مما تميز به الترمذي ورعُه في باب الجرح واقتصاده في ذلك، والدليل على ذلك كلامه في هذا الباب كما سوف يأتي، ومن أجل ذلك ظن بعض الناس أنه متساهل في هذا الباب، وهذا ليس في نقد الرواة فقط وإنما أيضا في حكمه على الأحاديث، وسيأتي بإذن الله الجواب عن ذلك.
فتجد أنه إذا تكلم في راوٍ كثيرا ما ينص على أن هذا الكلام في حفظه وحسبُ، وليس في دينه وعدالته، فلا يطلق الضعف إلا ويقيده غالبا، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - عبد الله بن محمد بن عقيل، قال عنه: (هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه) (^١).
٢ - عبد الله بن عمر العمري، قال عنه: (يضعف من قبل حفظه) (^٢)، وقال في موضع آخر: (ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث) (^٣).
٣ - إسماعيل بن مسلم المكي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٤)، وقال في موضع آخر: (قد تكلموا فيه من قبل حفظه) (^٥).
قلت: مع أن كلام الحفاظ في إسماعيل شديد، فبعضهم قال: منكر
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٢٧٥).
(٢) "الجامع" (٣/ ١٣٧).
(٣) "الجامع" (١/ ٣٤٦).
(٤) "الجامع" (٢/ ٥١٨).
(٥) "الجامع" (٢/ ١٨٦)، وزيادة: (من قبل حفظه) في بعض النسخ.
[ ١ / ٧١ ]
الحديث، وبعضهم قال: متروك، وبعضهم قال: ليس بشيء، وبعضهم قال: واه جدا، فكلامهم فيه شديد، ولم يستثن الإمام أحمد من روايته إلا ما رواه عن الحسن في القراءات (^١).
٤ - حارثة بن أبي الرجال، قال عنه: (قد تكلم فيه من قبل حفظه) (^٢).
٥ - أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه) (^٣).
قلت: وحارثة وأبو معشر قريبان من إسماعيل بن مسلم.
٦ - زيد بن جَبيرة، قال عنه: (وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه) (^٤).
قلت: وهو متروك.
٧ - محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه) (^٥).
٨ - إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال عنه: (وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه) (^٦).
قلت: هو متروك، ولا يخفى هذا على الترمذي، وإنما هذا من تورعه فيما يظهر، فقد قال عنه البخاري: سكتوا عنه (^٧).
وربما قيد الضعف بأنه في الحديث، كما قال في موسى بن عبيدة
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ١٦٧).
(٢) "الجامع" (١/ ٤٢٧).
(٣) "الجامع" (٣/ ٢٥٣).
(٤) "الجامع" (١/ ٤٨٥).
(٥) "الجامع" (١/ ٤٩٣).
(٦) "الجامع" (٢/ ١٥٢).
(٧) "التاريخ الكبير" (١/ ٣٣٦).
[ ١ / ٧٢ ]
الربذي، قال: (يضعف في الحديث من قبل حفظه، وهو صدوق) (^١).
قلت: أي صدوق في نفسه (^٢).
وربما استخدم عبارة "يضعف في الحديث"، وهي عبارة لينة في حق بعض المتروكين، أو شديدي الضعف، ومن ذلك:
١ - أشعث بن سعيد، قال عنه: (يضعف في الحديث) (^٣).
٢ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: (يضعف في الحديث) (^٤).
٣ - حسين بن قيس الرحبي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٥).
٤ - محمد بن عبيد الله العرزمي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٦).
قلت: وهؤلاء كلهم متروكون.
ومثل قوله: "يضعف في الحديث": (ليس بالقوي في الحديث)، وقد وجدت له أربعة رواة استعمل فيهم هذا الحكم، وهم:
١ - بشر بن رافع، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (^٧).
قلت: هو ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث منكرة.
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٣٤٥).
(٢) أحيانا قد يطلق الضعف، ولكن يذكر من قوى الراوي، أو أثنى عليه، ونحو ذلك، وهذا يدخل فيما تقدم التنبيه عليه.
(٣) "الجامع" (١/ ٤٨٤)، (٤/ ٦٢).
(٤) "الجامع" (٢/ ١٠١).
(٥) "الجامع" (٢٤١٦) ط. بشار.
(٦) "الجامع" (٢/ ٤٤١).
(٧) "الجامع" (٢/ ٢٥٩).
[ ١ / ٧٣ ]
٢ - أبو جناب يحيى بن أبي حية، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (^١).
٣ - سهيل بن عبد الله بن أبي حازم القطعي، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (^٢).
٤ - عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (^٣).
قلت: وهو منكر الحديث، واهي الحديث، وقد حدث بحديث باطل، وهو حديث السوق.
هذا كل ما وجدت له من خلال البحث في الحاسوب ممن قال عنهم: "ليس بالقوي في الحديث".
