أبو عيسى الترمذي من أئمة الإسلام الكبار، وكتابه "الجامع" من دواوين الإسلام المعروفة، بل من الكتب الستة المشهورة، وكان ﵀ على عقيدة الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة من أئمة المسلمين، وهي عقيدة أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، وليعلم أن عقيدتهم تعرف من طريقين:
١ - من خلال نصوصهم وتبويباتهم التي وضعوها في ثنايا كتبهم على الأحاديث المتعلقة بالاعتقاد، كقول النسائي في كتابه السنن: (كتاب النعوت)، وأحيانا ينكرون على من خالف ظاهر هذه النصوص، ويردون عليه مقالته كما قال أبو داود: (باب في الرد على الجهمية).
٢ - من خلال إيرادهم لهذه الأحاديث وترتيبها وجمع النظير إلى ما يماثله، وبذلك يتبين معتقدهم فيها، ومقصودهم من ذكرها، قال ابن القيم: (مسلم بن الحجاج يعرف قوله في السنة من سياق الأحاديث التي ذكرها ولم يتأولها، ولم يذكر لها تراجم كما فعل البخاري … الخ) (^١).
وأما ما يتعلق ببيان عقيدة أبي عيسى الترمذي فأقول وبالله تعالى التوفيق: إن ذلك يعرف من جهتين -إجمالًا وتفصيلًا-:
الجهة الأولى: جهة الإجمال، ويعرف ذلك من خلال الأمور الآتية:
_________________
(١) "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية" (١/ ٣٦٧).
[ ١ / ١٧٧ ]
١ - بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد قرر أبو عيسى ذلك في كتابه تقريرا ظاهرا بينا، بل ونص على انتسابه إليهم وذلك في ثنايا الأبواب، فقال في بيان مذهب أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن أتى من بعدهم من علماء المسلمين في صفات الله ﷿: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث (^١) وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويُؤْمَن بها، ولا يُتوهم، ولا يُقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) (^٢).
وقال في موضع آخر -بعد أن ذكر حديثا فيه رؤية الله ﷿، ثم ذكر أن مذهب أهل العلم في ذلك الإيمان بالرؤية وغيرها من صفات الله ﷿ -ثم قال: (وهذا الذي اختاره أهل الحديث) (^٣)، وسوف يأتي كلامه بتمامه في موضعه.
٢ - ذكرُ العلماء له ضمن أهل السنة، ومنهم أبو القاسم اللالكائي، فقد قال: (باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأئمة إلى أن قال: ومن أهل خراسان: … أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي) (^٤).
_________________
(١) يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁: "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ".
(٢) "الجامع" (٢/ ٧٠).
(٣) "الجامع" (٣/ ٤٨٣).
(٤) "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (١/ ٣١ - ٥٣).
[ ١ / ١٧٨ ]
وذكره الذهبي أيضًا ضمن الأئمة الذين ذكر أقوالهم في كتابه "العلو" (^١).
٣ - كتابه "الجامع"، فإنه يشهد بذلك أيضًا، فكل أحاديث الكتاب وتبويباته بيان للوحي الذي أنزله الله على رسوله، وما أوجبه على عباده، فسائر أبواب الشريعة مذكورة في هذا الكتاب، لذا قال ﵀: (من كان هذا الكتاب -يعني: "الجامع"- في بيته، فكأنما في بيته نبي يتكلم) (^٢).
لذا كان يقول أيضًا في مفتتح كل كتاب: (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ) (^٣)، (أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ) (^٤)، (أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ) (^٥) وهلم جرّا.
بل سمى كتابه: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) (^٦).
الجهة الثانية: جهة التفصيل:
فأقول وبالله تعالى التوفيق: إن أبا عيسى شرح ذلك وبينه في كتابه بيانا واضحًا، وسوف أذكر بعض ذلك:
فقد روى في كتابه حديث عمر المسمى بحديث جبريل (^٧)، وفيه بيان مراتب الدين، بذكر أركان الإسلام والإيمان والإحسان.
قال القاضي عياض: (هذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع
_________________
(١) (ص: ١٩٧).
(٢) "التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد" (ص: ٢٤٧)، "فضائل سنن الترمذي" (ص: ٣٢)، "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٧٤).
(٣) "الجامع" (١/ ٢٧٣).
(٤) "الجامع" (١/ ٣٧١).
(٥) "الجامع" (٢/ ٤٣).
(٦) ينظر: "فهرسة ابن خير" (ص: ١٥٦).
(٧) "الجامع" (٢٨٠٧).
[ ١ / ١٧٩ ]
وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعةٌ إليه، ومتشعبة منه … إذ لا يشذ شيء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاث) (^١).
وقال أبو العباس القرطبي في شرح هذا الحديث: (وقوله: "أتاكم يعلمكم دينكم" أي: قواعد دينكم أو كليات ديتكم، قال القاضي: …) ونقل كلامه السابق، ثم قال: (فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم الكتاب؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن) (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب: (وهو حديث عظيم جدا، يشتمل على شرح الدين كله، ولهذا قال النبي ﷺ في آخره: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كله دينا) (^٣).
* * *
ثم فصل أبو عيسى ذلك في كتابه، موضحًا هذه المراتب الثلاث:
فأما ما يتعلق بالمرتبة الأولى، وهي مرتبة الإسلام، فذكر حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وواشاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" (^٤)، وفيه بيان الدرجة الأولى من درجات الدين وهي الإسلام، وتضمن ذكر أركانه الخمسة.
_________________
(١) "إكمال المعلم" (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٢) "المفهم" (١/ ١٥٢).
(٣) "جامع العلوم والحكم" (ص: ٥٣).
(٤) "الجامع" (٢٨٠٥).
[ ١ / ١٨٠ ]
وعقد أبوابًا فيها تفصيل هذه الأركان الخمسة، فذكر ما يتعلق بالشهادتين في ثنايا الكتاب، وليست مجموعة في أبواب معينة، بل كل ما في الكتاب هو شرح لها، لأن جميع الدين يعود إليها، وسوف يأتي بيان شيء من ذلك في الدرجة الثانية. وأما الركن الثاني وهو الصلاة فافتتح كتابه بالحديث عنها وأركانها وشروطها، لذا ابتدأ بالطهارة وما يتعلق بها، ثم الصلاة وصفتها وأنواعها، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج (^١)، وأطال النفس في ذلك (^٢).
* * *
وأما المرتبة الثانية، وهي مرتبة الإيمان، وأركانه ستة:
فأما الركن الأول وهو الإيمان بالله ﷿، فقد عقد أبو عيسى كتابا لذلك ضمن "جامعه"، فقال: (أبواب الإيمان عن رسول الله ﷺ) (^٣).
وما في هذا الكتاب من أحاديث وآثار هو بيان للإيمان بالله، فكان الباب الأول من أبواب الإيمان: (باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس يقولوا لا إله إلا الله)، ثم ذكر حديث أبي هريرة: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (^٤).
_________________
(١) سبقت الإشارة إلى مواضع أبوأب الطهارة والصلاة والزكاة، وأما الصيام فهو في (٢/ ٨١)، والحج في (٢/ ١٤٩).
(٢) مع ملاحظة أنه أَخَّر أبواب الجنائز فجعلها بعد الحج؛ لأن فيها أحكاما لا تتعلق بالصلاة فقط، بل فيها ما يتعلق بالمرض وما فيه من أحكام، من عيادة المريض، والنهي عن تمني الموت … ونحو ذلك.
(٣) "الجامع" (٣/ ٥٠٧).
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ١٨١ ]
ثم ذكر في الباب الثاني: (باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة)، ثم ذكر حديث أنس -وهو تأكيد للأول وتفسير له-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" (^١).
وفي الباب الثالث: (باب ما جاء بني الإسلام على خمس) (^٢)، وذكر حديث ابن عمر الذي فيه ذكر الأركان الخمسة، الذي تقدم ذكره، وفيه أيضًا أن من تركها أو بعضها فإنه يقاتل على ذلك (^٣)؛ لأن الإسلام مبني عليها، وقد جاء النص على ذلك صريحا كما في حديث أبي هريرة السابق، ففيه: (إلا بحقها) ومن حقها الزكاة كما في الصلاة، لذا قال أبو بكر ﵁: (والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه) (^٤)، وكذلك في حديث أنس السابق فإن فيه: أن من امتنع من أكل ذبائح المسلمين فإنه يقاتل.
ثم ذكر بابا في بيان صفة الإيمان والإسلام (باب ما وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام) فذكر حديث عمر المسمى بحديث جبريل (^٥).
ثم عقد بابا في أن الأعمال من الإيمان، فقال: (باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان) (^٦).
ثم عقد بابا في (استكمال الإيمان والزيادة والنقصان)، وذكر ما يدل
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٠٨).
(٢) "الجامع" (٣/ ٥٠٨).
(٣) هذا إذا كانوا أهل شوكة.
(٤) "الجامع" (٢٨٠٣).
(٥) "الجامع" (٣/ ٥٠٩).
(٦) "الجامع" (٣/ ٥١١).
[ ١ / ١٨٢ ]
على ذلك من الأحاديث، ومنها حديث أبي هريرة في بيان شعب الإيمان (^١).
ثم عقد أبوابا أخرى كثيرة تتعلق بهذا الأمر العظيم، وهي:
(باب ما جاء "الحياء من الإيمان")، (باب ما جاء في حرمة الصلاة)، (باب ما جاء في ترك الصلاة)، (باب "لا يزني الزاني وهو مؤمن")، (باب ما جاء "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده")، (باب ما جاء "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا")، (باب في علامة المنافق)، (باب ما جاء "سباب المؤمن فسوق")، (باب فيمن رمى أخاه بكفر)، (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله)، (باب افتراق هذه الأمة) (^٢).
