١ - قوله ﵀ في باب ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه، أن النبي ﷺ أرخص للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما.
قال أبو عيسى: هكذا روى ابن عيينة.
وروى مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه.
ورواية مالك أصح …
_________________
(١) ينظر: "صحيح البخاري" (١١٠١) (١١٠٢)، "صحيح مسلم" (٦٨٩).
(٢) (١٦٠).
[ ١ / ٤٥٠ ]
حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مالك بن أنس قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، قال: رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة، أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفر.
وهذا حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر) (^١).
قلت: الاختلاف بين الروايتين في المتن وفي الإسناد:
فأما في المتن فرواية مالك أتم وأوضح في المقصود، وذلك أن في روايته أن الرعاة يرمون اليوم الأول وهو يوم النحر، ويرمون يوما آخرا يجمعون فيه رمي يومين، ثم يرمون في اليوم الثالث عشر وهو يوم النفر. وأما رواية ابن عيينة فليس فيها هذا التفصيل، وإنما فيها أنهم يدعون رمي يوم، ولم يبين هل يجمعون رميه مع يوم آخر. ولم يذكر الرمي في يوم النفر، فلا شك عندئذ أن رواية مالك أصح؛ لأنَّه أتقن لفظ الخبر، وهذا من دقة نقد أبي عيسى.
وأما الإسناد، فقال ابن عبد البر: (وذكر أحمد بن خالد: أن يحيى بن يحيى وحده من بين أصحاب مالك قال في هذا الحديث عن مالك بإسناده أن أبا البداح عاصم بن عدي، فجعل أبا البداح كنية عاصم بن عدي، وجعل الحديث له، والحديث إنما هو لعاصم بن عدي هو الصاحب، وأبو البداح ابنه يرويه عنه، وهو الصحيح فيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، قال: وكذلك رواه ابن وهب وابن القاسم.
_________________
(١) (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
[ ١ / ٤٥١ ]
قال أبو عمر: لم نجده عند شيوخنا في كتاب يحيى إلا عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، كما رواه جماعة الرواة عن مالك، وهو الصحيح في إسناد هذا الحديث، كما قال أحمد، فإن كان يحيى رواه كما قال أحمد فهو غلط من يحيى - والله أعلم - أو من غيره، ولم يختلفوا في إسناد هذا الحديث عن مالك، إلا ما ذكر أحمد بن خالد عن يحيى، وقد اختلفوا عنه في ألفاظه.
وقد كان سفيان بن عيينة يقول في إسناد هذا الحديث شيئا يشبه ما حكاه أحمد عن يحيى في روايته عن مالك ويعضده، وذلك أنه قال فيه: عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، ومرة لم يقل: عن أبيه، والصواب في إسناد هذا الحديث ما قاله مالك في رواية جمهور الرواة عنه) (^١).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الأذان بالليل: (وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالا أذن بليل، فأمره النبي ﷺ أن ينادي: إن العبد نام.
قال أبو عيسى: هذا حديث غير محفوظ.
والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
وروى عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، أن مؤذنا لعمر أذن بليل، فأمره عمر أن يعيد الأذان.
وهذا لا يصح؛ لأنَّه عن نافع، عن عمر منقطع.
ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث، والصحيح رواية عبيد الله بن
_________________
(١) "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (١٧/ ٢٥٢).
[ ١ / ٤٥٢ ]
عمر وغير واحد، عن نافع، عن ابن عمر، والزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "إن بلالا يؤذن بليل ".
قال أبو عيسى: ولو كان حديث حماد صحيحا لم يكن لهذا الحديث معنى؛ إذ قال رسول الله ﷺ: "إن بلالا يؤذن بليل" فإنما أمرهم فيما يستقبل، فقال: "إن بلالا يؤذن بليل" ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل: "إن بلالا يؤذن بليل ".
قال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة) (^١).
٣ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في الحَجَر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^٢).
قلت: لم يصححه أبو عيسى (^٣)، ولعله من أجل غرابة متنه، فقد خرّج حديثين بهذا الإسناد، وحكم بصحتهما:
الأول: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم ".
_________________
(١) (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٢) (٢/ ٢٢٨).
(٣) وصححه ابن خزيمة (٢٧٣٥، ٢٧٣٦) وابن حبان (٣٧١٥، ٣٧١٦) والحاكم (١٦٨٠).
[ ١ / ٤٥٣ ]
وفي الباب عن سمرة، وابن عمر، وعائشة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^١).
الثاني: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: حدثنا سعيد بن جبير وأبو الطفيل، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ".
هذا حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه) (^٢).
