في هذا المبحث سوف أبين بمشيئة الله مقصود الترمذي من هذا المصطلح، ولذا سوف أستعرض ما حكم عليه الترمذي بذلك بالدراسة، ومن خلال ذلك سوف يتبين مقصوده، مع ملاحظة أن نسخ "الجامع" قد وقع بينها بعض الاختلاف في ذلك.
وسوف أبدأ أولا بطبعتي أحمد شاكر - فيما حققه وعلق عليه من الأحاديث - وبشار عواد (^١).
١ - قال أبو عيسى: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن القاسم بن الفضل، قال: حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى تكلّم السباعُ الإنسَ، وحتى تكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراكُ نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده".
وفي الباب: عن أبي هريرة.
وهذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون عند أهل الحديث، وثقه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي) (^٢).
وفي "التحفة" (^٣): (حسن غريب صحيح)، وكذا في طبعة الرسالة (^٤) والتأصيل.
_________________
(١) النص المثبت هو نص طبعة دار التأصيل - الطبعة الثانية -، عدا الأحكام فهي على طبعة بشار عواد، والعزو إلى الرقم في طبعة التأصيل.
(٢) "جامع الترمذي" (٢٣٣٥).
(٣) (٤٣٧١).
(٤) (٢٣٢٢).
[ ٢ / ٩٩ ]
ورواه أحمد في "مسنده" (^١) فقال: (حدثنا يزيد، أخبرنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي! ذئب مُقعٍ على ذنبه يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك: محمد ﷺ بيثرب، يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غَنْمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: "أخبرهم"، فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ: "صدق والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباعُ الإنس، ويكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراكُ نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده").
ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (^٢) فقال: (أخبرنا أبو محمد جَناح بن نذير بن جَناح القاضي بالكوفة، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم الشيباني، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: بينما راع يرعى بالحَرَّة إذ عرض ذئب لشاة من شياهه، فحال الراعي بين الذئب والشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال للراعي: ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي، فقال الراعي: العجب من ذئب مقع على ذنبه يتكلم بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أحدثك بأعجب مني! رسول الله ﷺ بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فساق الراعي شاة حتى أتى المدينة، فزوى إلى زاوية من زواياها، ثم دخل على النبي ﷺ فحدثه بحديث الذئب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس، فقال للراعي: "قم
_________________
(١) (١١٧٩٢).
(٢) (٦/ ٤١).
[ ٢ / ١٠٠ ]
فأخبرهم"، قال: فأخبر الناس بما قال الذئب، فقال رسول الله ﷺ: "صدق الراعي، ألا إنه من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلمَ السباعُ الإنسَ، ويكلم الرجلَ شراكُ نعله، وعذبةُ سوطه، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده".
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن القاسم بن الفضل، حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بنحوه.
هذا إسناد صحيح، وله شاهد من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري ﵁).
قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى الترمذي وأبو بكر البيهقي من صحة هذا الخبر، وأنه كما قال أبو عيسى: (لا يعرف إلا من حديث القاسم بن الفضل)، ولذا حكم بغرابته، وقول الترمذي: (حسن غريب صحيح) يريد به تصحيح هذا الخبر، وأنه مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب).
٢ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في فضل الخدمة في سبيل الله. حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا معاوية ابن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم الطائي، أنه سأل رسول الله ﷺ: أي الصدقة أفضل؟ قال: "خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طَروقَةُ فحلٍ في سبيل الله".
وقد روي عن معاوية بن صالح هذا الحديث مرسلا، وخولف زيد في بعض إسناده.
وروى الوليد بن جميل هذا الحديث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ.
[ ٢ / ١٠١ ]
حدثنا بذلك زياد بن أيوب، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، ومنيحة خادم في سبيل الله، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله".
هذا حديث حسن صحيح غريب، وهو أصح عندي من حديث معاوية ابن صالح) (^١).
وفي "التحفة" (^٢): (حسن غريب صحيح)، وكذا في طبعة الرسالة (^٣) والتأصيل، وهو الصواب.
وقال أبو عيسى أيضا في "العلل الكبير" (^٤): (حدثنا محمد بن رافع، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم، أنه سأل رسول الله ﷺ، أي الصدقة أفضل؟ فقال: "خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله".
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عدي بن حاتم سأل رسول الله ﷺ: مرسل.
ورواه الوليد بن جميل الفلسطيني، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة.
قال محمد: ولا أعرف أحدا روى عن الوليد بن جميل غير يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم، والوليد بن جميل مقارب الحديث).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٧٣٢ - ١٧٣٣).
(٢) (٤٩٠٥).
(٣) (٣/ ٤٤٠).
(٤) (٤٩٢ - ٤٩٣).
[ ٢ / ١٠٢ ]
أما حديث عدي بن حاتم، فأخرجه الطبراني في "الكبير" (^١) و"الأوسط" (^٢) و"مسند الشاميين" (^٣)، والحاكم (^٤)، من طريق معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم الطائي به.
قال الطبراني: (لا يروى هذا الحديث عن عدي بن حاتم إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاوية).
وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه).
وأما حديث أبي أمامة، فأخرجه الطبراني في "الكبير" (^٥)، وابن عدي في "الكامل" (^٦).
قلت: والذي يظهر لي أن المقصود بقول الترمذي: (حسن غريب صحيح) أنه بمعنى (حسن صحيح غريب)، والدليل على ذلك: أن الترمذي خرّج حديثا عن محمد بن عبد الأعلى، عن سلمة بن رجاء، عن الوليد بن جميل، عن القاسم، عن أبي أمامة: ذُكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم … الحديث. وقال: (حسن صحيح غريب) (^٧).
نعم؛ خرج الترمذي حديثا آخر بنفس الإسناد، فقال: (حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم
_________________
(١) (١٧/ ١٠٥).
(٢) (٣٢٩٦).
(٣) (١٩٤٠).
(٤) "المستدرك" (٢٤٥٢).
(٥) (٧٩١٦).
(٦) (١٠/ ٢٧٨).
(٧) "جامع الترمذي" (٢٨٩٣)، وكذا في "تحفة الأشراف" (٤٩٠٧)، وفي طبعة التأصيل والرسالة (٥/ ٦٢٠): (حسن غريب صحيح)، وفي طبعة أحمد شاكر: (غريب) فقط.
[ ٢ / ١٠٣ ]
تُهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله". هذا حديث حسن غريب) (^١). ولم يصححه.
والجواب عن ذلك: أن هذا قد يكون من باب الاختلاف في الاجتهاد، أو أنه قد أنكر شيئا في متنه، والعلم عند الله تعالى.
والوليد بن جميل قد اختلف فيه، والراجح أنه صدوق، وهذا هو اختيار الترمذي؛ لأنه نقل عن البخاري أنه قال عنه: مقارب الحديث. كما تقدم. وأما استغراب الترمذي له، فلتفرد القاسم به.
وقد جاء من طريق آخر في "مسند أحمد" (^٢) من زوائد ابنه عبد الله؛ قال عبد الله: (وجدت في كتاب أبي بخط يده - وأظن أني قد سمعته أنا من الحكم -: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مُطَّرِح بن يزيد الكناني، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ، أي الصدقة أفضل؟ قال: "ظل فسطاط في سبيل الله، أو خدمة خادم في سبيل الله، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله".
قلت: وهذا إسناد واهٍ مطَّرحٌ، نُقل الإجماع على ضعفه (^٣)، وعبيد الله ابن زَحْر وعلي بن يزيد لا يحتج بهما، ولكنه يقوي الإسناد السابق، كما أن الإسناد السابق يقويه؛ لأنه يدل على أن هؤلاء الضعفاء قد حفظوا هذا الخبر، فيزداد هذا الخبر قوة بهذين الإسنادين.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٧٧٦).
(٢) (٢٢٣٢١).
(٣) ينظر: "تهذيب الكمال" (٢٨/ ٦٠) و"إكمال تهذيب الكمال" (١١/ ٢٢٦).
[ ٢ / ١٠٤ ]
٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن مروان بن الحكم قال: اذهب يا رافع - لبوّابه - إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرحا بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبنّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وتلا ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨]. قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتابهم وما سألهم عنه. هذا حديث حسن صحيح غريب) (^١).
وفي "تحفة الأشراف" (^٢)، وطبعة الرسالة (^٣) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).
وأخرجه البخاري (^٤) عن محمد بن مقاتل، ومسلم (^٥) عن زهير بن حرب وهارون بن عبد الله، والنسائي في "الكبرى" (^٦) عن الحسن بن محمد الزعفراني ويوسف بن سعيد بن مسلم، خمستهم عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أخبره أن مروان به.
وأخرجه البخاري (^٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٢٧٩).
(٢) (٥٤١٤).
(٣) (٣٢٦١).
(٤) "صحيح البخاري" (٤٥٦٨).
(٥) "صحيح مسلم" (٢٧٧٨).
(٦) (١١١٩٦).
(٧) "صحيح البخاري" (٤٥٦٨).
[ ٢ / ١٠٥ ]
جريج أخبرهم، عن ابن أبي مليكة، أن علقمة بن وقاص أخبره، أن مروان قال … فذكره. وقال: (تابعه عبد الرزاق عن ابن جريج).
قلت: فتبين مما تقدم صحة هذا الخبر كما ذهب إليه الشيخان، وعلى هذا يكون قول الترمذي: (حسن غريب صحيح) يريد به صحة هذا الخبر.
٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، قال: حدثنا عثمان ابن عمر ويحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قالا: حدثنا معاذ ابن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما أتخذ المنبر حن الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن.
وفي الباب: عن أنس، وجابر، وسهل بن سعد، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأم سلمة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح.
ومعاذ بن العلاء، هو بصري، وهو أخو أبي عمرو بن العلاء) (^١).
هكذا في النسخ المطبوعة (^٢): (حسن غريب صحيح)، وفي "التحفة" (^٣): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا الحديث صحيح، فقد رواه البخاري في كتابه "الصحيح" (^٤) من طريق (يحيى بن كثير، قال: حدثنا أبو حفص - واسمه: عمر بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء -، قال: سمعت نافعا، عن ابن عمر ﵄، كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٥١١).
(٢) طبعة بشار (٥٠٥)، وأحمد شاكر (٥٠٥)، والتأصيل (٥١١)، والرسالة (٥١٠).
(٣) (٨٤٤٩).
(٤) (٣٥٨٣).
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا. ورواه أبو عاصم، عن ابن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ).
قلت: وأما الاختلاف الذي وقع في اسم معاذ بن العلاء وأنه عمر، فالصواب معاذ (^١)، وهو ثقة، فقد وثقه يحيى بن معين (^٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (^٣)، وروى عنه يحيى بن سعيد القطان (^٤)، وهو غالبا لا يروي إلا عن ثقة.
وأما من قال إنهما أخوان معاذ وعمر، وكلاهما قد رويا هذا الحديث عن نافع (^٥)، فهذا بعيد.
فتبين أن مراد الترمذي بقوله: (حسن غريب صحيح) هو صحة هذا الخبر.
وأما حكم أبي عيسى على هذا الحديث بالغرابة؛ فلتفرد معاذ بن العلاء بروايته عن نافع، وإن كان قد تابعه عبد العزيز بن أبي روّاد - كما ذكره البخاري - فغرابته باقية؛ لأن المشهورين من أصحاب نافع - كمالك وعبيد الله بن عمر وغيرهما - لم تنقل عنهم روايته، ولكن الخبر صحيح كما تقدم، وقد جاءت قصة حنين الجذع عن جمع من الصحابة.
٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (٧/ ٤٨٧).
(٢) "تاريخ ابن معين" رواية ابن محرز (١/ ١٠١).
(٣) (٧/ ٤٨٢).
(٤) ينظر: "تهذيب الكمال" (٢٨/ ١٢٨).
(٥) ينظر: "الفتح" لابن حجر (٦/ ٦٠٢).
[ ٢ / ١٠٧ ]
وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي ﷺ أنه ذكر أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول: لا إله إلا الله، في رَحْمَة الله، أو خشية أن يرحمه. هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه) (^١).
قلت: هذا الحديث قال عنه أبو عيسى: (حسن صحيح غريب)، كما في طبعة د. بشار، والرسالة (^٢).
وأما في "تحفة الأشراف" (^٣) فلم ينقل المزي عن الترمذي شيئا في الحكم على هذا الحديث، ولكن محقق الكتاب وضع بين حاصرتين: (حسن غريب صحيح)، فتكون هذه الزيادة منه، ويظهر أنه وقف عليها في بعض النسخ، ولا يخفى أن مثل هذا لا يكفي في كون الترمذي حكم على هذا الخبر بذلك، بل الأرجح أنه حكم عليه بقوله: (حسن صحيح غريب) كما تقدم، وهذا الحديث صحيح إلى ابن عباس، ولكن بقي: هل هو مرفوع أو موقوف؟
جزم شعبة برفعه عن أحدهما، والذي يظهر أن الذي رفعه هو عطاء، كما في رواية عمرو بن حكّام - عند ابن جرير (^٤) - عن شعبة، عن عطاء بن السائب، به مرفوعا.
وأخرجه أيضا (^٥) من طريق عمرو بن محمد العنقزي، عن شعبة، عن عطاء به كذلك، ولكن وقع عنده: عن عطاء، عن عدي بن ثابت. وهذا خطأ، ولعله عن عطاء وعدي، كما تقدم.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٣٨٧).
(٢) (٣٣٦٧).
(٣) (٥٥٦١). وفي طبعة التأصيل: (حسن غريب صحيح)، وذكروا أنه وقع في بعض النسخ: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وفي بعضها: (حسن غريب)، وفي بعضها: (حسن صحيح).
(٤) "تفسير الطبري" (١٢/ ٢٧٧).
(٥) المصدر نفسه (١٢/ ٢٧٦).
[ ٢ / ١٠٨ ]
ولكن في طبعة التركي: (عن عطاء بن السائب وعن عدي بن ثابت).
وقالوا عن الواو: (سقط من النسخ، والمثبت هو الصواب كما في الحديث السابق).
وأخرجه أيضا (^١) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن شعبة، عن عدي بن ثابت به موقوفا.
وأما ما رواه الحاكم (^٢) - وعنه البيهقي (^٣) - من طريق نضر بن شميل، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، به مرفوعا.
فالجواب عنه ما قاله الحاكم - بعد أن صحح هذا الإسناد على شرط الشيخين - قال: (إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس).
فيكون الراجح من طريق عدي بن ثابت وقف هذا الخبر، وعدي لا شك أنه أوثق من عطاء.
ويؤيد الوقف ما رواه ابن جرير (^٤) من طريق عمر بن يعلى، عن سعيد بن جبير، به موقوفا.
وأما ما رواه الإمام أحمد (^٥) قال: حدثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة -، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، به مرفوعا.
وأخرجه الترمذي (^٦) وابن جرير الطبري (^٧) من طريق حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، به.
_________________
(١) المصدر نفسه (١٢/ ٢٧٧).
(٢) "المستدرك" (٣٣٠٣).
(٣) "شعب الإيمان" (٨٩٤٥).
(٤) "تفسير الطبري" (١٢/ ٢٧٨).
(٥) "مسند أحمد" (٢٢٠٣).
(٦) "جامع الترمذي" (٣٣٨٦).
(٧) "تفسير الطبري" (١٢/ ٢٧٧).
[ ٢ / ١٠٩ ]
وجاء من طرق أخرى عن حماد به.
فالجواب عنه: أن علي بن زيد بن جدعان لا يحتج به، ولذا قال أبو عيسى عن هذا الإسناد: (هذا حديث حسن)، ولم يصححه.
وقد أخرجه ابن جرير (^١) فقال: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرني من سمع ميمون بن مهران ..)، فذكره مقطوعا على ميمون.
٦ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني، فأنزل الله ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨].
قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. هذا حديث حسن صحيح غريب.
وفيه: عن أبي هريرة) (^٢).
قلت: هذا الحديث حكم عليه أبو عيسى: (حسن غريب صحيح) كما في "تحفة الأشراف" (^٣) وطبعة التأصيل، وأما في طبعة بشار (^٤) والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا الحديث إسناده قوي، وقد توبع أبو خالد الأحمر؛ تابعه وهيب عند أحمد (^٦)، وعبد الوهاب بن عطاء وعبد الرحمن بن محمد المحاربي عند الحاكم (^٧).
_________________
(١) (١٢/ ٢٧٧).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٦٦٤).
(٣) (٦٠٨٢).
(٤) (٣٣٤٩).
(٥) (٣٦٤٣).
(٦) "المسند" (٣٠٤٤).
(٧) "المستدرك" (٣٨٥٥).
[ ٢ / ١١٠ ]
وجاء بنحوه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة به.
أخرجه البخاري (^١) وقال: (تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله - يعني ابن عمرو -، عن عبد الكريم).
وأخرجه أبو عيسى (^٢) قال: (حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق به). وقال: (حسن صحيح غريب) (^٣). وفي "تحفة الأشراف" (^٤): (حسن غريب صحيح)، فإن كان أبو عيسى حكم بذلك، فيكون من قبيل التفنن في العبارة؛ لأن هذا الخبر بهذا الإسناد صحيح، فهو عند أبي عيسى مساو لحكمه حسن صحيح.
وكذا يقال عن طريق أبي خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند به. ٧ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي البصري، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
فهداهم الله للإسلام. هذا حديث حسن صحيح غريب، يُستغرب من هذا الوجه من حديث نافع، عن ابن عمر، ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان) (^٥).
كذا في طبعة بشار، وفي طبعة الرسالة (^٦) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٤٩٥٨).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٦٦٣).
(٣) وكذا في طبعة الرسالة (٣٦٤٢).
(٤) (٦١٤٨)، وكذا في طبعة التأصيل.
(٥) "جامع الترمذي" (٣٢٦٨).
(٦) (٣٢٥٠).
[ ٢ / ١١١ ]
وأما في "تحفة الأشراف" (^١): (حسن صحيح، يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع، عن ابن عمر). وزاد المحقق: (غريب)، أي: حسن (غريب) صحيح.
قلت: تبين لك أن نُسخ الترمذي اختلفت في حكمه على هذا الخبر، وكأن ما في "تحفة الأشراف" أرجح؛ وذلك لأن الترمذي بيَّن غرابة هذا الخبر بقوله: (يستغرب من هذا الوجه …)، وبالتالي لو قال عن الخبر من قبل: (حسن غريب صحيح) لما عاد واستغربه بعد ذلك؛ لأنه سيكون تكرارا منه، ولكن وجدته استعمل المسلك نفسه في حديث آخر - سيأتي ذكره قريبا -.
والخبر صحيح كما قال أبو عيسى، ولكنّه يستغرب فقط من طريق ابن عجلان، والدليل على صحته مجيئه من طرق أخرى عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
فقد أخرجه البخاري (^٢) بنحوه من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم به.
وأخرجه أيضا (^٣) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، فذكره مرسلا.
ولكن في كلا اللفظين أنه كان يدعو على ثلاثة، وليس أربعة.
وأخرجه أبو عيسى (^٤) - قبل أن يذكر رواية ابن عجلان - من طريق عمر ابن حمزة، عن سالم، عن أبيه، به. ولكن فيه أن الرسول ﷺ قال ذلك يوم أحد: "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية". ثم قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب، يستغرب من حديث عمر بن حمزة …).
_________________
(١) (٦٧٨٠).
(٢) "صحيح البخاري" (٤٠٦٩).
(٣) "صحيح البخاري" (٤٠٧٠).
(٤) (٣٢٦٧).
[ ٢ / ١١٢ ]
قلت: وقوله: (يوم أحد) غير صحيح، ولم يأت في رواية الزهري.
وكذا ذكر أبي سفيان مع الذين يدعو عليهم غير صحيح؛ لأنه أيضا لم يأت في رواية الزهري.
وكذا ما جاء في رواية ابن عجلان من كونه ﷺ كان يدعو على الأربعة فالصواب: (ثلاثة)، وأما باقي رواية ابن عجلان فهي صحيحة.
نعم؛ قد توبع من قبل أسامة بن زيد - وهو: الليثي - عند أحمد (^١)، وليس فيه: (على أربعة نفر)، ومع ذلك فإن المشهور طريق سالم بن عبد الله بن عمر.
٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا مسلم بن عمرو بن مسلم أبو عمرو الحذّاء المديني، قال: حدثني عبد الله بن نافع، عن ابن أبي الزِّناد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب) (^٢).
هكذا في طبعة د. بشار، وفي "تحفة الأشراف" (^٣) وطبعة الرسالة (^٤) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).
قلت: هذا الحديث جاء عن موسى بن عقبة من طرق؛ فقد رواه البخاري (^٥) من طريق حفص بن ميسرة.
ورواه مسلم (^٦) وأبو داود (^٧) والنسائي (^٨) من طريق زهير بن معاوية.
_________________
(١) "المسند" (٥٩٩٧).
(٢) "جامع الترمذي" (٦٨٣).
(٣) (٨٤٥٢).
(٤) (٦٨٤).
(٥) "صحيح البخاري" (١٥٠٩).
(٦) "صحيح مسلم" (٩٨٦).
(٧) "السنن" (١٦١٠).
(٨) "السنن الكبرى" (٢٥٠٦).
[ ٢ / ١١٣ ]
ورواه الترمذي (^١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّناد.
ورواه النسائي (^٢) من طريق فضيل بن سليمان.
كلهم عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به.
وقد توبع موسى؛ تابعه عمر بن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن أبيه، عند البخاري (^٣) وغيره.
وتابعه أيضا: الضحاك بن عثمان، عن نافع، عند مسلم (^٤) وغيره.
فهو حديث صحيح، والذي يعنينا هنا طريق الترمذي، فإسناد هذا الخبر جيد؛ عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فيه بعض الكلام، والراجح أنه صدوق، وخاصة في رواية المدنيين عنه.
وعبد الله بن نافع مدني، وهو الصائغ، وهو أيضا فيه بعض الكلام، ولكنه صدوق.
وأما حكم الترمذي عليه بالغرابة، فالذي يظهر أنه من الوجه الذي خرجه الترمذي؛ لأن الحديث مشهور من حديث نافع كما تقدم.
ولا يظهر أن الترمذي يريد بقوله: (حسن غريب صحيح) معنى يخالف (حسن صحيح غريب) فيكون من باب التفنن في العبارة.