* * *
ومن الإيمان بالله تعالى: الإيمان بربوبيته ﷿ وأسمائه وصفاته، ونعوت كماله، وقد اعتنى أبو عيسى ببيان ذلك في عدة مواضع من كتابه، ومن ذلك:
١ - قوله: (باب في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة) (^٣).
وهذا فيه إثبات هذه الصفة العظيمة وهي نزوله ﷿ إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة.
٢ - وقوله: (باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن) (^٤).
٣ - وقوله أيضًا: (باب ما جاء في رحمة الناس) (^٥).
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥١٢ - ٥١٤).
(٢) "أبواب الإيمان" (٣/ ٥١٤ - ٥٢٨).
(٣) "الجامع" (١/ ٥٣٧).
(٤) "الجامع" (٣/ ٢٦٠).
(٥) "الجامع" (٣/ ١٥١).
[ ١ / ١٨٣ ]
وفي هذا الإشارة إلى أنها غير رحمة الله التي هي صفة من صفاته، لذا ذكر حديث جرير وفيه: "من لم يرحم الناس لا يرحمه". وذكر أيضًا حديث عبد الله بن عمرو: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
في هذه الأحاديث رحمتان: رحمة تتعلق بالله، ورحمة تتعلق بالناس، وأن من رحم الناس فإن الله يرحمه.
٤ - وقال أيضًا: (وقد روي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا، ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذكر القَدَم وما أشبه هذه الأشياء.
والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل لسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء، وقالوا: تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث، أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت ونؤمن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) (^١).
٥ - وقال أيضًا في موضع آخر: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟
هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٤٨٣).
[ ١ / ١٨٤ ]
العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه.
وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد هاهنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه.
وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله ﵎ في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) (^١).
* * *
كما أنه بين في مواضع من "جامعه" أن العبادة حق لله وحده لا شريك له، وهذا يكون بإخلاص العبادة له ﷿، فذكر حديث: "إنما الأعمال بالنية" وبوب عليه: (باب ما جاء من يقاتل رياء وللدنيا) (^٢).
وعقد بابا أيضًا فقال: (باب ما جاء في الرياء والسمعة)، وذكر تحته أحاديث في ذلك (^٣).
ثم عقد بعد ذلك بابين آخرين في بيان هذا الأمر (^٤)، فذكر في الأول
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٧٠ - ٧١).
(٢) "الجامع" (٣/ ١٨).
(٣) "الجامع" (٣/ ٣٨٨).
(٤) "الجامع" (٣/ ٣٩٠ - ٣٩١) تحت عنوان (باب) لكل منهما.
[ ١ / ١٨٥ ]
منهما: وعيد القراء المراؤون باعمالهم، وذكر في الثاني: حديث من أسر عمله، ثم علم هذا العمل فأعجبه ذلك، ثم قال: (وقد فسر بعض أهل العلم هذا الحديث: إذا اطُّلع عليه فأعجبه إنما معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير؛ لقول النبي ﷺ: "أنتم شهداء الله في الأرض"، فيعجبه ثناء الناس عليه لهذا، لما يرجو بثناء الناس عليه، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ويكرم ويعظم على ذلك فهذا رياء.
وقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله فيكون له مثل أجورهم، فهذا له مذهب أيضًا).
ثم أشار إلى هذا في موضع آخر أيضًا فقال: (باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر)، وذكر حديث أبي كبشة الأنماري، وفيه: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء … " (^١).
ثم ذكر (باب ما جاء في هَمِّ الدنيا وحبها) (^٢)، وذكر حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل"، وذكر حديثين آخرين، وهذا فيه أن الواجب على العبد التعلق بالله وإفراده بذلك.
وذكر أيضًا إحسان العبد الظن بربه ﷿، فقال: (باب في حسن الظن بالله) (^٣)، وذكر حديث أبي هريرة: "أنا عند ظن عبدي بي … " الحديث.
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٣٦١ - ٣٦٢).
(٢) "الجامع" (٣/ ٣٦٢).
(٣) "الجامع" (٣/ ٣٩٣).
[ ١ / ١٨٦ ]
وذكر في أواخر أبواب الإيمان: (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله) (^١)، فذكر حديث عبادة بن الصامت: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار"، وهذا فيه إشارة إلى الموت على التوحيد.
وذكر أيضًا أن الحلف لا يكون إلا بالله، لذا بوب: (باب في كراهية الحلف بغير الله) وذكر حديث ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ عمر وهو يقول: وأبي، وأبي، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، فقال عمر: (فوالله ما حلفت به بعد ذلك ذاكرًا ولا آثرًا) (^٢).
وعقد أيضًا أبوابا تتعلق بالولاء والبراء، فقال: (باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين) (^٣)، وقال أيضًا: (باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (^٤).
* * *
وأما الركن الثاني، وهو الإيمان بالملائكة:
فذكر ﵀ أبوابًا كثيرة تتعلق بالملائكة، منها ما يتعلق بأصل وجودهم، ومنها ما يتعلق بصفاتهم وأعمالهم، وبعض الأحكام الخاصة بهم.
فأما ما يتعلق بالأمر الأول، وهو أصل وجودهم: فقد تقدم حديث عمر في مراتب الدين، وفيه: "وأن تومن بالله وملائكته".
وقال أيضًا: (باب سورة الملائكة) (^٥)، وهذا أيضًا يتعلق بالإيمان بهم.
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٢٥).
(٢) "الجامع" (٢/ ٥٦١).
(٣) "الجامع" (٢/ ٦٠١).
(٤) "الجامع" (٢/ ٦٠٢).
(٥) "الجامع" (٤/ ٢٢٥)، وسورة الملائكة هي: سورة فاطر.
[ ١ / ١٨٧ ]
وهذا الأمر أكثر من أن يحصى في "جامعه"، وما سوف يأتي مما يتعلق بصفاتهم وأعمالهم يدخلى في ذلك أيضًا.
أما ما يتعلق بصفاتهم الخلقية:
فقد ذكر أبو عيسى عدة أحاديث متعلقة بذلك، ومنها:
١ - فذكر حديث جابر، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: " … ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية" (^١).
٢ - وفي (باب ما وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام) ذكر حديث عمر في مراتب الدين، وفيه: كنا عند رسول الله ﷺ، فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي ﷺ فألزق ركبته بركبته وقال ﷺ في آخر الحديث: "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم" (^٢).
٣ - وفي (باب من سورة الأنعام) ذكر حديث مسروق، قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم الفرية على الله: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، أليس يقول الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] قالت: أنا أول من سأل عن هذا رسول الله ﷺ قال: "إنما ذاك جبريل، ما رأيته في الصورة التي خلق فيها كير هاتين المرتين،
_________________
(١) "الجامع" (٣٩٩٧).
(٢) "الجامع" (٢٨٠٧).
[ ١ / ١٨٨ ]
رأيته منهبطًا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" … الحديث (^١).
٤ - وفي (باب ما جاء في فتنة الدجال) (^٢) ذكر حديث النواس بن سمعان ﵁، وفيه: " … فبينما هو كذلك إذ هبط عيسى ابن مريم بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء بين مَهْرُودَتَين واضعا يديه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، قال: ولا يجد ريح نفسه -يعني: أحدًا- إلا مات، وربح نفسه منتهى بصره" (^٣).
وأما ما يتعلق بأعمالهم:
١ - فقد قال: (باب ما جاء إن لله ملائكة سياحين في الأرض) (^٤) وذكر فيه حديث أبي صالح عن أبي هريرة -أو عن أبي سعيد الخدري-، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض فُضْلًا عن كُتَّاب الناس، فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى بغيتكم … ".
٢ - وفي باب: (باب ما جاء في فضل التأمين) (^٥) ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملاثكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
٣ - وفي باب: (باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة) (^٦) ذكر حديث أبي هريرة، وفيه: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
_________________
(١) "الجامع" (٣٣٤٠).
(٢) "الجامع" (٣/ ٣١٤).
(٣) "الجامع" (٢٤٠٥).
(٤) هذا الباب لا يوجد في طبعة التأصيل (٤/ ٤٢٨)، وهو ثابت في بعض الطبعات الأخرى.
(٥) "الجامع" (١/ ٤٣١).
(٦) "الجامع" (١/ ٥٦٩).
[ ١ / ١٨٩ ]
٤ - وفي (باب ما جاء في التعوذ للمريض) (^١) ذكر حديث أبي سعيد: أن جبريل أتى النبي ﷺ، فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: "نعم"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، وعين حاسدة، باسم الله أرقيك، والله يشفيك.
٥ - وفي (باب ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له عنده) (^٢) ذكر حديث أم سلمة قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: "إذا حضرتم المريض -أو الميت- فقولوا خيرا، فإن الملائكة يومنون على ما تقولون … ") الحديث.
٦ - وفي (باب ما جاء في إشارة الرجل على أخيه بالسلاح) (^٣) ذكر حديث أبي هريرة: "من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة".
وأما الأحكام المتعلقة بهم، فمن ذلك:
١ - قوله: (باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ولا كلب) (^٤)، ذكر فيه حديث ابن عباس عن أبي طلحة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل"، وذكر كذلك حديث أبي هريرة: "إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تمائيل، وكان في البيت كلب … ".
