الأول: قبل أن يلتقي به أبو عيسى، فإن له أقوالا تخالف أقواله بعدما التقى به، ومن ذلك ما سبق ذكره قريبا عندما سأله عن حديث ابن مسعود عندما أمره النبي ﷺ أن يأتي له بثلاثة أحجار فأتى له بحجرين وروثة … الحديث، فهذا الحديث قد خرجه في كتابه "الجامع"، ولكن عندما التقى به أبو عيسى وسأله عن الراجح في الاختلاف الذي وقع فيه لم يحكم بشيء.
الثاني: عندما التقى به أبو عيسى.
والثالثة: بعد لقائه به إلى وفاته.
ويدل على الثانية والثالثة كلامه في محمد بن حميد الرازي المتقدم، فذكر قوله حين التقى به، وتغير قوله فيه بعد ذلك.
وهذا يفيد أن الإمام البخاري لم يزل جادا في طلب العلم ومجتهدا فيه إلى وفاته، وهذا كما حكي عن الإمام أحمد أنه قال: مع المحبرة إلى المقبرة.
لذا اشتهر عنه أنه ألف مؤلفاته ثلاث مرات، وهذا يفيد أنه في كل مرة قد يزيد وقد ينقص وقد يغير، وهذا يؤكد ما تقدم.
ومما يؤكد ذلك أنه ذكر في "التاريخ الكبير" وفيات بعض الذين ترجم لهم مع تأخرها.
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٣٢).
[ ١ / ٥٧ ]
٣ - أن هذه المادة العلمية تعتبر موثقة لأقواله التي وصلتنا من خلال كتبه، وهذا عند الاتفاق، وأما عند وجود الاختلاف فتعتبر هذه المادة كنسخة أخرى.
وقد تكون هذه النقول مما أخذه مشافهة عنه، ومن أمثلة ذلك:
قال أبو عيسى ﵀: (سمعت محمد بن إسماعيل يقول: قال بعض أهل الحديث: فقه هذا الحديث أن القراءة على العالم والعرض عليه جائز مثل السماع، واحتج بأن الأعرابي عرض على النبي ﷺ، فأقر به النبي ﷺ) (^١).
قلت: وهذا قد بوب عليه البخاري في كتابه "الصحيح" (^٢)، فيكون ما نقله أبو عيسى تأكيدا لقوله وأنَّه لم يغير قوله في ذلك.
٤ - أن هذه المادة موضحة وشارحة لمنهج البخاري أكثر مما في كتابه "الجامع"، وذلك لأن منهج البخاري في كتابه إنما يؤخذ من تصرفاته وإشاراته، بينما هنا يؤخذ من نصوص أقواله، لذا كم من حديث نقل عنه أبو عيسى تصحيحه، أو تحسينه، أو تضعفيه، أو شرح، وبيان لتعليله؟
ومن الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: مسألة السماع بين الراوي وشيخه، فقد أعل أحاديث بعدم السماع وردها بذلك، فكان كثيرا ما يقول: لا يعرف له سماع، وفي المقابل عندما يصحح الحديث في بعض الأحيان، من أجل تأكيد هذا التصحيح يقول: فلان سمع من فلان.
ومن ذلك:
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٤٥).
(٢) ينظر: "صحيح البخاري" (١/ ٢٢).
[ ١ / ٥٨ ]
١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين.
وفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب.
وسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (^١).
٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا أبو فروة الرهاوي، عن معقل الكناني، عن عبادة بن نسي، عن أبي سعد الخير، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لم يكتب على الليل الصيام فمن صام فليتعن ولا أجر له".
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: أرى هذا الحديث مرسلا، وما أرى عبادة بن نسي سمع من أبي سعد الخير) (^٢).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف، وجبة صوف، وكمة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت".
سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حميد بن علي الأعرج الكوفي منكر الحديث، وقد روى عنه عبيد الله بن موسى. قلت له: عبد الله بن الحارث
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ٥٨٩)، وينظر تعليق المحققين.
(٢) "العلل الكبير" (ص: ١١٣) (١٩٦).
[ ١ / ٥٩ ]
سمع من ابن مسعود؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (^١).
٤ - وقال أيضا: (حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ، قالت: قدم رسول الله ﷺ علينا مكة وله أربع غدائر.
سألت محمدا قلت له: مجاهد سمع من أم هانئ؟ قال: روى عن أم هانئ، ولا أعرف له سماعا منها) (^٢).
٥ - وقال أيضا: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم فقد تودع منهم".
سألت محمدا عن هذا الحديث قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (^٣).
٦ - قال أبو عيسى: (قال محمد: قتادة لا أرى له سماعا من بشير بن نهيك، وبشير بن نهيك لا أرى له سماعا من أبي هريرة.
حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك، قال: أتيت أبا هريرة بكتاب، وقلت له: هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم) (^٤).
ونقل العلائي ما سبق عن البخاري، ثم قال: (وقد احتج هو ومسلم في كتابيهما بروايته عن أبي هريرة، والجمع بين ذلك أن وكيعا روى عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك قال: أتيت أبا هريرة
_________________
(١) "العلل الكبير" (ص: ٢٨٥) (٥٢٢).
(٢) "العلل الكبير" (ص: ٢٩٤) (٥٤٥).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٣٨٢) (٧١٦).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ٢٠٧). (٣٦٧، ٣٦٨).
[ ١ / ٦٠ ]
بكتاب، وقلت له هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم. والإجازة أحد أنواع التحمل، فاحتج به الشيخان لذلك، وما ذكره الترمذي ليس فيه إلا نفي السماع فلا تناقض) (^١).
قلت: وما ذكره العلائي وجيه، إلا أنه يعكر على ذلك ما قاله البخاري في "تاريخه الكبير" أنه سمع (^٢).
وعلى كلا القولين فإن تحمل بشير بن نهيك عن أبي هريرة صحيح، إما أن يكون سماعا أو إجازة.
المثال الثاني: أن البخاري حكم بـ"حسن" على بعض الأحاديث وخرّجها في "صحيحه".
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به) (^٣).
٢ - وقال أيضا في ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: (وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حديث عبد الرحمن بن كعب، عن جابر بن عبد الله في شهداء أحد، هو حديث حسن) (^٤).
_________________
(١) "جامع التحصيل" (ص: ١٥٠).
(٢) "التاريخ الكبير" (٢/ ١٠٥).
(٣) "العلل الكبير" (ص: ٨٨) (١٤٣)، والحديث في "صحيح البخاري" (٣٢٣٠).
(٤) "العلل الكبير" (ص: ١٤٥ - ١٤٦) (٢٥١)، والحديث في "صحيح البخاري" (١٣٤٣).
[ ١ / ٦١ ]
٤ - وقال أيضا في ما جاء في حد السكران: (قال محمد: وحديث أنس في هذا الباب حسن.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة، يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه أتي برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: كأخف الحدود، فأمر به عمر) (^١).
قلت: جميع هذه الأحاديث حسنها البخاري هنا، وخرجها في كتابه "الصحيح"، وليعلم أن المتقدمين يطلقون الحسن ويريدون به أشياء، وليس شيئا واحدا كما هو حال المتأخرين الذين يطلقونه على رواية الثقة الذي خف ضبطه، فمثلا الحديث الأول: يعني بالحسن هنا الغرابة، وأن ابن عيينة تفرد به.
وعلى هذا لا يكون الحكم بحسن الحديث مخالفا للحكم بصحته.
* * *