٩ - قال أبو عيسى: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، قال: حدثنا محمد ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا".
قال: فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٦٨٣).
(٢) "السنن الكبرى" (٢٥٠٦).
(٣) "صحيح البخاري" (١٥٠٣).
(٤) "صحيح مسلم" (٩٨٦).
[ ٢ / ١١٤ ]
وفي الباب: عن أبي برزة، وعبد الله بن عمرو، وسمرة، وأبي هريرة، وابن عباس.
حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) (^١).
هكذا في بقية النسخ المطبوعة (^٢)، وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن غريب صحيح).
قلت: هذا الحديث حديث متواتر، فقد رواه جمع من الصحابة منهم: حكيم ابن حزام كما جاء في "الصحيحين" (^٤)، وهو مشهور أيضا من حديث عبد الله بن عمر، فقد رواه نافع، وعن نافع جمع.
ورواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عند البخاري ومسلم (^٥)، وعلّقه البخاري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه (^٦).
فلا أدري لماذا قال أبو عيسى: (حسن غريب صحيح) كما جاء في "التحفة"، خاصة أنه جاء من طرق عن يحيى بن سعيد، بعضها في "الصحيحين" (^٧)، فالصحيح ما جاء في النسخ الأخرى أنه حكم عليه بـ (حسن صحيح) دون (غريب)، وقد يكون ما جاء في "التحفة" خطأ من دون المزي، وإذا ثبت ما جاء في "التحفة" - وهو بعيد - فيكون من قبيل التفنن بالعبارة.
١٠ - قال أبو عيسى: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا علي بن معبد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٢٩٧).
(٢) طبعة الرسالة (١٢٨٩)، والتأصيل.
(٣) (٨٥٢٢).
(٤) "صحيح البخاري" (٢٠٨٢)، "صحيح مسلم" (١٥٣٢).
(٥) "صحيح البخاري" (٢١١٣)، "صحيح مسلم" (١٥٣١).
(٦) "صحيح البخاري" (٢١١٦).
(٧) "صحيح البخاري" (٢١٠٧) "صحيح مسلم" (١٥٣١)، من طريق عبد الوهاب الثقفي به.
[ ٢ / ١١٥ ]
شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتبت له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله".
هذا حديث حسن صحيح غريب) (^١). وهكذا في طبعة الرسالة (^٢).
وفي "تحفة الأشراف" (^٣) والتأصيل: (حسن غريب صحيح)، وهكذا نقله ابن رجب عن الترمذي كما في "فتح الباري" (^٤).
وأما ابن حجر فقال كما في "نتائج الأفكار" (^٥): (هذا حديث حسن غريب، كذا قال الترمذي، وفي بعض النسخ: صحيح. قلت - يعني ابن حجر -: وهي رواية أبي يعلي السنجي عن المحبوبي، وهي غلط؛ لأن سنده مضطرب، وشهر مختلف في توثيقه).
قلت: تبين مما تقدم أن نسخ الترمذي اختلفت في حكمه على هذا الحديث، ولا يتبين لي ترجيح بعضها على بعض، وكأن (حسن غريب صحيح) أقوى من غيرها بعض الشيء.
وليعلم أن أبا عيسى خرّج أحاديث كثيرة لشَهر، صحح ثلاثة منها سوى هذا الحديث (^٦)، والباقي لم يصححها، وإنما حكم على كثير منها
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٨٠٠).
(٢) (٣٧٨٠).
(٣) (١١٩٦٣).
(٤) (٧/ ٤٢٧).
(٥) (٢/ ٣٢١).
(٦) ينظر: (٢٢٦٧، ٤٢٢٨،٣٨٠٢).
[ ٢ / ١١٦ ]
بقوله: (حسن غريب) (^١)، وبعضها حسنها (^٢)، وبعضها ضعّفها (^٣)، والتي ضعفها ليست العلة من شهر.
والذي يظهر أن الترمذي ممن يقويه، وهذا ما ذهب إليه البخاري فيما نقله عنه (^٤)، ولذا كان حكمه على حديثه بين التصحيح والتحسين.
والأقرب أنه لا يحتج به، وذلك لعدم إتقانه، ولذا يلاحظ عليه الاضطراب في بعض الأحيان فيما يرويه، كما أنه يأتي ببعض الزيادات التي تستنكر، كما في حديث أبي ذر الإلهي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي … " (^٥).
وهذا الحديث الذي معنا مما اضطرب شهر فى إسناده، كما ذكره النسائي في "عمل اليوم والليلة" (^٦)، وابن رجب كما في "فتح الباري" (^٧) فقال: (وشهر بن حوشب مختلف فيه، وهو كثير الاضطراب، وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث كما ترى.
وقيل: عنه، عن ابن غَنْم عن أبي هريرة.
وقيل: عن شهر، عن أبي أمامة.
قال الدارقطني: الاضطراب فيه من قبل شهر.
وقد روي نحوه عن النبي ﷺ من وجوه أخر، كلها ضعيفة).
وتقدم أيضا كلام ابن حجر فيه: أن سنده مضطرب وشهر مختلف في توثيقه (^٨).
_________________
(١) ينظر: (١٨٧٦، ٢٢٦٣).
(٢) ينظر: (٢٠٦٣، ٢٢١٠).
(٣) ينظر: (٣٧، ١٦٦٣، ٢٢٣٣).
(٤) "جامع الترمذي" (٣/ ٥٥٧).
(٥) أخرجه المصنف من طريقه برقم (٢٦٧٧).
(٦) (ص: ١٩٤).
(٧) (٧/ ٤٢٨).
(٨) "نتائج الأفكار" لابن حجر (٢/ ٣٠٥).
[ ٢ / ١١٧ ]
ولذا ضعفه الإمام أحمد ولم يأخذ به، قال ابن رجب: (ولم يأخذ الإمام أحمد بحديث أبي ذر، فإنه ذكر له هذا الحديث، فقال: أعجب إليّ أن لا يجلس، لأن النبي ﷺ كان إذا صلى الغداة أقبل عليهم بوجهه. يعني: أن هذا أصح من حديث شهر بن حوشب هذا …) (^١). وأنا أذهب إلى هذا.
تنبيه: قال محققو طبعة الرسالة (^٢): (إن شهرا اضطرب في هذا الحديث في سنده ومتنه).
قلت: الصحيح أن الاضطراب كان في السند وليس في المتن، كما تقدم من كلام الحفاظ، وأما ما وقع من اختلاف يسير في الروايات، مثل ما جاء في بعضها صلاة العصر بدل المغرب، فهذا لا يؤثر، والمشهور في هذا الحديث المغرب.
١١ - قال أبو عيسى: (حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "إن غلظ جلد الكافر اثنين وأربعين ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة". هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش) (^٣). وفي طبعة الرسالة (^٤)، ودار التأصيل: (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٥): (حسن غريب صحيح من حديث الأعمش).
قلت: أما استغراب الترمذي لهذا الحديث فقد وافقه عليه البزار،
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب (٧/ ٤٢٨).
(٢) (٦/ ٨٧).
(٣) "جامع الترمذي" (٢٧٧٣).
(٤) (٦٧٦٠).
(٥) (١٢٤١١).
[ ٢ / ١١٨ ]
فقال: (حدثنا محمد بن الليث الهَدَادي وأحمد بن عثمان بن حكيم، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا شيبان - يعني: ابن عبد الرحمن -، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده أربعون ذراعا".
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ إلا شيبان) (^١).
وأما تصحيحه لهذه السلسلة، فقد وافقه على ذلك مسلم، فقد خرج بها حديثين من طريق عبيد الله بن موسى عن شيبان به (^٢).
ولذا صحح ابن حجر هذا الحديث فقال: (وأخرجه البزار من وجه ثالث عن أبي هريرة بسند صحيح، بلفظ: "غلظ جلد الكافر وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار") (^٣).
ولكن اختلف عن الأعمش في رفعه ووقفه، جاء عند الدارقطني في "العلل" (^٤): (وسئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: "إن غلظ جلد الكافر اثنتان وأربعون ذراعا، وضرسه مثل أحد".
فقال: يرويه الأعمش، واختلف عنه فرفعه شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
وتابعه عبيد بن يعيش، عن ابن فضيل، عن الأعمش.
وغيره يرويه، عن ابن فضيل، عن الأعمش موقوفا، وهو أشبه).
قلت: الذي يظهر من كلام الدارقطني أنه يرجح الوقف.
_________________
(١) "مسند البزار" (٩٢٣٣).
(٢) "صحيح مسلم" (١٥٠٨، ١٩١٤).
(٣) "فتح الباري" (١١/ ٤٢٣).
(٤) (١٩٤١).
[ ٢ / ١١٩ ]
وشيبان وإن كان يقدَّم على ابن فضيل (^١)، إلا أن ابن فضيل قد توبع؛ تابعه جرير بن عبد الحميد عند عبد الله في "السنة" (^٢)، وأبو معاوية عند ابن المنذر في "التفسير" (^٣). ولكن هذا الخبر لا يقال من قبل الرأي كما هو معلوم.
وقد جاء من وجه آخر عن أبي هريرة ما يؤيد شيبان في الجملة، فقد أخرج مسلم (^٤) قال: (حدثني سريج بن يونس، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث").
وأخرج الترمذي بعضه (^٥) من طريق فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، ولفظه: "ضرس الكافر مثل أحد". وقال: (حديث حسن).
_________________
(١) قال الدارمي ليحيى بن معين: شيبان ما حاله في الأعمش؟ فقال: ثقة في كل شيء. وقال صالح بن حنبل، عن أبيه: شيبان ثبت في كل المشايخ. وقال أحمد وأبو القاسم البغوي: شيبان أثبت في حديث يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي. وقال يحيى بن معين وأبو داود: شيبان أحب إلي من معمر في قتادة. وقد وصفوه بأنه صاحب كتاب، قال أبو عيسى الترمذي في "الجامع" (٣/ ٣٨٣): (شيبان ثقة عندهم، صاحب كتاب). وقال في موضع آخر: (وهو صحيح الحديث). فالراجح أنه ثقة ثبت صاحب كتاب. وأما ما قاله الساجي: (صدوق عنده مناكير، وأحاديث عن الأعمش تفرد بها). فهذا فيه نظر، وكلامه مخالف لكلام من سبق من الأئمة، ولم أقف على من تابعه على قوله هذا. ينظر: "تهذيب الكمال" (١٢/ ٥٩٤ - ٥٩٧).
(٢) (١١٩٢).
(٣) (١٩١٢).
(٤) "صحيح مسلم" (٢٨٥١).
(٥) "جامع الترمذي" (٢٧٧١).
[ ٢ / ١٢٠ ]
وأخرج الشيخان (^١) من طريق فضيل، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، يرفعه قال "ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع".
وأخرجه الترمذي (^٢) من طريق محمد بن عمار، قال: حدثني جدي محمد بن عمار وصالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة". وقال: (حسن غريب).
قلت: سياق الأول أصح، وكذا إسناده، ومحمد بن عمار الجد ليس بالمشهور تماما، وصالح مولى التوأمة قد اختلط.
فتبين مما تقدم صحة حديث شيبان، فقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح غريب) والله أعلم.
١٢ - قال أبو عيسى: (حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثنا يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. قال: "أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا"، قال: "فهذا أمرها" (^٣). هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٤).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٦٥٥١)، "صحيح مسلم" (٢٨٥٢).
(٢) "جامع الترمذي" (٢٧٧٠).
(٣) في طبعة الرسالة (٢٥٩٨) وبشار (٢٤٢٩): (فهذه أخبارها).
(٤) "جامع الترمذي" (٢٦١٢).
[ ٢ / ١٢١ ]
وساقه في التفسير (^١) بنفس الإسناد وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب).
وفي طبعة الرسالة والتأصيل في الموضع الأول: (حسن غريب) (^٢).
وفي الثاني: (حسن صحيح غريب) (^٣).
وأما في "تحفة الأشراف" (^٤) فبعد أن ذكر الموضعين، نقل عن الترمذي قوله: (حسن غريب صحيح).
قلت: حسب ما جاء في طبعة بشار ومن تابعه لا يكون هناك إشكال، فـ (حسن غريب صحيح) تساوي (حسن صحيح غريب).
وأما على حسب ما جاء في الطبعات الأخرى فيُفسَّر هذا الاختلاف في حكم الترمذي في الموضعين بأن اجتهاده اختلف، وأنه متردد بين تصحيحه أو تحسينه، والسبب في ذلك - والله أعلم - أن يحيى بن أبي سليمان اختلف فيه، فذكره ابن حبان في "الثقات" (^٥)، وقال البخاري: منكر الحديث (^٦). وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه (^٧). وتوقف فيه ابن خزيمة (^٨)، وهذا - والله أعلم - ما جعل الترمذي يختلف حكمه على هذا الخبر، والأقرب في يحيى أنه لا يحتج به، وأنه منكر الحديث، ولكن يكتب حديثه.
وأما ما جاء في "تحفة الأشراف" من حكم أبي عيسى على هذا الخبر بأنه (حسن غريب صحيح)، فالجواب عنه: أن نسخ الترمذي قد اختلفت
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٦٦٨).
(٢) (٢٥٩٨).
(٣) (٣٦٤٧).
(٤) (١٣٧٦).
(٥) (٧/ ٦٠٤، ٧/ ٦١٠).
(٦) "القراءة خلف الإمام" للبخاري (ص: ٣٢٧).
(٧) "الجرح والتعديل" (٩/ ١٥٥).
(٨) "صحيح ابن خزيمة" (٣/ ١٢١).
[ ٢ / ١٢٢ ]
كما تقدم، وإن كان الأكثر على تصحيحه لهذا الخبر، وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" (^١) هذا الحديث وساق إسناد الترمذي، ونقل عنه أنه قال: (حسن صحيح غريب). والأقرب أن هذا الحديث لا يصح لما تقدم، والله أعلم.
١٣ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في الغيلة. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن بنت وهب - وهي: جُدَامة - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أردت أن أنهى عن الغيال، فإذا فارس والروم يفعلون ولا يقتلون أولادهم".
وفي الباب: عن أسماء بنت يزيد. هذا حديث حسن صحيح.
وقد رواه مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جُدَامة بنت وهب، عن النبي ﷺ: … نحوه.
حدثنا عيسى بن أحمد، قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثني مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جُدَامة بنت وهب الأسدية، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم".
قال عيسى بن أحمد: وحدثنا إسحاق بن عيسى، قال: حدثني مالك، عن أبي الأسود … نحوه.
_________________
(١) (٨/ ٤٦١).
[ ٢ / ١٢٣ ]
هذا حديث حسن صحيح) (^١).
قلت: هذا الحديث حديث صحيح، وقد خرجه مسلم في "صحيحه" (^٢)، وساقه أبو عيسى بإسنادين؛ الثاني أصح من الأول؛ لأن الأول فيه يحيى بن أيوب، وهو حسن الحديث، وأما الثاني فساقه من طريق مالك وهو إمام، فتبين صحة هذا الحديث.
وقد ذكر محققو الرسالة أن الطريق الأولى حكم عليها الترمذي بـ (صحيح) فقط، ثم قالوا: (كذا في سائر الأصول الخطية عدا نسخة (ل) فقد جاء فيها: حسن صحيح) (^٣).
وأما الإسناد الثاني، فأثبت محققو الرسالة قوله: (حسن صحيح) وقالوا: (لم ترد في نسخنا الخطية، وأثبتناه من نسخة المباركفوري) (^٤).
وأما في النسخة التي عليها شرح المباركفوري فقال عن الإسناد الأول: (صحيح)، وهكذا أيضا في الشرح، وأما الإسناد الثاني فقال: (حسن صحيح غريب) وهكذا في الشرح (^٥).
وأما ما ذكره محقق "التحفة" (^٦): (حسن [غريب] صحيح) من زيادة (غريب) بين (حسن) وبين (صحيح)، فهذا يبدو أنه في نسخة وقف عليها، وما جاء في النسخ السابقة هو الصحيح.
وإذا كان هذا ثابتا فيكون معنى (حسن غريب صحيح) صحيح في هذا الموضع.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢٢٢٠ - ٢٢٢١ - ٢٢٢٢).
(٢) (١٤٤٢).
(٣) (٢٢٠٨).
(٤) (٢٢٠٩)، وفي طبعة التأصيل في الموضع الأول: (صحيح)، ولم يثبتوا شيئا في الموضع الثاني.
(٥) "جامع الترمذي وشرحه تحفة الأحوذي" (٣/ ١٧٤) الطبعة الهندية.
(٦) (١٥٧٨٦).
[ ٢ / ١٢٤ ]
١٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا اْحمد بن منيع والحسن بن الصبَّاح البزار وأحمد بن محمد بن موسى - المعنى واحد -، قالوا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فسأله عن مواقيت الصلاة، فقال: "أقم معنا إن شاء الله"، فأمر بلالا فأقام حين طلع الفجر، ثم أمره فأقام حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس، ثم أمره بالعشاء فأقام حين غاب الشفق، ثم أمره من الغد فنور بالفجر، ثم أمره بالظهر فأبرد، وأنعم أن يبرد، ثم أمره بالعصر فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت، ثم أمره فأخر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق، ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: "أين السائل عن مواقيت الصلاة؟ "، فقال الرجل: أنا، فقال: "مواقيت الصلاة كما بين هذين".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقد رواه شعبة، عن علقمة بن مرثد أيضا) (^١).
وكذا في طبعة أحمد شاكر (^٢)، ودار التأصيل، والرسالة (^٣): (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٤): (حسن صحيح غريب).
قلت: قول أبي عيسى هنا عن هذا الحديث بأنه (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح غريب)، فهذا الحديث حديث صحيح، وقد خرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (^٥)، وكأن استغراب الترمذي لهذا الحديث
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٥٤).
(٢) (١٥٢).
(٣) (١٥٢).
(٤) (١٩٣١).
(٥) (٦١٣).
[ ٢ / ١٢٥ ]
من حديث سفيان فقط؛ لأنه ذكر أن شعبة قد رواه، ويؤيد هذا أنني لم أقف على أحد تابع إسحاق الأزرق على هذا الحديث إلا مخلد بن يزيد كما عند النسائي (^١)، وابن ماجه (^٢).
وقد خرج مسلم (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥)، وابن خزيمة (^٦)، وابن حبان (^٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (^٨)، وابن الجارود (^٩)، والدارقطني (^١٠)، والبيهقي (^١١) هذا الحديث من طريق إسحاق الأزرق.
ورواه مسلم أيضا (^١٢) من طريق شعبة. كما أن ابن ماجه أخرجه (^١٣) من طريق مخلد بن يزيد به.
وقد صحح الترمذي عدة أحاديث بهذه الترجمة، أي: سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه؛ حديثان من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه (^١٤)، وحديث من طريق أبي عاصم عنه (^١٥).
١٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا هشيم، عن محمد بن إسحاق، عن حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يفطر على تمرات يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى.
_________________
(١) "المجتبى" (٥٢٩).
(٢) "السنن" (٦٦٧).
(٣) "صحيح مسلم" (٦١٣).
(٤) "السنن" (٦٦٧).
(٥) "المسند" (٢٢٩٥٥).
(٦) "صحيح ابن خزيمة" (٣٢٣).
(٧) "صحيح ابن حبان" (١٥٢١).
(٨) (٩٠٦).
(٩) "المنتقى" (١٥٣).
(١٠) "السنن" (١٠٣٣).
(١١) "السنن الكبير" (١٧٥٥).
(١٢) "صحيح مسلم" (٦١٣).
(١٣) "السنن" (٦٦٧).
(١٤) "جامع الترمذي" (٦٢) و(١٤٧٦،١٧٢١) وهذا الحديث الذي معنا هو الثالث.
(١٥) "جامع الترمذي" (١٠٨٢، ١٥٩٩، ١٩٩٠).
[ ٢ / ١٢٦ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١).
وكذا في طبعة أحمد شاكر، وقال في الحاشية: (كلمة "غريب" لم تذكر في (م)، وكلمة "صحيح" ذكرت فيها في الحاشية وعليه علامة نسخة، ولم تذكر في (ع)، وفي (هـ) و(و) و(ك): "حسن صحيح غريب"، وفي نسخة: "حسن من هذا الوجه صحيح غريب") (^٢).
وفي "تحفة الأشراف" (^٣)، وطبعة الرسالة (^٤) والتأصيل: (حسن صحيح غريب)، زاد في "التحفة": (من هذا الوجه).
قلت: فتبين مما تقدم أن أغلب النسخ فيها: (حسن صحيح غريب)، وعلى فرض صحة (حسن غريب صحيح)، فهي مساوية لـ (حسن صحيح غريب)؛ لأن هذا الحديث حديث صحيح، قد رواه البخاري (^٥) من طريق هشيم، عن عبيد الله ابن أبي بكر، عن أنس.
قال المزي في "التحفة" (^٦) - بعد أن ساق سند الترمذي -: (تابعه عمرو ابن عون الواسطي، عن هشيم. ورواه سعيد بن سليمان وجُبَارة بن المغلِّس، عن هشيم، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس).
قلت: ورواية سعيد في البخاري، ورواية جُبَارة عند ابن ماجه (^٧)، فتبين أنه عند هشيم من وجهين، ولذا قال أبو مسعود: (هذا من قديم حديث هشيم، وعنده فيه طريق آخر) (^٨). وعلّقه البخاري عن مرجَّى بن رجاء، عن عبيد الله به (^٩).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٥٥١).
(٢) (٥٤٣).
(٣) (٥٤٨).
(٤) (٥٥١).
(٥) "صحيح البخاري" (٩٥٣).
(٦) (٥٤٨).
(٧) "السنن" (١٧٥٤).
(٨) "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" (١٠٨٢).
(٩) (٩٥٣).
[ ٢ / ١٢٧ ]
١٦ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس". قال أبو عيسى: سألت محمدا، قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة) (^١).
قلت: هذا الحديث في إسناده يحيى بن اليمان، وهو متكلم فيه، وفيه أيضا رواية ابن المنكدر عن عائشة، وقد اختلف في سماعه منها، فذهب البخاري إلى سماعه، وقال البزار: لم يسمع (^٢).
وقال ابن معين: لم يسمع من أبي هريرة (^٣).
قلت: وأبو هريرة توفي بعد عائشة.
