أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث (^١). وصحح له الترمذي (^٢)، وهذا مما يقوي توثيق ابن معين.
وكذا تصحيحه لسماك عن عكرمة، وتصحيحه أيضا لرواية من سمع من سماك بعد التغير (^٣).
وفي هذا فائدة كبيرة، وهي أن هناك من يظن أن كل ما رواه سماك عن عكرمة لا يصح، وهذا خطأ؛ بل له عنه أحاديث صحيحة، وكذا أحاديثه الأخيرة فمنها ما هو صحيح.
ومثل عبد الله بن محمد بن عقيل (^٤)، ومحمد بن إسحاق (^٥)، ويزيد بن أبي زياد (^٦)، وشريك بن عبد الله (^٧)، وعلي بن زيد بن جُدعان (^٨)، فقد صحح لهم بعض الأحاديث دون بعض.
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٣٤/ ٦٢).
(٢) "جامع الترمذي" (١٤٩٢).
(٣) ينظر: (٣٣٦، ٥١٣، ٥٤٠)، (٢٢٦، ١٢٥٥)، (١٥٣١، ٢٩٨٩ - ٢٩٩٠، ٣٢٢٠).
(٤) (٣٣، ١٢٩).
(٥) (٢٣، ١١٦).
(٦) (١١٥، ٧٩٠).
(٧) (٢٨٦٤).
(٨) (١١٠، ١١٨٦).
[ ٢ / ٢١٨ ]
بخلاف عبد الله بن لَهيعة فإنه لم يصحح له شيئا، حتى من رواية العبادلة.
وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، فقد خالف شيخه البخاري الذي يقويه.
ورواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، فإنه لم يصحح منها حديثا، وإنما حسن بعضها (^١)، مع أن هناك من الحفاظ من يقويها.
وما يقال في الرجال يقال في الإسناد، وهو أهم من الأول كما لا يخفى، وخاصة السلاسل منها، فهناك سلاسل صحّحها أو قوّاها، وفيها خلاف شديد؛ مثل سلسلة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، فقد صحح بهذه السلسلة حديثا واحدا؛ وهو حديث "الصلح جائز بين المسلمين" (^٢)، وآخر قواه؛ وهو أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا. قال أبو عيسى: (حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب) (^٣)، وقال عن حديثين: (حسن) (^٤)، وقال عن الخامس: (حسن غريب) (^٥).
وهذه الأحكام من أبي عيسى على هذه السلسلة في غاية من الأهمية.
وهذا هو ظاهر مذهب شيخه محمد بن إسماعيل البخاري (^٦)، فقد قال
_________________
(١) (١٧٩، ٣٦٧)، يقول في بعضها: (ليس به بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه)، وأحيانا يقوله: (حسن …).
(٢) "جامع الترمذي" (١٤١٠).
(٣) (٥٤٤).
(٤) (٢٨٣١، ٢٨٨٥).
(٥) (٤٩٦).
(٦) فإن قيل: علق له البخاري خبرا بصيغة التمريض، فقال في كتاب المزارعة من "الصحيح" (٣/ ١٠٦): (قال عمر: من أحيا أرضا ميتة فهي له. ويروى عن عمرو بن عوف، عن النبي ﷺ، وقال: "في غير حق مسلم، وليس لعرق ظالم فيه حق". ويروى فيه عن جابر، عن النبي ﷺ).=
[ ٢ / ٢١٩ ]
عن حديث التكبير في العيدين: (ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في هذا الباب هو صحيح أيضا، وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي مقارب الحديث) (^١).
مما تقدم تتبين فائدة، وهي أن هذه السلسلة اختلف فيها اختلافا شديدا (^٢):
فبعض الحفاظ -كالإمام أحمد- ذهب إلى أنها واهية شديدة الضعف.
وبعضهم رأى قوة هذه السلسلة، كما تقدم.
وذهب آخرون -كالبيهقي- إلى أنهّا يستأنس بها، وتتقوى بغيرها، وأنا أذهب إلى هذا؛ لأن أغلب متونها مستقيمة، وقد جاءت من أوجه أخرى.
ويفيد تصحيح الترمذي أيضا: عند الاختلاف في راوٍ هل سمع ممن روى عنه أم لا، أو حينما لا يُعلم السماع من عدمه، مثاله: ما أخرجه أبو عيسى من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ أتى حاجته فأبعد. قال أبو عيسى: (حديث حسن صحيح) (^٣).
_________________
(١) = والجواب عن ذلك: أن صيغة التمريض لا يلزم منها التضعيف، فإن البخاري يعلق أحيانا بصيغة التمريض ثم يصله في كتابه "الصحيح"، ومثله أبو عيسى، فإنه يقول أحيانا: (ويُروى)، ويريد بذلك أحاديث صحيحة. ويؤيد هذا أن حديث جابر الذي ذكره أيضا بصيغة التمريض هو حديث صحيح، وما قاله ابن حجر عن هذا الخبر أن فيه عللا فيه نظر، والعلم عند الله. ينظر: "تغليق التعليق" (٣/ ٣١٠).
(٢) "العلل الكبير" للترمذي (١٥٣ - ١٥٤).
(٣) ينظر: "تهذيب الكمال" (٢٤/ ١٣٧).
(٤) "جامع الترمذي" (١٩)، وصحّحه أيضا ابن خزيمة (٥٠)، وسكت عنه أبو داود (١).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وهو كذلك؛ لأنَّه جاء من طرق أخرى في "الصحيحين" (^١) وغيرهما، ولكن في هذا الإسناد لم أقف على ما يدل على سماع أبي سلمة من المغيرة ولا عدم سماعه، كما أني لم أقف على غير هذه الرواية لأبي سلمة عن المغيرة، ولم يصرِّح فيها بالتحديث، ولما ترجم البخاري لأبي سلمة في "التاريخ" (^٢) لم يذكر عن سماعه من المغيرة شيئا، والظاهر أنه لم يقف على ما يفيد سماعه أو عدمه.
وبالتالي نستأنس بتصحيح أبي عيسى لهذا الخبر في سماع أبي سلمة من المغيرة.
وبسلوك هذه الطريقة سوف نستفيد فوائد كثيرة، سواء كان ذلك في تقوية جمع من الرواة والأسانيد، أو ثبوت السماع.
وقد سلك هذه الطريقة جمع من الحفاظ؛ منهم أبو عبد الله ابن منده، حيث يقول: هذا حديث على رسم أبي داود أو الترمذي أو النَّسَائِي (^٣)، أو على رسم الجماعة، أو على رسم الجماعة إلا البخاري (^٤).
* * *
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١٨٢)، "صحيح مسلم" (٢٧٤).
(٢) (٥/ ١٣٠).
(٣) "كتاب الإيمان" (٨١٤)، "كتاب التوحيد" (٣٠، ٨٦).
(٤) "كتاب الإيمان" (١١٥، ١٥٦، ٢٠٣، ٢٠٦).
[ ٢ / ٢٢١ ]
مصطلحُ "الحسن"
[ ٢ / ٢٢٣ ]