ويلاحظ في هذه الأمثلة أن التقييد هو الأكثر، وهذا من ورعه كما تقدم، مع أنه يلاحظ على استعمالات الأئمة لهذه العبارة: (ليس بالقوي) أنهم يطلقونها ولا يقيدونها، وذلك لأن المقصود معروف، وهو عدم القوة في الحديث؛ فلذا لم يحتاجوا إلى تقييدها، وتقييد الترمذي لهذه العبارة إنما هو لورعه.
ويؤيد هذا أن بعض من قال عنهم ذلك من المتروكين أو ضعفهم ظاهر، كعمرو بن دينار قهرمان ابن الزبير، وبشر بن رافع.
ويوضح ما تقدم بصورة أوضح وأظهر قوله في "العلل الكبير" (^٤) عن صالح المري: (رجل صالح ثقة، تفرد بأحاديث عن الثقات، يخاف عليه الغلط).
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٧٩).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٨٩).
(٣) "الجامع" (٤/ ٣٤٧).
(٤) (ص: ٣٨٩).
[ ١ / ٧٤ ]
وهذا تلطف منه في العبارة، وليس تساهلا، بدليل أنه نقل عن البخاري قبل ذلك أنه قال: (هو ضعيف الحديث ذاهب الحديث)، وهذا تضعيف شديد من البخاري له.
ويلاحظ أيضا أن أبا عيسى كثيرا ما ينسب الحكم إلى أهل العلم أو أهل الحديث أو بعض الحفاظ الذين ينقل عنهم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - خارجة بن مصعب، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك) (^١).
٢ - الخليل بن مرة، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحاب الحديث، قال محمد بن إسماعيل: هو منكر الحديث) (^٢).
٣ - حسين بن قيس، وهو أبو علي الرحبي، قال عن البخاري: (منكر الحديث، روى عنه، سليمان التيمي ويقول: عن حنش، وهو حنش ابن قيس، وهو أبو علي الرحبي، وضعفه جدا) (^٣).
٤ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، نقل عن البخاري أنه قال عنه: (صدوق، إلا أنه لا يُدْرَى صحيح حديثه من سقيمه. قال: وضعف حديثه جدا) (^٤).
٥ - سويد بن سعيد، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٥).
٦ - جابر الجعفي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٦).
٧ - إسماعيل بن مسلم المكي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٧).
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٣١١).
(٢) "الجامع" (٤/ ٣٦٧).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٣٩١).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٢).
(٥) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٤).
(٦) "العلل الكبير" (ص: ٢٢٨).
(٧) "العلل الكبير" (ص: ٢٣٧).
[ ١ / ٧٥ ]
٨ - موسى بن عبيدة الربذي، قال عنه: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل (^١).
بل إن أبا عيسى ﵀ أحيانا ينقل عن الأئمة كلاما في بعض الرواة يقتصد فيه ويرويه بالمعنى، مع أن هذا الإمام قد جرح هذا الراوي جرحا شديدا، كقوله: (محمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه، وليس بالحافظ) (^٢).
قلت: وكلام الإمام أحمد في محمد بن القاسم شديد، قال عبد الله بن أحمد: (سمعتُ أَبي يقول: محمد بن القاسم، يكذب، أحاديثه أحاديث موضوعة، ليس بشيء) (^٣). وقال المروذي: وذكر - أي الإمام أحمد - محمد ابن القاسم الأسدي، فقال: (ما يستأهل أن يحدث عنه بشيء، روى أحاديث مناكير) (^٤).
والمقصود أن الغالب عليه الاقتصاد في الجرح، لذا نادرا ما يستعمل: منكر الحديث، لم يطلقها إلا على عدد قليل فيما وقفت عليه، وهم:
١ - محمد بن أبي حميد، قال أبو عيسى: (محمد بن أبي حميد يضعف، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، ويقال له: حماد بن أبي حميد، ويقال: هو أبو إبراهيم الأنصاري، وهو منكر الحديث) (^٥).
٢ - إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٦).
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ١٠٩).
(٢) "الجامع" (١/ ٤٩٠).
(٣) "العلل" (١٨٩٩).
(٤) "العلل" (٢٣٠) رواية المروذي.
(٥) "الجامع" (١/ ٥٦٣).
(٦) "الجامع" (٢/ ٢٦٢).
[ ١ / ٧٦ ]
٣ - حميد بن علي الكوفي الأعرج، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^١).
٤ - عبد الله بن ميمون، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٢).
٥ - عمرو بن واقد، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٣).
قلت: قال في موضع آخر: (عمرو بن واقد يضعف) (^٤)، وهذا مثال آخر يضاف إلى ما تقدم من أنه يقتصد غالبا في عباراته.
٦ - محمد بن الحارث، قال عنه: (بصري، منكر الحديث) (^٥).
