﷽
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذا كتاب "المدخل إلى جامع الترمذي"، جمعته لنفسي ولمن أراد أن يستفيد منه، وهو مقدمة لكتابي "الغيث الوسمي في شرح جامع الترمذي"، أسأل المولى ﷿ أن يعينني على تمامه.
وقد جعلته في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: وفيه فصول حول الترمذي.
الباب الثاني: وفيه فصول حول كتاب "الجامع".
الباب الثالث: وفيه فصول في تفسير مصطلحات الترمذي في الحكم على الأحاديث.
ولا يخفى أنه وقع اضطراب في معرفة مقصده من مصطلحاته، فادى عدم تحريرها إلى نسبته إلى التساهل في أحكامه، هذا فضلا عن البعد عن مقصوده منها، وعلى رأسها ما اشتهر به من استعماله لمصطلح "حسن صحيح"، حتى أن الحافظ ابن حجر عندما أراد أن يبين هذا المصطلح ذكر
[ ١ / ٥ ]
قولا في غاية البعد (^١) عن مراد أبي عيسى، فقال في "النخبة" (^٢): (فإن جُمِعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين).
ويعني بذلك أن الخبر إذا كان له أكثر من إسناد، فيكون أحدها صحيحا، والثاني حسنا، وأما إذا لم يكن له إلا إسناد واحد، فحينئذ يكون الترمذي قد تردد في حكمه.
وقد سبقه إلى بعض ذلك ابن الصلاح في "مقدمته" (^٣)، وهذا غير صحيح، لذا قال الذهبي: (وأجيب عن هذا بشيء لا ينهض أبدا … الخ) (^٤)، وسوف يأتي بيان الصواب في ذلك.
وأكبر من هذا تحرير مصطلحه في الحديث "الحسن"، مع أن الحسن قد وقع في حده اضطراب غير قليل، لذا قال الذهبي: (ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك!) (^٥).
والسبب في ذلك أن بعض أهل العلم - كأبي عيسى - يكون له اصطلاح خاص، فيأتي من يفسر هذا المصطلح باصطلاح غيره، فيقع في الخطأ، ومثله من يريد أن يفسر مصطلحات المتقدمين بالحدود التي وضعها
_________________
(١) لذا الحافظ نفسه في "النكت" (ص: ٢٧٩ - ٢٨٣) لم يذكر ما ذكره هنا من أنه يحمل على تعدد أسانيد الخبر، نعم ذكر التردد، وأورد على هذا القول إشكالات، ولم يقبل ببعض الأجوبة عن هذه الإشكالات، وبالتالي لم يسلّم ببعض ما اختاره هنا تسليما كاملا، وإن ذكر أنه يميل إليه، وأن الجواب عن هذه الإشكالات ممكن.
(٢) ينظر: "نزهة النظر" (ص: ٢٧٦).
(٣) (ص: ٣٩).
(٤) "الموقظة" (ص: ٢٩).
(٥) "الموقظة" (ص: ٢٨).
[ ١ / ٦ ]
المتأخرون، وهذا خلاف الصواب، بل الواجب الرجوع إلى تصرفاتهم وتتبع كلامهم (^١).
ولأجل هذا حرصت على تتبع كلام أبي عيسى وتصرفاته في بيان مصطلحاته، وخاصة فيما بَيَّن مقصوده فيه، وقد تبين لي بحمد الله كثير من مقاصده من هذه المصطلحات، وعلمت دقة أحكامه، وأنَّه ينبغي الوثوق بها إلا إذا دل الدليل على خلاف ذلك.
بل إن طالب العلم إذا أراد أن يتمكن من الصناعة الحديثية بفنونها فعليه أن يكثر من النظر في هذا الكتاب، ويحرص على فَهْم عبارات مؤلفه،
_________________
(١) وقد نبه بعض أهل العلم إلى الاختلاف بين المتقدمين والمتأخرين في بعض المصطلحات، وأنَّه لا ينبغي تفسير مصطلحاتهم بما جاء عن المتأخرين، ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" (٢/ ٦٦)، قال: (مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة -وهو اصطلاح المتأخرين-، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما: بتخصيص، أو تقييد، أو حَمْل مُطْلق على مُقَيد، وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم لَيسمّون الاستثناء، والشرط والصفة نسخًا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومَنْ تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يُحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حملُ كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر). وقال أيضا في موضع آخر (٢/ ٧٥): (وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فَنَفَى المتأخرون التحريمَ عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سَهُل عليهم لفظ الكراهة وخَفّتْ مؤنته عليهم؛ فحمَله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًّا في تصرفاتهم، فحصل بسبجه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين يملك اليمين: أكرهه، ولا أقول: هو حرام. ومذهبه تحريمه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان).
[ ١ / ٧ ]
وتتبع كلامه على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا؛ فإنه سوف يحصل له مراده بإذن الله تعالى؛ لأن أبا عيسى قد استعمل في هذا الكتاب كل المصطلحات التي ذكرها أهل العلم، بل وزاد عليها مصطلحات كثيرة لم تذكر، وكل ذلك مقرون بالناحية العملية، والأمثلة التطبيقية، لذا كان هذا الكتاب جديرا بالعناية من قبل طلبة العلم، هذا فضلا عما فيه من الصناعة الفقهية، فهو قد احتوى على هاتين الصناعتين، وقد بينت شيئا من ذلك في أثناء هذا "المدخل".
