يحتمل أن يكون مقصوده ألا يكون الحديث ليس له إلا إسناد واحد، ولذا قال في الشرط الثالث: (أن يروى من غير وجه).
فعلى هذا يكون الشرطان الثاني والثالث شرطا واحدا.
ويحتمل أنه يقصد أيضا شذوذ المتن، وهو المتن المخالف لغيره من الأحاديث الصحيحة، وهو ما قاله ابن رجب: (والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي: وهو أن يروي الثقات عن النبي ﷺ خلافه) (^١).
قلت: الذي أميل إليه أن الترمذي يقصد كلا الأمرين، فأحيانا إذا كان إسناد الخبر بيّن الغرابة لا يحسِّنه، وكذا إذا كان متن الخبر غريبا، ومثاله:
_________________
(١) "شرح علل الترمذي" (١/ ٣٨٤).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
قال أبو عيسى: (١٢١٣ - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا تلجوا على المغيبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم". قلنا: ومنك؟ قال: "ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه).
قلت: هذا الخبر غريب من حديث الإسناد، وأما المتن فإنه معروف؛ فقد جاء من أوجه أخرى، فهذا الخبر امتنع من تحسينه لغرابة إسناده، مع أنه يحسِّن لمجالد في بعض الأحيان.
وقال أبو عيسى: (١٣١٧ - حدثنا علي بن خَشرم، قال: أخبرنا عيسى ابن يونس، عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله ﷺ عنه، وقلت: إنه ليتيم، فقال: "أهريقوه". وفي الباب عن أنس بن مالك.
حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ نحو هذا).
قلت: وهذا يؤكد ما تقدم، ولذا عندما روي هذا الحديث من غير وجه؛ حسّنه.
وأما مثال غرابة المتن: قال أبو عيسى: (١٢١٩ - حدثنا علي بن نصر ابن علي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل علمت أن أحدا قال في (أمرك بيدك) إنها ثلاث إلا الحسن؟ فقال: لا، إلا الحسن، ثم قال: اللهم غفرا، إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث".
[ ٢ / ٢٣١ ]
قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته، فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.
هذا حديث، لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكان علي بن نصر حافظا صاحب حديث).
قلت: رجاله ثقات سوى كثير فإنه ليس بالمشهور، وقد وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
ولم يحسنه لنكارة متنه، فقد ذكر عن أيوب قال: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته، فلم يعرفه.
وقال النَّسَائِي: (هذا حديث منكر) (^١).
وقال البيهقي: (قول العامة بخلاف رواية كثير) (^٢).
وقال أبو عيسى: (١٢٢٥ - حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني مظاهر بن أسلم، قال: حدثني القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان".
قال محمد بن يحيى، وحدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا مظاهر بهذا.
وفي الباب عن عبد الله بن عمر.
حديث عائشة حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث).
_________________
(١) "المجتبى" (٣٤٣٥).
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" (١٥١٥١).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قلت: لم يحسنه لنكارة متنه، فقد بين المؤلف أن هذا المتن لا يعرف مرفوعًا، وقد ثبت موقوفًا عن ابن عمر.
وسوف يأتي الكلام على هذا الحديث.
مع ملاحظة أن كل غرابة في المتن يلزم منها غرابة في الإسناد، لا العكس.