٧ - زهير بن محمد، قال عنه: (منكر الحديث) (^٦).
قلت: وهذا لعله في رواية الشاميين عنه، بخلاف رواية أهل العراق عنه فإنها مستقيمة (^٧).
نعم هناك رواهُ آخرون نقل الترمذي عن البخاري أنه قال فيهم: (منكر الحديث) (^٨).
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٦٣).
(٢) "الجامع" (٣/ ٢٦٣).
(٣) "الجامع" (٣/ ٣٦٨).
(٤) "الجامع" (٤/ ٥٤٩).
(٥) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٦).
(٦) المصدر السابق.
(٧) قال الترمذي في "العلل الكبير" (ص: ٣٩٥): (قال محمد: أحاديث أهل العراق عن زهير بن محمد مقاربة مستقيمة، ولكن، الوليد بن مسلم وأبو حفص عمرو بن أبي سلمة وأهل الشام يروون عنه مناكير، قال محمد: وكان أحمد يقول: كأن ما يروي أهل الشام عن زهير بن محمد هو رجل آخر، وقد قلبوا اسمه).
(٨) منهم: الحسن بن علي الهاشمي (١/ ٣٠٧)، وعمر بن عبد الله بن أبي خثعم (١/ ٥٣٣) (٤/ ٢٣)، وعمران بن أنس المكي (٢/ ٢٥٨)، وأبو واقد الليثي، صالح بن محمد بن زائدة (٢/ ٥١٩)، وصالح بن حسان (٣/ ٨٢)، وأبو سورة، ابن أخي أبي أيوب الأنصاري (٣/ ٤٧٣)، والخليل بن مرة (٣/ ٥٤٠) (٤/ ٣٦٧)، ومحمد بن زاذان (٣/ ٥٥٨).
[ ١ / ٧٧ ]
وأما لفظة (كذاب) ونحوها من عبارات الجرح الشديدة، بل حتى (شديد الضعف) أو (متروك)، فلم أقف على أنه استعملها، نعم نقل عن البخاري أنه قال في محمد بن سعيد الشامي: (ترك حديثه) (^١)، مع أن محمد بن سعيد وضّاع ومشهور بذلك، وقد صلبه المنصور على الزندقة ومع ذلك لم يقل: (متروك) وإنما قال: (ترك حديثه) وهي ألطف من الأولى من جهتين: الأولى: أنه قيد ذلك في باب الرواية، والثانية: أنه أضاف الترك إلى غيره، ولم ينسب الحكم لنفسه.
وكذلك قال أبو عيسى في الحكم بن ظهير: (قد ترك حديثه بعض أهل الحديث) (^٢)، والحكم متروك، وقد كذبه يحيى بن معين في رواية عنه، ويقال فيه كما قيل في الذي قبله، بل وزاد هنا أنه قيده ببعض أهل الحديث.
وكذلك قال في محمد بن السائب الكلبي، قال: (قد تركه أهل العلم بالحديث) (^٣).
نعم قد ينقل عن غيره تكذيب أحد الرواة، ومن ذلك:
١ - قال عن محمد بن القاسم الأسدي: (قلت لمحمد: كيف محمد ابن القاسم الأسدي؟ فقال: كان أحمد يرميه بالكذب) (^٤).
٢ - ومثله أيضا كوثر بن حكيم، قال: (سألت مُحمدًا فقال: كوثر بن حكيم له مناكير، كان أحمد يرميه بالكذب) (^٥).
* * *
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٤٠٥)، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٩٤): (محمد بن سعيد الشامي، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن الطبري، ويقال: ابن حسان، أبو عبد الرحمن، كان صُلب، متروك الحديث، قتل في الزندقة).
(٢) "الجامع" (٤/ ٣٩١).
(٣) "الجامع" (٤/ ١٢٠).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٤).
(٥) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٥).
[ ١ / ٧٨ ]
وكما أن أبا عيسى يقتصد في حكمه على الرواة، فإنه يفعل ذلك أيضا في حكمه على الحديث، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فأنزلت عليه هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصاما، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ: "ما شأنك يا أبا بكر؟ " قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟ وإنا لمجزيون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ: "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون، فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة".
هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، موسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا) (^١).
قلت: فهذا الحديث قد قال عنه: غريب وفي إسناده مقال، مع أن إسناده شديد الضعف؛ لأن موسى بن عبيدة واهي الحديث، وإن كان من أهل الفضل، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل نقله لكلام الحفّاظ فيه، وقد قال عنه أحمد بن حنبل - الذي نقل عنه أبو عيسى تضعيفه -: ما تحل
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ١٠٩) (٣٣٠٦).
[ ١ / ٧٩ ]
الرواية عندي عنه. ولا شك أن هذا تضعيف شديد، وقد اكتفى أبو عيسى بنقله عن الإمام أحمد تضعيفه، وهذا تلطف منه.
