وذلك عندما يكون اختلاف في الإسناد -ونحو ذلك- مما يُظَن أنه يؤثر في صحته، فيحكم أبو عيسى عليه بأنه (صحيح) نفيًا لهذا التأثير، وهذا لا أجزم به، وإنما أميل إليه؛ لأني رأيته في بعض أحكامه على الأحاديث؛ فحملته على ذلك، منها:
١ - قوله ﵀: (حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "القتل في سبيل اللّه يكفر كل خطيئة"، فقال جبريل: إلا الدين، فقال النبي ﷺ: "إلا الدين".
وفي الباب عن كعب بن عجرة، وجابر، وأبي هريرة، وأبي قتادة.
وحديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ.
وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال: أرى أنه أراد حديث حميد، عن أن، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد".
حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من عبد يموت له عند الله خير يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى".
هذا حديث صحيح) (^١).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٧٤٩ - ١٧٥٠)، وهكذا في "تحفة الأشراف" (٥٨٨). =
[ ٢ / ٥١ ]
قلت: الطريق الأولى لا تصح كما بين أبو عيسى، ونقل ذلك عن البخاري، ويحيى بن طلحة الكوفي ضعيف ولا يكتب حديثه.
وإنما حديث حميد الصحيح: هو الذي ساقه بعد ذلك عن أنس: "ما من عبد يموت … " الحديث، فقوله: (صحيح) كأنه يريد أن يؤكد أن الصحيح في حديث حميد هو اللفظ الثاني لا الأول.
قلت: ويزيد هذا تأكيدا، أنه أعاد الحديث في موضع آخر، وقال: (حسن صحيح)؛ قال ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أن بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ما من أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا غير الشهيد، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، يقول: حتى أقتل عشر مرات في سبيل الله، مما يرى مما أعطاه الله من الكرامة".
هذا حديث حسن صحيح) (^١).
فهذا الإسناد أصحّ من الذي قبله؛ لأن قتادة مقدّم على حميد، ومع ذلك قال عنه: (حسن صحيح)؛ لأنَّه لم يذكر اختلافا، بخلاف طريق حميد فقد ذكر خلافا قبله، فناسب أن يؤكد صحته، والله أعلم.
٢ - وقوله ﵀: (حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أخبرني أبي وجدي جميعا، عن أبي محذورة، أن رسول اللّه ﷺ أقعده، وألقى عليه الأذان حرفا حرفا.
_________________
(١) = تنبيه: في هامش تحقيق طبعة الرسالة (١٧٣٨) أن في نسخة المباركفوري: (حسن صحيح)، والذي وجدته في الطبعة الهندية (٣/ ٨)، وطبعة دار الفكر (٥/ ٢٧٤): (صحيح) فقط.
(٢) "جامع الترمذي" (١٧٦٩)، وستأتي الإشارة إلى هذا المثال في خاتمة هذا المصطلح.
[ ٢ / ٥٢ ]
قال إبراهيم: مثل أذاننا. قال بشر: فقلت له: أعد علي، فوصف الأذان بالترجيع.
قال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد روي عنه من غير وجه) (^١).
قلت: إبراهيم بن عبد العزيز ليس بالمشهور، ولا يعرف له سوى هذا الحديث، حتى إن ابن حبان عندما ذكره في "الثقات" قال: (يخطئ) (^٢)، وذكره أبو العرب في جملة الضعفاء (^٣)، وقال الأزدي: (إبراهيم بن أبي محذوة وإخوته يضعفون) (^٤). قال ابن حجر: (نُقل عن ابن معين تضعيفه) (^٥).
وقد وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف: قال ابن خزيمة -بعد أن رواه في "صحيحه" (^٦) عن بشر بن معاذ بهذا الإسناد-: (عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، إنما رواه عن عبد اللّه بن مُحيريز، عن أبي محذورة). ثم رواه من طريق ابن جريج، عن عبد العزيز، أن عبد اللّه بن محيريز أخبره، عن أبي محذورة.
قال ابن حجر: (فعلى هذا يكون إبراهيم بن عبد العزيز أدرج حديث أبيه على حديث جده، وأسقط شيخ أبيه، واللّه أعلم) (^٧).
قلت: فكأن أبا عيسى يريد بهذا التصحيح تأكيد ثبوت هذا الخبر، ولذا قال بعده: (وقد روي عنه من غير وجه)، ثم ساقه من طريق عامر
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٩١).
(٢) (٦/ ٧).
(٣) ينظر: "إكمال التهذيب" لمغلطاي (١/ ٢٤٧).
(٤) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٧٥).
(٥) المرجع السابق.
(٦) "صحيح ابن خزيمة" (١/ ٤٦٦).
(٧) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٥٩٠).
[ ٢ / ٥٣ ]
الأحول عن مكحول، عن عبد الله بن مُحيريز، عن أبي محذورة، أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. وقال: (هذا حديث حسن صحيح، وأبو محذورة اسمه: سمرة بن مِعْيَر) (^١).
٣ - وقوله ﵀: (باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة.
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه".
حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن معيقيب، قال: سألت رسول اللّه ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة؟ فقال: "فإن كنت لا بد فاعلا فمرة واحدة".
هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وحذيفة، وجابر بن عبد الله، ومعيقيب.
قال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه كره المسح في الصلاة، وقال: "إن كنتَ لابد فاعلا فمرة واحدة"، كأنه روي عنه رخصة في المرة الواحدة) (^٢).
قلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الخبر، ففي بعض النسخ الخطية: (صحيح)، وفي بعضها الآخر و"تحفة الأشراف": (حسن صحيح) (^٣).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٩٢).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٨١ - ٣٨٢).
(٣) (١١٤٨٥).
