قد يظن ظانٌّ أن الترمذي إنما يتابع شيخه البخاري في كل شيء، وهذا غير صحيح، بل الترمذي إمام مجتهد، وقد وافق البخاري في مسائل كثيرة، ولكنه خالفه أيضا في مسائل عديدة، واستدرك عليه مسائل أخرى، فمن المسائل التي خالفه فيها:
١ - قال ﵀: (سألت محمد بن إسماعيل، عن محمد - يعني: ابن
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٢٣١ - ٢٣٢). (٤١٨ - ٤١٩)، وهو في "صحيح البخاري" (٦٧٧٣، ٦٧٧٦).
[ ١ / ٦٢ ]
فضيل - ورشدين بن كريب أيهما أوثق؟ قال: ما أقربهما، ومحمد عندي أرجح.
وسألت عبد الله بن عبد الرحمن، عن هذا؟ فقال: ما أقربهما، ورشدين بن كريب أرجحهما عندي.
والقول عندي ما قال أبو محمد - يعني: الدرامي -، ورشدين أرجح من محمد وأقدم، وقد أدرك رشدين ابن عباس ورآه) (^١).
٢ - وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين.
وفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب.
وسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (^٢).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، قال: قام رجل فأثنى على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثو في وجهه التراب وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المدّاحين التراب.
وقال يزيد بن أبي زياد: عن مجاهد، عن ابن عباس، عن المقداد من حديث أبي أسامة، عن زائدة، عن يزيد.
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: رواه جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد أن المقداد مرسل.
_________________
(١) "الجامع" (٤/ ٢٥٥)، وينظر تعليق المحققين.
(٢) "الجامع" (٢/ ٥٨٩)، وينظر تعليق المحققين.
[ ١ / ٦٣ ]
ويروى عن يزيد، عن مجاهد، عن ابن عباس.
وروى حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد.
قال محمد: وحديث يزيد، عن مجاهد مرسلا أصح.
ويزيد بن أبي زياد صدوق ولكنه يغلط.
قال أبو عيسى: وحديث حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد هو عندي أصح من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباس) (^١).
٤ - وقال أيضا: (حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام.
فسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه نظر.
قال أبو عيسى: لا يعرف عن عبيد الله إلا من وجه رواية حفص، وإنما يعرف من حديث عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر، وأبو البزري اسمه يزيد بن عطارد) (^٢).
قلت: قال الترمذي في "الجامع": حسن صحيح غريب (^٣).
٥ - وقال أيضا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٣٣٠ - ٣٣١). (٦١٣).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٣١٠ - ٣١١). (٥٧٨).
(٣) "الجامع" (٣/ ١٣٢). (٢٠٠٢)، وكذا هو في "تحفة الأشراف" (٦/ ١٢٥) (٧٨٢١).
[ ١ / ٦٤ ]
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ.
وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه.
وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح) (^١).
٦ - وقال أيضا: (فسألت محمدا عن هذا الحديث أيهما أصح فقال: حديث زيد بن خالد أصح.
قال أبو عيسى: وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة عندي هو صحيح أيضا؛ لأن هذا الحديث معروف من حديث أبي هريرة وفي حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد زيادة ما ليس في حديث أبي هريرة، وكلاهما عندي صحيح) (^٢).
٧ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق قال: حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإن لي مخرفا، فأشهدك أني قد تصدقت به عنها.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وبه يقول أهل العلم، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء.
_________________
(١) "الجامع" (١/ ٢٩٠). (٢٢).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٣١). (١٤).
[ ١ / ٦٥ ]
وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).
قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (^٢)، وحسنه الترمذي.
* * *