وقال ابن حجر - على قول ابن عيينة: بلغ نيفا وسبعين سنة -: قال: (فيكون مولده على هذا قبل سنة ستين بيسير، فتكون روايته عن عائشة وأبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري وأبي قتادة وسفينة ونحوهم، مرسلة). انتهى من "التهذيب" (^٤). وهذا ما أميل إليه: أنه لم يسمع منها؛ لما تقدم.
وأما حكم أبي عيسى على هذا الحديث، فقد قال: (هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^٥).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٨١٦).
(٢) "كشف الأستار" (١/ ٥٧).
(٣) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري (٣/ ١٦٤، ٣/ ٢٠١، ٣/ ٢٤٣).
(٤) (٣/ ٧٠٩).
(٥) "جامع الترمذي" (٢/ ١٤٤).
[ ٢ / ١٢٨ ]
وكذا في طبعة أحمد شاكر (^١)، والرسالة (^٢)، ودار التأصيل.
وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن صحيح، غريب من هذا الوجه).
ونقل البغوي في "شرح السنة" (^٤) عن المصنف قوله: (حسن غريب من هذا الوجه).
والخلاصة: أن النسخ اتفقت على تصحيح الترمذي لهذا الخبر إلا ما نقله البغوي، واختلفت في ذكر موضع الغرابة.
وما جاء في "تحفة الأشراف" وما نقله البغوي أقوم من حيث استقامة الكلام، وذلك أن قوله: (من هذا الوجه) يناسب أن يكون بعد كلمة (غريب) أكثر مما يناسب أن يكون بعد كلمة (صحيح).
وفيما يتعلق بسماع ابن المنكدر من عائشة، فالذي يظهر أن الترمذي يذهب إلى سماعه منها.
وأما يحيى بن اليمان فقد خرّج له سبعة أحاديث، منها أثر واحد اختلفت نسخ الترمذي في ذكره (^٥)، وحسّن اثنين من هذه الأحاديث؛ أحدهما: فيه الحجاج بن أرطأة (^٦)، والثاني: فيه زيد العَمِّي (^٧)، وكلاهما متكلم فيه، وبيّن خطأه في حديثين (^٨)، وحديث آخر ضعفه؛ لأن فيه رجلا لم يُسمَّ، وأعلَّه أيضا بالانقطاع (^٩).
فصنيع الترمذي مع يحيى بن اليمان أنه لا يصحح حديثه، فهذا يقوي ما جاء في بعض النسخ من كون الترمذي لم يصحح هذا الخبر، والله أعلم.
_________________
(١) (٥٠٢).
(٢) (٨١٣).
(٣) (١٧٦٠٠).
(٤) (٦/ ٢٤٧).
(٥) ينظر: هامش طبعة د. بشار (٤/ ٢٣٣).
(٦) "جامع الترمذي" (١٠٨٥).
(٧) "جامع الترمذي" (٣٩٢٩).
(٨) "جامع الترمذي" (٢٣٩، ٩٢٥).
(٩) "جامع الترمذي" (٤٠٥٠).
[ ٢ / ١٢٩ ]
١٧ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، قال: حدثنا سماك بن حرب، عن علقمة ابن وائل الكندي، عن أبيه، أن امرأة خرجت على عهد النبي ﷺ تريد الصلاة، فتلقاها رجل فتجلّلها، فقضى حاجته منها، فصاحت، فانطلق، ومر عليها رجل، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، ومرت بعصابة من المهاجرين، فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا، فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها فأتوها، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله ﷺ، فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، فقال لها: "اذهبي فقد غفر الله لك"، وقال للرجل قولا حسنا، وقال للرجل الذي وقع عليها: "ارجموه"، وقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم". هذا حديث حسن غريب صحيح.
وعلقمة بن وائل بن حُجْر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه) (^١).
وكذا في طبعة التأصيل والرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح).
وفي "التحفة" (^٣): (هذا حديث حسن غريب)، وفي بعض النسخ: (حسن صحيح غريب).
قلت: إذا ثبت أن الترمذي قال عن هذا الحديث: (حسن غريب صحيح)، فهو يريد بذلك صحة هذا الحديث، ويؤيد ذلك ما قاله بعد حكمه على هذا الحديث.
وأما وجود سماك في الإسناد فالترمذي يصحح حديثه، حتى ولو كان من رواية من سمع منه أخيرا، حكم بذلك في عدة أحاديث، ومنها:
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٥٣١).
(٢) (١٥٢٠).
(٣) (١١٧٧٠).
[ ٢ / ١٣٠ ]
ما رواه أبو الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: جاء رجل من حضر موت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ … خرجه الترمذي في الأحكام، وقال: (حسن صحيح) (^١).
فقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح غريب).
١٨ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في شراء العبد بالعبدين.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولا يشعر النبي ﷺ أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال النبي ﷺ: "بعنيه"، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله: أعبد هو. وفي الباب: عن أنس.
حديث جابر حديث حسن صحيح) (^٢). وقال في كتاب السير: (باب في بيعة العبد.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: جاء عبد فبايع رسول الله ﷺ على الهجرة، ولا يشعر النبي ﷺ أنه عبد، فجاء سيده، فقال النبي ﷺ: "بعنيه"، فاشتراه بعبدين أسودين، ولم يبايع أحدا بعد حتى يسأله: أعبد هو. وفي الباب: عن ابن عباس.
حديث جابر حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير) (^٣).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٣٩٧).
(٢) "جامع الترمذي" (١٢٩١).
(٣) "جامع الترمذي" (١٦٩٩).
[ ٢ / ١٣١ ]
وكذا في طبعة التأصيل والرسالة (^١): (حسن غريب صحيح).
قلت: هذا حديث صحيح، وهو مستقيم سندا ومتنا، ولذا صححه المصنف، وقد خرجه مسلم في "صحيحه" (^٢) بنفس الإسناد.
وأما قول المصنف في الموضع الثاني عندما أخرجه: (حسن غريب صحيح)، فهو مساو لقوله السابق: (حسن صحيح)، لكن في الأول لم يذكر الغرابة، بخلاف الثاني فقد ذكرها.
١٩ - قال أبو عيسى: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: أخبرني أبي، عن مصعب بن شيبة، عن صفية ابنة شيبة، عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).
وفي طبعة الرسالة (^٤) والتأصيل و"تحفة الأحوذي" (^٥) - وفي النسخة التي مع الشرح -: (حسن صحيح غريب).
وفي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" (^٦): (حسن صحيح).
وفي نسخة - كما أشار محققو الرسالة -: (غريب صحيح).
قلت: لم يثبت أن المصنف قال عن هذا الحديث: (حسن غريب صحيح)، وذلك لمخالفة هذا ما جاء في باقي النسخ، وإذا ثبت أنه قال ذلك فهو بمعنى: (حسن صحيح غريب).
_________________
(١) (١٦٨٦).
(٢) "صحيح مسلم" (١٦٠٢).
(٣) "جامع الترمذي" (٣٠٣٧).
(٤) (٣٠٢٢).
(٥) الطبعة الهندية (٤/ ٢٣).
(٦) (١٧٨٥٧).
[ ٢ / ١٣٢ ]
وهذا الحديث قد خرجه مسلم في "صحيحه" (^١) من طريق مصعب بن شيبة به. وهو متكلَّم فيه.
وقد خرّج الترمذي في كتابه "الجامع" (^٢) حديثا آخر لمصعب، فحسنه ولم يصححه.
٢٠ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقِنْو والقِنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تبارك تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. هذا حديث حسن غريب صحيح.
وأبو مالك هو: الغفاري، ويقال اسمه: غزوان.
وقد روى سفيان الثوري، عن السدي، شيئا من هذا) (^٣).
وفي طبعة الرسالة (^٤) والتأصيل: (حسن صحيح غريب).
_________________
(١) (٢٠٨١).
(٢) (٢٩٧٤).
(٣) "جامع الترمذي" (٣٢٤٨).
(٤) (٣٢٣٠).
[ ٢ / ١٣٣ ]
وفي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" (^١): (حسن غريب).
قلت: لم يثبت أن الترمذي قال عن هذا الحديث: (حسن غريب صحيح)؛ لأن النسخ قد اختلفت كما تقدم.
٢١ - وقال أبو عيسى: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضّل، قال: حدثنا الجُريري، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، قال: وجلس وكان متكئا، قال: "وشهادة الزور، أو: قول الزور"، قال: فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتى قلنا: ليته سكت. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).
وأورده في موضعين قبله بسنده ومتنه (^٣)، وقال: (حسن صحيح). كذا في طبعة بشار.
وفي طبعة الرسالة (^٤): (حسن صحيح غريب)، وفي الموضع الثاني (^٥): (صحيح)، وفي الموضع الأول (^٦): (حسن صحيح).
وفي طبعة التأصيل (^٧): (حسن صحيح غريب)، وفي الموضع الثاني (^٨): (صحيح)، وفي الموضع الأول (^٩): (حسن صحيح).
وفي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" (^١٠): (حسن صحيح).
قلت: لم يثبت أن الترمذي حكم على هذا الحديث بقوله: (حسن
_________________
(١) (١٩١١).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٢٨٥).
(٣) (٢٠٢٤، ٢٤٦٦).
(٤) (٣٢٦٧).
(٥) (٢٤٥٢).
(٦) (٢٠١١).
(٧) (٣٢٨٥).
(٨) (٢٤٦٦).
(٩) (٢٠٢٤).
(١٠) (١١٦٧٩).
[ ٢ / ١٣٤ ]
غريب صحيح)، ولو قال ذلك فيكون قصده تصحيح هذا الخبر، فهو مساو لقوله: (حسن صحيح). وهذا الحديث قد خرجه الشيخان (^١)، فهو حديث صحيح.
٢٢ - قال أبو عيسى في كتاب الدعوات، باب ما جاء أن الداعي يبدأ بنفسه: (حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، قال: حدثنا أبو قَطَن، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدا فدعا له، بدأ بنفسه. هذا حديث حسن غريب صحيح. وأبو قَطَن اسمه: عمرو بن الهيثم) (^٢).
وكذا في باقي الطبعات: الرسالة (^٣)، والتأصيل، وفي الطبعة الهندية ومعها شرح المباركفوري (^٤): (حسن غريب صحيح).
قلت: هذا الحديث إسناده كلهم ثقات، إلا حمزة بن حبيب الزيات فإنه صدوق، فيه بعض الكلام (^٥)، وخرج له مسلم في "صحيحه" (^٦).
ورواه أبو داود (^٧) ولم يتعقبه بشيء، وصحّحه ابن حبان بإخراج هذا الحديث في كتابه "التقاسيم والأنواع" (^٨).
وقد توبع حمزة؛ تابعه رَقَبة بن مَصْقَلة عند مسلم (^٩).
وتابعه أيضا إسرائيل عند عبد بن حميد (^١٠)، والنسائي في
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٢٦٥٤)، "صحيح مسلم" (٨٧).
(٢) (٣٧٠٣).
(٣) (٣٦٨٢).
(٤) (٤/ ٢٢٧).
(٥) ينظر: "تهذيب الكمال" (٧/ ٣٢٢).
(٦) "صحيح مسلم" (٥٩٦).
(٧) "السنن" (٣٩٨٤).
(٨) (٩٨٣).
(٩) "صحيح مسلم" (٢٣٨٠، ٢٦٦١).
(١٠) "المنتخب من مسند عبد بن حميد" (١٦٩).
[ ٢ / ١٣٥ ]
"الكبرى" (^١)، والشاشي (^٢).
وقد توبع أبو إسحاق أيضا؛ تابعه عمرو بن دينار (^٣) ويعلى بن مسلم (^٤)، كلاهما عن سعيد بن جبير به، لكن دون موضع الشاهد.
ورواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس (^٥)، دون موضع الشاهد أيضا.
فتبين أن هذا الخبر صحيح، فيكون قول الترمذي: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح) في غيره من الأحاديث.
واستغراب الترمذي له؛ لأنه جاء من أوجه أخرى عن سعيد بن جبير، وابن عباس - كما تقدم - وليس فيها موضع الشاهد؛ فلعله من أجل هذا استغربه أبو عيسى.
وأما ما قاله الحافظ في "الفتح" (^٦): (وقد ترجم المصنف في الدعوات: "من خص أخاه بالدعاء دون نفسه"، وذكر فيه عدة أحاديث، وكأنه أشار إلى أن هذه الزيادة - وهي: كان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه - لم تثبت عنده، وقد سئل أبو حاتم الرازي عن زيادة وقعت في قصة موسى والخضر من رواية أبي إسحاق هذه، عن سعيد بن جبير، وهي قوله في صفة أهل القرية: أتيا أهل القرية لئاما فطافا في المجالس، فأنكرها، وقال: هي مدرجة في الخبر، فقد يقال: وهذه الزيادة مدرجة فيه أيضا، والمحفوظ رواية ابن عيينة المذكورة، والله أعلم).
_________________
(١) (٦٠٢٢).
(٢) "المسند" (١٤١١).
(٣) عند البخاري في مواضع منها: (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).
(٤) عند البخاري في مواضع منها: (٢٢٦٧).
(٥) عند البخاري في مواضع منها: (٧٤)، ومسلم (٢٣٨٠).
(٦) (٨/ ٤٢٠).
[ ٢ / ١٣٦ ]
فهذا فيه بعض النظر، وذلك أن البخاري قد يكون قصد من الباب المذكور: أن الرسول ﷺ لا يلتزم هذا دائما في كل دعاء، بل قد يفعل هذا وقد لا يفعله، فيدعو للغير من دون أن يبدأ بنفسه، فيكون كلا الأمرين ثابتًا، والله تعالى أعلم.
٢٣ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء فيمن يقرأ القرآن عند المنام.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا المفضّل بن فَضالة، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١).
وهكذا في طبعة الرسالة (^٢) والتأصيل، وفي الطبعة الهندية ومعها شرح المباركفوري (^٣). وفي "تحفة الأشراف" (^٤): (حسن غريب).
قلت: هذا الحديث قد أخرجه البخاري في "صحيحه" (^٥) بنفس الإسناد، والذي يظهر أن الترمذي عندما قال: (حسن غريب صحيح) يريد صحة هذا الخبر.
وقد جاء هذا الخبر في بعض ألفاظه: (كان إذا اشتكى …)، وليس كل ليلة.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٧٢٠).
(٢) (٣٦٩٩).
(٣) (٤/ ٢٣١).
(٤) (١٦٥٣٧).
(٥) "صحيح البخاري" (٥٠١٧).
[ ٢ / ١٣٧ ]
وبعض أهل العلم جعله حديثين؛ وذلك أن مالكا ومعمرا وزيادا وأبا أويس (^١) في روايتهم عن الزهري: (كان إذا اشتكى)، وهكذا رواه هشام بن عروة، عن أبيه (^٢).
ورواه يونس وعُقيل، عن الزهري، فجعلاه: (كل ليلة) دون (إذا اشتكى)، وهي في "الصحيح" (^٣) أيضا.
والراجح الأول، أن هذه الرقية مقيدة بالشكوى؛ لأن رواتها أكثر، ومعهم أيضا زيادة علم.
٢٤ - قال أبو عيسى في أبواب المناقب: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سعيد، قال: حدثنا شَريك، عن سماك، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: "إن دعوت هذا العِذْق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟ ". فدعاه رسول الله ﷺ، فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال: "ارجع" فعاد، فأسلم الأعرابي. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٤).
وكذا في طبعة الرسالة (^٥) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٦): (حسن صحيح).
قلت: في هذا الإسناد شريك، وهو متكلّم فيه، وقد خرّج له المصنف
_________________
(١) رواية مالك ومعمر وزياد أخرجها مسلم (٢١٩٢)، ورواية أبي أويس أخرجها أحمد (٢٤٨٣١).
(٢) عند مسلم (٢١٩٢).
(٣) "صحيح البخاري" (٥٠١٧، ٥٧٤٧).
(٤) "جامع الترمذي" (٣٩٧٥).
(٥) (٣٩٥٦).
(٦) (٥٤٠٧).
[ ٢ / ١٣٨ ]
كثيرا في كتابه "الجامع"، قال عنه في أحد المواضع: (وشريك كثير الغلط) (^١). وقد أعلَّ له عدة أحاديث وبين خطأه فيها، وصوّب رواية غيره عليه (^٢)، وبعضها حسّنها (^٣) أو استغربها (^٤)، كما أنه صحَّح بعضها وهو الأقل (^٥)، وقد نصَّ في بعض الأحاديث التي صحّحها أنه قد توبع على هذا الخبر (^٦)، والخبر الذي معَنا من هذا القبيل، فإنه قد جاء من حديث أبي معاوية وجرير، كلاهما عن الأعمش، عن أبي ظبيان به. وهذا إسناد صحيح، أخرجه الدارمي (^٧). وأخرجه أحمد (^٨) من طريق أبي معاوية. وقد وقع على الأعمش اختلاف (^٩)، ولعل الخطأ فيه من الراوي عنه. والخلاصة أن هذا الحديث صحيح.
وأما استغراب الترمذي له، فيظهر أنّ سبَبه تفرّدُ شريك عن سماك من هذا الوجه، فلم أقف على أحد تابع شريكا عليه، والذي يظهر أيضا أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث لما تقدم، ويؤيد هذا ما جاء في "تحفة الأشراف" أنه قال عنه: (حسن صحيح)؛ لأن طريق شريك محفوظ، بدليل رواية الأعمش لهذا الخبر كما تقدم.
٢٥ - قال أبو عيسى في أبواب المناقب: (باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁.
_________________
(١) (١/ ٣٠٤).
(٢) ينظر: (٤٥ - ٤٦، ٦١٥، ٧٩٧ - ٧٩٨).
(٣) ينظر: (٥٣٨، ٦٥٥، ١٠٩٧).
(٤) ينظر: (١١٣، ١٢٧ - ١٢٨، ٨٨٤).
(٥) ينظر: (١٠٨، ٥٢٧، ٢٦٦٤).
(٦) ينظر: (١٥٩٢، ١٩٤٨).
(٧) "مسند الدارمي" (٢٥).
(٨) "مسند أحمد" (١٩٥٤).
(٩) ينظر: "دلائل النبوة" للبيهقي (٦/ ١٧).
[ ٢ / ١٣٩ ]
حدثنا إسماعيل بن موسى، قال: حدثنا شريك، عن أبى إسحاق، عن حُبْشي بن جُنادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢) والتأصيل: (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا الحديث قد توبع عليه، فرواه أحمد (^٤)، قال: حدثنا يحيى بن آدم وابن أبي بكير، قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق به. ثم قال: حدثنا الزبيري، حدثنا إسرائيل مثله. ورواه الطبراني في "الكبير" (^٥) من طريق قيس بن الربيع به.
وأخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (^٦)، قال: (حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو سعيد جبير بن هارون، ثنا محمد بن حميد، ثنا حَكّام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن حُبْشي بن جُنادة السَّلولي، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "علي مني وأنا منه، لا يبلغ عني إلا أنا أو علي"). قال أبو نعيم: (قالها في حجة الوداع).
وحَكّام هو: ابن السلْم، وقد وثقه الجمهور، ولكن قال أحمد: كان يحدث عن عنبسة أحاديث غرائب (^٧). وهذا الحديث ليس منها. وأما عنبسة فهو: ابن سعيد الأسدي، وهو ثقة.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤٠٧١).
(٢) (٤٠٥٣).
(٣) (٣٢٩٠).
(٤) (١٧٥٠٥).
(٥) (٤/ ١٦).
(٦) (١/ ٣٠٤).
(٧) "تاريخ بغداد" (٩/ ٢٠٨).
[ ٢ / ١٤٠ ]
وهذه المتابعات ترجح أن الترمذي صحح هذا الخبر، وأن قوله: (حسن غريب صحيح) يريد به التصحيح.
وأما حكمه بغرابته، فلعله من أجل تفرد أبي إسحاق به عن حُبْشي بن جُنادة.
وأما سماع أبي إسحاق منه؛ فالذي أميل إليه أنه سمع منه؛ وذلك لأنه جاء في أكثر من طريق التصريحُ بالسماع (^١)، وإن كانت هذه الطرق قد لا تخلو من كلام، ولكن باجتماعها تتقوى، ويتأيد ذلك أيضا بأن حُبْشي كان قد نزل الكوفة بلد أبي إسحاق، وشهد مع علي ﵄ مشاهد.
وهذا ما ذهب إليه أبو عيسى الترمذي وابن خزيمة، فقد خرج له في كتابه "الصحيح" (^٢)، وكذا الدارقطني، فقد قال في "الإلزامات" (^٣): (ذكر أحاديث رجال من الصحابة ﵃ رووا عن النبي ﵌، رُويت أحاديثهم من وجوه لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا، فيلزم إخراجها على مذهبهما، وعلى ما قدمنا ذكره، وما أخرجاه أو أحدُهما).
ثم ذكر أمثلة على ذلك، إلى أن قال: (حُبْشي بن جُنادة روى عنه الشعبي وأبو إسحاق وابنه عبد الرحمن بن حُبْشي) (^٤).
_________________
(١) "المعرفة والتاريخ" للفسوي (٢/ ٦٢٥)، "المعجم الكبير" للطبراني (٤/ ١٦ - ١٧)، "معجم الصحابة" لابن قانع (١/ ١٩٨)، "الكامل" لابن عدي (٤/ ١٩٤، ٥/ ٢١١). وأخرج أحمد (١٧٥٠٦) عن الزبيري عن شريك، وفيه: (فقلت لأبي إسحاق: أين سمعت منه؟ قال: وقف علينا على فرس له في مجلسنا في جبانة السبيع). وعن يحيى بن آدم عن شريك بمعناه (١٧٥١١). وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٨٤٠٠) من رواية زيد بن الحباب عن شريك بمعناه.
(٢) "صحيح ابن خزيمة" (٢٤٤٦).
(٣) (ص: ٩٧).
(٤) (ص:١١٠).
[ ٢ / ١٤١ ]
وهذا القول منه قد يكون فيه بعض النظر بالنسبة للبخاري، وذلك أنه - فيما يظهر - يذهب إلى عدم سماعه، فقال: (حُبْشي بن جُنادة السَّلولي. قال مالك بن إسماعيل: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حُبْشي بن جُنادة، قال: قال النبي ﷺ: "من سأل من غير فقر، فانما يأكل من جمر".
