وممن سار على هذا المنهج أيضا إبراهيم الحربي، فإذا أراد أن يجرح راويا قال: غيره أوثق منه، ومن أمثلة ذلك:
١ - عبد الله بن عبد العزيز المدني، قال عنه: غيره أوثق منه (^١).
٢ - عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، قال عنه: غيره أوثق منه (^٢).
٣ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: غيره أوثق منه (^٣).
٤ - عبد المهيمن بن عباس الأنصاري، قال عنه: غيره أوثق منه (^٤).
٥ - عبيس بن ميمون الرقاشي، قال عنه: معروف وغيره أوثق منه (^٥).
٦ - يحيى بن العلاء البجلي، قال عنه: غيره أوثق منه (^٦).
وهؤلاء ضعفاء وبعضهم متروك.
ومن ذلك قوله عن عمر بن قيس المكي سندل: (أمسكوا عنه) (^٧)، وهو متروك.
ومنهم أيضا البزار، فيستعمل عبارات لينة؛ قال عن محمد بن عبيد الله العرزمي: لين الحديث (^٨).
قلت: وقد قال الساجي: صدوق منكر الحديث أجمع أهل النقل على
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٧٧).
(٢) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٥٠٧).
(٣) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٥٠٨).
(٤) "تهذيب التهذيب" (٢/ ٦٣٠).
(٥) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٤٧).
(٦) "تهذيب التهذيب" (٤/ ٣٨٠).
(٧) كذا في "تهذيب التهذيب" (٣/ ٢٤٨)، وفي "إكمال التهذيب" لمغلطاي (١٠/ ١١٠): (كان فيه تسرع إلى الناس، فأمسكوا عنه، وألقوه).
(٨) "كشف الأستار عن زوائد البزار" (٢/ ٢٥١).
[ ١ / ٩٣ ]
ترك حديثه، وقال الحاكم في المدخل: متروك الحديث بلا خلاف (^١).
وهذا كثير في كلام البزار، وتتبع ذلك ومناقشته مما يطول.
ومنهم أبو أحمد الحاكم، فكثيرا ما يستعمل في حق من تكلم فيه الأئمة عبارة (ليس بالقوي عندهم) ونحوها، وفي أحيان أخرى يصرح بجرح الراوي، وإليك أمثلة على ذلك:
١ - قال في إسماعيل بن يحيى - ويقال ابن يعلى - الثقفى: ليس بالقوي عندهم (^٢).
٢ - وقال في تليد بن سليمان المحاربي: ليس بالقوي عندهم (^٣).
٣ - وقال في أبي الأشهب جعفر بن الحارث النخعي: ليس بالقوي عندهم (^٤).
٤ - وقال في إبراهيم بن يزيد الخوزي: يهِم في الشيء بعد الشيء، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، روى عنه سفيان الثوري والمعتمر بن سليمان (^٥).
قلت: وإبراهيم متروك الحديث.
٥ - وقال في محمد بن أبي حميد: ليس بالقوي عندهم (^٦).
قلت: هو منكر الحديث، وهذا مما لا يخفى على أبي أحمد الحاكم فقد نقل هو في ترجمته عن يحيى بن معين أنه قال: ليس بشيء.
٦ - وقال في محمد بن القاسم الأسدي: ليس بالقوي عندهم (^٧).
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (٣/ ٦٣٨).
(٢) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٢٥).
(٣) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٥٠).
(٤) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٨٢).
(٥) "الأسامي والكنى" (١/ ١٤٣).
(٦) "الأسامي والكنى" (١/ ١٦٧).
(٧) "الأسامي والكنى" (١/ ١٦٩).
[ ١ / ٩٤ ]
قلت: وهو متروك، وقد نقل أبو أحمد عن الإمام أحمد أنه كذبه.
٧ - وكذلك عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قال فيه: ليس بالقوي عندهم (^١).
قلت: وهو منكر الحديث، تكلم فيه جمهور الحفاظ مع صلاحه في نفسه وفضله.
٨ - وكذلك سليمان بن سلمة الخبائري، قال فيه: ليس بالقوي عندهم (^٢).
قلت: وهو متروك.
٩ - وقال عن يحيى بن ميمون بن عطاء القرشي: سكتوا عنه (^٣).
قلت: هو متروك وبعضهم كذبه، وهذا لم يخف على أبي أحمد، فإنه روى بإسناده عن عمرو بن علي أنه قال عن يحيى: كان كذابا، حدث عن علي بن زيد بأحاديث موضوعة.
١٠ - وقال عن سليمان بن أبي داود الجزري: في حديثه بعض المناكير (^٤).
قلت: ثم روى عن البخاري أنه قال عنه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا (^٥)، وقال أحمد: ليس بشيء (^٦).
١١ - وقال عن متوكل بن فضيل الحداد: ليس بالقوي عندهم (^٧).
_________________
(١) "الأسامي والكنى" (١/ ١٨٢).
(٢) "الأسامي والكنى" (١/ ١٨٨).
(٣) "الأسامي والكنى" (١/ ١٩٢).
(٤) "الأسامي والكنى" (١/ ١٩٣).
(٥) "الجرح والتعديل" (٤/ ١١٦).
(٦) "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ص: ٤٥٥).
(٧) "الأسامي والكنى" (١/ ١٩٨).