٢ - وفي (باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمار) (^٥) ذكر حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله،
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٢٣٤).
(٢) "الجامع" (٢/ ٢٣٧).
(٣) "الجامع" (٣/ ٢٧٢).
(٤) "الجامع" (٣/ ٦٠٣).
(٥) "الجامع" (٤/ ٣٦٠).
[ ١ / ١٩٠ ]
فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا".
وأما ذكر أسمائهم، فمن ذلك:
١ - أنه ذكر عدة أحاديث فيها ذكر جبريل ﵇، وقد سبق بعضها (^١).
٢ - وفي (باب ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل) (^٢) ذكر حديث أبي سلمة قال: سألت عائشة، بأي شيء كان النبي ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته، فقال: "اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك على صراط مستقيم".
قلت: وهذا فيه ذكر ثلاثة من الملائكة باسمائهم، وهم من أكابرهم.
٣ - وفي (باب ما جاء في عذاب القبر) (^٣) ذكر حديث عبد الرحمن ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قبر الميت، -أو قال: أحدكم-، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، ولآخر: النكير … ". الحديث.
قلت: الأخبار التي فيها تسمية الملكين بمنكر ونكير لا تخلو من كلام، وفيها حديثان:
الأول: حديث أبي هريرة هذا، وفيه عبدالرحمن بن إسحاق، وهو المدني، وفيه بعض الكلام.
_________________
(١) "الجامع" (١٥٠، ٨٤٧، ٢٠٦٨، ٢٧٥٠، ٢٨٤٨، ٢٩٠١، …).
(٢) "الجامع" (٤/ ٣٣٩).
(٣) "الجامع" (٢/ ٢٨٦).
[ ١ / ١٩١ ]
وأما الثاني: فاخرجه الطبري (^١)، والبيهقي (^٢) من طريق عيسى بن المسيب، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، وعيسى ضعيف (^٣).
* * *
وأما الركن الثالث، وهو الإيمان بالكتب:
فقد تقدم حديث جبريل في الإيمان بالكتب على وجه الإجمال، وأما على وجه التفصيل:
١ - فأما ما يتعلق بالقرآن العظيم: فقد عقد أبوابًا كثيرة تتضمن ذلك، فقال: (أبواب فضائل القرآن عن رسول الله ﷺ) (^٤)، ثم قال: (أبواب القراءات عن رسول الله ﷺ) (^٥)، ثم قال: (أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ) (^٦)، وقد أطال النفس في ذلك.
ولا يخفى أن الإيمان بالقرآن يتضمن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ قبله؛ لأنها قد ذكرت فيه، وقد جاء أيضًا في أثناء الكتاب ضمن الأحاديث التي أوردها ذكر هذه الكتب، ومن ذلك:
٢ - في (باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب) (^٧) ذكر حديث أبي هريرة، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بن كسب: "تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؟ " قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: "كيف تفرأ في الصلاة؟ " قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده
_________________
(١) "تهذيب الآثار" مسند عمر (٧٢٣).
(٢) "شعب الإيمان" (٣٩٠، ٣٩١).
(٣) وينظر: "إثبات عذاب القبر" للبيهقي (١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١١٦، ٢٢٩).
(٤) "الجامع " (٤/ ١٥).
(٥) "الجامع" (٤/ ٤٣).
(٦) "الجامع" (٤/ ٥٦).
(٧) "الجامع" (٤/ ١٥).
[ ١ / ١٩٢ ]
ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته".
٣ - وفي (باب ما جاء في ذهاب العلم) (^١) ذكر حديث أبي الدرداء، قال: كنا مع النبيّ ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: "هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء"، فقال زياد ابن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: "ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟! ".
* * *
وأما الركن الرابع، وهو الإيمان بالرسل:
وقد تقدم في حديث جبريل ذكر الإيمان بالرسل إجمالًا، وأما تفصيلًا:
أ- فأما الإيمان برسولنا محمد ﷺ، فكتاب "الجامع" كله من لوازم الإيمان به، وبما جاء عنه، لذا كان ينص في الأبواب التي يعقدها على ذلك -كما سبق-، كقوله في أول الكتاب: (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ)، وفي الصلاة: (أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ)، وهلم جرا.
وذكر في أبواب المناقب ما يتعلق: بنبوة رسول الله ﷺ وما أيده الله به من آيات، وما يتعلق بصفته ﵊، وكيفية نزول الوحي عليه، وما يتعلق بخاتم النبوة (^٢).
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٣٢).
(٢) "الجامع" (٤/ ٤٤٥ - ٤٥٩).
[ ١ / ١٩٣ ]
وقد عقد أبوابا (في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ) (^١)، وبابا في (ما نهي عنه أن يقال عند حديث رسول الله ﷺ) (^٢)، وبابا (في الأخذ بالسنة واجتناب البدع) (^٣)، وبابا آخر (في الانتهاء عما نهى عه رسول الله ﷺ) (^٤).
٢ - وأما بالنسبة للأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والسلام فلا يخفى أن الإيمان به ﷺ يلزم منه الإيمان بهم، وقد ذكر بعضهم في أثناء الأحاديث التي أوردها كأحاديث الإسراء والمعراج.
* * *
وأما الركن الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر:
فقد تقدم أيضًا في حديث جبريل على وجه الإجمال، وأما على وجه التفصيل: فإنه قد عقد أبوابا كثيرة تتعلق بذلك:
١ - منها ما يتعلق بأشراط الساعة (^٥)، ومن جملة الأبواب التي بوب بها في كتاب الفتن: (باب ما جاء في قول النبي ﷺ: "بعثت أنا والساعة كهاتين" يعني: السبابة والوسطى) (^٦)، و(باب ما جاء في المهدي) (^٧)، (باب ما جاء في نزول عيسى بن مريم) (^٨)، و(باب ما جاء في الدجال)، وذكر أبوابًا أخرى تتعلق بصفته وغير ذلك (^٩).
٢ - ثم بعد ذلك ما يتعلق بقيام الساعة، والحساب (^١٠)،
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٣٦).
(٢) "الجامع" (٣/ ٥٣٨).
(٣) "الجامع" (٣/ ٥٤٤).
(٤) "الجامع" (٣/ ٥٤٧).
(٥) "الجامع" (٣/ ٢٩٧).
(٦) "الجامع" (٣/ ٣٠١).
(٧) "الجامع" (٣/ ٣٠٩).
(٨) "الجامع" (٣/ ٣١٠).
(٩) "الجامع" (٣/ ٣١١ - ٣٢٠).
(١٠) "الجامع" (٣/ ٤٠٦).
[ ١ / ١٩٤ ]
والحشر (^١)، والعرض (^٢)، والنفخ في الصور (^٣)، ثم الصراط (^٤)، والشفاعة (^٥)، والحوض (^٦).
٣ - وقد ذكر في أبواب الجنائز ما يتعلق بالموت والقبر من نعيم وعذاب (^٧)، وذكر أبوابًا أخرى كثيرة.
٤ - وقد بين أبو عيسى في كتابه "الجامع" ما يتعلق بصفة الجنة، وصفة النار، كما جاء في الكتاب والسنة، وساف الأحاديث الكثيرة المتعلقة بذلك (^٨).
٥ - وفي باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار (^٩)، ذكر حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتبع كل إنسان ما كانوا يعبدون، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، ونعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم وبثبتهم، ثم يتوارى ثم يطلع فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم". قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: "وهل تضارون في رؤية
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٤١١).
(٢) "الجامع" (٣/ ٤١٢).
(٣) "الجامع" (٣/ ٤١٥).
(٤) "الجامع" (٣/ ٤١٦).
(٥) "الجامع " (٣/ ٤١٦).
(٦) "الجامع" (٣/ ٤٢١).
(٧) "الجامع" (٢/ ٢٨٦).
(٨) ينظر: "الجامع" أبواب صفة الجنة (٣/ ٤٦٢)، وأبواب صفة النار (٣/ ٤٩٠).
(٩) "الجامع" (٣/ ٤٨١).
[ ١ / ١٩٥ ]
القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا، يا رسول الله، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى ثم يطلع فيعرفهم نفسه .. ") الحديث.
قلت: هذا يدل على ما أجمع عليه أهل السنة من كون الجنة والنار باقيتين ولا تفنيان، نعم جاء عن بعض السلف أن النار تفنى، ولكن الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة هو بقاؤها، وإنما التي تفنى نار عصاة الموحدين، وأما نار الكفار فالمشهور عند أهل السنة والجماعة بقاؤها.
وفيه أيضًا مسألة الرؤية، وسبق ذكر كلام أبي عيسى في بيان مذهب أهل العلم فيها.
٦ - ومن الأبواب المتعلقة بالجنة والنار التي ذكرها أبو عيسى: (باب ما جاء في احتجاج الجنة والنار) (^١)، ثم ذكر حديث أبي هريرة في ذلك، وقال: حسن صحيح.
فتبويبه المتقدم يدل على أن هذا الخبر على ظاهره، وأن الجنة والنار قد تحاجّتا حقيقة، وليس مجازًا.
* * *
وأما الركن السادس، وهو الإيمان القدر:
فقد سبق أيضًا في حديث جبريل ذكر الإيمان بالقدر إجمالا، وقد أورد الترمذي سبب تحديث ابن عمر بهذا الحديث، فقال: (حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي، قال: أخبرنا وكيع، عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: أول من تكلم في القدر
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٤٨٤).
