تقدم أن أبا عيسى قد تفنن في أحكامه على الأحاديث بعبارات شتّى، حتى إن هذه العبارات قد تصل إلى نحو المائتين، كما عدّها بعض الباحثين، والكثير منها يرجع إلى معانٍ متقاربة، وإنما يتفنن في التعبير بها، لذا كل المصطلحات الحديثية موجودة في كتابه.
وهذه سمة عند المتقدمين، فتجد أنهم لا يتقيدون بـ "صحيح" فقط، أو "حسن" فقط، أو "ضعيف" فقط، بل يعبرون بعبارات كثيرة، وهذا مرجعه إلى أمرين:
الأول: باب التفنن.
والثاني: درجة الحديث، إذ لا يخفى أن الصحيح درجات، فهناك الصحيح وهناك الأصح، وبينهما درجات كثيرة، فهناك المسلسل بالحفاظ، وهناك الذي رجاله ثقات حسب، وما جاء من وجه واحد، وما جاء من أوجه متعددة، وهناك المشهور، والغريب، فيعطون كلَّ حكمٍ ما يناسبه.
ودليل ذلك -مثلًا- النظر إلى أحكام علي بن المديني على الأحاديث، وسوف أذكر أمثلة منها حتى يتبين لك ذلك:
١ - روى علي بن المديني عن حسين بن علي الجُعفي، عن زائدة، عن عاصم -وهو ابن كليب-، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ: "من كان منكم ملتمسًا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر وترًا".
قال علي: (هو حديث صالح، ليس مما يسقط، وليس مما يحتجُّ به،
[ ٢ / ٤١ ]
وقد روي عن رسول الله ﷺ تثبيت هذا الحديث) (^١).
فانظر إلى دقته في الحكم؛ حكم عليه أولا بأنه صالح، ثم أضاف أنه ليس مما يسقط، ثم بين بأنه لا يصل إلى درجة الاحتجاج، وهذه الأحكام كلها على إسناد هذا الخبر، وأما المتن فبين بأنه محفوظ، وذلك لوروده من أوجه أخرى.
بينما غيره قد يكتفي بالحكم عليه بأن إسناده حسن.
٢ - وروى عن جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: قال عمر: لما أصبح رسول الله ﷺ بمكة دخل البيت فصلى ركعتين.
قال علي: (هذا حديث صالح الإسناد، ولم يرو عن عمر إلا من هذا الوجه) (^٢).
قلت: وقوله: (صالح الإسناد) من أجل يزيد بن أبي زياد، متكلم في حفظه، ولكنه ليس بالضعيف البين، وإنما فيه لين وضعف.
ثم بين علي بن المديني أن هذا الإسناد فرد، وهذا بالنسبة لروايته عن عمر، فلم يرو عنه إلا من هذا الوجه، ولا يخفى أن هذا الحكم دقيق؛ لأنه يحتاخ إلى أطلاع واسع.
٣ - وروى عن أبي النضر، عن أبي عقيل، عن مجالد بن سعيد، عن عامر، عن مسروق بن الأجدع، قال: لقيت عمر بن الخطاب، فقال لي: من أنت؟ قلت: مسروق بن الأجدع. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأجدع شيطان"، ولكنك مسروق بن عبد الرحمن.
_________________
(١) "مسند الفاروق" (١/ ٤٤١).
(٢) "مسند الفاروق" (١/ ٤٨٩).
[ ٢ / ٤٢ ]
قال عامر -أي: الشعبي-: فرأيته في الديوان: مسروق بن عبد الرحمن، فقلت: ما هذا؟ قال: هكذا سماني عمر.
قال علي: (هذا حديث صالح الإسناد، وليس بالصافي، وهو حديث كوفي، لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وأبو عقيل ضعّفه أبو أسامة) (^١).
قلت: فانظر إلى دقته في حكمه على هذا الخبر، فبين أنه صالح الإسخاد، ثم عقّب بأنه ليس بالصافي؛ لأن فيه أبا عقيل، وقد تكلّم فيه أبو أسامة، وتكلّم فيه غيره أيضًا، ولكن وثّقه الجمهور، وكأنّ له بعض الأشياء التي تستنكر، ولم يخرج له أبو داود في "السنن" سوى هذا الحديث (^٢).
وفيه مجالد أيضًا وفيه لين وضعف، فأصبح هذا الإسناد ليس بالصافي.
ثم بين بأنه من رواية أهل الكوفة، وأنه لم يروه غيرهم، وأنه لا يحفظه إلا من هذا الوجه، فهو حديث فرد.
٤ - وروى عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر … ذكر قصة خروجه إلى خيبر واعتداء اليهود عليه.
