١ - قال ﵀ في باب ما جاء في القراءة على المنبر: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان ابن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة.
قال أبو عيسى: حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (^٢).
قلت: هذا الحديث تفرد به ابن عيينة كما هو ظاهر كلام أبي عيسى، وقد صححه، وأخرجه الشيخان من طريق ابن عيينة، ومثلهما أبو داود، والنسائي (^٣).
٢ - وقال أيضا في باب ما جاء أن النبي ﷺ طاف مضطبعا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن
_________________
(١) "الضعفاء" (٣/ ٥٠).
(٢) (١/ ٥٧٤).
(٣) "صحيح البخاري" (٣٢٦٦)، "صحيح مسلم" (٨٧١)، "سنن أبي داود" (٣٩٩٢)، "السنن الكبرى" للنسائي (١١٤١٥).
[ ١ / ٤٢٩ ]
عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعا وعليه برد.
قال أبو عيسى: هذا حديث الثوري، عن ابن جريج، ولا نعرفه إلا من حديثه، وهو حديث حسن صحيح.
وعبد الحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى عن أبيه، وهو يعلى بن أمية) (^١).
قلت: هذا الخبر صححه أبو عيسى مع غرابته، فقد تفرد به ابن جريج ولم يروه عنه سوى سفيان الثوري وهو إمام، فمثل هذه الغرابة لا تضر، نعم، قد تابعه عمر بن هارون البلخي عند أحمد (^٢)، قال: حدثنا عمر بن هارون البلخي أبو حفص، حدثنا ابن جريج، عن بعض بني يعلى بن أمية، عن أبيه به.
لكن خالفه فأسقط شيخ ابن جريج، وهو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة بالاتفاق، والصواب إثباته، ويظهر أن هذا الإسقاط حصل من ابن جريج، فقد رواه وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى به (^٣).
وهذه الرواية أيضًا فيها إسقاطه.
ومرة قال: عن رجلٍ، كما في رواية عبد الله بن الوليد، عن الثوري (^٤)، وفي أخرى سماه عبد الحميد كما في رواية قبيصة (^٥)، والفريابي (^٦).
_________________
(١) (٢/ ١٧٧).
(٢) "المسند" (١٧٩٥٥).
(٣) "المسند" (١٧٩٥٦).
(٤) "المسند" (١٧٩٥٢).
(٥) كما في رواية الترمذي التي معنا، وأخرجه ابن ماجه (٢٩٥٤).
(٦) أخرجه الدارمي في "مسنده" (١٨٨٥).
[ ١ / ٤٣٠ ]
وعمر قد اتهم، ولكن قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل -أو قال: يتفرد به- إلا هذا الحديث: كان النبي ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون (^١).
قلت: ومتابعته هنا مقبولة؛ لأن رواية الثوري لهذا الحديث تؤكد أن ابن جريج قد رواه، وأنَّه من حديثه.
ويؤيد هذا ما جاء في "تهذيب الكمال": (قال بهز: أرى يحيى بن سعيد حسده، قال: أكثر عن ابن جريج. من لزم رجلا اثنتي عشرة سنة لا يريد أن يكثر عنه؟!
قال أبو غسان: وبلغني أن أمه كانت تعينه على الكتاب.
قال أبو بكر الخطيب: وذكر مسلم بن عبد الرحمن البلخي أن ابن جريج تزوج أم عمر بن هارون؛ فمن هناك أكثر السماع منه.
وقال أبو أحمد بن عدي: يقال: إنه لقي ابن جريج بمكة، وكان حسن الوجه، فسأله ابن جريج: ألك أخت؟ قال: نعم. فتزوج بأخته، فقال: لعل هذا الحسن يكون في أخته كما هو في أخيها، فتفرد عن ابن جريج، وروى عنه أشياء لم يروها غيره) (^٢).
ثم إن متن هذا الخبر ليس بغريب، فقد أخرج أحمد من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرّانة، فاضْطَبَعوا، وجعلوا أرديتَهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم، ثم رَمَلُوا (^٣).
_________________
(١) "الجامع" (٣/ ٥٨٥).
(٢) (٢١/ ٥٢٣).
(٣) "المسند" (٣٥١٢).
[ ١ / ٤٣١ ]
وجاء عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (^١)، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج؛ أن عمر بن عبد العزيز طاف بالبيت مضطبعا.
ولهذا وغيره صححه أبو عيسى الترمذي، والله أعلم.
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء أن عرفة كلها موقف: (حدثنا محمد ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: "هذه عرفة، وهو الموقف، وعرفة كلها موقف" …
وفي الباب عن جابر.