[ ٢ / ٥٤ ]
وإذا كان الصواب هو الأول فيكون تصحيح الترمذي كأنه من باب التأكيد، وأن الحديث الأول الذي ذكره في صدر الباب لا يصل إلى درجة الصحة، بينما هذا الثاني هو الصحيح، والله تعالى أعلم.
٤ - وقوله ﵀ (^١): (باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة.
حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قول: "من أتى الجمعة فليغتسل".
وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.
وروي عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا.
حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن النبي ﷺ مثله.
وقال محمد: وحديث الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث عبد اللّه بن عبد اللّه عن أبيه؛ كلا الحديثين صحيح.
وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد اللّه بن عمر، عن ابن عمر.
قال أبو عيسى: قد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح.
ورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: أية
_________________
(١) تقدم هذا المثال في النوع الثاني برقم (٥).
[ ٢ / ٥٥ ]
ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول اللّه ﷺ أمر بالغسل!
حدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.
وحدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبد اللّه بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يونس، عن الزهري بهذا الحديث.
وروى مالك هذا الحديث، عن الزهري، عن سالم، قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة، فذكر الحديث.
قال أبو عيسى: سألت محمدا عن هذا، فقال: الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه.
قال محمد: وقد روي عن مالك أيضا، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، نحو هذا الحديث) (^١).
قلت: أراد المصنف أن يبين أن كلا الطريقين -أي: طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه، وطريق الزهري، عن عبد اللّه بن عبد اللّه، عن أبيه- كلاهما محفوظ، وأن الاختلاف الذي وقع في الإسناد لا يؤثر على صحة الخبر، فيكون قوله: (صحيح) من باب تأكيد الصحة، كما أن قوله (حسن صحيح) ثم قوله: (كلا الحديثين صحيح) من باب التفنن في العبارة كما تقدم في النوع الثاني، وأن مقصوده باللفظين -عندما حكم على هذا الخبر- واحد.
٥ - وقوله ﵀: (باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤٩٨ - ٥٠١).
[ ٢ / ٥٦ ]
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن مالك، أن ابن عمر صلى بجمع، فجمع بين الصلاتين بإقامة، وقال: رأيت رسول اللّه ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ … مثلَه.
قال محمد بن بشار: قال يحيى: والصواب حديث سفيان.
وفي الباب عن علي، وأبي أيوب، وعبد اللّه بن مسعود، وجابر، وأسامة بن زيد.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر روايةَ سفيان أصح من رواية إسماعيل بن أبي خالد، وحديث سفيان حديث حسن صحيح (^١).
قال: وروى إسرائيل هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر.
وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث صحيح (^٢) أيضا؛ رواه سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، وأما أبو إسحاق فإنما روى عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر) (^٣).
_________________
(١) في هامش تحقيق طبعة الرسالة (٩٠٣) أنه وقع في بعض النسخ: (حديث صحيح).
(٢) في هامش تحقيق طبعة الرسالة أنه وقع في بعض النسخ: (حديث حسن صحيح)، وكذا في المتن المثبت مع "تحفة الأحوذي" (٣/ ٣٦٠)، ولم يُذكر حكم الترمذي في "تحفة الأشراف" (٧٠٥٢).
(٣) "جامع الترمذي" (٩٠٤ - ٩٠٥).
[ ٢ / ٥٧ ]
قلت: أراد بقوله: (وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث صحيح) تأكيد صحة هذه الطريق، ولكن من رواية سلمة بن كهيل عن سعيد، وليس من رواية أبي إسحاق السبيعي عن سعيد، فإن هذه الطريق خطأ كما بين أبو عيسى نفسه، وأن الصواب في رواية أبي إسحاق إنما هو عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر، كما رواه سفيان الثوري.
وأما رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير، فهي خطأ.
وقوله: (هو حديث صحيح أيضا) فيه استعمال (حسن صحيح) و(صحيح) بمعنى واحد.
٦ - وقوله ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس قال -يرفع الحديث-: أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحُجْر.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح) (^١).
قلت (^٢) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف لا يحتج به كما ذهب إلى هذا عامة النقاد، وإذا كان أبو عيسى يرى قوته فإني أكاد أجزم بأنه لا يصل عنده إلى درجة الثقة الضابط لحديثه، إذًا لماذا صحّح حديثه هنا؟ كأنه أرأد أن يؤكد أن هذا الخبر محفوظ، ويؤكد هذا أنه لم يصحح له
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٩٣٨)، وكذا في "تحفة الأشراف" (٥٩٥٨)، وفي طبعة الشيخ أحمد شاكر (٩١٩): (حسن صحيح).
(٢) تقدم هذا المثال في الأمثلة التي تردد حكم الترمذي فيها برقم (٢)، وسيأتي أيضا -بكلام أوسع- في أمثلة ما قال عنه: (حسن صحيح) وهو في أدنى درجات القبول برقم (١٦).
[ ٢ / ٥٨ ]
سوى هذا الحديث، نعم هناك حديث آخر له صححه ولكن كان مقرونا بغيره.
قلت: والصواب في هذا الخبر أنه لا يصح بل هو معلول، فهو موقوف على ابن عباس كما رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمّام، عن عطاء، كما ذكر أبو داود (^١).
٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا سفيان ابن حبيب، عن هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.
وفي الباب عن عائشة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يحدث، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وأبو الشعثاء: اسمه جابر بن زيد) (^٢).
قلت: هنا إما أنه يريد تأكيد الصحة، أو يريد صحته بتعدد الطرق، أو يريد أنه أصح -أي من الحديث الذي حكم عليه بأنه حسن صحيح-، أو من باب التفنن، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١٨١٧).
(٢) "جامع الترمذي" (٨٦١ - ٨٦٣).
[ ٢ / ٥٩ ]