ومن الأمثلة على هذا النوع:
١ - قال أبو عيسى ﵀: (باب ما جاء في التجار وتسمية النبي ﷺ إياهم.
حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمَّى السماسرة، فقال: "يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة".
وفي الباب عن البراء بن عازب، ورفاعة.
حديث قيس بن أبي غَرَزَة حديث حسن صحيح، رواه منصور والأعمش وحبيب بن أبي ثابت وغير واحد، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، ولا نعرف لقيس عن النبي ﷺ غير هذا.
حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن قيس بن أبي غَرَزَة، عن النبي ﷺ … نحوه بمعناه.
وهذا حديث صحيح) (^١).
قلت: هكذا في طبعة التأصيل، والهندية الحجْرية مع "التحفة" (^٢)، وطبعة مكتبة المعارف التي معها "العارضة" (^٣)، وطبعة مصطفى الحلبي بتحقيق فؤاد عبد الباقي (^٤).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٢٥٧ - ١٢٥٨).
(٢) (٢/ ٢٢٧).
(٣) (٥/ ٢١٢).
(٤) (٣/ ٥٠٥).
[ ٢ / ٦٠ ]
وأما طبعة الرسالة (^١) ففيها: (حسن صحيح)، وهكذا في "تحفة الأشراف" (^٢)، ولكنه ساق الإسنادين ولم يذكر إلا حكما واحدا وهو (حسن صحيح)، فكأنه اختصر.
والأصوب الأول.
فإذا علم هذا، فلا شك أن الإسناد الثاني أصح من الأول، فهل حكم عليه بأنه (صحيح) من أجل ذلك؟ هذا محتمل.
ويحتمل أيضا أنه حكم على الإسناد الثاني بأنه (صحيح) من أجل تعدد الأسانيد، وأن الخبر كلما زادت أسانيده قويَ، وبالتالي زادت صحته، فيكون (صحيح) أصح من (حسن صحيح)، وهذا مثل الاحتمال الأول.
ويحتمل تأكيد الصحة، وهذا أيضا يعود إلى الاحتمال الأول، ويحتمل التفنن، واللّه أعلم.
٢ - وقال ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ.
وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ؛ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنَّه قد روي من غير وجه.
وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح.
_________________
(١) (٣/ ٦٨).
(٢) (١١١٠٣).
[ ٢ / ٦١ ]
حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ، يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل".
قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: وهذا أيضا مثال على استعمال (حسن صحيح) بمعنى (صحيح)، ويريد أيضا التأكيد بأن هذا الحديث صحيح، وأنَّه ليس بخطأ، وقد نقل عن البخاري -كما تقدم- أن طريق أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح، يعني أن طريق أبي سلمة عن أبي هريرة خطأ، فدفع الترمذي ذلك بتأكيد صحة كلا الطريقين (^٢).
قلت: وحديث أبي محذورة المتقدم (^٣) الذي في الأذان هو في نفس هذا المسلك، أكد صحته بأنه روي من غير وجه، وأن ما في الإسناد من بعض الضعف لا يؤثر على ثبوت هذا الخبر وصحته.
مع ملاحظة أنه لا يسلك هذا المنهج دائما، ففي بعض المواضع يذكر أنه روي من غير وجه ومع ذلك لا يصححه (^٤).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢٢، ٢٣)، وفي "تحفة الأشراف" (٣٧٦٦): (صحيح).
(٢) سيأتي هذا المثال أيضا في النوع الخامس من هذا المصطلح.
(٣) تقدم في النوع الثالث من هذا المصطلح برقم (٢).
(٤) ينظر: "جامع الترمذي" (٤١٥).
[ ٢ / ٦٢ ]
٣ - وقال ﵀: (باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثَقَلٍ من جَمْعٍ بليل.
وفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأسماء بنت أبي بكر، والفضل بن عباس.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثَقَلٍ من جمع بليل، حديث صحيح، روي عنه من غير وجه …
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدّم ضعفة أهله، وقال: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: صححه، ومن أسباب ذلك أنه روي من غير وجه، وكأنه هنا أصح مما حكم عليه بأنه حسن صحيح.
٤ - وقال ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بعثنا رسول اللّه ﷺ في سرية، فنزلنا بقوم فسألناهم القِرى فلم يقرونا، فلدغ سيدهم، فأتونا فقالوا: هل فيكم من يرقي من العقرب؟ قلت: نعم أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غَنْما، قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، فقبلنا، فقرأت عليه: ﴿الحَمْدُ﴾ سبع مرات فبرأ، وقبضنا الغَنْم، قال: فعرض في أنفسنا منها شيء، فقلنا: لا تعجلوا حتى تأتوا رسول الله ﷺ، قال: فلما قدمنا عليه ذكرت له الذي صنعت، قال: "وما علمت أنها رقية؟ اقبضوا الغَنْم واضربوا لي معكم بسهم".