قال علي: (هذا إسناد مدني صالح، ولم نُصِبْه مسندا إلا من هذا الطريق، وقد رواه غير واحد عن نافع، ولم يرفعه أحد منهم إلى عمر بن الخطاب إلا محمد بن إسحاق) (^٣).
قلت: فانظر إلى هذه الدقة في الحكم، فقد بين أنه لم يروه إلا أهل المدينة، وأنه إسناد صالح، وأنه قد رواه غير واحد عن نافع، ولكن لم يرفعه منهم إلا ابن إسحاق.
_________________
(١) "مسند الفاروق" (١/ ٥٤٠).
(٢) "سنن أبي داود" (٤٩٥٧).
(٣) "مسند الفاروق" (٢/ ٤٠).
[ ٢ / ٤٣ ]
٥ - وروى عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لَهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني، قال: سمعت فَضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشهداء أربعة … " الحديث.
قال علي: (هذا حديث مصري، وهو صالح) (^١).
قلت: وقوله: (صالح)؛ لأن الراوي عن ابن لَهيعة هو ابن المبارك، وهو ممن سمع منه قديمًا، مع ملاحظة أنه لم يصححه أو يجود إسناده، ويبين ذلك:
٦ - ما قاله عن حديث آخر رواه روى حسن بن موسى الأشيب، عن ابن لَهيعة، عن أبي الأسود، أنه سمع محمد بن عبد الرحمن بن لَبيبة، يحدث عن أبي سنان الدُّؤلي، أنه دخل على عمر بن الخطاب … فذكر قصة، ثم قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فأنا أشفق من ذلك".
قال ابن كثير: (هذا إسناد جيد؛ لأن ابن لَهيعة قد صرح فيه بالتحديث، فزال محذور تدليسه، لكن قال الإمام علي بن المديني: الحسن بن موسى إنما سمع من ابن لَهيعة بآخرة، وإنما يروى حديث ابن لَهيعة ممن سمع منه قبل أن يصاب بكتبه؛ مثل ابن المبارك، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وابن وهب).
قال ابن كثير: (وسيأتي في باب السيرة موقوفا على عمر ﵁) (^٢).
فانظر الفرق بين حكم علي بن المديني وحكم ابن كثير.
_________________
(١) "مسند الفاروق" (٢/ ٢٩٦).
(٢) "مسند الفاروق" (٣/ ٥٥).
[ ٢ / ٤٤ ]
٧ - وروى عن يحيى القطان، عن شعبة، عن سلمة بن كُهيل، قال: سمعت أبا الحكم، قال: سألت ابن عمر عن الجر، فحدثنا عن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الجر، وعن الدُّبَّاء، وعن المُزَفَّت.
قال علي: (صالح الإسناد، ولا يُحفظ عن عمر إلا من هذا الوجه، وأبو الحكم هذا لا أعلم روى عنه إلا سلمة بن كهيل، وقد روي هذا الحديث من وجوه كثيرة عن الصحابة) (^١).
ويلاحظ أن (الصالح) عند ابن المديني ليس في درجة واحدة.
قلت: هذه أحكام يسيرة مما وُقف عليه من أحكام علي بن المديني، والذي وقُف عليه إنما هو قطعة من "مسند عمر" ليعقوب بن شيبة، نقل فيها عن شيخه علي بن المديني هذه الأحكام، وقد نقلها ابن كثير في "مسند الفاروق" له، وينظر في نفس الكتاب أحكامٌ أخرى له فيما يتعلق بالصحيح، والجيد، والحسن، وغير ذلك، فكيف لو وجد "مسنده المعلل"؟!
وبالله تعالى التوفيق.
ومن الأمثلة على هذا النوع:
١ - قال الترمذي ﵀: (باب فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع.
حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن عمران القطان، عن حميد، عن أنس، قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب".
وفي الباب عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر، وأبن عباس.
_________________
(١) "مسند الفاروق" (٢/ ٣٧٥).
[ ٢ / ٤٥ ]
حديث أنس حديث حسن صحيح.
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا حميد، عن ثابت، عن أنس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بشيخ كبير يُهادى بين ابنيه، فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر -يا رسول الله- أن يمشي، قال: "إن الله ﷿ لغني عن تعذيب هذا نفسه"، قال: فأمره أن يركب.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا …، فذكر نحوه.
هذا حديث صحيح) (^١).
قلت: هذا الحديث وقع فيه اختلاف في المتن وفي الإسناد:
أما في المتن، ففي الإسناد الأول: أن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله، وفي الإسنادين الثاني والثالث: أن رسول الله ﷺ مر بشيخ كبير يهادى بين ابنيه.