وقال مالك: حدثنا شريك، قلت لأبي إسحاق: أين سمعت من حبشي؟ قال: وقف على مجلسنا، فحدثنا. في إسناده نظر) (^١).
والحديث متنه مستقيم، فعلي ﵁ قريب من رسول الله ﷺ، فهو ابن عمه وتربى في بيته، وهو مِن أوائل الناس إسلاما، وزوجه ابنتَه فاطمة ﵂.
وأما قوله: "وأنا من علي" فهذا مثل قوله ﷺ عن جليبيب ﵁ حينما وجده مقتولا -: "قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه" (^٢).
وأما قوله: "لا يؤدي عني إلا علي" فهذا إذا فُسِّر باللفظ الآخر: "لا يقضي عني ديني إلا أنا وعلي" كما في رواية ابن أبي بكير، فهو مستقيم.
وأما إذا فُسِّر بأنه لا يبلِّغ عني إلا علي، فهذا لا يصح؛ لأن صحابته كلهم قد بلغوا عنه، وبهذا أمر ﵇ الناس فقال: "بلغوا عني ولو آية" (^٣)، وغير ذلك، إلا إذا حُمل على أمر خاص مثل ما حصل في حجة الوداع - كما في رواية أبي نعيم - فيكون مستقيما.
قال الخطابي في كتاب "شعار الدين": (وقوله: "لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي" هو شيء جاء به أهل الكوفة عن زيد بن يُثيع، وهو متهم في الرواية منسوب إلى الرفض. وعامة من بلغ عنه غير أهل بيته؛ فقد
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٣/ ١٢٧).
(٢) "صحيح مسلم" (٢٤٧٢).
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٤٦١).
[ ٢ / ١٤٢ ]
بعث رسول الله ﷺ أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام، ويعلم الأنصار القرآن ويفقههم في الدين، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك، وبعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة، فأين قول من زعم أنه لا يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته؟!). نقله أبو العباس ابن تيمية في "منهاج السنة" (^١) وأقرّه.
٢٦ - قال أبو عيسى: (باب مناقب أنس بن مالك ﵁.
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شريك، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: ربما قال لي النبي ﷺ: "يا ذا الأذنين". قال أبو أسامة: يعني يمازحه. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وكذا في طبعة الرسالة (^٣)، ودار التأصيل.
قلت: تابعه الصَلت بن الحجاج، أخرجه الخطيب في "المتفق والمفترق" (^٤).
والصَلت مختلف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات" (^٥)، وقال ابن عدي: في حديثه بعض النكرة (^٦). وساق له أحاديث منكرة، فإن كانت منه فهو منكر الحديث.
_________________
(١) "منهاج السنة" (٥/ ٦٣).
(٢) "جامع الترمذي" (٤١٨٦).
(٣) (٤١٦٤).
(٤) (٣/ ٢٠٨٤)، وذكر الدارقطني هذه المتابعة في "العلل" (٢٤٨٧).
(٥) ذكره في موضعين (٦/ ٤٧١) و(٦/ ٤٧٢).
(٦) "الكامل في ضعفاء الرجال" (٦/ ٢٦٩)، ولفظه: (وفي بعض أحاديثه ما ينكر عليه، بل عامته كذلك).
[ ٢ / ١٤٣ ]
وتابعه أيضا سفيان الثوري (^١)، وهو خطأ، كما بين الدارقطني (^٢)، أخطأ فيه المقدَّمي.
وتابعه شعبة، أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (^٣)، وسنده غريب، ويظهر أنه وهم أيضا.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (^٤) بإسناد صحيح عن حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس به.
وحرب هو: الأكبر، وهو جيد الحديث.
والذي يظهر لي أن هذا الحديث محفوظ بما تقدم، ويحمل كلام أبي عيسى على هذا، وأنه يقويه.
* * *
ما جاء في طبعة دار التأصيل من قول الترمذي: (حسن غريب صحيح) (^٥):
١ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وفي الباب: عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة.
قال أبو عيسى: حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٢٢٥)، وأبي نعيم في "معرفة الصحابة" (١/ ٢٣٦).
(٢) "العلل" (٢٤٨٧).
(٣) (١٥/ ٤٢)، وينظر: "أطراف الغرائب" لابن طاهر (٩٥٧).
(٤) (١/ ٢٤٠).
(٥) بالإضافة إلى ما سبق.
(٦) "جامع الترمذي" (٥١٤).
[ ٢ / ١٤٤ ]
هكذا في طبعة دار التأصيل.
وأما في طبعة الرسالة (^١)، ود. بشار (^٢)، وأحمد شاكر (^٣): (حسن صحيح غريب).
وقال في الحاشية - أي: أحمد شاكر -: (في "ع" و"ن" و"هـ" و"ك": حسن غريب صحيح).
وأما في "تحفة الأشراف" (^٤) فقد سقط منه هذا الحديث، لذا استدركه ابن حجر في "النكت الظراف"، لكنه لم ينقل عن الترمذي شيئا في حكمه عليه.
قلت: وهذا الحديث صحيح، وقد خرجه الشيخان (^٥).
وقوله: (غريب)؛ من أجل تفرد ابن عيينة بهذا الخبر، وقد أخرجه البخاري (^٦)، ومسلم (^٧) وأبو داود (^٨) والنسائي (^٩) عن سبعة، كلهم عن سفيان به. فقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) يريد به صحة الخبر.
٢ - قال أبو عيسى: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: سافر رسول الله ﷺ سفرا، فصلى تسعة عشر يوما ركعتين ركعتين.
_________________
(١) (٥١٤).
(٢) (٥٠٨).
(٣) (٥٠٨).
(٤) (١١٨٣٨).
(٥) "صحيح البخاري" (٣٢٣٠)، و"صحيح مسلم" (٨٧١).
(٦) "صحيح البخاري" (٣٢٣٠، ٣٢٦٦، ٤٨١٩).
(٧) "صحيح مسلم" (٨٧١).
(٨) "السنن" (٣٩٩٢).
(٩) "السنن الكبرى" (١١٥٩١).
[ ٢ / ١٤٥ ]
قال ابن عباس: فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة: ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعا. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وهكذا في طبعة الرسالة (^٢).
وفي طبعة د. بشار (^٣)، وأحمد شاكر (^٤): (غريب حسن صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٥): (حسن صحيح).
قلت: وهذا الحديث حديث صحيح، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد صححه أيضا البخاري بإخراجه له في "صحيحه" (^٦).
وقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح) كما جاء في بعض النسخ، أو لقوله: (صحيح) كما جاء في "التحقيق" لابن الجوزي (^٧).
٣ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في الرخصة في أكل الثمرة للْمارِّ بها.
حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن صالح بن أبي جبير، عن أبيه، عن رافع بن عمرو قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني، فذهبوا بي إلى النبي ﷺ، فقال: "يا رافع،
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٥٥٧).
(٢) (٥٥٧)، وفي هامش التحقيق: (لفظة "غريب" ليست في ل).
(٣) (٥٤٩).
(٤) (٥٤٩)، وقال: (كلمة "غريب" لم تذكر في م ون، وذكرت في هـ وك).
(٥) (٦١٣٤).
(٦) (٤٢٩٩).
(٧) (٢/ ٥٣٣ - تنقيح).
[ ٢ / ١٤٦ ]
لِم ترمي نخلهم؟ "، قال: قلت: يا رسول الله، الجوع، قال: "لا ترم، وكل ما وقع أشبعك الله وأرواك". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢).
وفي "تحفة الأشراف" (^٣)، و"تهذيب الكمال" (^٤) - ترجمة صالح بن أبي جبير -، وطبعة بشار (^٥): (حسن صحيح غريب).
قلت: الذي يظهر أن الترمذي يصحح هذا الحديث كما في النسخ الأخرى.
وصالح بن أبي جبير وأبوه فيهما جهالة، وقد أخرج أبو داود (^٦) هذا الحديث من طريق آخر، فرواه عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، عن معتمر، عن ابن أبي الحكم الغفاري، عن جدته، عن عم أبيها رافع بن عمرو به. ووقع فيه بعض الاختلاف في الإسناد (^٧).
٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذنه، فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب، ولا يحمل".
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٣٤٣).
(٢) (١٣٣٥).
(٣) (٣٥٩٥).
(٤) (١٣/ ٢٧).
(٥) (١٢٨٨).
(٦) "السنن" (٢٦٢٢).
(٧) ينظر "التحفة" (٣٥٩٥).
[ ٢ / ١٤٧ ]
وفي الباب: عن ابن عمر، وأبي سعيد. حديث سمرة حديث حسن غريب صحيح.
وقال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح.
وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة، وقالوا: إنما يحدث عن صحيفة سمرة) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (^٣)، طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).
قلت: والذي يظهر لي أن الترمذي يصحح هذا الحديث، وقد صحّح عدة أحاديث بهذه السلسلة (^٥)، وإن كان في بعض الأحيان قد يتوقف (^٦)، وهو يرجِّح سماع الحسن، عن سمرة، كما نقله عن علي بن المديني.
٥ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في كفارة النذر إذا لم يُسمِّ.
حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثني محمد مولى المغيرة بن شعبة، قال: حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: (كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٧). وكذا في طبعة الرسالة (^٨).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١٣٥٠).
(٢) (١٣٤٢).
(٣) (٤٥٩١).
(٤) (١٢٩٦).
(٥) ينظر: (١٦١٣،١٤٢٩،١٢٨٩).
(٦) ينظر: (١١١٤،٢٥٢،٢٣٣).
(٧) "جامع الترمذي" (١٦٢٠).
(٨) (١٦٠٨).
[ ٢ / ١٤٨ ]
قلت: هذا الحديث أخرجه مسلم (^١)، قال: (حدثني هارون بن سعيد الأيلي ويونس بن عبد الأعلى وأحمد بن عيسى، قال يونس: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: "كفارة النذر كفارة اليمين").
هذا هو اللفظ الصحيح لهذا الخبر، وأما إسناد الترمذي فلا يصح؛ محمد مولى المغيرة لا يعرف، وقد أسقط أو سقط من الإسناد عبد الرحمن بن شماسة.
وأما حكم الترمذي عليه بما تقدم، فالنُّسخ اتفقت على التصحيح، واختلفت في موضع (الغريب)، ففي "تحفة الأشراف" (^٢) (حسن صحيح غريب)، وهكذا في نسخة بشار (^٣).
٦ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن بشار وأحمد بن نصر النيسابوري وغير واحد، قالوا: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٤). وكذا في طبعة الرسالة (^٥). وفي "تحفة الأشراف" (^٦)، وطبعة بشار (^٧): (حسن صحيح غريب).
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٦٤٥).
(٢) (٩٩٦٠).
(٣) (١٥٢٨).
(٤) "جامع الترمذي" (١٧٧٥).
(٥) (٣/ ٤٧١).
(٦) (١٢٨٦١).
(٧) (١٦٦٨).
[ ٢ / ١٤٩ ]
قلت: الذي يظهر لي أن الترمذي يريد بحكمه هذا تصحيح هذا الخبر، والدليل على ذلك أنه قد صحح غير ما حديث بهذه السلسلة، منها: حديث: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء … ".
أخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان به، وقال: (حسن صحيح) (^١).
وأخرج حديثا آخر بنفس الإسناد السابق - أي: عن قتيبة به - وهو: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". وقال: (حسن صحيح) (^٢).
وحديث آخر بنفس الإسناد؛ أخرجه في الزهد، وهو: "قلب الشيخ شاب على حب اثنتين … " الحديث. وقال: (حسن صحيح (^٣).
وأخرج في الزهد أيضا حديث: "إن لكل شيء شِرَّةً، ولكل شرة فترة … " عن يوسف بن سلمان البصري، عن حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان به. وقال: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه) (^٤).
وأخرج حديثين غير ما تقدم، ولم يصححهما، قال عن الأول: (حسن)، وقال عن الثاني: (حسن غريب) (^٥).
ويؤيد تصحيح الترمذي لهذا الخبر: أن باقي النسخ جاء فيها: (حسن صحيح) أو (غريب صحيح) و(حسن صحيح غريب).
وقد توبع صفوان على هذا الحديث:
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٦٤٦)، "تحفة الأشراف" (١٢٨٦٢).
(٢) "جامع الترمذي" (٢٨٢٨)، "التحفة" (١٢٨٦٤).
(٣) "جامع الترمذي" (٢٥٠٦)، "التحفة" (١٢٨٦٩).
(٤) "جامع الترمذي" (٢٦٣٥)، "التحفة" (١٢٨٧٠).
(٥) "جامع الترمذي" (٢٠٥٠، ٣٨٩٢)، "التحفة" (١٢٨٦٣، ١٢٨٦٥).
[ ٢ / ١٥٠ ]
تابعه حاتم بن إسماعيل، كما عند النسائي في "سننه" (^١).
والمغيرة بن عبد الرحمن، كما في "الجهاد" لابن أبي عاصم (^٢).
وأبو إسحاق، كما في "حلية الأولياء" لأبي نعيم (^٣)، وقال: (ثابت مشهور من حديث القعقاع عن أبي صالح).
وسعيد بن أبي أيوب، كما عند البغوي في "شرح السنة" (^٤)، وقال: (هذا حديث غريب).
٧ - قال أبو عيسى: (حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: "خير الخيل الأدهم الأقرَح الأرْثَم، ثم الأقْرَح المُحجَّل طلْق اليمين، فإن لم يكن أدْهم، فكُمَيتٌ على هذه الشية".
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن يحيى ابن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب …، نحوه بمعناه. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٥).
وفي "تحفة الأشراف" (^٦)، وطبعة بشار (^٧)، والرسالة (^٨): (حسن صحيح غريب).
قلت: الحكم الذي جاء هنا - يعني: في طبعة دار التأصيل - أظنه خطأً طباعيا، والدليل على ذلك: ما جاء في طبعة الرسالة، وهي غالبا لا تختلف عن التأصيل، وعلى فرض صحة ما جاء في طبعة التأصيل فهذا الخبر صحيح.
_________________
(١) (٣١٨٥).
(٢) (١٩١).
(٣) (٨/ ٢٦٤).
(٤) (٢٦٣٠).
(٥) "جامع الترمذي" (١٨٠٣ - ١٨٠٤).
(٦) (١٢١٢١).
(٧) (١٦٩٦ - ١٦٩٧).
(٨) (١٧٩١ - ١٧٩٢).
[ ٢ / ١٥١ ]
وقد جاء أيضا من طريق موسى بن علي عن أبيه مرسلا (^١).
وجاء موصولا أيضا، لكن الصواب عن موسى بن علي الإرسالُ، كما في "العلل" لابن أبي حاتم (^٢).
وأما طريق يزيد بن أبي حبيب فلم يقع فيها اختلاف، وهو ثقة فقيه، وعليه فالراجح في هذا الخبر الوصل، وقد صحّحه أبو عيسى كما تقدم.
٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ ربعة؛ ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الجسم، أسمر اللون، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط، إذا مشى يتوكأ.
وفي الباب: عن عائشة، والبراء، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، ووائل بن حُجْر، وجابر، وأم هانئ.
حديث أنس حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث حميد) (^٣). وكذا فى طبعة الرسالة (^٤).
قلت: وفي "تحفة الأشراف" (^٥)، وطبعة بشار (^٦): (حسن صحيح غريب).
وفيه لفظان غريبان:
الأول: (أسمر اللون)، وقد جاء في "صحيح مسلم" (^٧) من حديث حماد، عن ثابت، عن أنس: كان أزهر اللون.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٧٥٥).
(٢) "علل الحديث" لابن أبي حاتم (٣/ ٣٣٥).
(٣) "جامع الترمذي" (١٨٦٢).
(٤) (١٨٥٠).
(٥) (٧٢٠).
(٦) (١٧٥٤).
(٧) (٢٣٣٠).
[ ٢ / ١٥٢ ]
وأخرجه البخاري (^١)، وليس فيه موضع الشاهد.
وحديث أنس له طرق في "الصحيحين" بألفاظ مختلفة؛ من حديث حميد عند البخاري ومسلم (^٢)، وليس فيه ذكر للونه ﷺ.
ومن حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ متفق عليه (^٣)، ولفظه: (أزهر اللون (^٤)، ليس بأبيض أمهق ولا آدم).
ومن حديث قتادة؛ أخرجه البخاري ومسلم (^٥)، وليس فيه ذكر للونه ﷺ.
فتبين مما سبق أن لفظة: (أسمر اللون) غير محفوظة، بل هي لفظة شاذة.
الثاني: لفظ مسلم فيه أيضا: (إذا مشى تكفأ).
وقد أخرجه أبو داود (^٦)، وأبو يعلى (^٧) ومن طريقه أبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ " (^٨)، كلاهما عن وهب، عن خالد، عن حميد به. وعندهما: (كان إذا مشى كأنه يتوكأ).
وأخرجه البزار من طريق خالد وعبد الوهاب، كلاهما عن حميد به، واقتصر على لفظ: (أسمر اللون).
وقال البزار: (لا نعلم رواه عن حميد إلا خالد وعبد الوهاب) (^٩).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٣٥٦١).
(٢) "صحيح البخاري" (١٩٧٣)، "صحيح مسلم" (٢٣٣٨).
(٣) "صحيح البخاري" (٣٥٤٧، ٥٩٠٠)، "صحيح مسلم" (٢٣٤٧).
(٤) هذا لفظ البخاري من طريق ربيعة.
(٥) "صحيح البخاري" (٥٩٠٣ - ٥٩٠٧)، "صحيح مسلم" (٢٣٣٨، ٢٣٤١).
(٦) "السنن" (٣٨٦٣).
(٧) "المسند" (٣٧٧٧).
(٨) (٢٠٩).
(٩) (٦٦٢٣، ٦٦٢٤). وقال الدارقطني في "الأطراف" (٧٩٥): (قوله: "أسمر اللون"؛ غريب من حديث حميد عن أنس، وغريب من حديث عبد الوهاب الثقفي عنه.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ووجه الاختلاف أن في مسلم (يتكفأ)، وعند أبي داود وغيره - كما عند المصنِّف -: (إذا مشى كأنه يتوكأ).
والذي أميل إليه: أن (يتكفأ) و(يتوكأ) محفوظتان، وأنهما بمعنى واحد، ومع أنه وقع عند المباركفوري (^١): (يتكفأ) (^٢)، وهكذا أخرجه الترمذي في "الشمائل" (^٣): (يتكفأ).
والذي يظهر أن الترمذي أراد بقوله: (حسن غريب صحيح) تصحيح هذا الحديث.
وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (^٤) من طريقه، ولم ينقل حكم الترمذي عليه.
٩ - قال أبو عيسى: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجُمَّة ودون الوفرة. هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.
وقد روي من غير وجه عن عائشة أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد.
ولم يذكروا فيه هذا الحرف: وكان له شعر فوق الجمة، وأنما ذكره عبد الرحمن ابن أبي الزِّناد، وهو ثقة حافظ، كان مالك بن أنس يوثقه ويأمر بالكتابة عنه) (^٥).
_________________
(١) = وتابعه على هذه اللفظة خالد بن عبد الله الواسطي عن حميد، ولم نسمعه إلا من علي بن مبشر، عن عبد الحميد بن بيان، عن خالد). وينظر أيضا: (٧٤٩).
(٢) "تحفة الأحوذي" (٥/ ٤٤٩).
(٣) وكذلك في نسخة بشار.
(٤) (٢).
(٥) (٣٦٤٠).
(٦) "جامع الترمذي"، (١٨٦٣).
[ ٢ / ١٥٤ ]
وكذا في طبعة الرسالة (^١): (حسن غريب صحيح).
وأما في "تحفة الأشراف" (^٢)، وطبعة بشار (^٣): (حسن صحيح غريب)، وكذا نقله المنذري عن الترمذي: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه (^٤).
وهذا هو الأقرب؛ لأن الطريقة المستعملة في الغالب أن يقال: (غريب من هذا الوجه)، ولا يقال - أو يندر أن يقال -: (صحيح من هذا الوجه)، وكلام الترمذي بعد ذلك قد بين هذا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود (^٥)، والترمذي في "الشمائل" (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وابن سعد (^٨)، وابن شبّة (^٩)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (^١٠)، والطبراني في "الأوسط" (^١١)، وابن المقرئ (^١٢)، والبغوي في "شرح السنة" (^١٣)؛ كلهم من طرق عن ابن أبي الزِّناد به.
وقد أخرج البخاري (^١٤) الشطر الأول من حديث هشام، عن عروة به. وخرجه مسلم من طرق أخرى والبخاري أيضا (^١٥).
وأخرج أبو داود (^١٦)، وابن ماجه (^١٧)، الشطر الثاني من حديث ابن أبي الزِّناد.
_________________
(١) (١٨٥١).
(٢) (١٧٠١٩)
(٣) (١٧٥٥).
(٤) "مختصر سنن أبي داود" (٤٠٢٣).
(٥) "السنن" (٤١٨٧).
(٦) (٢٥).
(٧) "السنن" (٣٦٣٥).
(٨) "الطبقات الكبري" (١/ ٣٧٠).
(٩) "تاريخ المدينة" (٢/ ٦٢٦).
(١٠) (٣٣٥٩).
(١١) (١٠٣٩).
(١٢) "المعجم" (٧٨٠).
(١٣) (٣١٨٧).
(١٤) "صحيح البخاري" (٧٣٣٩،٥٩٥٦،٢٧٣).
(١٥) "صحيح البخاري" (٢٥٠، ٢٦١)، "صحيح مسلم" (٣١٩، ٣٢١).
(١٦) (٤١٨٧).
(١٧) (٣٦٣٥).
[ ٢ / ١٥٥ ]
وهو أيضا صحيح من أحاديث أخرى.
ولكن هذه الزيادة تفرد بها ابن أبي الزِّناد في هذا الحديث، كما تقدم في كلام أبي عيسى، والذي يظهر أنها شاذة في هذا الخبر.
نعم؛ هي صحيحة، ولكن في غير هذا الحديث من هذا الوجه.
وقد يكون مقصود أبي عيسى من تصحيحه هذا الخبر: أصل الخبر دون الزيادة، ولكن هذا فيه بعض البعد، وقد يكون أراد صحة الخبر كله مع الزيادة، وتساهل في قبولها؛ لأنها ثابتة في أحاديث أخرى بمعناها.
ففي "الصحيحين" (^١) من حديث أنس: كان شعره رَجِلا؛ ليس بالجعد ولا السبط، بين أذنيه وعاتقه.
