١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها:
(حدثنا عباس العنبري ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام ابن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد، قال: سألت النبي ﷺ عن مواكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها".
وفي الباب عن عائشة، وأنس.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب) (^١).
قلت: إسناد هذا الحديث قوي، ورجاله ثقات، وقد توبع معاوية بن صالح، تابعه الهيثم بن حميد كما عند أبي داود (^٢) وغيره، وسكت عنه أبو داود، وهذا مما يدل على قوته عنده، بل قد صححه ابن خزيمة (^٣)، وخرجه ابن الجارود (^٤)، ولعل السبب في توقف المصنف في تصحيحه هو حكمه عليه بالغرابة.
وأما الاختلاف في حرام بن حكيم - أو حرام بن معاوية كما وقع في
_________________
(١) (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٢) "السنن" (٢١٢).
(٣) (١٢٠٢)، دون ذكر الحائض، ومواكلتها.
(٤) "المنتقى" (٧).
[ ١ / ٤١٥ ]
بعض الروايات -؛ فهو اختلافٌ في اسمه ولا يضر، وقد صوّب الخطيب البغدادي أنه رجل واحد، وتابعه ابن حجر (^١).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق".
وفي الباب عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس.
قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب.
وروي عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار، ليحفظوا عنه.
وخالد الحذاء هو خالد بن مهران، يكنى أبا المنازل.
سمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن خالدا الحذاء ما حذا نعلا قط، إنما كان يجلس إلى حذاء فنسب إليه.
وأبو معشر اسمه زياد بن كليب) (^٢).
قلت: هذا الحديث رجاله ثقات، وأبو معشر صدوق جيد الحديث، وقد أخرجه مسلم (^٣)، ولكنَّ أبا عيسى توقف في صحته؛ لعله من أجل غرابته، ولهذا ذكر أبو الفضل بن الشهيد هذا الحديث في "جزئه على
_________________
(١) ينظر: "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ١٠٩)، و"تهذب التهذيب" (١/ ٣٦٨)، و"الإصابة" (٣/ ٩٩).
(٢) (١/ ٤١٦ - ٤١٧).
(٣) "صحيح مسلم" (٤٣٢).
[ ١ / ٤١٦ ]
مسلم" (^١)، ضمن أحاديث يرى أنها معلولة، ثم روى عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا حديث منكر).
قال ابن الشهيد: (إنما أنكره أحمد من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري، فهو صحيح).
قلت: يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم من طريق أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا (^٢).
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الإشارة: (حدثنا محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه.
قال: وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، ونمير الخزاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حجر.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (^٣).
قلت: كأنه توقف في تصحيحه من أجل غرابته عن عبيد الله خاصةً، وذلك لقوله: إلا نعرفه ص حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه)؛
_________________
(١) "علل الأحاديث في كتاب الصحيح للإمام مسلم" (ص:٨٠ - ٨١).
(٢) "صحيح مسلم" (٤٣٢).
(٣) (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
[ ١ / ٤١٧ ]
وذلك أن هذا الحديث قد جاء من وجه آخر عن نافع وعن غيره، وقد ساق مسلم (^١) هذه الأوجه الثلاثة، فبدأ أولًا بحديث عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله، ثم ساق حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ثم ساق طريق مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن المعاوي عن ابن عمر.
٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء: (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وسفيان بن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثنا أبو الأبرد مولى بني خطمة، أنه سمع أسيد بن ظهير الأنصاري - وكان من أصحاب النبي ﷺ يحدث، عن النبي ﷺ قال: "الصلاة في مسجد قباء كعمرة".
وفي الباب عن سهل بن حنيف.
قال: حديث أسيد حديثٌ غريبٌ (^٢).
ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من حديث أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر.
وأبو الأبرد اسمه زياد مديني) (^٣).
قلت: وقد بين أحمد شاكر ومحققو ط. الرسالة أنهم لم يقفوا على نسخة من نسخ الترمذي فيها: (حسن صحيح)، بل هي بين (غريب) و(حسن غريب). وأما ما نقله الذهبي أن الترمذي صحّح لأبي الأبرد (^٤)، فهذا قد
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٥٨٠).
(٢) في "نسخة الرسالة" و"التأصيل": (غريبٌ)، وفي "نسخة أحمد شاكر" و"شرح السنة" و"تحفة الأحوذي ": (حسن غريب)، وفي "تحفة الأشراف" (١٥٥): (حسن صحيح).
(٣) (١/ ٤٧٤ - ٤٧٣).