وأما الاختلاف في الإسناد، فمرة: حميد عن أنس، ومرة: بينهما ثابت.
فقول المصنف عن الإسناد الثالث: (هذا حديث صحيح)، كأنه يريد أن هذا الاختلاف لم يؤثر على صحة الحديث؛ لأنه اختلاف يسير، فسواء كان الناذر رجلًا أو امرأة فالحكم واحد.
وأما الإسناد فسواء كان حميد عن أنس، أو بينهما ثابت، فهذا أيضًا لا يؤثر، وفي عدة أحاديث يقول حميد -بعد أن يرويه عن أنس-: وثبتني فيه ثابت.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٦٢٨ - ١٦٣٠)، وكذا في طبعة الرسالة (١٦١٦ - ١٦١٨).
[ ٢ / ٤٦ ]
قلت: مع ملاحظة أن طريق عمران القطان عن حميد، فيها بعض النظر، فقد أخرج هذا الحديث الشيخان من طريق الفزاري (^١)، وأخرجه البخاري من طريق يحيى بن سعيد -هو القطان- (^٢)، ومسلم من طريق يزيد بن زريع (^٣)؛ كلهم عن حميد، عن ثابت، عن أنس.
وفي حديث الفزاري -وهو مروان بن معاوية- صرّح حميد بالتحديث من ثابت، ولفظه: أنه مرَّ بشيخ كبير يهادى بين ابنيه … الحديث.
وأما طريق ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، فقد تابعه يحيى بن سعيد الأنصاري عند النسَائِي (^٤).
فهذا يؤيد أن حميدا حدث به على الوجهين.
٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، قال: حدثني أبو النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول اللّه ﷺ قال: "رباط يوم في سبيل اللّه خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله - أو الغدوة - خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها".
هذا حديث صحيح) (^٥).
وفي "التحفة" للمزي: (حسن صحيح) (^٦).
قلت: أخرج الترمذي الحديث في موضع سابق (^٧)، وقال: (حسن
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٨٦٥)، "صحيح مسلم" (١٦٤٢).
(٢) "صحيح البخاري" (٦٧٠١).
(٣) "صحيح مسلم" (١٦٤٢).
(٤) "المجتبى" (٣٨٨٨)، وينظر: "صحيح ابن خزيمة" (٣٠٤٤)، "علل الدارقطني" (٢٤١١).
(٥) "جامع الترمذي" (١٧٧١).
(٦) "تحفة الأشراف" (٤٧٠٣).
(٧) برقم (١٧٥٦).
[ ٢ / ٤٧ ]
صحيح)، فكأن صاحب "التحفة" اكتفى بأحد الحكمين للترمذي، وهذا يدلّ على أن الترمذي يستعمل (صحيح) بمعنى (حسن صحيح) أحيانا.
٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي وأبو النضر، عن محمد بن طلحة بن مُصرِّف، عن زُبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "صلاة الوسطى صلاة العصر".
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح) (^١).
وأعاده أيضا في موضع آخر، قال: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو النضر وأبو داود، عن محمد بن طلحة بن مُصرِّف، عن زبيد، عن مرة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "صلاة الوسطى صلاة العصر".
وفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي هاشم بن عتبة، وأبي هريرة.
هذا حديث حسن صحيح) (^٢).
وهذا يقال فيه كما قيل في الذي قبله.
٤ - قال الترمذي ﵀: (باب ما ذكر في الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس بعد ذلك.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر ابن عبد الله، أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٨٢).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٢٤٥).
[ ٢ / ٤٨ ]
والعمل على هذا عند …، واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد روي من غير وجه عن جابر) (^١).
قلت: قال في الأول: (حسن صحيح)، ثم قال: (صحيح)، وهذا من باب التفنن في العبارة، وأن المقصود بهما واحد.
٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أتى الجمعة فليغتسل".
وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.
وروي عن الزهري، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا.
حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن النبي ﷺ مثله.
وقال محمد: وحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، وحديث عبد اللّه ابن عبد اللّه، عن أبيه؛ كلا الحديثين صحيح).
قلت: وهذا يؤكد ما تقدم تقريره.
ثم قال أبو عيسى: (وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر.
قال أبو عيسى: وقد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٥٩٠).
[ ٢ / ٤٩ ]
ورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ، فقال: أية ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول اللّه ﷺ أمر بالغسل!
حدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري) (^١).
* * *
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤٩٨ - ٥٠٠).
[ ٢ / ٥٠ ]