وفي رواية من حديث أنس أيضا - وهي في "الصحيحين" (^٢) -: كان شعره ﷺ يضرب منكبيه.
وفي رواية عند مسلم (^٣) من حديث ابن عُليّة، عن حميد، عن أنس: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه.
وفي "الصحيحين" (^٤) من حديث براء: عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه.
وهذا يدل على ما جاء في رواية ابن أبي الزِّناد، إذ هو بمعناه، وأما باللفظ الذي ذكره ابن أبي الزِّناد فالذي يظهر أنه تفرد به، فلم أقف عليه بهذا اللفظ عند غيره، فيكون تفرده من جهتين:
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥٩٠٥ - ٥٩٠٦)، "صحيح مسلم" (٢٣٣٨).
(٢) "صحيح البخاري" (٥٩٠٣ - ٥٩٠٤)، "صحيح مسلم" (٢٣٣٨).
(٣) "صحيح مسلم" (٢٣٣٨).
(٤) "صحيح البخاري" (٣٥٥١)، "صحيح مسلم" (٢٣٣٧).
[ ٢ / ١٥٦ ]
الجهة الأولى: تفرده بهذه الزيادة في هذا الحديث خاصة.
والجهة الثانية: تفرده بهذا اللفظ، - وهو: (فوق الوفرة، ودون الجمة) - بعامة دون سائر الأحاديث، والله تعالى أعلم.
وقد علق له البخاري في "صحيحه" أربعة أحاديث (^١) من حديث ابن أبي الزِّناد، عن هشام.
وأخرج له الترمذي حديثا آخر.
وأما عدد أحاديثه بهذا الإسناد في "التحفة" فسبعة (^٢)، منها: حديث تفرد به، وقد اختلف عليه، فمرة وصله، وأخرى أرسله.
١٠ - قال أبو عيسى: (أخبرنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا حسين بن محمد البغدادي، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "ستخرج نار من حضرموت - أو من بحر حضرموت - قبل يوم القيامة تحشر الناس". قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام". وفي الباب: عن حذيفة بن أسيد، وأنس، وأبي هريرة، وأبي ذر. هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن عمر) (^٣). وكذا في طبعة الرسالة (^٤). وفي "تحفة الأشراف" (^٥)، وطبعة بشار (^٦): (حسن صحيح غريب). هذا الحديث أخرجه أحمد (^٧) من طريق شيبان.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٤٤٥٨، ٥٣٢٦، ٥٧٦٣، ٣١٩٨).
(٢) (١٧٠١٨ - ١٧٠٢٤).
(٣) "جامع الترمذي" (٢٣٧٧).
(٤) (٢٣٦٤).
(٥) (٦٧٦٥).
(٦) (٢٢١٧).
(٧) "المسند" (٥٣٧٦).
[ ٢ / ١٥٧ ]
وأخرجه أحمد (^١) وابن أبي شيبة (^٢) من طريق علي بن المبارك. وأخرجه أحمد (^٣) من طريق أبان بن يزيد، والحسين المعلِّم. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (^٤) من طريق الأوزاعي. كلهم عن يحيى بن أبي كثير به.
١١ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في صفة شراب أهل النار.
حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد ابن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "إن الحميم ليصب على رءوسهم، فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان". ابن حُجيرة هو: عبد الرحمن بن حُجيرة المصري. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٥). وكذا في طبعة الرسالة (^٦). وفي "تحفة الأشراف" (^٧)، وبشار (^٨): (حسن صحيح غريب).
هذا الحديث أخرجه أحمد (^٩)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على "الزهد" (^١٠)، والطبري في "تفسيره" (^١١)، والحاكم (^١٢)، وأبو نعيم في
_________________
(١) "المسند، (٥١٤٦).
(٢) "المصنف" (٤٠١٠٣).
(٣) "المسند" (٥٧٣٨، ٦٠٠٢).
(٤) (٧٣٤٧).
(٥) "جامع الترمذي" (٢٧٧٥).
(٦) (٢٧٦٢).
(٧) (١٣٥٩٣).
(٨) (٢٥٨٢).
(٩) (٨٨٦٤).
(١٠) (١٠٧). وقع في المطبوع: (ابو حجيرة) بدل (ابن حجيرة)، ولعله تصحيف.
(١١) (١٦/ ٤٩٥).
(١٢) (٣٥٠٣).
[ ٢ / ١٥٨ ]
"الحلية" (^١)، والبيهقي في "البعث والنشور" (^٢)، والبغوي في "شرح السنة" (^٣)، وفي "التفسير" (^٤) من طرق، عن عبد الله بن المبارك به. وقال البغوي: قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب). وقال ابن كثير: ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك، وقال: (حسن صحيح) (^٥). وقال السيوطي: (وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصحّحه) (^٦).
قلت: هذا الحديث في إسناده دَرّاج أبو السمح، وهو متكلم فيه، وقد خرّج له المصنف عدة أحاديث من روايته عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، ولم يصحح سوى حديث واحد منها (^٧) كما في "التحفة" (^٨)، بينما قال عن أكثر من حديث منها: (حسن غريب) (^٩)، مع ملاحظة أن أبا داود تكلم في حديث درّاج ما كان بهذا الإسناد، وأما ما لم يكن عن أبي الهيثم فإنه قوّاه (^١٠). وأما ابن معين فإنه قوى الأحاديث التي بهذا الإسناد.
والأقرب أنه لا يحتج به، سواء كان فيه عن أبي الهيثم، أو غيره؛ لأن العلة منه، كما قال الإمام أحمد (^١١).
وقد يكون القول الذي نقله البغوي عن المصنف هو الصحيح عنه؛
_________________
(١) (٨/ ١٨٢).
(٢) (١١٠٦).
(٣) (٤٤٠٦).
(٤) (٥/ ٣٧٤). وقع في المطبوع: (أبو حجيرة) بدل (ابن حجيرة)، ولعله تصحيف.
(٥) "تفسير ابن كثير" (٥/ ٤٠٦).
(٦) "الدر المنثور" (١٠/ ٤٢٦).
(٧) برقم (٣٤٧١).
(٨) (٤٠٥٠) و(٤٠٥٢ - ٤٠٦٣).
(٩) ينظر: (٢٨١٨، ٢٨٩٤، ٣٣٦٨).
(١٠) "سؤالات الآجري" (٢/ ١٦٦).
(١١) "سؤالات أبي داود للإمام أحمد" (ص: ٢٤٧).
[ ٢ / ١٥٩ ]
لأن هذا هو الموافق لغالب أحكامه، وقد يكون القول الآخر الذي نقل عنه - وهو رواية الأكثر - في تصحيحه هو الثابت عنه؛ لأنه كما تقدم صحح له حديثا بذلك الإسناد، والله أعلم.
١٢ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا.
حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء". وفي الباب: عن سعد، وابن عمر، وجابر، وأنس، وعبد الله بن عمرو.
هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن مسعود، وإنما نعرفه من حديث حفص بن غياث، عن الأعمش.
وأبو الأحوص اسمه: عوف بن مالك بن نضلة الجشمي.
تفرد به حفص) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن صحيح، تفرد به حفص، إنما نعرفه من حديثه). وفي طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).
والحديث أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (^٥) من طريق محمد بن عبد العزيز الواسطي.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢٨٣٠).
(٢) (٢٨١٧).
(٣) (٩٥١٠).
(٤) (٢٦٢٩).
(٥) (٦٨٨).
[ ٢ / ١٦٠ ]
وابن عدي في "الكامل" (^١) من طريق مخلد بن مالك. كلاهما عن أبي خالد الأحمر، عن الأعمش به.
قال ابن عدي: (لا يُعرَف هذا الحديث إلا بحفص بن غياث عن الأعمش، وبه يعرف، وحكم الناس بأنه حديثه عن الأعمش، حتى حدَّثَناهُ الخضر بن أمية وغيره، عن مخلد بن مالك، عن أبي خالد، عن الأعمش، ولا أعلم يرويه عن أبي خالد غير مخلد بن مالك) (^٢). ولذا قال الإمام أحمد عن هذا الحديث: (منكر) (^٣).
وقال مرة: (إنما هذا زعموا أن حفصا رواه عن الأعمش عن أبي إسحاق، وأرى الأعمش أخطأ فيه) (^٤).
قلت: الذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث؛ لأنه جاء من وجه آخر عن أبي هريرة وغيره.
فقد أخرجه مسلم (^٥) من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وأخرجه (^٦) أيضا من حديث خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إن الإيمان ليأرِزُ إلى المدينة، كما تأرِز الحية إلى جحرها".
_________________
(١) (٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٢) تقدم أن الطحاوي أخرجه من طريق محمد بن عبد العزيز الواسطي، عن أبي خالد.
(٣) "المنتخب من علل الخلال" (١١) رواية حنبل، وقد سأله عن حديث حفص بن غياث.
(٤) "تاريخ بغداد" (٤/ ٤٤١) رواية الأثرم.
(٥) "صحيح مسلم" (١٤٥).
(٦) "صحيح مسلم" (١٤٧).
[ ٢ / ١٦١ ]
وأخرجه (^١) أيضا من حديث عاصم بن محمد العمري، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرِز بين المسجدين، كما تأرز الحية في جحرها".
وقد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن حديث حفص هذا، فقال البخاري: (لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير حفص بن غياث، وهو حديث حسن) (^٢).
قلت: تبين مما تقدم أن حفصا لم يتفرد به، بل تابعه أبو خالد الأحمر، لكن في كلام البخاري والترمذي أن حفصا تفرد به، فيحتمل أن تكوه هذه المتابعة خطأ، أو أن أبا خالد أخذه من حفص بن غياث ودلّسه، ويكون تصريح أبي خالد بالتحديث - الذي وقع عند الطحاوي - خطأ من الراوي عنه، وأما إن ثبتت هذه المتابعة فيكون قول الإمام أحمد هو الأصح، وأن الأعمش أخطأ فيه، والله تعالى أعلم.
١٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "من كذب علي - حسبت أنه قال: متعمدا - فليتبوأ بيته من النار".
هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث الزهري، عن أنس، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أنس، عن النبي ﷺ " (^٣). وهكذا في طبعة الرسالة (^٤).
وفي طبعة بشار: (حسن صحيح غريب) (^٥). وفي "تحفة الأشراف" (صحيح غريب) (^٦).
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٤٦).
(٢) "العلل الكبير" (٦٢٨).
(٣) "جامع الترمذي" (٢٨٦٥).
(٤) (٢٨٥٢).
(٥) (٢٦٦١).
(٦) (١٥٢٥).
[ ٢ / ١٦٢ ]
قلت: هذا الحديث صحيح، فقد أخرجه الشيخان من غير طريق الترمذي؛ فأخرجه البخاري (^١) من طريق عبد الوارث، ومسلم (^٢) من طريق إسماعيل بن علية، كلاهما عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس به. والذي يظهر أن الترمذي يصحح طريق الليث.
وأما قول الترمذي: (غريب)، فالذي يظهر أنه يقصد من طريق الزهري حسب، مع أنه قد توبع؛ وإليك تفصيل ذلك:
فقد توبع قتيبة في هذا الحديث: فأخرجه أحمد (^٣) عن إسحاق، وابن ماجه (^٤) عن محمد بن رمح المصري، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (^٥) من طريق شعيب بن الليث، وابن حبان (^٦) من طريق أبي الوليد، والطبراني في "طرق حديث من كذب علي متعمدا" (^٧) من طريق شعيب بن يحيى وعبد الله بن صالح وأحمد بن يونس، كلهم عن ليث، عن ابن شهاب، عن أنس به.
وقد توبع ليث أيضا: فأخرجه البزار (^٨)، قال: (حدثناه محمد بن مسكين، حدثنا سعيد بن كثير، حدثنا ابن وهب، عن يونس).
وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (^٩)، قال: (حدثنا الوليد، ثنا محمد بن عمار، حدثني أبو الوليد الجارودي، عن ابن أبي ذئب).
قال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي ذئب إلا الجارودي، تفرد به محمد بن عمار).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٠٨).
(٢) "مقدمة صحيح مسلم" (٢).
(٣) (١٣٣٣٢).
(٤) "السنن" (٣٢).
(٥) (٤٠٣).
(٦) (٣١).
(٧) (١١٢).
(٨) (٦٣٤٤).
(٩) (٩٢٨١).
[ ٢ / ١٦٣ ]
وأخرجه الطبراني في "طرق حديث من كذب علي متعمدا" (^١)، قال: (حدثنا عبد الله بن محمد العمري، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد).
وأخرجه الطبراني أيضا في "طرق حديث من كذب علي متعمدا" (^٢)، قال: (حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي ابن شهاب). كلهم عن الزهري عن أنس به. وقد أخرجه من طرق أخرى عن أنس (^٣).
١٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سلمة ابن رجاء، قال: حدثنا الوليد بن جميل، قال: حدئنا القاسم أبو عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي، قال: ذُكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"، ثم قال رسول الله ﷺ: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير". هذا حديث حسن غريب صحيح.
سمعت أبا عمار الحسين بن حريث الخزاعي، يقول: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: عالم عامل معلم يدعى كبيرا في ملكوت السموات) (^٤). وكذا في طبعة الرسالة (^٥): (حسن غريب صحيح).
_________________
(١) (١١٥).
(٢) (١١٦).
(٣) "طرق حديث من كذب علي متعمدا" (١٠٣ - ١٢٧).
(٤) "جامع الترمذي" (٢٨٩٣).
(٥) (٢٨٨٠).
[ ٢ / ١٦٤ ]
وفي "تحفة الأشراف" (^١)، طبعة بشار (^٢): (حسن صحيح غريب).
والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (^٣)، وأبو القاسم الدمشقي في "فوائد تمام" (^٤)، والشجري في "ترتيب الأمالي" (^٥) من طريق محمد بن أبي رجاء العبّاداني. وأخرجه الطبراني أيضا في "الكبير" (^٦) من طريق يعقوب بن حميد.
وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (^٧) من طريق بكر بن خلف أبي بشر.
وأخرجه أبو القاسم الدمشقي في "فوائد تمام" (^٨) من طريق أبي أيوب سليمان ابن داود الشاذكوني.
وأخرجه الشجري في "ترتيب الأمالي" (^٩) من طريق روح بن عبد المؤمن المقرئ. كلهم عن سلمة بن رجاء به.
قلت: إسناده قوي، والوليد بن جميل تُكلم فيه، والأقرب أنه لا بأس به، ولكن هذا الإسناد غريب، وقد جاء ما يشهد لبعضه.
ويحتمل أن أبا عيسى عندما حكم عليه بـ (حسن غريب صحيح) يريد صحته، والله تعالى أعلم.
وقد صحح الترمذي حديثا آخر بهذه السلسلة (^١٠)، وحسن حديثا (^١١)، وغرّب آخر (^١٢). فهذه أربعة أحاديث أخرجها الترمذي بهذه السلسلة.
_________________
(١) "تحفة الأشراف" (٤٩٠٧).
(٢) (٢٨٦٥).
(٣) (٧٩١١).
(٤) (٤٣).
(٥) (٢٨٢).
(٦) (٧٩١٢).
(٧) (٢١٥).
(٨) (١٢٤٣).
(٩) (٢٨٢).
(١٠) برقم: (١٧٣٣).
(١١) برقم: (١٧٧٦).
(١٢) برقم: (١٧٣٠).
[ ٢ / ١٦٥ ]
ونقل عن البخاري أنه قال: (لا أعرف أحدا روى عن الوليد بن جميل غير يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم، والوليد بن جميل مقارب الحديث) (^١).
١٥ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في كراهية أن يقول: عليك السلام مبتدئا.
حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عبد الله بن المثنى، قال: حدثنا ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وكذا في طبعة الرسالة (^٣): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (^٤)، وبشار (^٥): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا حديث صحيح، وهو مستقيم سندا ومتنا، لذا صححه المصنف، وقد سبقه البخاري إلى تصحيحه، فقد أخرجه في كتابه "الصحيح" (^٦).
١٦ - قال أبو عيسى (باب ما جاء في إنشاد الشعر.
حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري وعلي بن حُجْر - المعنى واحد -، قالا: حدثنا ابن أبي الزِّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما،
_________________
(١) "العلل الكبير" (٤٩٣).
(٢) "جامع الترمذي" (٢٩٣٤).
(٣) (٢٩٢١).
(٤) (٥٠٠).
(٥) (٢٧٢٣).
(٦) (٩٤ - ٩٥، ٦٢٤٤).
[ ٢ / ١٦٦ ]
يفاخر عن رسول الله ﷺ، - أو قالت: ينافح عن رسول الله ﷺ، ويقول رسول الله ﷺ: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر، - أو ينافح - عن رسول الله ﷺ ".
حدثنا إسماعيل وعلي بن حُجْر، قالا: حدثنا ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ … مثله. وفي الباب: عن أبي هريرة، والبراء. هذا حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن أبي الزِّناد) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (^٣)، وطبعة بشار (^٤): (حسن صحيح).
والحديث أخرجه أبو داود (^٥) عن محمد بن سليمان المصِّيصِي لوين، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عروة وهشام به.
وعلّقه البخاري في كتابه "الصحيح" كما في "تحفة الأشراف" (^٦)، فقال: (حديث: كان النبي ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد، وقال: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما دافع أو نافح عن رسول الله ﷺ. خ: وقال ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عروة بهذا).
قلت: وهذا لم أقف عليه في النسخة المطبوعة من "صحيح البخاري"، ولم يذكره ابن حجر في "الفتح" ولا في "تغليق التعليق"، ولذا قال في "النكت الظراف على تحفة الأشراف": (لم أر هذا الموضع في
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٠٧٥ - ٣٠٧٦).
(٢) (٣٠٦٠).
(٣) (١٦٣٥١).
(٤) (٢٨٤٦).
(٥) "السنن" (٥٠١٥).
(٦) (١٦٣٥١).
[ ٢ / ١٦٧ ]
"صحيح البخاري"، وقد وصله أيضا أحمد والطبراني وصحّحه الحاكم).
وأخرجه مسلم (^١) في حديث طويل من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، وفيه: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله".
قلت: قد ذكره البخاري في ثلاثة مواضع:
فقال في "صحيحه" (^٢): (حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: استأذن حسان النبي ﷺ في هجاء المشركين، قال: "كيف بنسبي؟ " فقال حسان: لأسُلَّنَّك منهم كما تسل الشعرة من العجين.
وعن أبيه قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه فإنه كان ينافح عن النبي ﷺ).
وقال (^٣): (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ، وقالت عائشة: استأذن النبي ﷺ في هجاء المشركين، قال "كيف بنسبي؟ " قال: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. حدثنا محمد بن عقبة، حدثنا عثمان بن فرقد، سمعت هشاما، عن أبيه، قال: سببت حسان وكان ممن كثر عليها).
وقال (^٤): (حدثنا محمد، حدثنا عبدة، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: استأذن حسان بن ثابت رسول الله ﷺ في هجاء المشركين، فقال رسول الله ﷺ: "فكيف بنسبي؟ " فقال حسان: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢٤٩٠).
(٢) (٣٥٣١).
(٣) (٤١٤٥).
(٤) (٦١٥٠).
[ ٢ / ١٦٨ ]
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ).
وأما حكم الحديث من حيث الصحة، فهو حديث صحيح، فقد أخرجه مسلم كما تقدم من وجه آخر، كما أخرجه أحمد (^١) وابن حبان (^٢) من طريق أخرى.
وأما طريق ابن أبي الزِّناد فظاهرها الصحة أيضا، وقد صححها الحاكم (^٣)، والذي يظهر أن أبا عيسى يرى صحة هذه الطريق.
وقد جاء هذا الحديث من مسند أبي هريرة؛ أخرجه الشيخان (^٤)، كما أنه جاء عن غيره.
ولكن تفرد ابن أبي الزِّناد بقوله في روايته عن أبيه عن عروة: (كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد).
والجواب عن ذلك: أن المقصود بالمنبر هنا - فيما يظهر - موضعٌ في المسجد، وليس المنبر المعروف الذي يخطب عليه، فيكون ابن أبي الزِّناد رواه بالمعنى، والله تعالى أعلم.
١٧ - وقال أبو عيسى: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله
_________________
(١) أخرجه من طريق ابن أبي الزناد (٢٤٤٣٧ - ٢٤٤٣٨).
(٢) (٧١٨٩).
(٣) (٦١٩١).
(٤) "صحيح البخاري" (٤٥٣، ٣٢١٢، ٦١٥٢)، "صحيح مسلم" (٢٤٨٥).
[ ٢ / ١٦٩ ]
فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له رسول الله ﷺ: "خلِّ عنه يا عمر، فلَهيَ أسرع فيهم من نضح النبل". هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقد روى عبد الرزاق، هذا الحديث أيضا عن معمر، عن الزهري، عن أنس … نحو هذا.
وروي في غير هذا الحديث أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد الله بن رواحة - يعني - قتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك) (^١). وفي طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي "التحفة" (^٣)، وبشار (^٤): (حسن صحيح غريب من هذا الوجه). وفي "الفتح" (^٥): قال الترمذي: (حديث حسن غريب).
والحديث أخرجه النسائي (^٦) وابن خزيمة (^٧) وابن حبان (^٨) والبغوي في "شرح السنة" (^٩).
وأما طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس، فقد أخرجها البزار (^١٠) وابن أبي عاصم (^١١)، وقال البزار: (لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا معمر، ولا نعلم رواه عن معمر إلا عبد الرزاق).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٠٧٧).
(٢) (٣٠٦١).
(٣) (٢٦٦).
(٤) (٢٨٤٧).
(٥) (٧/ ٥٠٢).
(٦) "المجتبى" (٢٨٩٤، ٢٩١٥).
(٧) "صحيح ابن خزيمة" (٢٦٨٠).
(٨) "صحيح ابن حبان" (٥٨٢٤).
(٩) (٣٤٠٤).
(١٠) "المسند" (٦٣٠١).
(١١) "الآحاد والمثاني" (١٩٨٣)، وفي "الجهاد" (٢٥٩).
[ ٢ / ١٧٠ ]
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (^١) من طريق محمد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله ﷺ دخل مكة في تلك العمرة، دخلها وعبد الله بن رواحة … الخ، وذكر الأبيات.