(٤) "ميزان الاعتدال" (٢/ ٩٠).
[ ١ / ٤١٨ ]
يكون من قول الترمذي بعد ذلك: (ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث).
وتأسيسًا على ما تقدم؛ فإن الترمذي توقف في تصحيحه لغرابته، وذلك عندما ساق إسناده، ثم بيّن أنه - مع ذلك - حديث صحيحٌ.
٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في صلاة التسبيح: (حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن أم سليم غدت على النبي ﷺ، فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي، فقال: "كبري الله عشرا، وسبحي الله عشرا، واحمديه عشرا، ثم سلي ما شئت، يقول: نعم نعم" (^١).
وفي الباب عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، والفضل بن عباس، وأبي را فع.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب.
وقد روي عن النبي ﷺ غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء) (^٢).
_________________
(١) قال العراقي -كما في "قوت المغتذي" للسيوطي (١/ ٢٠٦)، وحاشية ط. الرسالة (٢/ ٣٢) -: (حديث أنس وإن كان المصنف حسنه ورجاله محتج بهم في الصحيح؛ فإن في إيراد المصنف له في باب صلاة التسبيح نظرًا، فإن المعروف أنه ورد في التسبيح عقب الصلوات لا في صلاة التسبيح، وذلك مبينٌ في عدة طرقٍ منها … ما رواه الطبراني في كتاب "الدعاء" … الخ). قلت: لا أظن أنه يخفى على الترمذي أنه ليس في صلاة التسبيح نصٌّ، ولكن لعله لورود التسبيح في هذا الحديث.
(٢) (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩).
[ ١ / ٤١٩ ]
قلت: ظاهر إسناد هذا الحديث أنه جيد، ولكن متنه غريب، لذا توقف المصنف في صحته، ولكنَّ الحديث قد جاء من طرقٍ أخرى (^١).
_________________
(١) الحديث أخرجه أحمد (١٢٢٠٧)، والنسائي في "الصغرى" باب الذكر بعد التشهد (١٢٩٩) و"الكبرى" (١٢٢٣)، وابن خزيمة باب إباحة التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة عند إرادة المرء مسألة حاجة يسألها ربه ﷿ وما يرجى في ذلك من الاستجابة (٨٥٠)، وابن حبان (٢٠٠٨)، والحاكم (٩٣٧، ١١٩١)، والضياء في "المختارة" (١٥١٥، ١٥١٦، ١٥١٧، ١٥١٨) من طريق عكرمة بن عمار به. وقد روي حديث "المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل" بنفس الإسناد الذي جاء به حديثنا، وقد خولف فيه عكرمة بن عمار، قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٦٣٧ - ٦٣٩): (وسمعت أبي وذكر حديثا رواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس؛ قال: جاءت أم سليم - وهي جدة إسحاق - إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام؛ بأن زوجها جامعها، أتغتسل؟ فقال رسول الله ﷺ "إذا وجدت الماء، فلتغتسل ". وروى الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن جدته أم سليم؛ قالت: دخلت أم سليم على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله ﷺ، فقالت له أم سليم: أرأيت إذا رأت المرأة …؟ قال أبي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم سليم، مرسل، وعكرمة بن عمار روى عن إسحاق، عن أنس: أن أم سليم … وحديث الأوزاعي أشبه مرسل من الموصل). وقال الدارقطني في "العلل" (٢٣٤٢): (وسئل عن حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، سألت أم سليم رسول الله ﷺ، فقالت: المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ: "إذا رأت ذلك فلتغتسل"؟ فقال: اختلف فيه على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة؛ فرواه عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس وتابعه محمد بن كثير، عن الأوزاعي. وخالفهما يحيى بن عبد الله، وأبو المغيرة، والوليد، رووه عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن جدته أم سليم، لم يذكروا فيه أنسا وكذلك قال همام: عن إسحاق،=
[ ١ / ٤٢٠ ]
٦ - وقال أيضا في باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن وقوف بالموقف مكانا يباعده عمرو، فقال: إني رسول