[ ١ / ١٩٦ ]
معبد الجهني، قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حتى أتينا المدينة، فقلنا: لو لقينا رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فسألناه عما أحدث هؤلاء القوم، قال: فلقيناه -يعني عبد الله بن عمر-، وهو خارج من المسجد قال: فاكتنفته (^١) أنا وصاحبي، قال: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن قوما يقرءون القرآن ويتقفرون (^٢) العلم، ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف (^٣)، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء، والذي يحلف به عبد الله، لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، قال: ثم أنشأ يحدث فقال: قال عمر بن الخطاب: كنا عند رسول الله ﷺ، فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى أتى النبي ﷺ فألزق ركبته بركبته ثم قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، … ") الحديث (^٤).
وأما من جهة التفصيل، فقد عقد كتابًا خاصًا بالقدر، وذكر فيه أبوابا كثيرة تتعلق به، منها:
١ - (باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره) (^٥).، ثم ذكر أبوابًا أخرى تتعلق بإثبات قدر الله السابق.
_________________
(١) أي: أحطنا به من جانبيه. "النهاية" (٤/ ٢٠٥).
(٢) أي: يتطلبونه. "النهاية" (٤/ ٩٠).
(٣) أي: مستأنف استئنافًا من غير أن يكون سبق به سابق قضاء وتقدير، وإنما هو مقصور على اختيارك ودخولك فيه. "النهاية" (١/ ٧٥).
(٤) "الجامع" (٢٨٠٧).
(٥) "الجامع" (٣/ ٢٦٣).
[ ١ / ١٩٧ ]
٢ - ثم بوب بابًا في الرد على من أنكر ذلك، فقال: (باب ما جاء في القدرية) (^١)، أي: في ذمهم.
٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في الرضا بالقضاء) (^٢).
* * *
وأما المرتبة الثالثة: وهي مرتبة الإحسان، وهي أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا معناه مراقبة الله ﷿، وأن الله ﷿ ناظر إليه ومطلع عليه، وعلى ما في قلبه، وسره وجهره، ولا يخفى أن بعض الأبواب التي تقدمت تدل على ذلك، ويدل عليه أيضًا ويدعو العبد إلى التحقق به الأبواب التي تتعلق بشأن يوم القيامة، من الحساب والحشر والعرض، وما يتعلق بالجنة وصفتها وجهنم، والأبواب التي عقدت في بيان شدة عذابها، ومن ذلك بعض الأبواب التي عقدها في الزهد، ومنها: (باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس) (^٣)، (باب ما جاء من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) (^٤)، و(باب ما جاء في قصر الأمل) (^٥)، و(باب في التوكل على الله) (^٦)، و(باب عمل السر) (^٧)، (باب في حسن الظن بالله) (^٨)، وغير ذلك من الأبواب المتعلقة بالزهد.
ويدخل في ذلك أيضًا بعض الأبواب التي عقدها في الدعوات، من
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٢٦٥).
(٢) "الجامع" (٣/ ٢٦٧).
(٣) هذا الباب لا يوجد في طبعتي التأصيل، وهو موجود في بعض الطبعات الأخرى (٢٣٠٥).
(٤) "الجامع" (٣/ ٣٥٤).
(٥) "الجامع" (٣/ ٣٦٥).
(٦) هذا الباب لا يوجد في طبعة التأصيل، وهو في بعض الطبعات الأخرى (٢٤٩٨).
(٧) هذا الباب لا يوجد في طبعة التأصيل، وهو فى بعض الطبعات الأخرى (٢٣٨٤).
(٨) "الجامع" (٣/ ٣٩٣).
[ ١ / ١٩٨ ]
الإكثار من ذكر الله في جميع أوقاته، والإكثار من دعائه (^١).
* * *
وذكر أبو عيسى في كتابه أيضًا مسائل أخرى تتعلق بالاعتقاد، وهي راجعة إلى ما سبق، لكن اعتنى العلماء بإفرادها لأهميتها، والحاجة إليها، ومن ذلك:
المسألة الأولى: ما يتعلق بفضل الصحابة ﵃.
ذكر في أبواب المناقب فضائل الصحابة ﵃ مبتدئًا بأبي بكر الصديق (^٢)، ثم عمر (^٣)، ثم عثمان (^٤)، ثم عليّ (^٥)، ثم بقية العشرة (^٦)، ثم آل بيته ﵊ (^٧)، ثم بقية الصحابة، ثم بعد ذلك عقد بابًا فيمن سبهم فقال: (باب فيمن يسب أصحاب النبي ﷺ) (^٨)، وهذا فيه تحذير لمن يتكلم عليهم أو يطعن فيهم، ثم بعد ذلك عقد أبوابًا تتعلق بفضائل زوجاته ﷺ، فابتدأ بذكر خديجة، ثم عائشة، ثم بقية زوجاته (^٩)، وهذا الترتيب فيه دلالة -والله أعلم- على أنه يرى أن خديجة أفضل من عائشة ثم عائشة ثم بقية زوجاته، ولا يخفى أن أهل العلم اختلفوا في المفاضلة بين خديجة وعائشة (^١٠).
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٣١٤ - ٣١٨).
(٢) "الجامع" (٤/ ٤٦٣).
(٣) "الجامع" (٤/ ٤٧٥).
(٤) "الجامع" (٤/ ٤٨٣).
(٥) "الجامع" (٤/ ٤٩١).
(٦) "الجامع" (٤/ ٥٠٣ - ٥١٢).
(٧) "الجامع" (٤/ ٥٢٤).
(٨) "الجامع" (٤/ ٥٥٦).
(٩) كذا في سائر الطبعات عدا ط. التأصيل، فوقع فيها تقديم فضل عائشة على فضل خديجة ﵄ "الجامع" (٤/ ٥٦٢ - ٥٧٠).
(١٠) ينظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٤/ ٣٩٣) وما بعدها، "منهاج السنة النبوية" (٤/ ٣٠١) وما بعدها، "فتح الباري" (٧/ ١٠٩، ١٣٩).
[ ١ / ١٩٩ ]
والمسألة الثانية: ما يتعلق بطاعة ولاة الأمور:
فقد عقد في "الجامع": (باب ما جاء في الإمام) (^١) وذكر فيه حديث ابن عمر ﵁: "ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، ومسئول عن رعيته … ".
وبعده: (باب ما جاء في طاعة الإمام) (^٢)، وذكر فيه حديث أم الحصين الأحمسية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع، وعليه برد قد التفع به من تحت إبطه، قالت: فأنا أنظر إلى عضلة عضده ترتج، سمعته يقول: "يا أيها الناس اتقوا الله، وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له، وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله".
وبعده: (باب ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (^٣)، وذكر فيه حديث ابن عمر ﵄: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يومر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة".
والمسألة الثالثة: لزوم جماعة المسلمين، واتباع السنة والحذر من البدع:
فقد عقد: (باب ما جاء في لزوم الجماعة) (^٤)، وذكر فيه حديث ابن عمر ﵄ وفيه: " … عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
وعقد (باب فيمن دعا إلى هدى فاتبع) (^٥)، وذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه، لا ينقص
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٤٦).
(٢) "الجامع" (٣/ ٤٧).
(٣) "الجامع" (٣/ ٤٧).
(٤) "الجامع" (٣/ ٢٧٤).
(٥) "الجامع" (٣/ ٥٤٣).
[ ١ / ٢٠٠ ]
ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". وذكر كذلك حديث جرير بمعناه.
و(باب الأخذ بالسنة واجتناب البدع) (^١)، وذكر فيه حديث العرباض بن سارية، وفيه: " … وإلاكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ". وذكر أحاديث أخر.
و(باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله ﷺ) (^٢)، وذكر فيه حديث أبي هريرة: "اتركوني ما تركتكم، فإذا حدثتكم فخذوا عني، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم".
والمسألة الرابعة: حكم مرتكب الكبيرة:
قال أبو عيسى في (باب ما من قتل نفسه بسم أو غيره): (حدثنا أحمد ابن منيع، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة -أراه رفعه- قال: "من قتل نفسه بحديدة جاء يوم القيامة وحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا أبدًا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا أبدًا".
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا".
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٤٤).
(٢) "الجامع" (٣/ ٥٤٧).
[ ١ / ٢٠١ ]
حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحو حديث شعبة، عن الأعمش.
هذا حديث صحيح، وهو أصح من الحديث الأول.
هكذا روي هذا الحديث (^١)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
وروى محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من قتل نفسه بسم عذّب في نار جهنم" ولم يذكر فيه: "خالدًا مخلدًا فيها أبدًا".
وهكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وهذا أصح؛ لأن الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار، ثم يخرجون منها ولا يذكر أنهم يخلدون فيها) (^٢).
قلت: وهذا هو مذهب الصحابة وسلف هذه الأمة خلافا للخوارج الذين يُكفِّرون بذلك.
وقد بوّب أبو عيسى في كتاب الفتن: (باب ما جاء في صفة المارقة) (^٣)، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود: "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، ثم قال أبو عيسى: (إنما هم الخوارج الحرورية وغيرهم من الخوارج).
_________________
(١) في بعض النسخ: (هكذا روى غير واحد هذا الحديث).
(٢) "الجامع" (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٧).
(٣) "الجامع" (٣/ ٢٨٩).
[ ١ / ٢٠٢ ]
ومما يؤيد ما تقدم ما رواه مسلم (^١) من حديث أبي الزبير، عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي، أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ - قال: حصن كان لدوس في الجاهلية -فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا (^٢) المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص (^٣) له، فقطع بها براجمه (^٤)، فشخبت (^٥) يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ، فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم وليديه فاغفر".