لذا عندما أخرجه أبو نعيم، قال: (غريب من حديث سعيد، تفرد به بن خثيم (^٣).
* * *
_________________
(١) (٢/ ٢٤٥).
(٢) (٤/ ٥٨٣).
(٣) "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (٤/ ٣٠٦).
[ ١ / ٤٥٤ ]
الوجه الثالث عشر: أنه لا يقبل زيادة الثقة دائمًا، وإنما يقبلها إذا كان هذا الثقة من الحفاظ.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن يعلى بن أمية، قال: رأى النبي ﷺ أعرابيا قد أحرم وعليه جبة، فأمره أن ينزعها.
حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه بمعناه.
قال أبو عيسى: وهذا أصح، وفي الحديث قصة.
وهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء، عن يعلى بن أمية.
والصحيح ما روى عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ) (^١).
قلت: عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما إمام، وقد زادا في الحديث فزيادتهما مقبولة.
٢ - وقال أيضا: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك "، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك "، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك ".
_________________
(١) (٢/ ١٦٥ - ١٦٦).
[ ١ / ٤٥٥ ]
هذا حديث حسن.
حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ بمثله.
هذا حديث حسن صحيح.
حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا سعيد بن الربيع أبو زيد، قال: حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك أو من طعامك، وأن تزني بحليلة جارك ". قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
حديث سفيان، عن منصور والأعمش، أصح من حديث واصل؛ لأنَّه زاد في إسناده رجلا.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ نحوه.
هكذا روى شعبة عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل) (^١).
قلت: نصّ المصنف على قبول الزيادة التي وقعت في إسناد هذا الخبر؛ وذلك لأن الذي زادها إمام حافظ، وهو سفيان الثوري.
_________________
(١) (٤/ ١٩٩ - ٢٠٠).
[ ١ / ٤٥٦ ]
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أتى الجمعة فليغتسل".
وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.
وروي عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا، حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ مثله.
وقال محمد: وحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، وحديث عبد الله ابن عبد الله، عن أبيه، كلا الحديثين صحيح.
وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر.
قال أبو عيسى: قد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح.
ورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ، فقال: أية ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت: أن رسول الله ﷺ أمر بالغسل.
حدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يونس، عن الزهري بهذا الحديث.
وروى مالك هذا الحديث، عن الزهري، عن سالم، قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة، فذكر الحديث.
وسألت محمدا عن هذا، فقال: الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه.
قال محمد: وقد روي عن مالك أيضا، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه نحو هذا الحديث) (^١).
قلت: قول البخاري: الصحيح حديث الزهري عن سالم عن أبيه، يعني بذلك أن رواية مالك المرسلة لا تؤثر على الرواية الموصولة بذكر عبد الله بن عمر؛ لأنها زيادة من ثقة فتقبل، وبالتالي فكل هذه الأسانيد التي ذكرها أبو عيسى صحيحة ما عدا رواية الإمام مالك المرسلة، فهذا الخبر قد سمعه ابن عمر من النبي ﷺ، وسمع أباه يحدث به عن رسول الله ﷺ.
ويؤيد هذا قول أبي عيسى عن رواية ابن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ: (حديث صحيح).
٤ - وقال أيضا: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.
_________________
(١) (١/ ٥٦٥ - ٥٦٧).
[ ١ / ٤٥٨ ]
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ نحو حديث أيوب، وزاد فيه: من المسلمين.
ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه: من المسلمين) (^١).
قلت: صحح أبو عيسى رواية مالك والتي فيها زيادة: "من المسلمين"، مع قوله: (رواه غير واحد عن نافع دونها)، وقد بين ذلك بيانا واضحا في "علله الصغير" فقال: (ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير.
قال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين.
وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين.
وقد روى بعضهم، عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه.
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك، واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد ابن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد عنهم صدقة الفطر، واحتجا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه) (^٢).
* * *
_________________
(١) (٢/ ٧٧).
(٢) "الجامع" (٥/ ٣٤).
[ ١ / ٤٥٩ ]
الوجه الرابع عشر: أنه في بعض الأحيان يتوقف في قبول زيادة الثقة ولو كان حافظًا.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد: (حدثنا يحيى ابن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا خالد (^١)، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا.
وفي الباب عن عبد الله بن عباس.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد حسن غريب.
وقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى، ولم يذكروا هذا الحرف: أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) (^٢).
قلت: هذا الحديث خرّجه الشيخان (^٣) من طريق خالد بن عبد الله به.
ولم يصححه أبو عيسى، مع قوله عن خالد: ثقة حافظ، ومع أن هذه الزيادة قد تابعه عليها سليمان بن بلال.