[ ١ / ٩٥ ]
ثم نقل عن مسلم أنه قال: عنده عجائب.
وكما ترى هناك فرق بين العبارتين.
١٢ - وقال عن عبد الكريم بن أبي المخارق: ليس بالقوي عندهم (^١).
قلت: وهو مشهور الضعف.
وأحيانا يستعمل أبو أحمد الحاكم عبارة (ليس بالقوي)، و(ليس بالمتين) على بابها:
١ - كقوله عن يزيد بن كيسان: (ليس بالمتين عندهم) (^٢)، وهو مختلف فيه، والأصل في حديثه الاستقامة.
٢ - وقوله في بكير بن عامر البجلي: (ليس بالمتين عندهم) (^٣)، وهو مختلف فيه أيضا.
٣ - وكذلك قوله في عطاء الخراساني: (ليس بالقوي عندهم) (^٤).
قلت: وأنا أذهب إلى ذلك فقد تُكُلِّم فيه.
بل إنه أحيانا قد يقول مثل هذه العبارة في حق من لا يستحق ذلك:
١ - كقوله في يزيد الرشك: (ليس بالمتين عندهم) (^٥)، فيزيد ثقة.
٢ - وقال عن أبي الأحوص مولى بني ليث: (ليس بالمتين عندهم) (^٦)، وهو ليس كذلك، إما أن يقال عنه: فيه جهالة، وإما أن يمشى حديثه.
ومنهم أيضا أبو بكر البيهقي، ويظهر ذلك لمن تتبع كلامه في الرواة في "السنن الكبرى" وغيرها.
_________________
(١) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٢٣).
(٢) "الأسامي والكنى" (١/ ١٥٤).
(٣) "الأسامي والكنى" (١/ ١٥٩).
(٤) "الأسامي والكنى" (١/ ١٨٥).
(٥) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٦٩).
(٦) "الأسامي والكنى" (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ٩٦ ]
وهناك أيضا غير من تقدم من الحفاظ.
ومعرفة مناهج النقاد في الاقتصاد في الجرح والتعديل في غاية من الأهمية في الحكم على الراوي، فقد يذهب البعض عند وقوفه على كلام هؤلاء الأئمة وهو لا يعرف منهجهم إلى أن هذا الراوي ليس بشديد الضعف، وبالتالي قد يتقوى بغيره، وهو ليس كذلك.
أو يظن أن هؤلاء الأئمة تساهلوا في حكمهم على هذا الراوي كما وُصف أبو عيسى بذلك، كما سوف يأتي، وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، وإنما هذا من باب الورع والاقتصاد في الجرح، وأن الضرورة ألجأتهم إلى ذلك في سبيل الذب عن الدين والسنة، وإلا لما تكلموا، وأضرب مثالا على ذلك بثوير بن أبي فاختة، قال عنه أبو عيسى في "الجامع": (وثوير يكنى أبا جهم، وهو رجل كوفي، وقد سمع من ابن عمر، وابن الزبير، وابن مهدي كان يغمزه قليلا) (^١).
قلت: وثوير واهي الحديث، وقد لا يكتب حديثه.
وأما ما يتعلق بحكم ابن مهدي عليه، فقال عمرو بن علي الفلاس: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان سفيان يحدث عنه (^٢).
وقال الآجري عن أبي داود: ضرب ابن مهدي على حديثه (^٣).
فإذا عرفنا منهج الترمذي وغيره ممن يقتصدون في الجرح حتى في نقلهم عن بعض الأئمة -مثل ما تقدم قبل قليل في كلام ابن مهدي في ثوير ابن أبي فاختة- يتبين لنا حكم هذا الراوي حقيقة، كما أنه يتيسر للباحث توجيه كلام هؤلاء الأئمة إذا وجد في الراوي، وأن هذا ليس من قبيل التساهل.
_________________
(١) (٤/ ١٠٨).
(٢) "الجرح والتعديل" (٢/ ٤٧٢).
(٣) "سؤالات الآجري" (١/ ٣٣٦) (٥٧٤).
[ ١ / ٩٧ ]
ويتبين أيضا من هو مقتصد في كلامه ممن هو متساهل في نقده، فمثلا الحاكم قد قال عن هذا الراوي في كتابه "المستدرك": (لم ينقم عليه غير التشيع) (^١).
وهذا تساهل واضح (^٢)، لذا تعقبه الذهبي بقوله: بل هو واهي الحديث.
والخلاصة أن الغالب على منهج أبي عيسى في الجرح والتعديل هو الاعتدال والتوسط، مع اقتصاد في العبارة، وورع في النقد.
ومما يوضح ذلك أيضا قوله في آخر "الجامع": (قال علي - ابن المديني -: ولم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبى بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة.
قال أبو عيسى: وإن كان يحيى بن سعيد قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا لا يثبت على رواية واحدة تركه.
وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة) (^٣).
* * *
_________________
(١) (٣٩٢٢).
(٢) ينبغي أن يفرق بين منهج الحاكم في كتبه القديمة، وبين منهجه أخيرا في كتابه "المستدرك"، فالتساهل الذي وصف به الحاكم في نقده للرواة وحكمه على الأحاديث إنما هو في "المستدرك"، وأما في كتبه القديمة فليس كذلك.
(٣) "الجامع" - العلل الصغير - (٥/ ١٦).
[ ١ / ٩٨ ]