قال أبو عيسى: حديث عليّ حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث عليّ إلا من هذا الوجه من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، وقد رواه غير واحد عن الثوري مثل هذا) (^٢)
قلت: هذا الحديث مثل الحديث السابق.
٤ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع ومحمد بن الوزير الواسطي المعنى واحد، قالا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: قلت لأنس: حدثني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قال: قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، يستغرب من حديث إسحاق الأزرق، عن الثوري) (^٣).
_________________
(١) (١٦٦٤٤).
(٢) (٢/ ١٨٨ - ١٩٠).
(٣) (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
[ ١ / ٤٣٢ ]
قلت: إنما صحح أبو عيسى هذا الحديث مع غرابته عن الثوري؛ لأنَّه قد جاء مختصرًا من وجه آخر عن عبد العزيز: أخرجه البخاري (^١)، قال: (حدثنا علي، سمع أبا بكر بن عياش، حدثنا عبد العزيز، لقيت أنسا (ح)، وحدثني إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو بكر، عن عبد العزيز قال: خرجت إلى منى يوم التروية فلقيت أنسا ﵁ ذاهبا على حمار، فقلت: أين صلى النبي ﷺ هذا اليوم الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصلّ).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٦٥٤).
[ ١ / ٤٣٣ ]
الوجه التاسع: أنه - أحيانًا - يتوقف في تصحيح الخبر الذي ظاهره الصحة إذا كان متنه غريبا.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع: (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: جئت ورسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه.
ووصفت الباب في القبلة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^١).
قلت: هذا الحديث لم يصححه من أجل غرابة متنه وإسناده، فتفرد بُرد عن الزهري لا يحتمل؛ فاين أصحابه الملازمون له؛ كمالك، وشعيب، وسفيان، ومعمر، ويونس بن يزيد، وغيرهم؟ لذا قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.
وبُرد قد تتابع الأئمة على توثيقه أو تصديقه، إلا ما جاء عن علي بن المديني، فإنه قد ضعَّفه، وقال عنه ابن حبان: رديء الحفظ (^٢)، ولكن ذكره أيضًا في "الثقات" (^٣).
قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: أنه كان يصلي، فاستفتحت الباب، فجاء النبي ﷺ ففتح الباب، ومضى في صلاته. قلت لأبي: ما حال هذا الحديث؟
_________________
(١) (٢/ ٣٤).
(٢) (٦/ ١١٤).
(٣) "مشاهير علماء الأمصار" (ص: ٢٤٥).
[ ١ / ٤٣٤ ]
فقال أبي: لم يَرو هذا الحديث أحد عن النبي ﷺ غيرُ برد، وهو حديث منكر، ليس يحتمل الزهري مثل هذا الحديث، وكان بُرد يرى القدر) (^١).
٢ - وقال أيضا في باب ما ذكر في الاغتسال عندما يُسْلم الرجل: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم، أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر.
وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٢).
قلت: بيّن أن هذا الخبر لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولا يخفى أن النبي ﷺ لم يأمر أحدا من الذين أسلموا بالاغتسال، إلا ما جاء في هذا الخبر وخبر ثمامة بن أثال في بعض رواياته المرجوحة، فعليه يكون غريبا سندا ومتنا.
وفي "أطراف الغرائب والأفراد": (حديث: أتيت النبي ﷺ لأبايعه على الإسلام، فقال: يا قيس بن عاصم، اغتسل بماء وسدر … الحديث. قال: غريب من حديثه عن النبي ﷺ) (^٣).
قلت: روى هذا الحديث جمع عن سفيان الثوري -منهم القطان، وابن مهدي-، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس بن عاصم (^٤).
_________________
(١) "علل الحديث" (٢/ ٣٩٩)، مسألة (٤٦٧).
(٢) (٢/ ٣٦).
(٣) (٤٢٨٤).
(٤) حديث القطان أخرجه النَّسَائِي (١٩٣)، وصححه ابن خزيمة (٢٥٥)، وابن حبان=
[ ١ / ٤٣٥ ]
وخالفهم قبيصة، فرواه عن الثوري، عن الأغر، عن خليفة، عن أبيه، عن جده (^١).
قال أبو حاتم: (إن هذا خطأ؛ أخطأ قبيصة في هذا الحديث؛ إنما هو: الثوري، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس: أنه أتى النبي ﷺ … ليس فيه أبوه) (^٢).
قلت: وأنا أذهب إلى هذا، فالصواب بدون: عن أبيه.
ورواه وكيع - في روايةٍ عنه - كما رواه قبيصة (^٣)، والصواب عنه كرواية الجماعة (^٤).