_________________
(١) = عن جدته وقال يحيى بن أبي كثير وحسين المعلم: عن إسحاق بن عبد الله، أن أم سليم … فأرسلاه. ورواه عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة أخو إسحاق، عن أم سليم والمرسل أشبه بالصواب). قلت: حديث "المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل"، قد يكون الراجح فيه الإرسال، كما ذهب إلى ذلك أبو حاتم والدارقطني، فقد رواه جمع عن إسحاق فأرسلوه. وأما الحديث الذي معنا، فلم يُذكر أن أحدًا خالف عكرمة فأرسله عن إسحاق، لا الأوزاعي ولا غيره، وأما ما نقله الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (٨/ ١٦٦) أن الحافظ ابن حجر أعلّ هذا الحديث بالإرسال، وأن الأوزاعي رواه عن إسحاق فأرسله بإسقاط أنس وقال: (عن أم سليم - وهو مرسل -)، فهذا إنما ذكره ابن حجر في حديث "المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل" كما في "النكت الظراف" (١/ ٨٥)، وأما الحديث الذي معنا فلم يذكر فيه شيئًا، وبالتالي فأنا أذهب إلى أن إسناده جيد، وظاهر صنيع النَّسَائِي أنه يقويه، فقد ذكره في "السنن الصغرى"، و"الكبرى" ولم يتعقبه بشيء، بل وبوّب عليه كما تقدم، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم على شرط مسلم. وقد خرّج مسلم في "صحيحه" بهذا الإسناد ثمانية أحاديث، كما أن الترمذي خرج حديثًا آخر بهذا الإسناد وقال: (صحيح غريب). كما أن الضياء أخرجه في "المختارة". وقد جاء هذا الحديث عن أنس من طريق آخر، إلا أنه واهٍ؛ أخرجه البزار (٧٥٩٩)، وأبو يعلى (٤٢٩٢)، والطبراني في "الدعاء" (٧٢٥) من طريق عبد ارحمن بن إسحاق، عن حسين بن أبي سفيان، عن أنس بن مالك به. كما أن له شواهد، تنظر: "الضعيفة" للألباني (٨/ ١٦٥ - ١٦٧)، و"الصحيحة" له أيضًا (٧/ ١٠١٢).
[ ١ / ٤٢١ ]
رسول الله ﷺ إليكم يقول: "كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم".
وفي الباب عن علي، وعائشة، وجبير بن مطعم، والشريد بن سويد الثقفي.
قال أبو عيسى: حديث ابن مربع الأنصاري حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار.
وابن مربع: اسمه يزيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد) (^١).
قلت: هذا الحديث حديث صحيح ورجاله كلهم ثقات، وعمرو بن عبد الله بن صفوان روى عنه أربعة منهم عمرو بن دينار، وقال عنه الزبير بن بكار: كان من أشرف أهل زمانه (^٢)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (^٣)، وقال ابن حجر: صدوق شريفٌ (^٤)، وقد صرح بسماعه من يزيد بن شيبان، وهو من أخواله كما في "التاريخ الكبير" (^٥)، وفيه أيضًا: أن عمرو بن دينار صرح بسماعه من عمرو بن عبد الله بن صفوان (^٦).
وقد صحّحه ابن خزيمة، والحاكم، ورواه أبو داود وسكت عنه (^٧)، وأما عدم تصحيح أبي عيسى لهذا الخبر، فلعله من أجل غرابته، والله أعلم.
٧ - وقال أيضا في باب ما - جاء في الاشتراك في البدنة والبقرة:
_________________
(١) (٢/ ١٨٧).
(٢) ينظر: "تهذيب الكمال" (٢٢/ ١٠٠).
(٣) (٥/ ١٧٧).
(٤) "تقريب التهذيب" (ص: ٤٢٣).
(٥) (٨/ ٣١٥).
(٦) "التاريخ الكبير" (٨/ ٤٦٦).
(٧) ينظر: "سنن أبي داود" (١٩١٩)، و"صحيح ابن خزيمة" (٢٨١٨، و٢٨١٩)، و"مستدرك الحاكم" (١/ ٦٣٣)، رقم (١٦٩٩).
[ ١ / ٤٢٢ ]
(وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أن البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة، وهو قول إسحاق، واحتج بهذا الحديث، وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه واحد.
حدثنا الحسين بن حريث وغير واحد قالوا: حدثنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث حسين بن واقد) (^١).
قلت: ظهر من كلام أبي عيسى أنه إنما توقف في تصحيحه من أجل الغرابة.
٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في نزول الأبطح: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، ينزلون الأبطح.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب (^٢)، إنما نعرفه من حديث عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر) (^٣).
قلت: لم يصححه من أجل تفرد عبد الرزاق به عن عبيد الله بن عمر.
_________________
(١) (٢/ ٢٠٠).