قال البخاري: (حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ. فدعا بتور من
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (بن عبد الله).
(٢) (١/ ٢٩٤).
(٣) "صحيح البخاري" (١٩١)، و"صحيح مسلم" (٢٣٥).
[ ١ / ٤٦٠ ]
ماء، فأكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده ماء فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يتوضأ) (^١).
قال ابن حجر: (قوله: "ثم تمضمض واستنثر" وللكشميهني: "مضمض واستنشق"، والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وهيب الثلاثة، وزاد بعد قوله ثلاثا: "بثلاث غرفات"، واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة، وفي رواية خالد ابن عبد الله الآتية بعد قليل: "مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا"، وهو صريح في الجمع كل مرة، بخلاف رواية وهيب فإنه تطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نبه عليه ابن دقيق العيد، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند المصنف في باب الوضوء من التور: "فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة"، واستدل بها على الجمع بغرفة واحدة، وفيه نظر لما أشرنا إليه من اتحاد المخرج فتقدم الزيادة) (^٢).
وأكتفي بهذا المثال هنا؛ لأنَّه سوف تأتي أمثلة كثيرة على ذلك.
* * *
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٩٩).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٩١).
[ ١ / ٤٦١ ]
الوجه الخامس عشر: أنه يسلك طريق الترجيح بين الروايات.
لا يخفى على المشتغلين بعلم الحديث أن الأحاديث تنقسم إلى قسمين:
١ - أحاديثُ استوفتْ شروط الصحة، ولم يقع في أسانيدها ضعفٌ أو اختلافٌ، أو غرابةٌ وشذوذٌ.
٢ - وأحاديث لم تستوف شروط الصحة؛ بأن وقع في أسانيدها من هو متكلّمٌ فيه، فهذه ضعيفةٌ كما هو معلومٌ، وضعفها على درجاتٍ، فأحيانًا تتقوَّى إذا تعددتْ طرقها، أو إذا جاء ما يشهد لها؛ وأحيانًا لا تتقوَّى. وسوف يأتي الكلام عليها بإذن الله.
وأما التي وقع في أسانيدها أو متونها غرابةٌ أو شذوذٌ، فهذه فيها تفصيلٌ مطولٌ، وقد تقدم الكلام عليها.
وأما التي وقع في أسانيدها أو متونها اختلافٌ؛ فهذه إن أمكن الجمع بين أوجه هذا الاختلاف فبها، وإلا فإنه يُسلَك فيها مسلك الترجيح، وينظر إلى القرائن.
ويلحظ الدارس لمنهج أبي عيسى: أنه يسلك أوجهًا كثيرةً للترجيح بين الروايات، من أشهرها وأظهرها ما يلي:
الأول: ترجيح رواية الأوثق والأحفظ على غيره:
وهذا كثيرٌ في كتابه "الجامع" وهو محلُ اتفاقٍ بين أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر، أو ينساه: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال:
[ ١ / ٤٦٢ ]
قال رسول الله ﷺ: "من نام عن الوتر أو نسيه، فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ".
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "من نام عن وتره فليصل إذا أصبح".
قال أبو عيسى: وهذا أصح من الحديث الأول.
سمعت أبا داود السجزي - يعني: سليمان بن الأشعث - يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله لا بأس به.
وسمعت محمدا يذكر عن علي بن عبد الله أنه ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة) (^١).
قلت: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإن كان من أهل العلم والفضل، إلا أنه في باب الرواية ضعيف جدًا، وعبد الله أخوه وإن كان قد تُكلم فيه إلا أنه أقوى منه، لذا رجح أبو عيسى روايته عليه.
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "بادروا الصبح بالوتر".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر".
_________________
(١) (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠).
[ ١ / ٤٦٣ ]
قال أبو عيسى: وسليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ) (^١).
قلت: في هذا تعليلٌ بتفرد سليمان بن موسى بهذا السياق، واللفظ الصحيح هو ما جاء في رواية عبيد الله، ولا شك أن عبيد الله أوثق بكثير من سليمان بن موسى (^٢)، ويؤكد هذا ما جاء عند مسلم في رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ، قال: "بادروا الصبح بالوتر" (^٣).
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى ابن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له".
قال أبو عيسى: حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
وقد روي عن نافع، عن ابن عمر قوله، وهو أصح (^٤) «^٥).
قلت: هذا الحديث رفعه يحيى بن أيوب وغيره، ولكن وقفه من هو أوثق منهم وأكثر، على عبد الله بن عمر، وعلى رأس هؤلاء مالك كما في "الموطأ" (^٦)، وجاء أيضًا عن عبد الله بن عمر، عن حفصة، وكلا الطريقين
_________________
(١) (١/ ٥٥٠ - ٥٥١).