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٩٠٩ - ٩١٠).
[ ٢ / ٦٣ ]
هذا حديث حسن صحيح.
وأبو نضرة اسمه: المنذر بن مالك بن قُطَعة.
وروى شعبة وأبو عوانة وغير واحد، [عن أبي بشر] (^١)، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد هذا الحديث.
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو بشر، قال: سمعت أبا المتوكِّل، يحدث عن أبي سعيد، أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ مروا بحي من العرب فلم يقروهم ولم يضيفوهم، فاشتكى سيدهم فأتونا، فقالوا: هل عندكم دواء؟ قلنا: نعم، ولكنكم لم تَقْرونا ولم تُضَيِّفونا، فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلا، فجعلوا على ذلك قطيعا من غَنْم، فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب فبرأ، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرنا ذلك له، قال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ولم يذكر نهيا منه، وقال: "كلوا واضربوا لي معكم بسهم".
هذا حديث صحيح، وهذا أصح من حديث الأعمش، عن جعفر بن إياس.
وهكذا روى غير واحد هذا الحديث، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد.
وجعفر بن إياس هو: جعفر بن أبي وحشية) (^٢).
قلت: يلاحظ في الطريق الأولى: رواه الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة.
_________________
(١) زيادة من "تحفة الأشراف" (٤٣٠٧)، وجاءت في بعض النسخ كما في هامش تحقيق طبعة التأصيل.
(٢) "جامع الترمذي" (٢٢٠٤ - ٢٢٠٥).
[ ٢ / ٦٤ ]
وفي الطريق الثانية: رواه الجماعة؛ وهم شعبة عند البخاري ومسلم (^١)، وأبو عوانة عند البخاري (^٢)، وهشيم عند مسلم (^٣)، كلهم عن جعفر بن إياس، عن (أبي المتوكل)، بدل (أبي نضرة).
فهل هذا اختلاف كما ذكر النسائي في "الكبرى" (^٤) فيصار إلى الترجيح، أو أن جعفر بن إياس روى هذا الحديث عن أبي نضرة وأبي المتوكل فيكون كلا الطريقين محفوظ؟
هناك من ذهب إلى الأول؛ كأبي زرعة في "العلل" لابن أبي حاتم، فقال: (وهم الأعمش) (^٥)، وابن ماجه، وقال: (والصواب هو أبو المتوكل) (^٦)، والدارقطني في "العلل"، وقال: (وهو الصحيح) (^٧). وهذا هو مقتضى صنيع البخاري ومسلم.
والذي يظهر أن المصنف يصحح كلا الطريقين، ولكن الطريق الثانية عنده أصح؛ لأنها رواية الجماعة، وذلك أنه حكم على طريق الأعمش بأنها (حسن صحيح)، ويؤيد ذلك أنه لم يذكر هذا الحديث في كتابه "العلل الكبير"، فلو كانت معلولة عنده لذكرها، والله تعالى أعلم.
وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في "الفتح" فقال: (والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان، لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه) (^٨).
ولا شك في صحة الطريق الثانية، وأما الأولى فاحتمال صحتها قوي،
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥٧٣٦)، "صحيح مسلم" (٢٢٠١).
(٢) "صحيح البخاري" (٢٢٧٦، ٥٧٤٩).
(٣) "صحيح مسلم" (٢٢٠١).
(٤) (١٠٩٧٧ - ١٠٩٨٠).
(٥) (٢٥٦٥).
(٦) "سنن ابن ماجه" (٣/ ٢٨٥).
(٧) (٢٣٢٠).
(٨) (٤/ ٤٥٥).
[ ٢ / ٦٥ ]
وقد رواها عن الأعمش جمع من أصحابه، وهذا يدل على تحديثه بها مرات، كما أن أحدا من أصحابه لم ينكر عليه أو يراجعه في ذلك، لأن الطريق الأخرى غالبا لا تخفى عليهم، وصحّحها ابن حبان (^١) والحاكم (^٢)، ولم يعلَّها الدارقطنيُّ في "السنن" (^٣)، فقد رواها وسكت عنها، والله أعلم.
وقد تميز كلام المصنف عن كلام غيره من الحفاظ بتصحيح كلا الطريقين، مع ترجيح الطريق الثانية، بخلاف غيره فإنما صحح الطريق الثانية فقط أو كلا الطريقين، وهذا له نظائر عند المصنف (^٤).
* * *
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (٦١١٢).
(٢) "المستدرك" (٢٠٥٤).
(٣) (٣٠٣٤ - ٣٠٣٥). قال الدارقطني بعد إيراده رواية الأعمش: (خالفه شعبة)، ثم ساق روايته (٣٠٣٦).
(٤) ينظر: "جامع الترمذي" (٢٢).
[ ٢ / ٦٦ ]