ورواه يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم مرسلا في عمرة القضاء (^٢). وفي "إتحاف المهرة" (^٣): (رواه زَمْعة بن صالح عن الزهري مرسلا).
وفي "البداية والنهاية" (^٤): (رواه موسى بن عقبة عن الزهري مرسلا في عمرة القضية).
وقال الدارقطني في "العلل" (^٥): (تفرد به عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، ويقال: وهِم فيه، … وأنه انقلب عليه إسناده، وهو محفوظ من حديث جعفر، عن ثابت، عن أنس).
وقد تعقّب الذهبيُّ في "السير" (^٦) وابنُ حجر في "الفتح" (^٧) الترمذيَّ في ذلك.
فقال الذهبي: (كلا، بل مؤتة بعدها بستة أشهر جزما).
وقال ابن حجر: (وهو ذهول شديد وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أنّ في قصة عمرة القضاء اختصامَ جعفر وأخيه علي وزيد بن حارثة في بنت حمزة، كما سيأتي في هذا
_________________
(١) (٤١٦).
(٢) ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/ ٣٧٨).
(٣) (٢/ ٣٠٢).
(٤) (٦/ ٣٧٨). ثم رأيته عند الطبراني أخرجه في "الكبير" (٤١٧).
(٥) (٢٦٠٨).
(٦) (١/ ٢٣٦).
(٧) (٧/ ٥٠٢).
[ ٢ / ١٧١ ]
الباب، وجعفر قُتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد، كما سيأتي قريبا، وكيف يخفى عليه - أعني الترمذي - مثل هذا!؟ ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخط الكَرُوخي - راوي الترمذي - ما تقدم، والله أعلم).
قلت: والخلاصة أن حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، حديث محفوظ عند أبي عيسى الترمذي، وقد صحح بهذه الترجمة غير ما حديث (^١)، كما أنه توقف في أحاديث أخر (^٢).
وأما قوله: (وكعب بن مالك بين يديه وهذا أصح …؛ لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة) فهذا لا ينافي صحة أصل الحديث عنده.
وأنا أذهب إلى صحة ما تعقّب به الذهبي وابن حجر المصنف، وأن مؤتة بعد عمرة القضاء.
وأما طريق الزهري عن أنس، فلعل الصواب فيها الإرسال دون أنس، كما رواه موسى بن عقبة، وزَمْعة بن صالح. وقد نصَّ الدارقطني (^٣) على خطأ عبد الرزاق.
ولكن هذا المرسل يقوي طريق جعفر، ويتقوى أكثر بمرسل زيد بن أسلم، وعبد الله بن أبي بكر.
١٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن جعفر بن ميمون، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: صلى رسول الله ﷺ العشاء ثم انصرف، فأخذ بيد عبد الله
_________________
(١) ينظر: (١٦٧٨، ٢١٤٦، ٣٩٦٥).
(٢) ينظر: (٧٠٥، ٣٧٦٥، ٤٢١٠).
(٣) "العلل" (٢٦٠٨).
[ ٢ / ١٧٢ ]
ابن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه ثم خط عليه خطا، ثم قال: "لا تبرحن خطك، فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك"، ثم مضى رسول الله ﷺ حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزُّطُّ أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورة، ولا أرى قشرا، وينتهون إلي لا يجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله ﷺ، حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله ﷺ قد جاءني وأنا جالس، فقال: "لقد أراني منذ الليلة"، ثم دخل علي في خطي فتوسد فخذي فرقد، وكان رسول الله ﷺ إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول الله ﷺ متوسد فخذي، إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهوا إليه، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله ﷺ، وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه تنامان وقلبه يقْظان، اضربوا له مثلا، مثل سيد بنى قصرا ثم جعل مائدة، فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه - أو قال: عذبه - ثم ارتفعوا، واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك فقال: "سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هم؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوا؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "المثل الذي ضربوا: الرحمن بنى الجنة، ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يجبه عاقبه - أو عذبه -". هذا حديث حسن غريب صحيح، من هذا الوجه.
وأبو تميمة اسمه: طريف بن مجالد، وأبو عثمان النهدي اسمه: عبد الرحمن بن مُلّ.
وسليمان التيمي قد روى هذا الحديث، روى عنه معتمر، وهو سليمان بن طَرْخان، وإنما كان ينزل بني تيم فنسب إليهم.
[ ٢ / ١٧٣ ]
قال علي: قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أخوف لله تعالى من سليمان التيمي) (^١).
وفي الطبعة الهندية للجامع وشرحه "تحفة الأحوذي" (^٢)، طبعة الرساله (^٣): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (^٤)، وطبعة بشار (^٥): (حسن غريب).
قلت: والذي أذهب إليه أن هذا الإسناد بهذا السياق لا يصح؛ لأن فيه جعفر بن ميمون، وهو لا يحتج به، والذي يظهر أنه لم يتقن حفظ هذا الخبر، فخلط بين أكثر من حديث؛ لأن بعض ألفاظ هذا الحديث صحيحة، قد جاءت من طرق أخرى.
وأما أبو عيسى فالذي يظهر أنه يذهب إلى صحته، والله أعلم.
١٩ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في مثل النبي ﷺ والأنبياء قبله صلى الله عليه وعليهم أجمعين. حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا سليم بن حيان، قال: حدثنا سعيد بن مِيناء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال النبي ﷺ: "إنما مثلي ومثل الأنبياء، كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة". وفي الباب: أبي هريرة، وأبي بن كعب. هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^٦).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٠٩٣).
(٢) (٤/ ٣٧).
(٣) (٣٠٧٧).
(٤) (٩٣٨١).
(٥) (٢٨٦١).
(٦) "جامع الترمذي" (٣٠٩٤).
[ ٢ / ١٧٤ ]
وفي "تحفة الأحوذي" (^١)، وطبعة الرسالة كذلك (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (صحيح غريب من هذا الوجه). وفي طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب من هذا الوجه).
قلت: الذي يظهر أن الترمذي في قوله: (حسن غريب صحيح) يريد صحة هذا الحديث، وهو حديث صحيح، وقد أخرجه الشيخان (^٥).
٢٠ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس، إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ﷺ: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
_________________
(١) (٤: ٣٧) الطبعة الهندية، أما طبعة الفيحاء (٨/ ١٦٤) ففيها: (حسن صحيح غريب).
(٢) (٣٠٧٨).
(٣) (٢٢٦٠).
(٤) (٢٨٦٢).
(٥) "صحيح البخاري" (٣٥٣٤) "صحيح مسلم" (٢٢٨٧).
[ ٢ / ١٧٥ ]
هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢). وفي "تحفة الأشراف" (^٣)، وطبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا حديث صحيح، لاستقامة إسناده ومتنه، ورجاله كلهم ثقات. والذي يظهر أن المصنف يقصد صحته بقوله: (حسن غريب صحيح)، وقد صححه ابن حبان (^٥).
٢١ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [اَل عمران:٦١]، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٦). وأخرجه مطولا في مناقب علي، وقال: (حسن غريب صحيح) (^٧).
وكذا في "تحفة الاْحوذي" وفي نسخة الجامع التي معه (^٨)، وطبعة الرسالة (^٩) الموضع الأول منه: (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^١٠)، وطبعة وبشار (^١١)، والرسالة (^١٢) الموضع الثاني منه: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٢٢٩).
(٢) (٣٢١١).
(٣) (٣٤٥٢).
(٤) (٢٩٧٢).
(٥) (٤٧٣١).
(٦) "جامع الترمذي" (٣٢٦٢).
(٧) "جامع الترمذي" (٤٠٧٦).
(٨) (٤/ ٨٢) الطبعة الهندية.
(٩) (٣٢٤٤).
(١٠) (٣٨٧٢).
(١١) (٣٧٢٤).
(١٢) (٤٠٥٨).
[ ٢ / ١٧٦ ]
قلت: الذي يظهر أن الترمذي يرى صحة هذا الحديث، وصحّحه أيضا مسلم (^١)، وأخرجه بنفس إسناد الترمذي: حدثنا قتيبة به.
٢٢ - وقال أبو عيسى في كتاب التفسير: (باب ومن سورة آل عمران.
(حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن مروان ابن الحكم، قال: اذهب يا رافع - لبوابه - إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وتلا: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨]، قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتابهم، وما سألهم عنه. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وفي طبعة بشار (^٣): (حسن صحيح غريب).
قلت: الذي يظهر أن الترمذي يقصد بقوله: (حسن غريب صحيح) صحة هذا الحديث، والحديث صحيح سندا ومتنا، وقد أخرجه البخاري ومسلم (^٤).
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢٤٠٤).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٢٧٩).
(٣) (٣٠١٤).
(٤) "صحيح البخاري" (٤٥٦٨)، و"صحيح مسلم" (٢٧٧٨).
[ ٢ / ١٧٧ ]
٢٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، قال: حدثنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في الكبائر -، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور". حديث حسن غريب صحيح) (^١).
وكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح)، وتقدم في موضع آخر، وقال عنه: (حسن صحيح غريب) (^٣)، وكذلك في طبعة التأصيل (^٤). وفي "تحفة الأشراف" (^٥)، وبشار (^٦): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا الحديث مستقيم سندا ومتنا، وقد صححه الشيخان من طريق شعبة به (^٧). وأخرجه مسلم أيضا من طريق خالد بن الحارث (^٨).
وقول الترمذي: (حسن غريب صحيح)، يريد صحة هذا الخبر، بدليل أنه قال قبل ذلك: (حسن صحيح غريب).
٢٤ - وقال في كتاب التفسير: (باب ومن سورة النساء.
(حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن أبي جعفر الرازي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت:
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٢٨٤).
(٢) (٣٢٦٦).
(٣) (١٢٤٨).
(٤) (١٢٥٦).
(٥) (١٠٧٧).
(٦) (٣٠١٨).
(٧) "صحيح البخاري" (٢٦٥٣، ٥٩٧٧)، "صحيح مسلم" (٨٨).
(٨) "صحيح مسلم" (٨٨).
[ ٢ / ١٧٨ ]
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ونحن نعبد ما تعبدون،. قال: فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢). وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن صحيح). وفي نسخة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).
قلت: إسناد الترمذي ضعيف، من أجل أبي جعفر الرازي، فهو سيء الحفظ، ولعله سمع من عطاء بعد الاختلاط.
ولكن جاء من وجه آخر عند أبي داود (^٥)، والنسائي في "الكبرى" (^٦)، وابن جرير في "تفسيره" (^٧) من حديث الثوري، عن عطاء بن السائب به.
وسفيان الثوري ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، فزالت هذه العلة. وعلى هذا فالخبر إسناده قوي.
ورواه ابن جرير أيضا من حديث جرير بن عبد الحميد (^٨)، ومن حديث حماد (^٩)، كلاهما عن عطاء به.
ولكن وقع في روايتهما: عن أبي عبد الرحمن السلمي مرسلا، والوصل صحيح؛ لأن سفيان من أحفظ الناس، وقد وصله كما تقدم.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٢٩٣).
(٢) (٣٢٧٥).
(٣) (١٠١٧٥).
(٤) (٣٠٢٦).
(٥) "السنن" (٣٦٧١).
(٦) كما في "تحفة الأشراف" (١٠١٧٥).
(٧) (٧/ ٤٥).
(٨) "تفسير ابن جرير" (٧/ ٤٨).
(٩) "تفسير ابن جرير" (٧/ ٤٦).
[ ٢ / ١٧٩ ]
٢٥ - وقال أيضا: (باب ومن سورة المائدة.
(حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عتبة بن أبي حكيم، قال: حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرا، سألتُ عنها رسول الله ﷺ، قال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم (^١) ".
قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: "لا، بل أجر خمسين منكم". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وكذا في "تفسير ابن كثير" (^٣).
وفي "تحفة الأشراف" (^٤)، وكذا في النسخة الحجرية الهندية للجامع، ومع شرحه "تحفة الأحوذي" (^٥)، وطبعة بشار (^٦)، والرسالة (^٧): (حسن غريب).
_________________
(١) هكذا في رواية الترمذي، وفي غيره من المصادر: "مثل عمله".
(٢) "جامع الترمذي" (٣٣٢٨).
(٣) (٣/ ٢١٣).
(٤) (١١٨٨١).
(٥) (٤/ ١٠٠).
(٦) (٣٠٥٨).
(٧) (٣٣١٠).
[ ٢ / ١٨٠ ]
وقال محققو الرسالة: في ("أ" و"س": حسن غريب صحيح، والمثبت من "د" و"ل").
والحديث أخرجه أبو داود (^١)، وابن ماجه (^٢)، وابن جرير (^٣)، وابن أبي حاتم (^٤)، وابن حبان (^٥)، كلهم من طريق عتبة بن أبي حكيم به.
تبين مما تقدم أن نسخ الترمذي قد اختلفت في حكمه على هذا الحديث، ولكن في أكثرها أنه قال: (حسن غريب).
وإسناد هذا الخبر فيه ضعف مع غرابته؛ فعتبة قد اختلف فيه اختلافا شديدا، وعمرو بن جارية وأبو أمية الشعباني ليسا بمشهورين.
ولكن الشطر الأول من هذا الحديث يشهد له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بنحوه، وهو حديث صحيح قد جاء من طرق كثيرة في "سنن أبي داود" (^٦) و"المسند" (^٧) وغيرهما.
وأما الشطر الثاني، فهو على قسمين:
الأول: قوله: "له أجر خمسين يعملون مثل عمله".
الثاني: قوله: "منا أو منهم؟ قال: بل منكم".
وهذا لا يصح من حيث الإسناد، بل فيه نكارة من حيث المتن.
فأما من حيث الإسناد: فقد جاء في نهايته: قال عبد الله بن المبارك: (وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: "بل أجر خمسين منكم").
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤٣٤١).
(٢) "سنن ابن ماجه" (٤٠١٤).
(٣) "التفسير" (٩/ ٤٨).
(٤) "التفسير" (٦٩١٥).
(٥) "صحيح ابن حبان" (٣٨٥).
(٦) (٤٣٤٢ - ٤٣٤٣).
(٧) (٦٥٠٨، ٦٩٨٧، ٧٠٤٩، ٧٠٦٣).
[ ٢ / ١٨١ ]
فقوله: (وزادني غير عتبة)، لم يبين من هو الذي زاد؟ فيكون قد سقط منه أكثر من راو، وبالتالي لا يصح.
قال ابن الموّاق: (هذه رواية ظاهرها الإرسال، إذ لا يسوغ لأحد أن يرويها بإسناد يصله إلى عبد الله بن المبارك فيقول: عنه، عن رجل، عن عمرو بن جارية، عن أبي أمية، عن أبي ثعلبة. ولو فعل هذا فاعل عُدّ متسامحا متساهلا في النقل بالظن، وذلك جرح في فاعله؛ إذ لعل ابن المبارك لم تكن عنده هذه الرواية متصلة بالنبي ﷺ بل مرسلة، فلا يكون عن أبي ثعلبة، ولا عن أبي أمية) (^١).
وأخرج الطبري في "التفسير" (^٢) والترمذي في "نوادر الأصول" (^٣) من طريق أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم به، وفي آخره: قالوا: يا رسول الله، كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: "لا، كأجر خمسين عاملا منكم". قلت: أيوب بن سويد متكلَّم فيه.
وقد جاء ما يشهد له، فأخرج محمد بن نصر المروزي في "السنة" (^٤)، قال: (حدثني محمد بن إدريس، ثنا عبد الله بن يوسف التنِّيسي، ثنا خالد بن يزيد بن صَبيح المُرِّي، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة - وكان من الصحابة -، أن رسول الله ﷺ قال: "إن من ورائكم أيامٌ الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم"، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: "بل منكم".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (^٥) و"الأوسط" (^٦) من طريق عبد الله بن يوسف به.
_________________
(١) "بغية النقاد النقلة" (١/ ٣٦٨).
(٢) (٩/ ٤٨).
(٣) (٨٦).
(٤) (٣٣).
(٥) (٢٨٩).
(٦) (٣١٢١).
[ ٢ / ١٨٢ ]
وقال: (لا يروى هذا الحديث عن عتبة إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن أبي عبلة) (^١).
قلت: وهذا إسناد صحيح إلى إبراهيم بن أبي عبلة، ولكنه منقطع بينه وبين عتبة، وقد يكون بينهما أكثر من راو؛ لأن عتبة بن غزوان مات في خلافة عمر سنة (١٧) أو نحوها، فهو قديم، وأما إبراهيم فهو من صغار التابعين، فبينهما مفازة (^٢).
هذا مع غرابة هذه الرواية، لأن عتبة بصري، وهو الذي اختطها، وقد مات في الطريق إليها في المرة الثانية. وأما إبراهيم فهو شامي، فروايته عنه غريبة جدا.
ويحتمل أن عتبة في رواية إبراهيم، هو: ابن أبي حكيم الذي في الإسناد السابق، ولكن الذي وقع في المصادر: (عتبة بن غزوان أخو بني مازن بن صعصعة).
وقد جاءت هذه اللفظة من طريق ثالث؛ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (^٣) قال: (حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة ومحمد بن العباس الأخرم الأصبهاني، قالا: ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا سهل بن عثمان البجلي، ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن من ورائكم زمانَ صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا"، فقال عمر: يا رسول الله، منا أو منهم؟ قال: "منكم").
_________________
(١) "المعجم الأوسط" (٣/ ٢٧٢).
(٢) ينظر: "حلية الأولياء" (٥/ ٢٤٥)، "تهذيب الكمال" (١٩/ ٣١٧).
(٣) (١٠٣٩٤).
[ ٢ / ١٨٣ ]
قلت: هذا الإسناد باطل؛ سهل بن عثمان الصواب أنه: سهل بن عامر، كما وقع عند البزار (^١)، وهكذا ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (^٢)، وابن حبان في "ثقاته" (^٣).
قال أبو حاتم عنه: ضعيف الحديث، روى أحاديث بواطيل، أدركته بالكوفة، وكان يفتعل الحديث.
وقال ابنه عبد الرحمن - بعد أن ذكر بعض شيوخه -: وعنه: أحمد بن عثمان بن حكيم.
قلت: وهو الراوي عنه في حديثنا هذا.
وقال عنه البخاري: منكر الحديث (^٤).
وذكره ابن عدي في "الكامل" (^٥) وقال: أرجو أنه لا يستحق ولا يستوجب تصريح الكذب.
وأما ابن حبان فقد ذكره في "الثقات"، وهذا فيه نظر.
وأولى الأقوال فيه ما ذهب إليه أبو حاتم الرازي؛ لأنه قد التقى به.
وذكر الدارقطني في "الأفراد" (^٦) أنه تفرد بهذا الخبر، وذكر نحو ذلك من قبله البزار (^٧)، فتبين سقوط هذا الإسناد، وأنه ليس بشيء.
_________________
(١) "المسند" (٥/ ١٧٨)، وقال: (لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه).
(٢) (٤/ ٢٠٢).
(٣) (٨/ ٢٩٠).
(٤) "الكامل" لابن عدي (٦/ ٣٩)، وهو في "التاريخ الأوسط" (٤/ ٩٦٧) غير أنه جاء فيه: (سهل بن عمار). وفي هامش التحقيق: (كذا في الأصل، وفي رواية الخفاف: عامر).
(٥) (٦/ ٣٤).
(٦) "أطراف الغرائب" لابن طاهر (٣٦٨٧).
(٧) "المسند" (٥/ ١٧٩).
[ ٢ / ١٨٤ ]
وجاءت من طريق رابع، أخرجه ابن وضاح في "البدع" (^١): (ثنا محمد بن يحيي، ثنا أسد بن موسى، ثني عدي بن الفضل، عن محمد بن عجلان، عن عبد الرحمن، عن ابن عمر مرفوعًا: "إنّ من بعدكم أياما، الصابر فيها المتمسك بمثل ما أنتم عليه اليوم له أجر خمسين منكم". قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال "بل منكم"). قلت: عدي بن الفضل الأقرب أنه التيمي وهو متروك.
وأما من حيث المتن: فالذي جاء في هذا الخبر: أن للعامل في وقت الفتن أجر خمسين من الصحابة، والذي جاء في النصوص الصحيحة: أن أجر الصحابة لا يلحقه من جاء من بعدهم، كما في "الصحيحين" (^٢) من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد رفعه: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". فتبين أن ما جاء في الحديث السابق فيه نظر من حيث المتن أيضا.
نعم؛ ما جاء في رواية أبي ثعلبة الخشني: "أن له أجر خمسين يعملون مثل عمله" مستقيم من حيث المتن، فقد جاء ما يشهد له من حيث المعنى من حديث معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: "العبادة في الهرج كهجرة إلي" (^٣).
والخلاصة: أن حديث أبي ثعلبة إسناده صالح، وليس بالقوي، لما تقدم.
وأما زيادة: "أجر خمسين منكم"، فهي زيادة منكرة، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) (١٨٩).
(٢) "صحيح البخاري" (٣٦٧٣)، و"صحيح مسلم" (٢٥٤١).
(٣) "صحيح مسلم" (٢٩٤٨).
[ ٢ / ١٨٥ ]
٢٦ - وقال أبو عيسى: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت، حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ - يعد أيامه - قال: ورسول الله ﷺ يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: "أخر عني يا عمر، إني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت"، قال: ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجب لي وجرأتي على رسول الله ﷺ، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. إلى آخر الآية، قال: فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢). وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن صحيح). وفي طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا حديث صحيح، فقد أخرجه البخاري في الجنائز من طريق الليث عن عقيل، عن الزهري (^٥). وأخرجه في التفسير، فقال: (حدثنا يحيى
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٣٧٢).
(٢) (٣٣٥٤).
(٣) (١٠٥٠٩).
(٤) (٣٠٩٤).
(٥) "صحيح البخاري" (١٣٦٦).
[ ٢ / ١٨٦ ]
بن بكير، حدثنا ليث، عن عقيل، وقال غيره حدثني ليث، حدثني عقيل) (^١). ومثله النسائي في "الكبرى" (^٢).
٢٧ - وقال أيضا في التفسير: (باب ومن سورة المؤمنون.
(حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد أبي شجاع، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قال: "تشويهِ النارُ فتُقلِّص شفته العالية حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).
وكذا في "تحفة الأحوذي" الطبعة الحجرية، ومعها نسخة "الجامع" (^٤): (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٥)، وفي طبعة بشار (^٦)، والرسالة (^٧): (حسن صحيح غريب).