(٢) كما في "تحفة الأشراف"، و"نسخة الرسالة" (٩٣٨)، أما ما وقع في بعض النسخ، كطبعة بشار: (حسن صحيح غريب) فهذا خطأ.
(٣) (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
[ ١ / ٤٢٣ ]
٩ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سليم بن حيان، قال: سمعت مروان الأصفر، عن أنس بن مالك، أن عليا قدم على رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: "بم أهللت؟ " قال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ، قال: "لولا أن معي هديا لأحللت ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (^١).
قلت: هذا الحديث قد أخرجه الشيخان من طريق عبد الصمد به (^٢)، وأخرجه مسلم من طريق ابن مهدي وبهز، كلاهما عن سليم به (^٣).
ورجاله كلهم ثقات، ومروان ليس له عند مسلم والترمذي سوى هذا الحديث كما قاله المزي (^٤).
والذي يظهر أن أبا عيسى إنما توقف في تصحيحه من أجل غرابته، فقد أخرجه البزار (^٥) من طريق عبد الصمد به، وقال: (ولا نعلم أسند الأصفر، عن أنس، إلا هذا الحديث).
ملحوظة: لم يصرح مروان بسماعه من أنس، وفي "التاريخ الكبير"، قال: (سمع ابن عمر ومسروقا) (^٦) ولم يذكر أنسًا، ولكن كونه سمع ابن عمر وقد توفي قبل أنس بنحو عشرين سنة، وكونه أيضًا بصريا، وأنس كذلك، فالأقرب أنه سمع منه.
وهذا المتن لاشك في صحته، فقد جاء أيضًا من حديث جابر في "الصحيح" (^٧).
_________________
(١) (٢/ ٢٢٦).
(٢) "صحيح البخاري" (١٥٥٨)، "صحيح مسلم" (١٢٥٠).
(٣) "صحيح مسلم" (١٢٥٠).
(٤) "تهذيب الكمال" (٢٧/ ٤١٢).
(٥) "المسند" (٧٣٦٧).
(٦) (٧/ ٣٦٩).
(٧) "صحيح البخاري" (١٦٥١، ١٧٨٥).
[ ١ / ٤٢٤ ]
١٠ - وقال أيضا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا خلاد بن يزيد الجعفي، قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^١).
قلت: توقف أبو عيسى في تصحيح هذا الحديث من أجل غرابته، فهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، سلسلة مشهورة جدًا، فأين أصحاب هشام عن هذا الخبر؟! ثم أين أصحاب زهير بن معاوية حتى لا يرويه إلا الخلاد وهو ليس بالمشهور؟!
١١ - وقال أيضا في باب ما جاء ما يستحب عليه الإفطار: (حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "من وجد تمرا فليفطر عليه، ومن لا، فليفطر على ماء، فإن الماء طهور".
وفي الباب عن سلمان بن عامر.
قال أبو عيسى: حديث أنس لا نعلم أحدا رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس.
وقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ، وهذا أصح من حديث سعيد بن عامر.
_________________
(١) (٢/ ٢٢٩).
[ ١ / ٤٢٥ ]
وهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سلمان بن عامر، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب.
والصحيح ما روى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر) (^١).
قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، فهو خبرٌ غيرُ محفوظٍ؛ لأن أصحاب شعبة قد رووه بخلاف ما رواه سعيد، فهو قد تفرد به، وهذا يدل على خطئه، وهو وإن كان ثقةً إلا أن له بعض الأغلاط.
١٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^٢).
قال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح) (^٣)، وقد احتج به ابن حزم (^٤) - وهذا يقتضي ثبوته عنده؛ لأنَّه لا يحتج بضعيفٍ -، وأخرجه الضياء في "المختارة" (^٥).
قلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من التوقف في تصحيح هذا الحديث، وذلك لغرابته، فإني لم أقف عليه إلا من طريق جعفر، ولا عن جعفر إلا عبد الرزاق، حتى أن أبا نعيم والضياء لم يخرجاه إلا من
_________________
(١) (٢/ ٨٨ - ٨٩)، وينظر: "العلل الكبير" (١٩٤).
(٢) (٢/ ٨٩) (٧٠٤).
(٣) "سنن الدارقطني" (٣/ ١٥٥).
(٤) "المحلى" (٤/ ٤٥٥).
(٥) "الأحاديث المختارة" (٤/ ٤١١).
[ ١ / ٤٢٦ ]
طريقه (^١)، ولكن لم ينصّ أحد منهم على أن عبد الرزاق تفرد به. نعم، قال أبو عيسى: (غريب)، لكن لم يبين أن الغرابة من عبد الرزاق أو من جعفر، فالله أعلم.