وجاء في رواية عن وكيع أيضًا: عن سفيان الثوري، عن خليفة: أن جدّه أتى إلى النبي ﷺ، فذكره مرسلًا.
قال البيهقي: (وبمعناه رواه محمد بن كثير وجماعة، إلا أن أكثرهم قالوا: عن جده قيس بن عاصم، ورواه قبيصة بن عقبة فزاد في إسناده) (^٥).
قلت: وخليفة لا يعرف أنه سمع من جده، فليس هناك تصريح في هذا الحديث بسماعه من جده، لذا عندما ترجم له البخاري لم يذكر سماعه من
_________________
(١) = (١٢٣٥). وحديث عبد الرحمن أخرجه -غير الترمذي- أحمد (٢٠٦١١)، وصححه ابن خزيمة (٢٥٤).
(٢) أخرجها الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٢٩٦) (٣/ ١٨٧)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٨٠٩) ومن طريق آخر (١١٠).
(٣) "علل الحديث" (١/ ٤٥٢).
(٤) أخرجه أحمد في "المسند" (٢٠٦١٥)، وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (٢٩١٥).
(٥) أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبير" (٩/ ٣٥).
(٦) "السنن الكبرى" (٨٠٨).
[ ١ / ٤٣٦ ]
جده، بل لم يذكر روايته عن جده، وإنما قال (روى عن أبيه) (^١)، وكذا في ترجمة قيس بن عاصم (^٢) لم يذكر أن خليفة سمع منه.
وأما أبو حاتم فلم يذكر أنه يروي عن أبيه (^٣)، وعندما ترجم لقيس بن عاصم قال: (روى عنه ابن ابنه خليفة بن حصين) (^٤)، فالأقرب في هذا الخبر أنه منقطعٌ.
٣ - وقال أيضا في باب فيمن أكل ثم خرج سفرا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب.
حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني زيد بن أسلم، قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، فذكر نحوه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ومحمد بن جعفر، هو ابن أبي كثير، هو مديني ثقة، وهو أخو إسماعيل بن جعفر.
وعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح، والد علي بن عبد الله المديني، وكان يحيى بن معين يضعفه) (^٥).
قلت: الإسناد الأول فيه عبد الله بن جعفر، وهو والد علي بن المديني، وهو لا يحتج به.
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٣/ ١٩٢).
(٢) "التاريخ الكبير" (٧/ ١٤١).
(٣) "الجرح والتعديل" (٣/ ٣٧٧).
(٤) "الجرح والتعديل" (٧/ ١٠١).
(٥) (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).
[ ١ / ٤٣٧ ]
وأما الإسناد الثاني، فهو صحيح جدًا، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، فلماذا لم يصححه أبو عيسى؟ الظاهرُ أنه لغرابة متنه، وذلك أن المسافر لا يفطر إلا بعد خروجه من بلده.
وقد قال الدارقطني بعد أن أخرجه: (رجاله كلهم ثقات)، وقول الدارقطني هذا ليس موجودًا في المطبوع، وإنما في "الإتحاف" لابن حجر، وقد نقل أيضًا أن ابن القطان الفاسي قد صححه (^١).
وأخرجه الضياء (^٢)، ونقل تحسين الترمذي.
وذكره ابن أبي حاتم قال: (وسألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، فوجده قد رحلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلنا: أسنة؟ قال ليس بسنة.
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن ابن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك … فذكر الحديث؛ قال: فقلت: سنة؟ فقال: نعم، سنة.
قال أبي: حديث الدراوردي أصح) (^٣).
قلت: لا شك أن رواية الدراوردي أرجح؛ لأن محمد بن عبد الرحمن بن مجبر متروك، ولكن لم يذكر أبو حاتم ولا ابنه طريق الترمذي الصحيحة، وهي لا شك أقوى من طريق الدراوردي.
وأخرجه الدارقطني من طريقين عن روح، ثنا شعبة، عن عمرو بن
_________________
(١) "إتحاف المهرة" (١٧٤٢).
(٢) "المختارة" (٢٦٠٢).
(٣) "علل الحديث" (٣/ ٧٣).
[ ١ / ٤٣٨ ]
عامر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال لي أبو موسى: ألم أنبأ أنك إذا خرجت خرجت صائما، وإذا دخلت دخلت صائما؟ فإذا خرجت فأخرج مفطرا، وإذا دخلت فادخل مفطرا (^١).
وأخرجه البيهقي (^٢) من طريق عثمان بن عمر حدثنا شعبة به.