وقد ذكر أيضا أبو عيسى علة أخرى في الإسناد، وهي تجهيل مولى ابن سباع.
فأصبح الحديث شديد الضعف، وقد اكتفى من هذا كله بقوله: في إسناده مقال، مع أن المتأمل في كلامه يعلم أن أبا عيسى قد أشار إلى ذلك في أثناء كلامه على هذا الحديث، ولكنه تلطف.
٢ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن نضر، عن عبيد الله ابن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام"، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية.
وفي الباب عن عمر بن الخطاب.
حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي) (^١).
قلت: وهذا الحديث منكر، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل أنه أعاد هذا الحديث في التفسير فقال: (هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل) (^٢).
قلت: والشاهد من هذا نقله عن البخاري أنه ضعف علي بن يزيد، ونصُّ عبارة البخاري فيه: منكر الحديث.
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٤١٢) (١٣٣٦).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٠٨) (٣٤٩٣).
[ ١ / ٨٠ ]
ويزيد هذا وضوحا ما نقله أبو عيسى نفسه عن البخاري في "العلل الكبير": (سألت محمدا عن إسناد هذا الحديث، فقال: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم بن عبد الرحمن مولى ثقة، قال محمد: هو القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن، مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية) (^١).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مؤمن إلا وله بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، فذلك قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ".
هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان الرَّقاشي يضعَّفان في الحديث" (^٢).
قلت: فهنا جرى على عادته في التلطف في الحكم، ويزيد بن أبان الرقاشي متروك، وموسى تقدم الكلام عليه.
٤ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لم يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ، قال: فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، قال: "هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس".
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ١٩٠).
(٢) "الجامع" (٤/ ٢٤٣) (٣٥٥٨).
[ ١ / ٨١ ]
وعبد الله بن جعفر بن نجيح هو والد علي بن المديني، وقد روى علي بن حجر، عن عبد الله بن جعفر الكثير. وحدثنا عليّ بهذا الحديث، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن نجيح. وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء نحوه، إلا أنه قال: "معلق بالثريا") (^١).
قلت: وهذا الحديث قد يظن أن أبا عيسى لم يضعفه، أو يظن أكثر من هذا بأنه يقويه، ولكن الصواب أن أبا عيسى قد بين ضعف مثل هذا الإسناد في مكان آخر، فقد ذكر بعد أحاديث من هذا الحديث حديثا رواه فقال: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة".
هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعف يحيى بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي بن المديني) (^٢).
قلت: فهنا بين ضعف هذا الحديث الذي في إسناده عبد الله بن جعفر بأنه غريب، وأن عبد الله بن جعفر ضعفه يحيى بن معين وغيره.
وقد قال ابن معين -في رواية- عن عبد الله بن جعفر: ليس بشيء.
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧) (٣٥٦٤، ٣٥٦٥). وهذا الحديث منكر، والصواب: أن هذه القصة إنما جاءت في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، وأن الرسول ﷺ وضع يده على سلمان، وقال: "لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء"، كما ثبت في الصحيحين، "صحيح البخاري" (٤٨٩٧)، و"صحيح مسلم" (٢٥٤٦).
(٢) "الجامع" (٤/ ٥١٥) (٤١١٦).
[ ١ / ٨٢ ]
فتبين من هذا أنه يضعف الحديث السابق.
٥ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد".
هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير ابن محمد.
قال ابن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يُروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني: لِمَا يروون عنه من المناكير.
وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة) (^١).
قلت: وهذا الحديث قد قال عنه أبو عيسى: حديث غريب، وقد بين أبو عيسى بعد ذلك أنه حديث ضعيف عنده، بل قد يذهب إلى أنه منكر، وذلك فيما نقله من كلام الحفاظ في زهير بن محمد، ويؤيد هذا قوله عنه في "العلل الكبير": (منكر الحديث) (^٢).
وحكم الترمذي هذا إنما هو على هذا الإسناد؛ لأن هذا الحديث قد جاء من وجه آخر، وقد قواه بعض أهل العلم بهذين الوجهين.
٦ - وقال أيضا: (حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري،
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٦١) (٣٥٩٦).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٣٩٦).
[ ١ / ٨٣ ]
قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى ابن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا نبشرك؟ قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه، وإنما روي هذا عن موسى بن طلحة، عن أبيه) (^١).
قلت: وهذا الإسناد ضعيف، بل لعله شديد الضعف؛ لأن إسحاق بن يحيى بن طلحة ذهب بعض الحفاظ إلى أنه متروك، ولكن أبو عيسى تلطف في العبارة، بدليل قوله عن إسحاق في موضع آخر: (ليس بذاك القوي عندهم، تُكلم فيه من قبل حفظه) (^٢).
* * *