وأخرجه قبل ذلك في (أبواب صفة جهنم) بإسناده سواء (^٨)، وقال: (حسن صحيح غريب). وكذا في طبعة الرسالة (^٩).
وفي طبعة بشار (^١٠): (حسن غريب). وكذا قاله البغوي في "شرح السنة" (^١١): (حسن غريب). والغالبُ أنه ينقل حكم الترمذي.
قلت: تبين مما تقدم اختلاف نسخ الترمذي في حكمه على هذا
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٤٦٧١).
(٢) (١١٣٣٥).
(٣) "جامع الترمذي" (٣٤٧١).
(٤) (٤/ ١٥٢).
(٥) (٤٠٦١).
(٦) (٣١٧٦).
(٧) (٣٤٥٠).
(٨) "جامع الترمذي" (٢٧٨٢).
(٩) (٢٧٦٩).
(١٠) (٢٥٨٧).
(١١) (١٥/ ٢٥٢).
[ ٢ / ١٨٧ ]
الحديث، وبالتالي لا يطمئن القلب إلى ما وقع في بعض النسخ من قوله: (حسن غريب صحيح).
وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد، أي: أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد (^١).
٢٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كُدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس، قال: مرَّ يهودي بالنبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "يا يهودي حدثنا" فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلائق على ذه؟ وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر بخنصره أولا، ثم تابع حتى بلغ الإبهام، فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو كُدينة اسمه: يحيى بن المهلب.
رأيت محمد بن إسماعيل روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع، عن محمد ابن الصلت) (^٢).
وكذا في طبعة الرسالة (^٣): (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٤)، وطبعة بشار (^٥): (حسن صحيح غريب).
وكذا نقله إبن كثير في "تفسيره" (^٦).
_________________
(١) ينظر: (ص: ٢٠، ١٥٩) من هذا المجلد مصطلح (حسن صحيح) فيما كان في أدنى درجات الثبوت برقم (٧).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٥٤٢).
(٣) (٣٥٢١).
(٤) "جامع الترمذي" (٣٥٤٢).
(٥) (٣٢٤٠).
(٦) (٧/ ١١٤).
[ ٢ / ١٨٨ ]
قلت: هذا الحديث خرجه الشيخان (^١) من حديث إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وأما الطريق التي معنا - وهي طريق عطاء بن السائب - فقد أخرجها أحمد (^٢) عن حسين بن حسن الأشقر، عن أبي كُدينة به. وأبو كُدينة من الثقات.
وعطاء بن السائب صدوق إلا أنه قد اختلط، ولم يُذكر أن أبا كُدينة سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، والذي يظهر أنه سمع منه بعد اختلاطه؛ لأنه متأخر بعض الشيء عن تلاميذ عطاء الذين سمعوا منه قديما كشعبة والثوري.
ولكنْ أبو عيسى يصحح حديث عطاء بن السائب في كثير من الأحيان (^٣)، حتى ولو كان الراوي سمع منه بعد أن تغير، وذلك إذا لم يتبين أن هناك علة في الإسناد أو في المتن غير ذلك.
وهذا منطبق على هذا الخبر، إلا أن في هذا الإسناد غرابة من هذا الوجه كما ذكر المصنف.
والذي يظهر أن قوله هنا: (حسن غريب صحيح) مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب).
وقوله: (رأيت محمد بن إسماعيل، روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع، عن محمد بن الصلت)، لا أدري في أي كتبه روى ذلك، فليس موجودا في كتابه "الصحيح"، ولم أقف عليه في كتبه الأخرى المطبوعة، فلعله في كتبه التي لم تصل إلينا، وكأنه يريد بقوله السابق غرابة هذا الإسناد،
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٤٨١١، ٧٤١٤، ٧٥١٣)، "صحيح مسلم" (٢٧٨٦).
(٢) "المسند" (٢٢٦٧، ٢٩٨٨).
(٣) ينظر: (٨٨٢، ٨٩٤، ١٠٠٠، ٣٧٢٩).
[ ٢ / ١٨٩ ]
وأنه لم يرو إلا من طريق ابن الصلت، ولكن تقدم في رواية أحمد أنه رواه من طريق حسين بن حسن الأشقر - وهو متكلم فيه -، عن أبي كُدينة به.
٢٩ - قال أبو عيسى: (باب ومن سورة الحجرات.
حدثنا الفضل بن سهل البغدادي الأعرج وغير واحد، قالوا: حدثنا يونس بن محمد، عن سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "الحسب المال، والكرم التقوى". هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث سمرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام بن أبي مطيع) (^١). وكذا في "تحفة الأحوذي" (^٢). وفي "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن غريب). وفي طبعة بشار (^٤)، والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).
أخرجه أحمد (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (^٨)، وابن أبي عاصم في "الزهد" (^٩)، والطبراني في "الكبير" (^١٠)، والدارقطني (^١١)، والحاكم (^١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (^١٣)، والبيهقي (^١٤)، والبغوي في "شرح السنة" (^١٥)، من طريق يونس بن محمد، به.
قلت: هذا الإسناد فيه سلام، وقد تُكلم في روايته عن قتادة.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٥٧٦).
(٢) (٤/ ١٨٧) الطبعة الهندية.
(٣) (٤٥٩٨).
(٤) (٣٢٧١).
(٥) (٣٥٥٥).
(٦) "المسند" (٢٠١٠٢).
(٧) "السنن" (٤٢١٩).
(٨) (٤).
(٩) (٢٢٩).
(١٠) (٦٩١٣).
(١١) "السنن" (٣٧٩٨).
(١٢) "المستدرك" (٢٦٩٠) و(٧٩٢٢).
(١٣) (٦/ ١٩٠).
(١٤) "السنن الكبرى" (١٣٨٩٠).
(١٥) (٣٥٤٥).
[ ٢ / ١٩٠ ]
وهو أيضا من رواية الحسن عن سمرة، وفيها الخلاف المعروف، والترمذي يرى أنه سمع منه، ولذا صحح أحاديث بهذه الترجمة (^١).
ونسخ الترمذي قد اختلفت في حكمه على هذا الحديث، والذي أميل إليه أن ما جاء في "تحفة الأشراف" هو الأقرب في الحكم على هذا الحديث، ويؤيد هذا قوله: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام)، والله تعالى أعلم.
٣٠ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود هو الطيالسي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، قال: سمعت عثمان بن عفان، يقول: قال رسول الله ﷺ: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فيضره شيء".
وكان أبان قد أصابه طرف فالج، فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر؟ أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ؛ ليُمضيَ الله عليَّ قدره. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).
وفي "تحفة الأشراف" (^٣)، وطبعة بشار (^٤)، والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).
والحديث جاء من طرق، أخرجها النسائي في "الكبرى" في "عمل اليوم والليلة" (^٦) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن أبان.
_________________
(١) ينظر: (١٢٨٩، ١٣٥٠، ١٤٢٩).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٧٠٦).
(٣) (٩٧٧٨).
(٤) (٣٣٨٨).
(٥) (٣٦٨٥).
(٦) (٣٤٦).
[ ٢ / ١٩١ ]
وأخرجه أيضا (^١) في موضع آخر من طريق ابن أبي فُديك، قال: حدثني يزيد بن فراس، عن أبان به. وأيضا (^٢) من طريق أبي مودود، عن محمد بن كعب، عن أبان به.
وأخرجه (^٣) من طريق القعنبي، قال: (حدثنا أبو مودود، عن رجل، قال: حدثنا من سمع أبان بن عثمان يقول: سمعت عثمان بن عفان يقول: سمعت رسول الله ﷺ نحوه.
قال لنا أبو عبد الرحمن: وقد روي عن أبان بن عثمان بغير هذا اللفظ.
أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا بن وهب، قال: أخبرني الليث، عن العلاء بن كثير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبان بن عثمان من قوله. وقال: تابعه الزهري على روايته فوقفه.
أخبرني محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، عن الحجاج بن فُرافِصة، عن عُقيل، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، قال: من قال حين يمسي وحين يصبح ثلاث مرات: سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، لم يصبه شيء يضره، فدخلنا عليه وقد أصابه الفالج، فقال: ابن أخي، أما إني لم أكن قلتها حين أصابني).
قلت: هذان الإسنادان في صحتهما نظر؛ أما الأول ففيه أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور، وهو ليس بالمشهور، بل هو مجهول من حيث الرواية، وان كان نسبه مشهورا، ليس له ذكر إلا في هذا الخبر.
_________________
(١) (٣٤٧).
(٢) (١٥).
(٣) (١٦).
[ ٢ / ١٩٢ ]
وأما الطريق الثانية فهي لا تصح عن الزهري؛ إبراهيم بن إسماعيل الصائغ مجهول، وحجاج بن فُرافِصة تُكلم فيه بعض الشيء، وله أوهام، هذا مع غرابة هذه الطريق عن الزهري.
ومع ضعف هذين الطريقين إلى أبان، إلا أن هذا يدل على شهرة هذا الخبر عنه، وجانب رفع هذا الخبر عنه أقوى، فقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضا، كما تقدم.
وأما طريق الترمذي فرجالها ثقات، إلا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فقد تُكلم فيه، وهو صدوق مشهور موصوف بالعلم، وحديثه فيه تفصيل، والكلام فيه يطول، ولكن أذكر ما يتعلق بالإسناد الذي معنا: فإن علي بن المديني تكلم في رواية البغداديين عنه، بخلاف رواية المدنيين فإنها أقوى، وأبو داود الطيالسي بصري سكن بغداد، فيغلب على الظن أن هذا منها، وسبب كلامه في رواية البغداديين عنه أنهم كانوا يلقِّنونه، ولا يخفى أن هذا ليس من كلهم، وإنما من بعضهم، وأبو داود ليس منهم، فإنه كان من الثقات الحفاظ، وإن كان وصف بالوهم بسبب تحديثه من حفظه، فإسناد الترمذي قوي، والأسانيد الأخرى تقويه؛ لأنها جاءت من غير طريقه.
والذي يظهر أن الترمذي يرى قوة هذا الخبر، وكلامه هنا: (حسن غريب صحيح) يساوي كلامه: (حسن صحيح غريب) كما جاء في النسخ الأخرى. والله أعلم.
٣١ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه.
حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي".
[ ٢ / ١٩٣ ]
هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١).
وفي طبعة بشار (^٢)، والرسالة (^٣)، و"تحفة الأشراف" (^٤): (حسن صحيح غريب).
هذا الحديث أخرجه مسلم (^٥)، وأبو داود (^٦) من طريق يزيد بن هارون، والنسائي في "الكبرى" (^٧) من طريق بَهز، كلاهما عن حماد بن سلمة به.
وأخرجه أحمد (^٨)، وابن حبان (^٩)، والمصنف في "الشمائل" (^١٠)، كلهم من طريق حماد به.
قلت: هذا حديث صحيح، وقد صححه مسلم، فقول أبي عيسى: (حسن غريب صحيح) يقصد به صحة هذا الخبر، وحكمه عليه بالغرابة؛ لأن حمادا تفرد به.
٣٢ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء ما يقول إذا نزل منزلا.
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الحارث ابن يعقوب، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد ابن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم السلمية، عن رسول الله ﷺ قال: "من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك". هذا حديث حسن غريب صحيح.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٧١٤).
(٢) (٣٣٩٦).
(٣) (٣٦٩٣).
(٤) (٣١١).
(٥) (٢٧١٥).
(٦) "السنن" (٥٠٥٣).
(٧) "عمل اليوم والليلة" (٧٩٩).
(٨) (١٢٥٥٢) و(١٢٧١٢) و(١٣٦٥٣).
(٩) (٥٥٧٥).
(١٠) (٢٥٩).
[ ٢ / ١٩٤ ]
وروى مالك بن أنس هذا الحديث أنه بلغه عن يعقوب بن الأشج … فذكر نحو هذا الحديث.
وروي عن ابن عجلان هذا الحديث، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، ويقول: عن سعيد بن المسيب، عن خولة. وحديث الليث أصح من رواية ابن عجلان) (^١). وفي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" (^٢): (غريب صحيح). وفي طبعة بشار (^٣)، والرسالة (^٤): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا حديث صحيح، فهو مستقيم سندا ومتنا، ولذا صححه مسلم (^٥)، والمصنف، فقوله: (حسن غريب صحيح) مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب)، أو (غريب صحيح) كما جاء في "التحفة".
٣٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بما رأى، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد؛ فإنها لا تضره". وفي الباب: عن أبي قتادة. هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.
وابن الهاد اسمه: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المديني، وهو ثقة عند أهل الحديث روى عنه مالك والناس) (^٦).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٧٥٧).
(٢) (١٥٨٢٦).
(٣) (٣٤٣٧).
(٤) (٣٧٣٧).
(٥) (٢٧٠٨).
(٦) "جامع الترمذي" (٣٧٧٦).
[ ٢ / ١٩٥ ]
وفي "تحفة الأشراف" (^١)، وطبعة وبشار (^٢)، والرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا حديث صحيح، وقد صححه البخاري فأخرجه من طريق ابن أبي حازم والدَّراوردي، عن ابن الهاد به (^٤).
٣٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن موسى (^٥)، قال: حدثنا أبو عامر العَقَدي، عن سليمان بن بلال، عن عُمارة بن غَزية، عن عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن حسين بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب (^٦)، قال: قال رسول الله ﷺ: "البخيل الذي من ذُكرت عنده فلم يصل علي". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٧).
وكذا في "تفسير ابن كثير" (^٨)، و"تحفة الأحوذي" (^٩): (حسن غريب صحيح). وفي "تحفة الأشراف" (^١٠): (حسن غريب). وفي طبعة بشار (^١١)، والرسالة (^١٢): (حسن صحيح غريب).
_________________
(١) (٤٠٩٢).
(٢) (٣٤٥٣).
(٣) (٣٧٥٦).
(٤) (٧٠٤٥).
(٥) في هامش التحقيق عن بعض النسخ: (وزياد بن أيوب).
(٦) (علي بن أبي طالب) أثبتوه في طبعة التأصيل، وذكروا أنه ليس في بعض النسخ، وأنه في بعض النسخ مصحح عليه، ومضبب عليه في بعضها، وهو مثبت في نسخة الرسالة و"تحفة الأحوذي" و"تحفة الأشراف"، وينظر التخريج الآتي.
(٧) "جامع الترمذي" (٣٨٧٧).
(٨) (٦/ ٤٦٧).
(٩) (٤/ ٢٧٢) الطبعة الهندية.
(١٠) (١٠٠٧٢).
(١١) (٣٥٤٦).
(١٢) (٣٨٥٨).
[ ٢ / ١٩٦ ]
أخرجه أحمد (^١)، وإسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي" (^٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (^٣)، والنسائي في "الكبرى" (^٤)، وفي "عمل اليوم والليلة" (^٥)، وأبو يعلى (^٦)، وابن حبان (^٧)، والطبراني (^٨)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (^١١)، من طرق عن سليمان بن بلال، عن عُمارة بن غَزية، عن عبد الله بن علي بن حسين، عن أبيه علي بن حسين، عن أبيه.
وأخرجه إسماعيل القاضي (^١٢) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عُمارة، به.
وأخرجه أيضا (^١٣) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن علي بن الحسين، به.
وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (^١٤) من طريق ابن وهب، عن عمرو، عن عُمارة، عن عبد الله بن علي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
وأخرجه أيضا (^١٥) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن عُمارة، عن عبد الله بن علي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ.
قلت: الصواب في هذا الحديث أنه من مسند الحسين بن علي، وليس من مسند علي بن أبي طالب ﵄. والدليل على ذلك:
_________________
(١) "المسند" (١٧٣٦).
(٢) (٣٢).
(٣) (٤٣٢).
(٤) (٨٢٤٣)
(٥) (٥٥) و(٥٦).
(٦) "مسند أبي يعلى" (٦٧٧٦).
(٧) "صحيح ابن حبان" (٩٠٣).
(٨) "المعجم الكبير" (٢٨٨٥).
(٩) (٣٨٢).
(١٠) (٢٠٤١).
(١١) (١٤٦٦) و(١٤٦٧).
(١٢) (٣٥).
(١٣) (٣١).
(١٤) (١٤٦٤).
(١٥) (١٤٦٥).
[ ٢ / ١٩٧ ]
أولا: أن الإمام أحمد وسليمان بن عبيد الله وأحمد بن سنان، رووه عن أبي عامر العَقَدي هكذا.
وكذا جاء عن سليمان بن بلال من غير طريق أبي عامر، كما في رواية إسماعيل ابن جعفر وعبد الله بن جعفر بن نجيح وخالد بن مخلد.
ثانيا: تبين مما تقدم أن في أكثر نسخ الترمذي: إما (حسن غريب صحيح)، وإما (حسن صحيح غريب)، وإما (حسن غريب) فقط، وهذا لم يأت إلا في "تحفة الأشراف" فيما وقفت عليه.
فالذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الخبر، ولذا قال ابن حجر في "التهذيب" (^١) في ترجمة عبد الله بن علي: (وصحح له الترمذي).
ثالثا: أن هذا الخبر رجاله ثقات، سوى عبد الله بن علي بن الحسين، فإنه ليس بالمشهور، ولعله صالح لا بأس به، فقد ذكره ابن حبان وابن خلفون في "الثقات" (^٢)، واختار ذلك الذهبي، فقال في "الكاشف" (^٣): ثقة.
وقد روى عنه خمسة، مخهم بعض المشهورين؛ كعُمارة بن غَزية وموسى بن عقبة، فهذا مما يقويه.
وعليه، فإسناد هذا الخبر حسن لا بأس به، وقد صححه ابن حبان، والحاكم، بالإضافة إلى أبي عيسى.
وقال ابن حجر في "الفتح" (^٤): (لا يقصر عن درجة الحسن).
رابعا: أنه قد جاء ما يشهد لهذا الخبر، وهو ما أخرجه إسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ "، قال: حدثنا سليمان بن حرب،
_________________
(١) (٢/ ٣٨٨).
(٢) "الثقات" لابن حبان (٧/ ٢)، وينظر: "إكمال تهذيب الكمال" (٨/ ٧٤).
(٣) (٢٨٦٦).
(٤) (١١/ ١٦٨).
[ ٢ / ١٩٨ ]
قال ثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن، يقول: قال رسول الله ﷺ: "بحسب امرئ في البخل أن أُذكر عنده فلا يصلي علي".
وإسناده صحيح إلى الحسن، ولكنه مرسل، وهذا مما يقوي الخبر المتقدم.
ولكن عندما ترجم ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (^١) لعبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: (أخو أبي جعفر لأبيه وأمه، روى عن النبي ﷺ مرسل، قال: "البخيل من ذكرت عنده … " روى عنه عمارة بن غزية، سمعت أبي يقول ذلك).
قلت: يظهر أن هذا الخبر قد روي مرسلا أيضا، وأن أبا حاتم يختار هذا الوجه، ولكن هذا الوجه لم أقف عليه.
ولعل أبا حاتم يقصد روايته المتقدمة عن علي، ولذا قال الدارقطني: (رواه الدَّراوردي، عن عمارة، عن عبد الله بن علي بن الحسين مرسلا عن علي). قال: (وقول سليمان بن بلال أشبه بالصواب) (^٢).
٣٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"، فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: "الله أكثر".
وهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.
وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العابد الشامي) (^٣).
_________________
(١) (٥/ ١١٤).
(٢) "العلل" (٣٠٤).
(٣) "جامع الترمذي" (٣٩٠٩).
[ ٢ / ١٩٩ ]
وفي "تحفة الأشراف" (^١)، وفي طبعة بشار (^٢)، والرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).
أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (^٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (^٥) من طريق ابن ثوبان به.
قال أبو نعيم: (رواه زيد بن واقد، وهشام بن الغاز، عن مكحول، مثله).
وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (^٦) من طريق محمد بن يوسف، عن ابن ثوبان به. وقال: (حسن غريب).
قلت: أولا: في هذا الإسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو من أهل الصلاح، لكن تُكلّم فيه من قِبل ضبطه: قال صالح بن محمد: شامي صدوق، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه، عن مكحول، مسندة.
وقواه غيره (^٧).
ويظهر لي أن أبا عيسى يرى صحة هذا الخبر، إذ قد صحّح لابن ثوبان حديثا آخر غير هذا (^٨)، وقال في حديث ثانٍ: (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح) (^٩).
ثم إن ابن ثوبان قد توبع في هذا الخبر كما قال أبو نعيم، وقد أخرج ذلك الطبراني في "المعجم الأوسط" (^١٠).
_________________
(١) (٥٠٧٣).
(٢) (٣٥٧٣).
(٣) (٣٨٩٠).
(٤) (٨٨١).
(٥) (٥/ ١٣٧).
(٦) (١٣٨٧).
(٧) ينظر: "تهذيب الكمال" (١٧/ ١٢).
(٨) "جامع الترمذي" (٢٨٧٣).
(٩) "جامع الترمذي" (٤٣). وقد ضُبِّب على كلمة (صحيح) في بعض النسخ.
(١٠) (١٤٧).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وقد صحح ابن حجر هذا الحديث؛ قال في "الفتح" (^١): (وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبادة بن الصامت …) وذكره.
وقد جاء له شواهد بنحوه.
٣٦ - وقال أبو عيسى في التفسير: (باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
(حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨]، قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأن على عنقه، فقال النبي ﷺ: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانا".
هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).
وكذا في "تحفة الأشراف" (^٣): (حسن غريب صحيح).
وفي طبعة بشار (^٤)، والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).
أخرجه البخاري في "صحيحه" (^٦) من طريق عبد الرزاق به.
وقد توبع معمر؛ فقد أخرجه النَّسَائِي في "الكبرى" (^٧): أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله، عن عبيد الله، عن عبد الكريم الجزري به. وزاد في آخره: (وإن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا).
قلت: تبين مما تقدم أن هذا الحديث صحيح، وأن قول الترمذي:
_________________
(١) (١١/ ٩٦).
(٢) "جامع الترمذي" (٣٦٦٣).
(٣) (٦١٤٨).
(٤) (٣٣٤٨).
(٥) (٣٦٤٢).
(٦) (٤٩٥٨).
(٧) (١١١٧١).
[ ٢ / ٢٠١ ]
(حسن غريب صحيح) يريد به صحة هذا الخبر.