قلت: وهذا صحيح عن أنس، وفيه أن أنسًا كان إذا أراد أن يسافر لا يفطر بل يخرج صائمًا، وكذا إذا رجع إلى بلده، فإنه يكون صائمًا أيضًا، وظاهر الخبر أنه فعل ذلك مرارًا، وأن هذا هو ديدنه، فأمره أبو موسى أن يكون مفطرًا عندما يريد السفر في الخروج، وعند الدخول.
وقد يكون هذا ما دعا أنسًا أن يفطر عند إرادة السفر بعد أن كان يفعل خلاف ذلك، ولعله ظنَّ من قول أبي موسى الأشعري له في ذلك أنه سنة، ولكن كلامه الذي تقدم ليس فيه ذكر لذلك، وهو الأصح؛ لأنَّه من المتفق عليه: أن المسافر لا يجوز له أن يقصر من الصلاة قبل أن يخرج؛ لأنَّه ما دام في بلده فإنه يعتبر مقيمًا حتى ولو كان قد نوى السفر، فالصيام مثل ذلك، ثم إن الإنسان قد يعزم على السفر فيركب دابته ثم بعد ذلك قد يطرأ عليه ترك السفر، فيكون قد أفطر هذا اليوم وهو لم يسافر، وقبل هذا وبعده لم يُنقل عن رسول الله ﷺ ولو مرة واحدة أنه قد أفطر قبل أن يخرج، بل ثبت في أحاديث كثيرة أنه كان يصوم في السفر -مع أن الفطر رخصةٌ-، وثبت أن من الصحابة من كان يصوم في السفر أيضًا، وهم مع رسول الله ﷺ، لذا كان الصيام في السفر أفضل لمن لم يشق عليه، والفطر أفضل لمن شق عليه الصيام، والله تعالى أعلم.
وأختم بمثال يوضح منهجه في ذلك ويؤكده: ألا وهو حديث ابن
_________________
(١) "السنن" (٢٢٩٢).
(٢) "السنن الكبرى" (٨١٧٩).
[ ١ / ٤٣٩ ]
عباس، قال ﵀: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته.
وفي الباب عن أبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي.
وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا.
حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر".
قال أبو عيسى: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره.
والعمل على هذا عند أهل العلم: ألا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة …) (^١).
قلت: يلاحظ أنه لم يحكم عليه بالصحة، وهو صحيح لا شك في صحته عنده؛ لأنَّه ذكر ثلاثة ممن رووه عن ابن عباس، وكلهم من الثقات المشاهير، والحديث صححه الشيخان وغيرهما، فلم يبق إلا استغراب متنه، وهذا ما نص عليه في "العلل الصغير" بقوله: (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:
_________________
(١) (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، وقد سبق ذكره لمناسبة أخرى.
[ ١ / ٤٤٠ ]
حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر.
وحديث النبي ﷺ أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ".
وقد بينا علة الحديثين جميعا في الكتاب) (^١).
قلت: وينظر كلامه على حديث شارب الخمر في المرة الرابعة، فإنه لم يحكم عليه أيضا حكما صريحا بينا، وإنما أطال الكلام عليه من الناحية الفقهية كما فعل في حديث ابن عباس.
* * *
_________________
(١) (٥/ ٧).
[ ١ / ٤٤١ ]
الوجه العاشر: الحديث الذي لا يذكر فيه اختلافًا ولا غرابةً، وقد حكم بصحته؛ فهذا غالبًا ما يكون كذلك.
وذلك لما تقدم من حال أبي عيسى أنه كثيرًا ما يشير للاختلاف الذي وقع في الحديث - حتى ولو كان يسيرًا، وليس له كبير تأثير - وللغرابة إن وجدت، فإذا لم يذكر شيئًا من ذلك، فالقلب حينئذٍ يطمئن إلى صحة الخبر.
ومن الأمثلة على ذلك:
قال ﵀ في باب ما يقول إذا أذن المؤذن: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك (ح) وحدثنا قتيبة، عن مالك، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن ".
وفي الباب عن أبي رافع، وأبي هريرة، وأم حبيبة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن ربيعة، وعائشة، ومعاذ بن أنس، ومعاوية.
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح.
وهكذا روى معمر وغير واحد، عن الزهري مثل حديث مالك.
وروى عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
ورواية مالك أصح) (^١).
قلت: أين رواية عبد الرحمن بن إسحاق من رواية الإمام مالك ومعمر من حيث القوة والصحة؟! فلا يخفى أن بينهما البون الشاسع، ومع ذلك
_________________
(١) (١/ ٤٠٧).
[ ١ / ٤٤٢ ]
أشار إلى رواية عبد الرحمن المخالفة، ونص على صحة رواية مالك، وهذا مثال من عشرات الأمثلة على عنايته بالاختلاف الذي يقع في الخبر حتى ولو لم يكن مؤثرا.