(٢) يلاحظ هنا أن أبا عيسى قدم الصحيح على المعلول، وقد سبق أن الغالب عليه تقديم المعلول، وتقدم ذكر بعض الأمثلة على ذلك.
(٣) "صحيح مسلم" (٧٥٠).
(٤) في بعض النسخ زيادة: (وهكذا أيضًا روي هذا الحديث عن الزهري موقوفًا، ولا نعلم أحدا رفعه إلا يحيى بن أيوب).
(٥) (٢/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٦) ينظر: "موطأ مالك" رواية يحيى الليثي (٧٨٨، ٧٨٩).
[ ١ / ٤٦٤ ]
محفوظٌ، فالصواب في هذا الخبر وقفه، كما ذهب إلى هذا أبو عيسى الترمذي وغيره من كبار الحفاظ، كالبخاري (^١)، وأبي داود (^٢)، وأبي حاتم (^٣)، والنسائي (^٤)، وسيأتي بإذن الله تفصيل ذلك في موضعه من الكتاب.
٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صيام العشر: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما رأيت النبي ﷺ صائما في العشر قط.
قال أبو عيسى: هكذا روى غير واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
وروى الثوري وغيره هذا الحديث، عن منصور، عن إبراهيم، أن النبي ﷺ لم يُر صائما في العشر.
وروى أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة، ولم يذكر فيه: عن الأسود. وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصح وأوصل إسنادا.
قال: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور) (^٥).
قلت: رجّح رواية الأعمش؛ لأنَّه أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، كما روى ذلك أبو عيسى عن وكيع، فتكون زيادةً من ثقةٍ حافظٍ، فبالتالي يجب قبولها.
_________________
(١) "العلل الكبير" للترمذي (٢٠٢).
(٢) في "سننه" عقب حديث (٢٤٥٤).
(٣) "العلل" (٦٥٤).
(٤) "السنن الكبرى" (٢٦٦١).
(٥) (٢/ ١٢١).
[ ١ / ٤٦٥ ]
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: قلت: أقاله رسول الله ﷺ؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: وروى جرير بن حازم هذا الحديث، فقال: عن جابر، عن عمر، وحديث ابن جريج أصح، وهو قول أحمد وإسحاق) (^١).
قلت: جرير بن حازم وإن كان ثقة مشهورًا، ولكن له بعض الأوهام، فلذا قُدم ابن جريج عليه، مع أنه قد جاء هذا الخبر عنه - أي جرير - دون ذكر عمر، رواه أبو داود (^٢)، وابن خزيمة (^٣).
٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر (^٤)، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن (^٥)، عن خلاد بن السائب بن خلاد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو التلبية".
قال أبو عيسى: حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح.
_________________
(١) (١٧٣/ ٢).
(٢) "السنن" (٣٨٠١).
(٣) "صحيح ابن خزيمة" (٢٦٤٦).
(٤) في بعض النسخ زيادة: (وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم).
(٥) في بعض النسخ زيادة: (بن الحارث بن هشام).
[ ١ / ٤٦٦ ]
وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ ولا يصح، والصحيح هو عن خلاد بن السائب، عن أبيه، وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري.
وفي الباب عن زيد بن خالد، وأبي هريرة، وابن عباس) (^١).
قلت: وأنا أذهب إلى ذلك، وذلك أن عبد الملك بن أبي بكر ثقة خرج له الجماعة، وقد رواه عن خلاد عن أبيه السائب، وروايته مقدمة على رواية المطلب بن عبد الله الذي جعله عن خلاد عن زيد بن خالد، والمطلب كثير الإرسال والتدليس، وأخشى أنه لم يسمعه من خلاد، فلذا تكون رواية عبد الملك هي الراجحة، وهذا ما ذهب إليه البخاري كما في "العلل الكبير" (^٢).
٧ - وقال أيضًا: (باب ما جاء ما يقرأ في ركعتي الطواف: أخبرنا أبو مصعب المدني قراءة، عن عبد العزيز بن عمران، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه كان يستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
قال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث عبد العزيز بن عمران، وحديث جعفر بن محمد عن أبيه في هذا أصح من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر عن النبي ﷺ.
_________________
(١) (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
(٢) (٢٢٢).
[ ١ / ٤٦٧ ]
وعبد العزيز بن عمران ضعيف في الحديث) (^١).
قلت: لا شك أن الثوري من أحفظ الناس، فلا شك أن روايته هي الراجحة.