قال الترمذي: (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله) (^٦)، ثم ذكر حديث الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، أنه قال: دخلت عليه وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلا، لمَ تبكي؟ فوالله لئن استشهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثًا
_________________
(١) "الصحيح" (١١٦).
(٢) أي: أصابهم الجوى، وهو: المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها. "النهاية" (١/ ٣١٨).
(٣) الْمِشْقَص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. "النهاية" (٢/ ٤٩٠).
(٤) هي: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة برجمة بالضم. "النهاية" (١/ ١١٣).
(٥) الشخب: السيلان. "النهاية" (٢/ ٤٥٠).
(٦) "الجامع" (٣/ ٥٢٥).
[ ١ / ٢٠٣ ]
واحدا، وسأحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار".
وفي الباب عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن خالد).
قلت: فيما بوب به المصنف، وما ذكره وأشار إليه من نصوص في هذا الباب، ردٌّ على الخوارج وغيرهم ممن يقول بتخليد عصاة المسلمين في النار، ويحكمون بكفرهم، لذا قال: (ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة، وإن عذبوا بالنار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار.
وقد روي عن ابن مسعود، وأبي ذر، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس، عن النبي ﷺ قال: "سيخرج قوم من النار من أهل التوحيد ويدخلون الجنّة".
وهكذا روي عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وغير واحد من التابعين في تفسير هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] قالوا: إذا أخرج أهل التوحيد من النار وأدخلوا الجنة يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين).
ثم أيد هذا بحديث صاحب البطاقة (^١).
لذا عندما ذكر حديث: "لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن"، بين معنى هذا الحديث، فذكر عن أبي جعفر محمد بن علي المعروف بالصادق أنه قال في هذا: (خروج من الإيمان إلى الإسلام).
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٢٥ - ٥٢٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]
ثم ذكر ما يؤيد هذا من السنة، ثم ختم هذا الباب بقوله: (وهذا قول أهل العلم لا نعلم أحدا كفر أحدا بالزنا والسرقة أو بشرب الخمر) (^١).
وقال في موضع آخر: (باب ما جاء أن للنار نفسين، وما ذكر من يخرج من النار من أهل التوحيد) (^٢).
* * *
مسألة: بيان الترمذي لحديث: (اليوم أنساك كما نسيتني):
قال ﵀: (ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب.
وكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه اليوم نتركهم في العذاب) (^٣).
قلت: وما فسر به أبو عيسى هو الذي جاء عن سلف هذه الأمة:
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]: (نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (نتركهم، كما تركوا لقاء يومهم هذا).
وقال مجاهد: (نتركهم في النار).
وقال السدي: (نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا) (^٤).
مسألة أخرى: ذكر أبو عيسى ﵀ حديث بريدة، وفيه: أن النبي ﷺ قال لبلال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥١٨ - ٥١٩).
(٢) "الجامع" (٣/ ٥٠٠).
(٣) "الجامع" (٣/ ٤١٤).
(٤) "تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٢٤).
[ ١ / ٢٠٥ ]
خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي … " الحديث.
ثم قال: (ومعنى هذا الحديث: أني دخلت البارحة الجنة، يعني: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الحديث) (^١).
* * *
وخلاصة ما تقدم:
١ - التزامه بظاهر النص وعدم تأويله، وإخراجه عن ظاهره.
٢ - التزامه بما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن أتى من بعدهم من الأئمة المهديين في مسائل الدين.
٣ - رده على من خالف طريق الصحابة والتابعين من الخوارج والجهمية وغيرهم من المبتدعين.
* * *
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨). وأخرج البخاري (٣٦٧٩) واللفظ له، ومسلم (٢٤٥٧) من حديث جابر ﵁: "رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال … "، وقال الحافظ في "فتح الباري" (٣/ ٣٥): (وقد وقع في حديث بريدة المذكور: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ "، وهذا ظاهر في كونه رآه داخل الجنة، ويؤيد كونه وقع في المنام ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعًا: "رأيتني دخلت الجنة فسمت خشفة فقيل: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية فقيل: هذا لعمر" الحديث، وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقيل: هذا لعمر … " الحديث، فعرف أن ذلك وقع في المنام، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولذلك جزم النبي ﷺ له بذلك ومشيه بين يدي النبي ﷺ كان من عادته في اليقظة فاتفق مثله في المنام).
[ ١ / ٢٠٦ ]
ذكر بعض أقواله التي فيها نظر أو تحتاج إلى توجيه:
هناك مسائل ذكرها أبو عيسى في ثنايا كتابه بعضها فيه نظر، وبعضها يحتاج إلى توجيه، وهي:
المسألة الأولى: تأويله لأحاديث الوعيد، ومن ذلك:
١ - قوله عقب حديث سعد بن عبيدة، أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك": (وتفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن قوله: "فقد كفر أو أشرك" على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، وحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله".
وهذا مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الرياء شرك"، وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآية، قال: لا يرائي) (^١).
٢ - وقال في التعليق على حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد": (وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ) (^٢).
٣ - وقال في التعليق على حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لقد هممت أن آمر فِتيتي أن يجمعوا حزم الحطب، ثم آمر بالصلاة فتقام، ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة": (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له.
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٥٦٢).
(٢) "الجامع" (١/ ٣٦١).
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد، ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر.
قال مجاهد: وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، لا يشهد جمعة ولا جماعة، فقال: هو في النار، حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد.
ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافا بحقها، وتهاونا بها) (^١).
٤ - وقال في التعليق على حديث كل من أنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا … ": (قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي ﷺ: "ليس منا" ليس من سنتنا، يقول: ليس من أدبنا، وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: كان سفيان الثوري ينكر هذا التفسير: ليس منا: ليس مثلنا) (^٢).
قلت: ذهب بعض السلف إلى عدم تأويل أحاديث الوعيد حتى تكون أبلغ في الزجر، وهذا أقرب إلى اتباع النص وتعظيمه، لذا نقل أبو عيسى عن سفيان الثوري أنه كان ينكر ذلك، وكذلك غيره من السلف، كانوا يقولون: (أمِرُّوها كما جاءت) (^٣).
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٤١٢).
(٢) "الجامع" (٣/ ١٥١).
(٣) قال أبو العباس ابن تيمية - كما في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٦٧٤) -: (وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن: سفيان، وأحمد بن حنبل ﵃، وجماعة كثيرة من العلماء)، وقال في موضع آخر (١٣/ ٢٩٥): (وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: "من غشنا فليس منا"، وأحاديث الفضائل، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر).
[ ١ / ٢٠٨ ]
وذهب جمع من أهل العلم وخاصة المتأخرين إلى تأويلها، وأن ظاهرها ليس مقصودا، وأبو عيسى ممن يسلك هذا المذهب في الغالب.
والمسلك الأول هو الأرجح لما تقدم، مع ملاحظة أن السلف لا يقولون بأن من وقع في شيء مما ورد فيه الوعيد بذلك أنه وقع في الكفر الأكبر كما هو منهج الخوارج، وهو المنهج الثالث في أحاديث الوعيد وهو منهج فاسد، مخالف للكتاب والسنة.
أخرج ابن عدي بإسناده إلى الأصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال له: يا أبا عمرو، الله يخلف وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو: فقد قال: ﴿اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وذكر عمرو غير هذه الآية، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد، ثم أنشد أبو عمرو:
وإني إن أوعدته أو وعدته … سأخلف إيعادي وأنجز موعدي (^١).
وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية: (وذهب الأكثرون من الفقهاء -وهو قول عامة السلف- إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من العمل والوعيد؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد، كما يثبتون بها العمل، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة، وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم.
وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة، وبالأدلة القطعية أخرى؛ فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد، بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب، كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العملية.
_________________
(١) "الكامل" (٧/ ٥٨٨) (١١٦٤٣)، ومن طريقه البيهقي في "البعث والنشور" (٤٤)، و"شعب الإيمان" (٢٩٤)، وينظر: "تاريخ دمشق" (٦٧/ ١١٢).
[ ١ / ٢٠٩ ]
ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا وأوعد فاعله بالعقوبة المجملة، واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة، من حيث إن كلا منهما إخبارٌ عن الله تعالى، فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل، فكذلك الإخبار عنه بالثاني، بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب، ما لا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك.
فإن كان ذلك الوعيد حقا، كان الإنسان قد نجا، وإن لم يكن الوعيد حقا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك الوعيد لم يضرّ الإنسانَ -إذا ترك ذلك الفعل- خطؤه في اعتقاده زيادة العقوبة، لأنه إن اعتقد نقص العقوبة فقد يخطئ أيضًا، وكذلك إن لم يعتقد في تلك الزيادة نفيًا ولا إثباتًا فقد يخطئ أيضًا.
وهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده فيقع فيه، فيستحق العقوبة الزائدة إن كانت ثابتة، أو يقوم به سبب استحقاق ذلك) (^١).
* * *
المسألة الثانية: قال ﵀ في باب ما جاء في علامة المنافق - بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: "آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"، وحديث عبد الله بن عمرو: "أربع من كنّ فيه كان منافقا، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر" -: (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق
_________________
(١) "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" (ص: ٢٠٨ - ٢١٠).
[ ١ / ٢١٠ ]
التكذيب على عهد رسول الله ﷺ، هكذا روي عن الحسن البصري، شيء من هذا [أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب]) (^١).