* * *
[ ١ / ٤٤٣ ]
الوجه الحادي عشر: الخبر الذي ظاهره الصحة ولم يحكم بصحته؛ غالبًا ما يكون فيه علة خفية، لا تدرك إلا بالبحث، وجمع الطرق لهذا الخبر.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر، يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء؛ فإنه طهور".
وقال: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة".
وفي الباب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، وجابر، وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث سلمان بن عامر حديث حسن.
والرباب هي أم الرائح ابنة صليع.
وهكذا روى سفيان الثوري، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ نحو هذا الحديث.
وروى شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سلمان بن عامر ولم يذكر فيه عن الرباب.
وحديث سفيان الثوري وابن عيينة أصح.
وهكذا روى ابن عون وهشام بن حسان، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر) (^١).
_________________
(١) (٢/ ٦٧).
[ ١ / ٤٤٤ ]
قلت: هذا الحديث أخرجه في "الصيام" (^١) من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن عاصم به، وقال: حسنٌ صحيحٌ، ولكن ليس فيه: "فإنه بركة"، وذلك عندما ذكر التمر، كما أنه ليس فيه قصة الصدقة.
فأما الزيادة الأولى، وهي: (فإنه بركة)، فالأقرب أنها غير محفوظة، قال النَّسَائِي: (لا نعلم أن أحدا ذكر في هذا الحديث "فإنه بركة" غير سفيان) (^٢)، وقال في موضعٍ آخر: (هذا الحرف "فإنه بركة"، لا نعلم أن أحدا ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه محفوظا) (^٣).
ورواها أيضًا ابن ماجه (^٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن ابن عون به، مقتصرًا على الصدقة فقط.
وأما قصة الصدقة، فإنها صحيحةٌ، فقد رواها النَّسَائِي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن عونٍ، عن حفصة (^٥).
ورواه أيضًا الحميدي (^٦) عن سفيان بن عيينة به.
وابن خزيمة (^٧) عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان به.
ولكون زيادة "فإنه بركة" غير محفوظة لم يصحح أبو عيسى هذا الخبر فيما يظهر، والله أعلم.
٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عمر بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ولي أحدكم أخاه، فليحسن كفنه".
_________________
(١) (٢/ ٨٩).
(٢) "السنن الكبرى" (٥/ ٤٤٧).
(٣) "السنن الكبرى" (٨/ ٥٩٩).
(٤) "السنن" (١٨٤٤).
(٥) "المجتبى" (٢٦٠١).
(٦) "المسند" (٨٤٢).
(٧) "الصحيح" (٢٠٦٧).
[ ١ / ٤٤٥ ]
وفيه عن جابر.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^١).
قلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات، وعمر بن يونس ثقة بالاتفاق، خرّج له الجماعة، وقد توبع من قبل مسلم بن إبراهيم الأزدي عند ابن أبي الدنيا (^٢)، والبيهقي، وزاد في آخره: "فإنهم يتزاورون في قبورهم"، قال البيهقي: (وهذا إن صح لم يخالف قول أبي بكر الصديق ﵁ في الكفن: "إنما هو للمُهْل"، يعني: الصديد؛ لأن ذلك كذلك في رؤيتنا، ويكون كما شاء الله في علم الله، كما قال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهو ذا نراهم يتشحطون في الدماء، ثم يفتنون، وإنما يكونون كذلك في رؤيتنا، ويكونون في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أخبر الله عنهم لارتفع الإيمان بالغيب) (^٣).
وأما عكرمة بن عمار فهو مستقيم الحديث، نعم، تُكلِّم في روايته ولكن عن يحيى بن أبي كثير، وهذا ليس منها.
إذنْ لماذا توقف المصنف عن تصحيحه؟! لعله من أجل أن سفيان الثوري، رواه عن هشام، عن ابن سيرين قال: كان يقال …
فرواية عكرمة بن عمار، عن هشام في وصل هذا الحديث غريبة، وهذا ما جعل أبا عيسى - فيما يظهر - لا يصحح هذا الخبر، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) (٢/ ٢٤٦).
(٢) "المنامات" (١٦٢).
(٣) "شعب الإيمان" (١١/ ٤٥٩) (٨٨٣٠).
[ ١ / ٤٤٦ ]
الوجه الثاني عشر: أنه عند نقده للأخبار غالبًا ينقدها من حيث الإسناد، وفي بعض الأحيان من حيث الإسناد والمتن معا، وفي بعضها من حيث المتن فقط.