وهذا ليس خاصا بأبي عيسى، بل غيره من الأئمة؛ ينبغي تتبع كلامهم، ودراسة مناهجهم، والاحتفاء بأحكامهم، ومن هذا: سكوت أبي داود والنسائي والبيهقي عن الحديث بعد تخريجه، وعدم تعليل الخبر بعد إيراده، فإنه يفيد صحته عندهم -غالبا-، كما نص أبو داود على ذلك، وعُلم هذا من تصرفات النَّسَائِي، وأما البيهقي فقد ذكر أنه لا يسكت عن حديث ضعيف (^١)، وكذلك إخراج أحمد للحديث في "مسنده" يدل على قوته
_________________
(١) قال البيهقي في "المدخل إلى علم السنن" (١/ ٤٤): (ثم إني رأيت جماعة من علمائنا خرّجوا ما وجدوا من السنن على مسائل الفقه من غير تمييز منهم، صحيحها من سقيمها، ولا قويها من ضعيفها، حتى ينزل جميعها من ليس الحديث من شأنه منزلة واحدة، لا يهتدي إلى منازلها في السقم والصحة، فأشرت في كل حديث أوردته إلى منزلته عند أهل العلم به. فإن كان مما أخرجه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري رحمهما الله في كتابيهما، وهو الدرجة الأولى من الصحاح بينته، وإن كان مما أخرجه أحدهما دون الآخر، وبعضه دون الدرجة الأولى في الصحة، ذكرته. وإن كان مما لم يخرّجاه ولا أحدهما، ولكن خرّجه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني أو غيره من أئمة الحديث في كتابه محتجا به، وبعضه دون ما تقدم في القوة، ربما ذكرت المحتج به، وربما أطلقته. =
[ ١ / ٨ ]
عنده من حيث الجملة، لذا قال أبو العباس ابن تيمية: (شرط أحمد في "مسنده" أجود من شرط أبي داود في سننه) (^١).
لذا كان الأصل في أحاديث "السنن" الأربعة و"مسند" أحمد و"صحيحي" ابن خزيمة وابن حبان = الصحة، على تفاوت بينهم في ذلك.
وعندئذٍ سوف يجد المتأمل في ذلك فوائد عظيمة، ومسائل مهمة، كان غافلا عنها، لا يجدها في مكان آخر، وسوف يعلم سبب إطلاق الأئمة الصحة على كتابي أبي داود والنسائي، كما أنه سوف تزول بعض الإشكالات التي يجدها الباحث في بعض أحكامهم، وخاصة في تعليلهم للخبر الذي ظاهر إسناده الصحة، فلا يردها كما يفعل بعض المتأخرين، أو لا يحتفل بها كما هو شأن بعض المعاصرين.
وأيضا سوف يجد الناظر في فصول هذا "المدخل" شيئا من التكرار؛ بعضه يُحتاج إليه، وبعضه بسبب إملاء الكتاب في أوقات متباعدة، كما أن بعض هذه المباحث يحتاج إلى زيادة بسط، وهذا يحتاج إلى مزيد من الوقت، فاكتفيت ببعضه عن كله.
_________________
(١) = وإن كان في إسناده ضعف بانقطاع إسناده، أو ضعف بعض رواته، أو جهالته شرحته، وربما اكتفيت بشرحه في موضع عن تكريره في سائر المواضع، وربما أضفت الطعن فيه إلى قائله من أهل المعرفة بالحديث على طريق الإيجاز، ليكون من نظر فيه من أهل الفقه على بصيرة بما يحتج به أو يرجح به، وما يدعه من الأحاديث التي لا تقوم الحجة بأمثالها، لا نرد منها ثابتا، ولا نثبت ضعيفا). وقال أيضا في "المدخل إلى دلائل النبوة" (١/ ٤٧): (وعادتي في كتبي المصنّفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار).
(٢) "الفتاوى" (١/ ٢٥٠).
[ ١ / ٩ ]
كما أنه قد كُتب عن الترمذي وكتابه الشيء الكثير فلم أرد إعادة ما ذكر واستقصاءه، وإنما أردت بيان بعض الأمور المهمة حول الترمذي وكتابه، والتي فيها إضافة على ما هو معروف ومشهور، مع التأكيد على بيان ذلك من خلال الكتاب نفسه، وبالله تعالى التوفيق.
وقد ساعدني في جمع المادة العلمية لهذا "المدخل" جمع من الإخوة، وعلى رأسهم: سامي بن محمد بن جاد الله، وعبد العزيز بن ناصر الخباني، وأَغْرون بن مِلَازم كرَاسنِيجى، وعبد العزيز بن زيد الشبانات، وعبد الحكيم الجبير، والدكتور فيحان بن نايف البصيص، ومعاذ بن محمد القعود، وعبد الرحمن الهليل، وإسلام بن محمد سلطان، وطارق بن عودة العنزي، ومحمود شحرور، فجزاهم الله خيرا، وبارك فيهم.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وينفع به كما نفع بأصله.
أملاه
عبد الله بن عبد الرحمن السعد
١٦/ ٥/ ١٤٤١
[ ١ / ١٠ ]