قلت: نفاق العمل على قسمين، منه ما هو كفر، ومنه ما هو دون ذلك، والدليل على هذا: قوله ﷺ: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا … " أخرجه البخاري ومسلم (^٢)، فدل هذا على أن من اجتمعت فيه هذه الأربع كان منافقًا خالص النفاق، وهذا يدل على الكفر الأكبر، ويؤيد هذا ما جاء في حديث أبي هريرة - في أحد ألفاظه عند مسلم (^٣) -: "آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم". فدل هذا على أن من اجتمعت فيه هذه الأمور الثلاث ليس بمسلم، وإن صام وصلى.
والمقصود أن يكون ديدنه ومنهجه ذلك، فيكون الغالب عليه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وليس أن يقع منه في بعض الأحيان، وقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على ذلك، فقد ذكر الله ﷿ عن المنافقين أنهم يصلون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]
وعن العلاء بن عبدالرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة، حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه، قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٢١ - ٥٢٢)، وما بين المعقوفين غير موجود في ط. التأصيل، وهو موجود في طبعات عديدة (٢٨٢١).
(٢) "صحيح البخاري" (٣٤)، "صحيح مسلم" (٥٨)، ورواية الترمذي ليس فيها: (خالصا).
(٣) "الصحيح" (٥٩)، وأما الترمذي فليس فيه هذه الزيادة.
[ ١ / ٢١١ ]
العصر، فقمنا، فصلينا، فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (^١).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ له (^٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) (^٣).
كما ذكر الله ﷿ عنهم أنهم يحضرون مواطن الجهاد لكن لا يفعلون ذلك إلا قليلا، قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] إلى أن قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٢٢).
(٢) "صحيح البخاري" (٦٥٧)، "صحيح مسلم" (٦٥١).
(٣) أخرجه مسلم (٦٥٤).
[ ١ / ٢١٢ ]
ثم بين الله ﷿ أن المؤمنين بخلاف ذلك، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
فالمؤمنون يذكرون الله كثيرا، ويحضرون البأس، ومواطن القتال، ويبذلون أنفسهم في سبيل الله نصرة لدينه.
وهذا قد قرره العلامة ابن القيم من قبل، فقال: (ونفاق العمل كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"، وفي الصحيح أيضًا: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان".
فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا) (^١).
وقال العلامة عبدالرحمن المعلمي في تعليقه على "الموضح" (^٢): (وأما أهل السنة فمعنى الحديث عندهم أن من كان فيه خصلة من تلك الخصال يكون ذلك علامة على ضعف إيمانه، فإذا كان فيه خصلتان كان ذلك علامة على شدة ضعف إيمانه، فإذا اجتمعت كلها دل ذلك على عدم إيمانه، والعياذ بالله).
وقال أيضًا: (المراد مَنْ غلبت عليه هذه الخصالُ أضدادَها فهو منافق؛
_________________
(١) "الصلاة وأحكام تاركها" (ص: ٦٠).
(٢) (١/ ٣١ - ٣٢).
[ ١ / ٢١٣ ]
لأنه يبعد أن يُحمل الحديث على ظاهره مِنْ عموم هذه الخصال الأربع وانتفاء أضدادها قطعًا، فلم يبقَ إلا أن نحمله على أقرب شيءٍ إلى المحضيّة، وذلك الغلبة.
فنحن نعتقد أنّ هذه الخصال لا تغلب إلا على منافق خالصِ النفاق الشرعي الذي هو خلاف الإيمان) (^١).
وما جاء عن عطاء والحسن البصري خلاف ذلك ففي الإسناد إليهما نظر.
قال الحافظ ابن رجب: (وهذا الحديث (^٢) قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ، فإنهم حدثوا النبي ﷺ فكذبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه، وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء، وأنه قال: حدثني به جابر، عن النبي ﷺ، وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه.
وهذا كذب، والمحرم هذا شيخ كذاب معروف بالكذب، وقد روي عن عطاء هذا من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على الحسن قوله: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وقال: قد حدث إخوة يوسف فكذبوا، ووعدوا فاخلفوا، وائتمنوا فخانوا، ولم يكونوا منافقين، وهذا لا يصح عن عطاء، والحسن لم يقل هذا من عنده، وإنما بلغه عن النبي ﷺ، فالحديث ثابت عنه ﷺ لا شك في ثبوته وصحته) (^٣).
_________________
(١) "آثار الشيخ المعلمي" (١٥/ ٣٥٣).
(٢) أي: حديث خصال المنافق.
(٣) "جامع العلوم والحكم" (ص: ٧٩٩ - ٨٠٠)، والمشهور عند أكثر أهل العلم أن نفاق العمل لا يكون إلا أصغرَ، وهذا فيه نظر والتحقيق ما تقدم.
[ ١ / ٢١٤ ]
المسألة الثالثة: ذكر أبو عيسى حديث أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فلما قفلنا أشرفنا على المدينة فكبر الناس تكبيرة ورفعوا بها أصواتهم، فقال رسول الله ﷺ: "إن ربكم ليس بأصم ولا غائب، هو بينكم وبين رءوس رحالكم"، ثم قال: "يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كنزا من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله").
ثم قال: (ومعنى قوله "هو بينكم وبين رءوس رحالكم" إنما يعني علمه وقدرته) (^١).
قلت: قد جاءت عدة نصوص بهذا المعنى وبعضها يفسر بعضا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقال تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
وقد جاء في السنة ما يدل على هذا المعنى ففي "الصحيحين" (^٢) من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ رأى بصاقا في جدار القبلة، فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى".
وفي "صحيح البخاري" (^٣) من حديث أنس: أن النبي ﷺ رأى نخامة
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٣٦٢).
(٢) "صحيح البخاري" (٤٠٦)، "صحيح مسلم" (٥٤٧).
(٣) (٤٠٥).
[ ١ / ٢١٥ ]
في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه" ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: "أو يفعل هكذا".
وفي "صحيح مسلم" (^١) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
فهذه النصوص وغيرها تدل على عظمة الله ﷿، وأنه مع عباده محيط بهم، مطلع عليهم، لا تخفى منهم خافية، وهم في قبضته، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وهو على عرشه - جل وعلا - كما أخبر.
قال حماد بن زيد: (يقرب من خلقه كما يشاء) (^٢).
وقال أبو الحسن الأشعري -في أثناء ذكره لعقيدة أصحاب الحديث وأهل السنة -: (ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾) (^٣).
وقال أبو الفرج ابن رجب: (ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله، واطلاعه على عباده واحاطته بهم، وقربه من عابديه، وإجابته لدعائهم، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء، ويعبدونه كأنهم يرونه.
_________________
(١) (٤٨٢).
(٢) أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٦٦٩).
(٣) "مقالات الإسلاميين" (٢٩٥).
[ ١ / ٢١٦ ]
ثم حدث بعدهم من قل ورعه، وساء فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة ﵃، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي ﷺ أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه.
وتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال من قال من علماء السلف حينئذ: إنما أراد أنه معهم بعلمه، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن.
وممن قال: أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقاله الضحاك، قال: الله فوق عرشه، وعلمه بكل مكان.
وروي نحوه عن: مالك، وعبد العزيز الماجشون، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم من أئمة السلف.
وروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه بكل مكان.
وروي هذا المعنى عن علي، وابن مسعود أيضًا.
وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال: علمه بالناس.
[ ١ / ٢١٧ ]
وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أن المراد علمه.
وكل هذا قصدوا به رد قول من قال: أنه تعالى بذاته في كل مكان. وزعم بعض من تحذلق أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته، لا صفة ذاته، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
وقال حرب: سألت إسحاق عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؟ قال: حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه.
وروى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب مر بقاص، وقد رفعوا أيديهم، فقال: ويلكم! إن ربكم أقرب مما ترفعون، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد.
وخرجه أبو نعيم، وعنده: أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر.
وخطب عمر بن عبد العزيز، فذكر في خطبته: أن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد. وكان مجاهد حاضرا يسمع، فأعجبه حسن كلام عمر.
وهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه؛ قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم، فهوَ سبحانه
[ ١ / ٢١٨ ]
مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون. وقال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقال في حق محمد وصاحبه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكر في الغار: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
فهذه معية خاصة غير قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه، والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته، فكذلك القرب.
وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم، كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين، كما أن الموصوف به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه.
وقد سئل عنه حماد بن زيد فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء.
ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين.
وقال حنبل: سألت أبا عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إلا بما جاءت به الآثار، وجاء به الكتاب، قال الله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ينزل كيف يشاء، بعلمه وقدرته وعظمته، أحاط بكل شيء علما، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب، ﷿.
[ ١ / ٢١٩ ]
ومراده: أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علما، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه، أو أخبر به عنه رسوله.
فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه) (^١).
وينظر أيضًا: ما سيأتي في كلام الإمام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم.
* * *
المسألة الرابعة: ذكر الترمذي حديث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب … وفيه: (ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثلما بين السماءين". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن تحتها أرضا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة" حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمس مائة سنة، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله". ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
ثم قال: (وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه) (^٢).
_________________
(١) "فتح الباري" (٣/ ١١٣ - ١١٨).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
[ ١ / ٢٢٠ ]
قلت: قال أبو العباس ابن تيمية: (الحديث يدل على أن الله فوف العرش، ويدل على إحاطة العرش كونه سقف المخلوقات، ومن تأوله على قوله هبط على علم الله كما فعل الترمذي لم يدر كيف الأمر، ولكن لما كان من أهل السنة وعلم أن الله فوق العرش، ولم يعرف صورة المخلوقات، وخشي أن يتأوله الجهمي أنه مختلط بالخلق قال هكذا، وإلا فقول رسول الله ﷺ كله حق يصدق بعضه بعضا، وما علم بالمعقول من العلوم الصحيحة يصدق ما جاء به الرسول ويشهد له) (^١).
