من الأمور التي اعتنى بها أبو عيسى في كتابه بيانُ معاني الألفاظ الغريبة في الأحاديث النبوية، وذلك إما من قبله، وإما من خلال النقل عن أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه".
ومعنى قوله: "لا يثوي عنده" يعني: الضيف لا يقيم عنده حتى يشتد على صاحب المنزل، والحرج هو الضيق، إنما قوله: "حتى يحرجه"، يقول: حتى يضيق عليه) (^١).
٢ - وذكر حديث أبي هريرة في ساعة الاستجابة يوم الجمعة، وفيه أنه قال: فلقيت عبدالله بن سلام فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم بتلك الساعة، فقلت: أخبرني بها ولا تضنن بها علي … الخ، ثم قال: (ومعنى قوله أخبرني بها ولا تضنن بها علي: لا تبخل بها علي، والضن: البخل، والظنين: المتهم) (^٢).
٣ - وذكر حديث ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإن لي مخرفا،
_________________
(١) (٢٠٩٥).
(٢) (٤٩٧).
[ ١ / ٢٩٢ ]
فأشهدك أني قد تصدقت به عنها. ثم قال: (ومعنى قوله: "إن لي مخرفا" يعني: بستانا) (^١).
٤ - وقال: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ، قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو، قال: "الحمو الموت".
وفي الباب عن عمر، وجابر، وعمرو بن العاص.
حديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح، وإنما معنى كراهية الدخول على النساء على نحو ما روي عن النبي ﷺ قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان".
ومعنى قوله: الحمو، يقال: الحمو هو أخ الزوج، كأنه كره له أن يخلو بها) (^٢).
٥ - وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". ثم قال: (وتفسير حديث النبي ﷺ العجماء جرحها جبار، يقول: هدر لا دية فيه.
ومعنى قوله: العجماء جرحها جبار، فسر ذلك بعض أهل العلم قالوا: العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار، يقول: إذا احتفر الرجل معدنا فوقع فيها إنسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل، فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد في دفن أهل الجاهلية فمن وجد ركازا أدى منه الخمس إلى السلطان وما بقي فهو له) (^٣).
_________________
(١) (٦٧٤).
(٢) (١٢١٢).
(٣) (١٤٤٠، ١٤٤١).
[ ١ / ٢٩٣ ]
٦ - وذكر حديث ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فجاض الناس جيضة، فقدمنا المدينة، فاختبأنا بها وقلنا: هلكنا، ثم أتينا رسول الله ﷺ، فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرارون، قال: "بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم". ثم قال: (ومعنى قوله: فجاض الناس جيضة، يعني: أنهم فروا من القتال، ومعنى قوله: "بل أنتم العكارون"، والعكار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس يريد الفرار من الزحف) (^١).
٧ - وذكر حديث البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من منح منيحة لبن، أو ورق، أو هدى زقاقا، كان له مثل عتق رقبة". ثم قال: (ومعنى قوله: "من منح منيحة ورق" إنما يعني به: قرض الدراهم، قوله: "أو هدى زقاقا": يعني به هداية الطريق وهو إرشاد السبيل) (^٢).
٨ - وذكر حديث عبدالله بن سرجس، قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكاَبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال". ثم قال: (ويروى "الحور بعد الكون" أيضًا، قال: ومعنى قوله: "الحور بعد الكون"، أو "الكور"، وكلاهما له وجه، يقال: إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر) (^٣).
_________________
(١) (١٨٢٥).
(٢) (٢٠٨٤).
(٣) (٣٧٦٠).
[ ١ / ٢٩٤ ]