
(٢) قال أحمد شاكر: (هذا الباب كله رقم (٤٣١) زيادة من "ع" ولم يذكر في سائر النسخ).
(٣) قال أحمد شاكر: (تقدم هذا الحديث بهذا الإسناد (رقم ٩٤ ج ١ ص ١٥٦، ١٥٧) وبينّا هناك أنه إسناد صحيح).
(٤) قال أحمد شاكرة (هذا الإسناد الثاني لم يتقدم مع الأول، ويظهر أنهما في نسخ قليلة من "السنن"، ولذلك لم يشر إليهما العلامة عبد الغني النابلسي في "ذخائر المواريث"، حين ذكر حديث جرير هذا (رقم ١٦٤٣ من "الذخائر" ج ١ ص ١٨١) ونسبه للترمذي عن هناد، وهو الحديث (٩٣) من الترمذي، ولم يذكر غيره).
[ ١ / ١٣٥ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب) (^١).
وقال بشار عواد معروف: (أضاف العلامة أحمد شاكر، بعد هذا بابا من نسخة السندي، ساق فيه طريقين لحديث جرير بن عبد الله، في المسح على الخفين، احتلا الرقمين (٦١١ و٦١٢)، وقد تقدم هذا الحديث برقم (٩٤)، وصرح العلامة بأن هذا الباب لم يرد في شيء من النسخ، وهو كذلك، فالصواب حذفه، لأن الترمذي لم يذكره في هذا الموضع، ولا أشار إلى ذلك أحد ممن نقل عنه).
قلت: أسلوب هذا الباب يشبه أسلوب الترمذي، ولم يتقدم هذا الباب بهذا المسمى، وإنما الذي تقدم (باب في المسح على الخفين) وذكر فيه هذا الحديث بالإسناد الأول فقط، ولكنه قدم المتن وأخر الإسناد، ثم قال: وروى بقية عن إبراهيم بن أدهم عن مقاتل بن حيان عن شهر بن حوشب عن جرير.
ثم قال: وهذا حديث مفسر … الخ.
والخلاصة أنه لم يتقدم هذا الباب بأكمله، وإنما الذي تقدم بعض ما ذكر هنا، وهذا مما يقوي أنه من صنيع الترمذي، خاصة أنه ذكرها ضمن أبواب كأن فيها استدراكا لأبواب لم يذكرها في الطهارة والصلاة وكان من المناسب أن تذكر فيهما.
قال أحمد شاكر في التعليق على باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل - رقم (٤٢٥) -: (هذا الباب والأبواب بعده إلى آخر الباب رقم (٤٣٢) كلها في الطهارة، ذكرها الترمذي في أواخر الصلاة كما ترى،
_________________
(١) "الجامع" - طبعة أحمد شاكر - (٦١١، ٦١٢). وينظر: حاشية ط التأصيل (٢/ ٣٩).
[ ١ / ١٣٦ ]
والظاهر أنه نسي أن يذكرها في موضعها، ولم يرد أن يخلي كتابه منها، فكتبها أو أملاها هنا).
وكونه لم يأت في أكثر النسخ لا يعني عدم صحة هذه الزيادة، وأيضا كون المزي في "تهذيب الكمال" عندما ترجم لنعيم بن ميسرة النحوي لم يذكر من ضمن شيوخه خالد بن زياد، وذلك لأنه لم يقف على هذه الزيادة أصلا، والدليل على ذلك أنه لم يذكرها في تحفة الأشراف.
٣ - مثال آخر: قال الترمذي في (باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور): (حدثنا أبو بكر محمد بن زنجويه البغدادي، وغير واحد قالوا: حدثنا الحسين بن محمد قال: حدثنا سليمان بن قرم، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء").
قلت: حديث جابر ﵁، لم يثبت في ط التأصيل (١/ ٢٧٦)، وهو مثبت في بقية الطبعات: أحمد شاكر، وبشار، وعصام هادي، والرسالة (^١).
وقال محققو ط التأصيل: (بعده - أي بعد قول الترمذي: وفي الباب عن جابر وأبي سعيد - في حاشيتي الأصل، (س) بخط مغاير فيهما: "حدثنا أبو بكر بن محمد بن زنجويه ) فذكروا الحديث ثم قالوا: (وقال في حاشية الأصل: "ليس في رواية الشيخ"، ونسبه في حاشية الآخر لنسخة، وقال المزي في "تحفة الأشراف" (٢٥٧٦): "ليس في السماع، ولم يذكره أبو القاسم"، والحديث ثابت في (ف ٦/ ٢)، وفي (ف ١/ ٢)، ووقع في (خ/ ١) بعد قوله: "من قبل حفظه"، ورقم على أوله "لا"، وعلى آخره "إلى"، والحديث وإن كان في (ف ٦) وهي من رواية السنجي، عن المحبوبي، إلا أنها لم يتابعها على إثباته نسخة أخرى من رواية المحبوبي،
_________________
(١) الحديث رقم (٤).
[ ١ / ١٣٧ ]
لذا وضعناه في الحاشية، لا سيما وقد قال العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ١٤٧): "هو عند الترمذي، لكن ليس داخلا في الرواية"، ولم يرد عند ابن الأثير في كتابه "جامع الأصول"، ولا عند ابن العربي في "عارضة الأحوذي"، ولا عند المباركفوري في "تحفة الأحوذي".
أما في الرسالة فقال محققوه قولا قريبا مما سبق بعد أن أثبتوا الحديث قالوا:
(تنبيه: هذا الحديث اختلفت النسخ في إيراده وحذفه، فقد ورد في نسخة (س) و(ل)، ونسخة في هامش (د)، وجاء في نسخة (ب) على هامشها دون تصحيح أو إشارة إلى نسخة أخرى، واستدركه الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" ٢/ ٢٦٤ على الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وقال: ليس في السماع، ولم يذكره أبو القاسم. ونسبه الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ١/ ٢١٦ إلى الترمذي، وقال العراقي في "تخريج الإحياء" ١/ ١٤٧: هو عند الترمذي، ولكن ليس داخلا في الرواية.
ولم يرد هذا الحديث في نسخة (ب) وهي نسخة مقروءة عليها سماعات، وكذا لم يرد عند ابن الأثير في كتابه "جامع الأصول"، ولا عند ابن العربي في "عارضة الأحوذي"، ولا عند المباركفوري في "تحفة الأحوذي").
وقال أحمد شاكر بعد أن أثبت الحديث: (الزيادة من (ع) ويؤيد صحتها أن الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص ٨٠) نسبه إلى الترمذي).
وذكر بشار عواد أنه مثبت في بعض النسخ دون بعض، وذكر قول المزي، وعزو الحافظ ابن حجر الحديث للترمذي.
والأمثلة على ذلك كثيرة.
* * *
[ ١ / ١٣٨ ]