وقال في موضع آخر: (وهذا كله على تقدير صحته فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط على علم الله.
وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل؛ وهو أنه حال بذاته في كل مكان وأن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك.
والتحقيق: أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك إن كان ثابتا فإن قوله: "لو أدلى بحبل لهبط" يدل على أنه ليس في المدلي ولا في الحبل ولا في الدلو ولا في غير ذلك، وأنها تقتضي أنه من تلك الناحية؛ وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية؛ بل بتقدير ثبوته يكون دالا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة، وليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع) (^٢).
وينظر أيضًا: ما سيأتي في كلام العلامة ابن القيم في المسألة التالية.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٩٨).
(٢) "مجموع الفتاوى" (٦/ ٥٧٣ - ٥٧٤).
[ ١ / ٢٢١ ]
المسألة الخامسة: قال أبو عيسى: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إليّ شبرا اقتربت منه ذراعا، وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
هذا حديث حسن صحيح.
ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: "من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا"، يعني بالمغفرة والرحمة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا ابن نمير عن الأعمش.
هكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت تسارع إليه مغفرتي ورحمتي) (^١).
قلت: هذا التفسير فيه نظر، والصواب إمرار الحديث على ظاهره، كما هو القاعدة في باقي النصوص.
قال أبو إسماعيل الهروي: (باب الهرولة لله ﷿) (^٢)، وذكر تحته حديث أبي هريرة السابق.
وقال أبو العباس ابن تيمية: (فصل، تقرب العبد إلى الله في مثل قوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨]، وقول النبي ﷺ فيما يروي عن ربه: "من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا" الحديث. وقوله:
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٤٣٠ - ٤٣١).
(٢) "الأربعون في دلائل التوحيد" (ص: ٧٩).
[ ١ / ٢٢٢ ]
"ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" الحديث.
وكذلك "القربان" كقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [المائدة: ٢٧]، وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، ونحو ذلك.
لا ريب أنه بعلوم وأعمال يفعلها العبد، وفي ذلك حركة منه وانتقال من حال إلى حال، ثم لا يخلو مع ذلك: إما أن روحه وذاته تتحرك أو لا تتحرك، وإذا تحركت: فإما أن تكون حركتها إلى ذات الله، أو إلى شيء آخر، وإذا كانت إلى ذات الله بقي النظر في قرب الله إليه ودنوه وإتيانه ومجيئه؛ إما جزاء على قرب العبد، وإما ابتداء كنزوله إلى سماء الدنيا.
فالأول: قول المتفلسفة الذين يقولون: إن الروح لا داخل البدن ولا خارجه، وإنها لا توصف بالحركة ولا بالسكون، وقد تبعهم على ذلك قوم ممن ينتسب إلى الملة، فهؤلاء عندهم قرب العبد ودنوه إزالة النقائص والعيوب عن نفسه وتكميلها بالصفات الحسنة الكريمة حتى تبقى مقاربة للرب مشابهة له من جهة المعنى، ويقولون: الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة؛ فأما حركة الروح فممتنعة عندهم، وكذلك يقولون في قرب الملائكة.
والذي أثبتوه من تزكية النفس عن العيوب وتكميلها بالمحاسن حق في نفسه؛ لكن نفيهم ما زاد على ذلك خطأ؛ لكنهم يعترفون بحركة جسمه إلى المواضع التي تظهر فيها آثار الرب كالمساجد والسموات والعارفين، وعند هؤلاء معراج النبي ﷺ إنما هو انكشاف حقائق الكون له كما فسره بذلك ابن سينا ومن اتبعه كعين القضاة وابن الخطيب في "المطالب العالية".
الثاني: قول المتكلمة الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش، وإن نسبة العرش والكرسي إليه سواء، وإنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ لكن
[ ١ / ٢٢٣ ]
يثبتون حركة العبد والملائكة فيقولون: قرب العبد إلى الله حركة ذاته إلى الأماكن المشرفة عند الله، وهي السماوات، وحملة العرش، والجنة، وبذلك يفسرون معراج النبي ﷺ.
ويتفق هؤلاء والذين قبلهم في حركة بدن العبد إلى الأماكن المشرفة، كثبوت العبادات، وإنما النزاع في حركة نفسه، ويسلم الأولون حركة النفس بمعنى تحولها من حال إلى حال؛ لا بمعنى الانتقال من موضع إلى موضع، واتفاقهم على حركة الجسم وحركة الروح أيضًا عند الآخرين إلى كل مكان تظهر فيه معرفة الله كالسموات، والمساجد، وأولياء الله، ومواضع أسماء الله وآياته، فهو حركة إلى … (^١)
الثالث: قول أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون أن الله على العرش، وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم، وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء صار يزداد قربا إلى ربه بعروجه وصعوده، وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود وإن كان بدنه متواضعا، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب.
ثم قُرب الرب من عبده: هل هو من لوازم هذا القرب، كما أن المتقرب إلى الشيء الساكن كالبيت المحجوج، والجدار، والجبل، كلما قربت منه قرب منك؟ أو هو قرب آخر يفعله الرب، كما أنك إذا قربت إلى الشيء المتحرك إليك تحرك أيضًا إليك، فمنك فعل، ومنه فعل آخر؟
هذا فيه قولان لأهل السنة مبنيان على ما تقدم من قاعدة الصفات الفعلية، كمسألة النزول وغيرها …
_________________
(١) سقط في الأصل.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وعلى هذا فما روي من قرب الرب إلى خواص عباده وتجليه لقلوبهم كما في "الزهد" لأحمد: أن موسى قال: يا رب، أين أجدك؟ قال: "عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، أقترب إليها كل يوم شبرا، ولولا ذلك لاحترقت".
هذا القرب عند المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال، ثم المتفلسفة لا تثبت حركة الروح والجهمية تسلم جواز حركة الروح إلى مكان عال، وأما أهل السنة فعندهم مع التجلي والظهور تقرب ذات العبد إلى ذات ربه، وفي جواز دنو ذات الله القولان، وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع.
وعلى مذهب النفاة من المتكلمة لا يكون إتيان الرب ومجيئه ونزوله إلا تجليه وظهوره لعبده، إذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة الباطنة أو الظاهرة، بمنزلة الذي كان أعمى أو أعمش فزال عماه فرأى الشمس والقمر، فيقول: جاءني الشمس والقمر.
وهذا قول النفاة من المتفلسفة والمعتزلة والأشعرية؛ لكن الأشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته المعتزلة، ومنهم من يوافقهم في المعنى الذي قصدوه.
وأما على مذهب أهل السنة والجماعة من السلف، وأهل الحديث، وأهل المعرفة، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية والعامة وأهل الكلام أيضًا؛ فإن نزوله وإتيانه ومجيئه قد يكون بحركة من العبد، وقرب منه، ودنو إليه، وهو قدر زائد على انكشاف بصيرة العبد، فإن هذا علم، وعندهم يكون ذلك بعلم من العبد وبعمل منه، فهو كشف وعمل.
ولا ينكر الأشعرية ونحوهم من أهل الكلام أن يكون من العبد حركة، فإن ذلك ممكن، وإنما قد ينكرون حركته إلى الله كما تقدم.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقد شبه بعضهم مجيء الله بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أي: الموقن به من الموت وما بعده.
قلت: هذا مثل قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وجعل في ذلك هو ظهوره وتجليه.
قلت: وليس هو مجرد ظهوره وتجليه، وإن كان متضمنا لذلك؛ بل هو متضمن لحركة العبد إليه، ثم إن كان ساكنا كان مجيئه من لوازم مجيء العبد إليه، وإن كان فيه حركة كان مجيئه بنفسه أيضًا، وإن كان العبد ذاهبا إليه، وهكذا مجيء اليقين ومجيء الساعة، وفي جانب الربوبية يكون بكشف حجب ليست متصلة بالعبد، كما قال النبي ﷺ: "حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه"، فهي حجب تحجب العباد عن الإدراك، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر، فإذا زالت تجلّت الشمس والقمر، وأما حجبها لله عن أن يَرى ويُدركَ فهذا لا يقوله مسلم؛ فإن الله لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة السوداء، ولكن يحجب أن تصل أنواره إلى مخلوقاته، كما قال: "لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه"، فالبصر يدرك الخلق كلهم، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النار.
والجهمية لا تثبت له حجبا أصلا؛ لأنه عندهم ليس فوق العرش، ويروون الأثر المكذوب عن علي: أنه سمع قصابا يحلف: لا والذي احتجب بسبع سماوات، فعلاه بالدرة، فقال: يا أمير المؤمنين، أكفر عن يميني؟ قال: لا؛ ولكنك حلفت بغير الله.
فهذا لا يعرف له إسناد، ولو ثبت كان عليّ قد فهم من المتكلم أنه
[ ١ / ٢٢٦ ]
عنى أنه محتجب عن إدراكه لخلقه، فهذا باطل قطعا؛ بخلاف احتجابه عن إدراك خلقه له) (^١).
وقال ابن القيم: (والذي عندي أن الرحمة لما كانت من صفات الله تعالى، وصفاته قائمة بذاته، فإذا كانت قريبة من المحسنين، فهو سبحانه قريب منهم قطعا، وقد بينا أنه سبحانه قريب من أهل الإحسان، ومن أهل سؤاله بإجابته.
ويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه، فيقرب ربه منه لما يقرب إليه بإحسانه يقرب تعالى إليه، فإنه من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا، فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سماواته على عرشه، كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل وهو على عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة، وهو على عرشه، فإن علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته، فلا يكون قط إلا عاليا ولا يكون فوقه شيء البتة، كما قال أعلم الخلق به: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء".
وهو سبحانه قريب في علوه، عال في قربه، كما في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: "أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" فأخبرهم ﷺ وهو أعلم الخلق به أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته، على عرشه، مطلع على خلقه، يرى أعمالهم، ويعلم ما في بواطنهم، وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٦/ ٥ - ١٠).
[ ١ / ٢٢٧ ]
والذي يسهل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟!
وبهذا يزول الإشكال عن الحديث الذي رواه الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نبي الله ﷺ جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ: "هل تدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" …) وذكر الحديث السابق إلى قوله: ثم قال: ("والذي نفس محمد بيده لو أِنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله" ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] " قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث وقالوا: إنما يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. هذا آخر كلامه.
وقد اختلف الناس في هذا الحديث في سنده ومعناه، فطائفة قبلته لأن إسناده ثابت إلى الحسن.
قال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد، قالوا حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبدالرحمن، عن قتادة، حدثنا الحسن، عن أبي هريرة.
فهؤلاء كلهم أئمة، وقد صرح قتادة بتحديث الحسن له، وقد صح عن
[ ١ / ٢٢٨ ]
الحسن في غير هذا الحديث أنه قال: حدثنا أبو هريرة، ولا ريب أنه عاصره، وقد قال مسلم بن إبراهيم: حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث …، وقال سالم الخياط: حدثنا الحسن قال: سمعت أبا هريرة.
وطائفة أخرى ردت الحديث وأعلته بأنه منقطع، قالوا: والحسن لم ير أبا هريرة فضلا عن أن يسمع منه، قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: الحسن لقي ابن عباس؟ قال: لا، ولم يلق أبا هريرة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا علي بن المديني قال: سمعت سلم بن قتيبة، قال: حدثني شعبة، قال: قلت ليونس بن عبيد: الحسن سمع من أبي هريرة؟ قال: ما رآه قط.
حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: قال بعضهم عن الحسن: حدثنا أبو هريرة.
قال ابن أبي حاتم منكرا عليه إنه لم يسمع من أبي هريرة: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء: قال علي: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ثم ذكر عن أيوب وعلي بن زيد: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
وقال عبدالرحمن بن مهدي: سمعت جريرا يسأل بهزا عن الحسن: من لقي من أصحاب النبي ﷺ؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثا، ولم يسمع من أبي هريرة ولم يره.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وسمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره، فقيل له: فمن قال حدثنا أبو هريرة؟ قال: يخطئ، وسمعت أبي يقول: وذكر حديثا حدثه مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة: (أوصاني خليلي)، قال: لم يعمل ربيعة بن
[ ١ / ٢٢٩ ]
كلثوم شيئا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا، قلت لأبي: إن سالما الخياط روى عن الحسن، قال: سمعت أبا هريرة. قال: هذا مما يبين ضعف سالم.
وسمعت أبا الحجاج المزي يقول: قوله: حدثنا أبو هريرة، أي: حدث أهل بلدنا، كما في حديث الدجال: قول الشاب الذي يقتله له: أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه.
قال أبو حاتم: والحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: خطبنا ابن عباس، يعني: خطب أهل البصرة.
قالوا: وللحديث علة أخرى، وهي أن عبد الرزاق في "تفسيره" رواه عن معمر، عن قتادة، عن النبي ﷺ مرسلا، فاختلف هو وشيبان فيه، هل حدث به عن الحسن؟
والذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه، فحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن المعنى: يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، ومراده على معلوم الله ومقدوره وملكه، أي: انتهى علمه وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت، فلا يعزب عنه شيء.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا معنى اسمه المحيط واسمه الباطن، فإنه سبحانه محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]، وإذا كان محيطا بالعالم فهو فوقه بالذات، عال عليه من كل وجه وبكل معنى، فإن الإحاطة تتضمن العلو والسعة والعظمة، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في قبضته فلو وقعت حصاة أو دلي بحبل لسقط في قبضته سبحانه.
والحديث لم يقل فيه: إنه لهبط على جميع ذاته، فهذا لا يقوله ولا يفهمه عاقل، ولا هو مذهب أحد من أهل الأرض البتة، لا الحلولية، ولا
[ ١ / ٢٣٠ ]
الاتحادية، ولا الفرعونية، ولا القائلون بأنه في كل مكان بذاته، وطوائف بني آدم كلهم متفقون على أن الله تعالى ليس تحت العالم.
فقوله: "لو دليتم بحبل لهبط على الله" إذا هبط في قبضته المحيطة بالعالم فقد هبط عليه، والعالم في قبضته، وهو فوق عرشه، ولو أن أحدنا أمسك بيده أو برجله كرة وقبضتها يده من جميع جوانبها ثم وقعت حصاة من أعلى الكرة إلى أسفلها لوقعت في يده وهبطت عليه، ولم يلزم من ذلك أن تكون الكرة والحصاة فوقه وهو تحتها، ولله المثل الأعلى، وإنما يؤتى الرجل من سوء فهمه، أو من سوء قصده من كليهما، فإذا هما اجتمعا كمل نصيبه من الضلال.
وأما تأويل الترمذي وغيره له بالعلم، فقال شيخنا: هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته، فإنه إنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلا ونقلا وفطرة كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قِبَل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا، ولكن ليبصق عن يساره، أو تحت رجله".
وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي ﷺ في رؤية الرب تعالى، فقال له أبو رزين: كيف يسعنا وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: "سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر آية من آيات الله، كلكم يراه مخليا به، فالله أكبر من ذلك".
ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وقدر مخاطبته له، فإنه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده له، وكذلك إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه، لا عن يمينه، ولا عن يساره، ويدعوه من العلو، لا من السفل.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم"، واتفق العلماء على أن رفع البصر إلى السماء للمصلي منهي عنه.
وروى أحمد عن محمد بن سيرين: أن النبي ﷺ كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء، حتى أنزل الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده.
فهذا مما جاءت له الشريعة تكميلا للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي أمر بالخشوع وهو الذل والسكون لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وخفض بصره أمامه، فليس في هذا النهي ما ينفي كونه فوق سماواته على عرشه، كما زعم بعض جهال الجهمية، فإنه لا فرق عندهم بين تحت التحت والعرش بالنسبة إليه، فلو كان الأمر كذلك لكان النهي ثابتا في الصلاة وغيرها، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فليس العبد منهيا عن رفع بصره إلى السماء مطلقا، إنما نهي عنه في الوقت الذي أمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧].
وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء؛ لكون الرب ليس في السماء، لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء، أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، لبين لهم ذلك بيانا شافيا، ولم يحملهم فيه على أدب من آداب المصلي، وهو إطراقه بين يدي ربه وخشوعه، ورمي بصره إلى الأرض، كما يفعل بين يدي الملوك، فهذا إنما يدل على نقيض قولهم.
[ ١ / ٢٣٢ ]
فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز التوجه إلى الله تعالى إلا من جهة العلو، وأن ذلك لا ينافي إحاطته بالعالم وكونه في قبضته، وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء، كما أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر، وأن إحاطته بخلقه لا تنفي مباينته لهم، ولا علوه على مخلوقاته، بل هو فوق خلقه محيط بهم مباين لهم، إنما تنشأ الشبهة الفاسدة عن اعتقادين فاسدين:
أحدهما: أن يظن أنه إذا كان العرش كريا والله فوقه، لزم أن يكون كريا.
الاعتقاد الثاني: أنه إذا كان كريا صح التوجه إليه من جميع الجهات.
وهذان الاعتقادان خطأ وضلال؛ فإن الله سبحانه مع كونه فوق العرش، ومع القول بأن العرش كري، لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، كما لا يجور أن يظن به أنه مشابه لها في أقدارها ولا في صفاتها، فقد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء، وأن السماوات والأرض في يده كخردلة في كف أحدنا، وهذا يزيل كل إشكال ويبطل كل خيال) (^١).
* * *
قلت: وهذه المواضع لا تخالف ما تقدم تقريره من كون أبي عيسى من كبار أئمة أهل السنة والجماعة، كيف وقد نقل إجماع أهل العلم على إمرار نصوص الصفات على ظاهرها الذي يليق بالله ﷿، وغير ذلك مما يتعلق بأمور الاعتقاد، هذا مع أن بعض ما تقدم قد ذهب إليه غيره من أهل العلم، كتأويل نصوص الوعيد، وإن كان الأولى عدم ذلك، كما تقدم تقريره.
_________________
(١) "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: ١٢٥٥ - ١٢٧٣).
[ ١ / ٢٣٣ ]
وأما ما يتعلق في مسألة النفاق فهو لم ينص صراحة على أن النفاق العملي كله لا يخرج من الملة، وبما أن هذه المسألة كانت تحتاج إلى بعض التفصيل فلذا ذكرتها.
وأما ما يتعلق بتأويل بعض النصوص فبعضه قد يكون من باب التفسير باللازم، وليس من قبيل التأويل، وبعضه قد أخطأ فيه كما تقدم، وما من أحد من الناس إلا راد ومردود عليه إلا رسول الله ﷺ، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وبالله تعالى التوفيق.
[ ١ / ٢٣٤ ]