وقد جاء بنحوه من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة به (^١)، وتقدم الكلام عليه (^٢).
٣٧ - وقال أبو عيسى في باب في فضل النبي ﷺ: (حدثنا الحسين بن يزيد، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد أبي خالد، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأُكسى الحلّة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري".
هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).
وفي "تحفة الأشراف" (^٤)، وطبعة بشار (^٥)، ونسخة الرسالة (^٦): (حسن غريب).
قلت: وهذا هو الأقرب، وهو كونه (حسن غريب)؛ لأن في إسناد هذا الخبر يزيدَ أبا خالد وهو الدالاني، متكلم فيه، وتقدم حديث لأبي خالد عند المصنف (^٧)، وقد بين علته، والحمل فيه على أبي خالد.
وفيه شيخ الترمذي: الحسين بن يزيد الطحان الأنصاري، قال أبو حاتم: لين الحديث (^٨). وذكره ابن حبان في "الثقات" (^٩).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٣٦٦٤).
(٢) برقم (٦) من بداية هذه المصطلح.
(٣) "جامع الترمذي" (٣٩٥٧).
(٤) (٣٩٥٧).
(٥) (٣٦١١).
(٦) (٣٩٣٨)، وفي هامش التحقيق: (المثبت من "س" و"تحفة الأشراف"، وفي سائر النسخ الخطية: حسن غريب صحيح).
(٧) ينظر: "جامع الترمذي" (٧٨ - ٧٩)، "العلل الكبير" (٤٣).
(٨) "الجرح والتعديل" (٣/ ٦٧).
(٩) (٨/ ١٨٨).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
قلت: فتبين أن هذا الإسناد فيه ضعف، ولعل الترمذي قوّاه من أجل شواهده التي جاءت بنحوه، ولأن حديث أبي هريرة ثابت من حيث الأصل، ولكن ليس باللفظ الذي رواه الترمذي، وإنما بنحوه، فقد أخرج البخاري في "صحيحه" (^١)، قال: (حدثنا يحيى بن قزعة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: استبّ رجلان، رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي ﷺ: "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله").
وقال: (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهودي، فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: "من؟ "، قال: رجل من الأنصار، قال: "ادعوه"، فقال: "أضربته؟ "، قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث، على محمد ﷺ، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بصعقة الأولى") (^٢).
_________________
(١) (٢٤١١).
(٢) "صحيح البخاري" (٢٤١٢).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
قال ابن حجر: (قوله: "فأكون أول من يفيق" لم تختلف الروايات في "الصحيحين" في إطلاق الأولية، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد والنسائي: "فأكون في أول من يفيق"، أخرجه أحمد عن أبي كامل، والنسائي من طريق يونس بن محمد، كلاهما عن إبراهيم، فعُرف أن إطلاق الأولية في غيرها محمول عليها، وسببه التردد في موسى ﵇ كما سيأتي، وعلى هذا يحمل سائر ما ورد في هذا الباب، كحديث أنس عند مسلم رفعه: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" وحديث عبد الله بن سلام عند الطبراني.
قوله: "فإذا موسى باطش بجانب العرش" أي آخذ بشيء من العرش بقوة، والبطش الأخذ بقوة، وفي رواية ابن الفضل: "فإذا موسى آخذ بالعرش"، وفي حديث أبي سعيد: "آخذ بقائمة من قوائم العرش"، وكذا في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قوله: "فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله" أي: فلم يكن ممن صعق، أي: فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثنى الله فلم يصعق فهي فضيلة أيضا. ووقع في حديث أبي سعيد: "فلا أدري كان فيمن صعق -أي: فأفاق قبلي- أم حوسب بصعقته الأولى" أي: التي صعقها لما سأل الرؤية، وبين ذلك ابن الفضل في روايته بلفظ: "أحوسب بصعقته يوم الطور".
والجمع بينه وبين قوله: "أو كان ممن استثنى الله": أن في رواية ابن الفضل وحديث أبي سعيد بيان السبب في استثنائه، وهو أنه حوسب بصعقته يوم الطور، فلم يكلف بصعقة أخرى، والمراد بقوله: "ممن استثنى الله" قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وأغرب الداودي الشارح، فقال: معنى قوله: "استثنى الله" أي: جعله ثانيا، كذا قال، وهو غلط شنيع، وقد وقع في مرسل الحسن في "كتاب البعث" لابن أبي الدنيا في هذا الحديث: "فلا
[ ٢ / ٢٠٤ ]
أدري أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة، أو بعث قبلي".
وزعم ابن القيم في "كتاب الروح" أن هذه الرواية -وهو: قوله: "أكان ممن استثنى الله"- وهم من بعض الرواة، والمحفوظ: "أو جوزي بصعفة الطور". قال: لأن الذين استثنى الله قد ماتوا من صعقة النفخة لا من الصعقة الأخرى، فظن بعض الرواة أن هذه صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن استثنى الله. قال: وهذا لا يلتئم على سياق الحديث، فإن [الإفاقة] حينئذ هي إفاقة البعث، فلا يحسن التردد فيها، وأما الصعقة العامة فإنها تقع إذا جمعهم الله تعالى لفصل القضاء، فيصعق الخلق حينئذ جميعا إلا من شاء الله، ووقع التردد في موسى ﵇. قال: ويدل على ذلك قوله: "وأكون أول من يفيق"، وهذا دال على أنه ممن صعق، وتردد في موسى؛ هل صعق فأفاق قبله أم لم يصعق؟ قال: ولو كان المراد الصعقة الأولى للزم أن يكون النبي ﷺ جزم بأنه مات، وتردد في موسى هل مات أم لا؟ والواقع أن موسى قد كان مات لما تقدم من الأدلة، فدل على أنها صعقة فزع لا صعقة موت، والله أعلم.
ووقع في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة -عند ابن مردويه-: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش فأجد موسى قائما عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله".
ويحتمل قوله في هذه الرواية: "أنفض التراب قبلي" تجويز المعية في الخروج من القبر، أو هي كناية عن الخروج من القبر، وعلى كل تقدير: ففيه فضيلة لموسى كما تقدم) (^١).
وأما ما يتعلق بكسوة الحلة، فالذي ثبت أن أول من يكسى إبراهيم
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
﵇، قال البخاري في "صحيحه" (^١): (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، "وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ " إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]).
مع ملاحظة أن حديث الترمذي ليس فيه - نصا - أن الرسول ﷺ أول من يكسى.
وأما قوله: "ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري" فهذا جاء نحوه في المقام المحمود، وذلك عندما قال: "سلوا الله لي الوسيلة"، ثم قال في تفسير الوسيلة: "منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو" (^٢).
كما أن من شواهده ما ذكره في حديث أنس في أول الباب، وكذلك ما جاء في الباب الذي بعده من الأحاديث.
٣٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا يوسف بن موسى القطان البغدادي، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، عن منصور بن أبي الأسود، قال: حدثني كثير أبو إسماعيل، عن جُميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: "أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار".
هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٣٤٩).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
(٣) "جامع الترمذي" (٤٠٢٠).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وفي "تحفة الأشراف" (^١)، وطبعة بشار (^٢): (حسن غريب).
وفي طبعة الرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).
وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (^٤) من غير طريق الترمذي، وقال: (حسن غريب).
قلت: والذي يظهر أن هذا الحكم الذي ذكره البغوي، إنما أخذه من الترمذي، وتصحيح هذا الحديث بعيد؛ وذلك لأن في إسناده كثير النّواء، وهو ضعيف، وقد ذكره في موضعين في كتابه "الجامع" (^٥)، ولم يصحح له، وإنما حسنه فقط، فالأرجح أنه حكم على الحديث الذي معنا بـ (حسن غريب).
٣٩ - قال أبو عيسى في باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمَّر معاوية بن أبي سفيان سعدا، فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثا قالهن رسول الله ﷺ فلن أسبه؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم:
سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي وخَلَفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي".
وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". قال: فتطاولنا لها، فقال: "ادعوا لي عليا"، قال: فأتاه وبه رمد، فبصق في عينه، فدفع الراية إليه، ففتح الله عليه.
_________________
(١) (٦٦٧٦).
(٢) (٣٦٧٠).
(٣) (٤٠٠١).
(٤) (٣٨٧٣).
(٥) (٤٠٠٦، ٤١٤٢)، والموضع الثالث هو الحديث الذي معنا.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وأنزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي".
هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^١).
وكذا في "تحفة الأحوذي" (^٢): (حسن غريب صحيح).
وفي "تحفة الأشراف" (^٣)، وطبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا الحديث حديث صحيح، وقد جاء من غير وجه عن سعد ﵁ بقطعة منه وهي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، وقد أخرجه الشيخان (^٥)، وأبو عيسى الترمذي، وقال: (هذا حديث صحيح قد روي من غير وجه عن سعد عن النبي ﷺ) (^٦).
وأما قوله: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله … " إلخ، فقد جاء في "الصحيحين" من حديث سهل (^٧) وسلمة بن الأكوع (^٨)، وفي مسلم من حديث أبي هريرة (^٩).
وأما الشطر الأخير وهو قصة المباهلة، فقد جاء في حديث جابر؛ أخرجه الحاكم (^١٠) من طريق علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي به. وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه).
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤٠٧٦). وأخرجه الترمذي في موضع قبل هذا، وتقدم برقم (٢١).
(٢) (١٠/ ٢١٤).
(٣) (٣٨٧٢).
(٤) (٣٧٤٢).
(٥) "صحيح البخاري" (٣٧٠٦، ٤٤١٦)، "صحيح مسلم" (٢٤٠٤).
(٦) "جامع الترمذي" (٤٠٨١).
(٧) "صحيح البخاري" (٢٩٤٢، ٣٠٠٩)، "صحيح مسلم " (٢٤٠٤).
(٨) "صحيح البخاري" (٢٩٧٥)، "صحيح مسلم" (٢٤٠٧).
(٩) "صحيح مسلم" (٢٤٠٥).
(١٠) "المستدرك" (٤٢٠٨).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وأخرجه ابن مردويه (^١)، والآجري في "الشريعة" (^٢)، وأبو نعيم في "الدلائل" (^٣).
قال ابن كثير في "التفسير" (^٤): (وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلا، وهذا أصح).
وأخرجه أبو نعيم في "الدلائل" (^٥) من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن وفد نجران من النصارى … إلخ نحوه.
وأخرج ذلك ابن جرير عن عِلباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية، أرسل رسول الله ﷺ إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين … الخ (^٦).
وعِلباء من صغار التابعين.
وطريق الترمذي جيدة، وقد خرج هذه الطريق مسلم في "صحيحه" (^٧) من طريق حاتم بن إسماعيل به.
والذي يظهر أن أبا عيسى يرى صحة هذا الخبر من هذا الوجه.
٤٠ - قال أبو عيسى في باب مناقب عبد الله بن مسعود ﵁: (حدثنا الجراح بن مخلد البصري، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن خيثمة بن أبي سبرة، قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا، فيسر لي أبا هريرة، فجلست إليه، فقلت له: إني سألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فوقعت لي، فقال: من أين أنت؟ قلت: من
_________________
(١) كما في "تفسير ابن كثير" (٢/ ٥٥) و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٢٣٠).
(٢) (١٦٩٠).
(٣) "دلائل النبوة" (٢٤٤).
(٤) (٢/ ٥٥).
(٥) (٢٥٤).
(٦) "تفسير الطبري" (٥/ ٤٧٣).
(٧) (٢٤٠٤).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، فقال: أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ ونعليه، وحذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ، وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟
قال قتادة: والكتابان: الإنجيل، والقرآن.
هذا حديث حسن غريب صحيح.
وخيثمة هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة، إنما نسب إلى جده) (^١).
وفي "تحفة الأشراف" (^٢)، وطبعة بشار (^٣)، والرسالة (^٤): (حسن صحيح غريب).
والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (^٥)، والبيهقي في "المدخل" (^٦) من طريق يحيى بن حكيم (^٧).
وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (^٨) من طريق زكريا بن الحارث بن ميمون.
كلاهما عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن خيثمة به.
قلت: هذا إسناد جيد قوي، ورجاله كلهم ثقات، والذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الخبر.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٤١٦٤).
(٢) (١٢٣٠٦).
(٣) (٣٨١١).
(٤) (٤١٤٥).
(٥) (٥٧٩٠).
(٦) (١٠٤).
(٧) وقع في مطبوعة "المستدرك": (يحيى بن حليم). وهو على الصواب في طبعة التأصيل.
(٨) (٤/ ١٢٠).
[ ٢ / ٢١٠ ]
وأخرجه أبو نعيم أيضا في "الحلية" (^١) من طريق أبي سلمة التبوذكي، ثنا حماد، ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن خيثمة به.
وأبو حمزة هو ميمون الأعور القصاب، وهو ضعيف، بل قال عنه يحيى معين: لا يكتب حديثه (^٢).
٤١ - قال أبو عيسى: (باب مناقب جابر بن عبد الله ﵄.
حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا بشر بن السري، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسا وعشرين مرة.
هذا حديث حسن غريب صحيح.
ومعنى (ليلة البعير): ما روي عن جابر من غير وجه أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، فباع بعيره من النبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر: ليلة بِعْت من النبي ﷺ البعير استغفر لي خمسا وعشرين مرة، كان جابر قد قتل أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد وترك بنات، فكان جابر يعولهن وينفق عليهن، فكان النبي ﷺ يبر جابرا ويرحمه لسبب ذلك، هكذا روي في حديث عن جابر نحو هذا) (^٣).
وكذا في "تحفة الأحوذي" (^٤): (حسن غريب صحيح).
وفي طبعة الرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).
وفي "تحفة الأشراف" (^٦)، وطبعة بشار (^٧): (حسن غريب).
_________________
(١) (٤/ ١٢٠).
(٢) "الجرح والتعديل" (٨/ ٢٣٦).
(٣) "جامع الترمذي" (٤٢٠٧).
(٤) (١٠/ ٣١٦).
(٥) (٤١٨٨).
(٦) (٢٦٩١).
(٧) (٣٨٥٢).
[ ٢ / ٢١١ ]
الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" الذي جمع له (^١).
والنسائي في "الكبرى" (^٢) من طريق النضر.
وابن حبان في "صحيحه" (^٣) من طريق عفان بن مسلم.
والحاكم في "المستدرك" (^٤) من طريق عباءة (^٥) بن كليب.
كلهم عن حماد به.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (^٦) وفي "المعجم الصغير" (^٧) من طريق معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير به.
وقال: (لم يرو هذا الحديث عن جابر إلا شيبان، تفرد به معاوية بن هشام).
قلت: هذا الحديث ظاهره الصحة، وقد صححه ابن حبان والحاكم، وجاء في "صحيح مسلم" (^٨) من حديث الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتخلف ناضحي … وساق الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول الله ﷺ، ثم قال لي: "اركب باسم الله"، وزاد أيضا قال: فما زال يزيدني ويقول: "والله يغفر لك".
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (^٩) من طريق معتمر بن سليمان، حدثني أبي، عن أبي نضرة، عن جابر.
_________________
(١) (١٨٤٠).
(٢) (٨٣٨٨).
(٣) (٧١٨٤).
(٤) (٦٥٦٠).
(٥) في بعض النسخ: (عباد)، والمثبت من "إتحاف المهرة" (٣٢٤٦)، وقال الذهبي في "التلخيص: (عباءة صدّقه أبو حاتم).
(٦) (٥٨٩٤).
(٧) (٨٣٢).
(٨) (٧١٥).
(٩) (٧١٨٢).
[ ٢ / ٢١٢ ]
وأيضا (^١) من طريق عبد الملك بن أبي نضرة، يعني: عن أبيه، عن جابر به، نحوه.
والذي يظهر أن الترمذي يرى صحة هذا الخبر.
٤٢ - وقال أبو عيسى في باب في فضل اليمن: (حدثنا عبد القدوس ابن محمد العطار البصري، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرني مهدي بن ميمون، قال: حدثني غيلان بن جرير، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إن لم نكن من الأزد، فلسنا من الناس.
هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).
وفي طبعة الرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).
قلت: هذا الخبر إسناده صحيح إلى أنس، ورجاله كلهم ثقات، وقول المصنف: (حسن غريب صحيح) المقصود به صحة هذا الخبر، كما جاء في النسخ الأخرى.
٤٣ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس بن مالك) (^٤).
وهكذا في طبعة أحمد شاكر (^٥) -أي: التي حقق أولها، وهذا الحديث
_________________
(١) (٧١٨٣).
(٢) "جامع الترمذي" (٤٢٩٩).
(٣) (٤٢٨١).
(٤) "جامع الترمذي" (٨١٧).
(٥) (٨٠٣).
[ ٢ / ٢١٣ ]
ليس منها- و"تحفة الأشراف" (^١).
وفي طبعة دار التأصيل (^٢)، والرسالة (^٣)، و"تحفة الأحوذي" والنسخة التي معها في الأعلى -الطبعة الحجرية- (^٤): (حسن غريب صحيح من حديث أنس).
وفي "شرح السنة" للبغوي (^٥): (هذا حديث صحيح غريب من حديث أنس).
فتبين مما تقدم أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث.
قلت: هذا الحديث قد تفرد به ابن أبي عدي، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه في "المسند" (^٦): (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس).
ومن طريقه -أي: ابن أبي عدي- أخرجه ابن خزيمة (^٧)، وابن حبان (^٨)، والحاكم (^٩)، والبيهقي (^١٠)، والبغوي (^١١).
وفي "العلل" للدارقطني (^١٢): (وسئل عن حديث حميد، عن أنس: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين.
فقال: يرويه ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس.
_________________
(١) (٧٠٣).
(٢) (٨١٧).
(٣) (٨١٤).
(٤) (٢/ ٧١).
(٥) (٦/ ٣٩٦).
(٦) (١٢٠١٧).
(٧) "صحيح ابن خزيمة" (٢٢٢٦ - ٢٢٢٧).
(٨) "صحيح ابن حبان" (٣٦٦٦) و(٣٦٦٨).
(٩) "المستدرك" (١٦٢١).
(١٠) "السنن الكبير" (٨٦٤٠).
(١١) شرح السنة" (١٨٣٤).
(١٢) (٢٤٠٩).
[ ٢ / ٢١٤ ]
وهذا يرويه حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد).
قلت: وحماد بن سلمة أثبتُ في حميد من ابن أبي عدي، ولكن جاء عن حماد حديث آخر بنحو الحديث المتقدم، فروى عنه جمع كبير من أصحابه على رأسهم ابن مهدي وعفان وأبو داود الطيالسي وغيرهم، كلهم عن حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فاعتكف من العام المقبل عشرين ليلة.
أخرجه أحمد (^١)، وابن خزيمة (^٢)، وابن حبان (^٣)، وغيرهم، وقد ساق طرقه الضياء في "المختارة" (^٤).
وهذا إما أن يكون حديث آخر، وإما اختلاف على حماد، والثاني هو الأقرب.
ولكن الطريق التي ذكرها الدارقطني ليست موجودة في الكتب الستة، بل وليس فيها متن بهذا الإسناد، وقد روى أبو داود الطيالسي كما في "المسند" الذي جمع له (^٥)، وأحمد (^٦)، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين".
وهذا ليس فيه ذكر للاعتكاف.
ولكن من المعلوم أن أبا سعيد قد روى أن النبي ﷺ اعتكف في
_________________
(١) (٢١٢٧٧).
(٢) (٢٢٢٥).
(٣) (٣٦٦٧).
(٤) (٤/ ٤٥ - ٤٨).
(٥) (٢٣٠١).
(٦) (١١٦٧٩).
[ ٢ / ٢١٥ ]
العَشر الأول، ثم الأوسط، يطلب ليلة القدر، ثم قال ﷺ: "إنها في العشر الأواخر" (^١). وقد جاء عنه من طرق بألفاظ متعددة، فهل مقصود الدارقطني هذا؟ فإن كان هو مقصوده، فتكون هذه الرواية أرجح الروايات؛ لأن حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح، جاء من طرق متعددة كما تقدم، في "الصحيحين" و"السنن" و"المسانيد" (^٢).
فتبين مما تقدم: أن قصد الترمذي بهذا المصطلح: تصحيح الخبر، مع كونه غريبا عنده، فهو مساو لقوله: (حسن صحيح غريب)، ومغايرته بين الحكمين في اللفظ، وذلك بجعل لفظة: (غريب) قبل قوله: (صحيح)، إنما هو من باب التفنن في العبارة، وليس من قبيل اختلاف الحكمين.
* * *
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٨١٣، ٢٠١٦، ٢٠١٨)، "صحيح مسلم" (١١٦٧).
(٢) وللفائدة إليك أرقام الأحاديث التي حكم عليها أبو عيسى (حسن غريب صحيح) في نسخة "تحفة الأحوذي" طبعة دار الكتب العلمية: (١٥٢)، و(٥٠٥)، و(٥٤٩)، و(٦٧٧)، و(٧٥٧)، و(٨٠٣)، و(٩٤٨)، و(١٢٨٨)، و(١٢٩٦)، و(١٥٩٦)، و(١٦٢٧)، و(١٦٦٨)، و(١٦٩٧)، و(١٧٥٤)، و(١٧٥٥)، و(٢٥٥٩)، و(٢٥٧٧)، و(١٦٢٥)، و(٢٦٢٩)، و(٢٦٦١)، و(٢٦٨٥)، و(٢٨٤٦)، و(٢٨٤٧)، و(٢٨٦١)، و(٢٨٦٢)، و(٢٩٧٢)، و(٢٩٩٩)، و(٣٠٠٥)، و(٣٠١٤)، و(٣٠١٨)، و(٣٠٢٦)، و(٣٠٣٥)، و(٣٠٩٧)، و(٣١٠٨)، و(٣٢٤٠)، و(٣٢٦٢)، و(٣٢٧١)، و(٣٣٤٨)، و(٣٣٤٩)، و(٣٣٨٥)، و(٣٣٨٨)، و(٣٣٩٦)، و(٣٤٠٢)، و(٣٤٣٧)، و(٣٤٥٣)، و(٣٤٦٤)، و(٣٥٤٦)، و(٣٦٢٨)، و(٣٧١٩)، و(٣٧٢٤)، و(٣٨٥٢)، و(٣٩٢٥).
[ ٢ / ٢١٦ ]