نعم، قد توبع عبد الرزاق في هذا الحديث، تابعه سعيد بن سليمان النشيطي، وعمار بن هارون، أخرج حديثهما ابن عدي (^٢)، كلاهما عن جعفر بن سليمان به. ولكن كلا المتابعتين فيهما نظر، فسعيد بن سليمان، قال عنه الذهبي: (صويلح الحديث. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: فيه نظر. وقال أبو داود: لا أحدث عنه) (^٣).
قلت: وقول الذهبي: (صويلحٌ) ليس بظاهر، بل هو ضعيفٌ، والسؤال: ما هي درجة ضعفه، هل يكتب حديثه، فيتقوى بغيره فتقوى هذه المتابعة، أو لا يكتب حديثه، وبالتالي لا يعتد بها؟
أما عمار بن هارون، قال الذهبي: (قال موسى بن هارون: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. كان يسرق الحديث) (^٤).
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (ربما أخطأ) (^٥)، وهذا فيه نظر لما تقدم.
قال ابن عدي في ترجمة جعفر -بعد أن ساق الحديث-: (وهذا الحديث يعرف بعبد الرزاق عن جعفر، ومن إفرادات جعفر، عن ثابت، عن أنس، لا أعلم يرويه عن جعفر غير ثلاثة أنفس، اثنين قد ذكرتهما، والثالث
_________________
(١) "الحلية" (٩/ ٢٢٧)، "الأحاديث المختارة" (٤/ ٤١١ - ٤١٢).
(٢) "الكامل" (٣/ ١٠٥) (٣٧٧٦).
(٣) "ميزان الاعتدال" (٢/ ١٣٥).
(٤) "ميزان الاعتدال " (٣/ ١٨١).
(٥) "الثقات" (٨/ ٥١٨).
[ ١ / ٤٢٧ ]
عبد الرزاق، عن جعفر، والحديث به مشهور عن جعفر، وقد رواه سعيد بن سليمان، وعمار بن هارون، وزاد في حديث عبد الرزاق: كان النبي، ﷺ يفطر على الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر) (^١).
وقال في ترجمة عمار بن هارون بعد أن ساق الحديث من طريقه: (وهذا معروف بعبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، وقد رواه عمار بن هارون، وسعيد بن سليمان النشيطي، جميعا عن جعفر أيضا) (^٢).
ولأجل ما تقدم لم يعتد أبو حاتم وأبو زرعة بهذه المتابعة، وجزما بأنه لم يروه سوى عبد الرزاق، فقالا - بعد أن سألهما عبد الرحمن عن هذا الحديث -: (لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق؟) يعني: من أين جاء به. قال ابن أبي حاتم: (قلت: وقد رواه سعيد بن سليمان النشيطي، وسعيد بن هبيرة، فقال أبي: لا يسقى بالنشيطي وسعيد بن هبيرة شربة من ماء مثلًا. قال أبو زرعة: لا أدري ما هذا الحديث! لم يرفعه (^٣) إلا من حديث عبد الرزاق) (^٤).
والحديث له شاهدٌ، أخرجه أبو يعلى الموصلي (^٥) - ومن طريقه الضياء (^٦) - والعقيلي (^٧)، عن إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا أبو ثابت عبد الواحد بن ثابت، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار.
قلت: وهذه المتابعة لجعفر لا يفرح بها، وذلك أن عبد الواحد بن ثابت ضعيف، مع أن متنه يخالف ما رواه جعفر بن سليمان.
_________________
(١) "الكامل" (٣/ ١٠٥).
(٢) "الكامل" (٧/ ٥٢٣).
(٣) كذا، ولعل الصواب: لم يعرفه.
(٤) "علل ابن أبي حاتم" (٣/ ٦).
(٥) "مسند أبي يعلى الموصلي" (٣٣٠٥).
(٦) "الأحاديث المختارة" (١٧٥٥).
(٧) "الضعفاء" (٣/ ٥٠).
[ ١ / ٤٢٨ ]
قال العقيلي بعد أن ساق الحديث: (وقد روى جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يفطر على التمر. وروى جماعة من أصحاب النبي ﷺ عنه بأسانيد جياد أنه قال: "تسحروا فإن في السحور بركة"، وفى السحور أسانيد ثابتة، وأما اللفظتان اللتان جاء بهما هذا الشيخ: "ولو بجرعة من ماء"، أو "شيء لم تمسه النار"، فليس يتابعه عليهما ثقة) (^١).
* * *