١ - قوله ﵀ في باب ما جاءكم حج النبي ﷺ: (حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ: حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر، ومعها عمرة، فساق ثلاثة وستين بدنة، وجاء عليٌّ من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة فنحرها (^١)، فأمر رسول الله ﷺ من كل بدنة ببضعة، فطبخت، وشرب من مرقها.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه، عن عبد الله بن أبي زياد.
وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي: ﷺ، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظا، وقال: إنما يروى عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسل.
حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كم حج النبي ﷺ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنيمة حنين.
_________________
(١) في بعض الطبعات زيادة: (رسول الله ﷺ).
[ ١ / ٤٤٧ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وحبان بن هلال هو أبو حبيب البصري هو جليل ثقة، وثقه يحيى بن سعيد القطان) (^١).
قلت: يلاحظ أن حديث جابر هذا نقده أبو عيسى سندًا ومتنًا:
أما من حيث الإسناد فقد حكم عليه بالغرابة، ثم بيَّن أن الصواب فيه الإرسال، وذلك فيما نقل عن البخاري.
وأما من حيث المتن فقد ذكر حديث أنس، وهو حديث صحيح كما قال أبو عيسى، وقد صححه أيضًا البخاري ومسلم (^٢)، وفيه أن النبي ﷺ حجَّ حجةً واحدةً (^٣)، وليس ثلاثًا كما جاء في الحديث السابق.
٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي، قال: سمعت ابن نمير، عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلي عنها غيرها، هي تلبي، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية).
قلت: يلاحظ أن أبا عيسى قد نقد هذا الخبر سندًا ومتنًا.
٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في التطوع في السفر: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عمر،
_________________
(١) (٢/ ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) "صحيح البخاري" (١٧٧٨)، (١٧٧٩)، (٤١٤٨)، "صحيح مسلم" (١٢٥٣).
(٣) قلت: لا شك أن أنسًا ﵁ يعني بعد الهجرة، وأما قبل الهجرة، فالله أعلم كم حجَّ ﷺ؛ لأنَّه لم يثبت خبر في ذلك.
[ ١ / ٤٤٨ ]
قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وقد رواه ابن أبي ليلى، عن عطية، ونافع، عن ابن عمر.
حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصلّ بعدها شيئا، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات، فلا ينقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
سمعت محمدا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إليّ من هذا (^١» (^٢).
قلت: هذا الحديث معلولٌ، لا يصح، لا من حيث الإسناد ولا من حيث المتن.
أما من حيث الإسناد؛ ففيه حجاج وهو ابن أرطاة، وعطية وهو العوْفي.
وأما في الإسناد الثاني؛ ففيه ابن أبي ليلى، بالإضافة إلى عطية، وثلاثتهم لا يحتج بهم.
وأما المتن، فهو مخالفٌ لما ثبت عن ابن عمر: أن الرسول ﷺ وأبو
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (ولا أروي عنه شيئًا).
(٢) (٢/ ٨ - ٩).
[ ١ / ٤٤٩ ]
بكر وعمر، وعثمان ﵁ كانوا يقتصرون على الركعتين في السفر، وأن ابن عمر كذلك، فكان لا يتطوع إذا كان مسافرًا، أخرجه الشيخان عنه (^١).
وفي حديث عطية العوفي السابق: أن الرسول ﷺ، كان يتطوع بعد الظهر والمغرب ركعتين.
فتبين أن هذا المتن منكر.
ولذلك لم يصحح أبو عيسى هذا الحديث، بل ذكره في "العلل الكبير"، وقال: (وسمعت محمدا يقول: لا أعرف لابن أبي ليلى حديثا هو أعجب إليّ من هذا، وهو حديثه عن عطية ونافع، عن ابن عمر: صليت مع النبي ﷺ في الحضر الظهر أربعا، وبعدها ركعتين … الحديث، قال محمد: ولا أروي عن ابن أبي ليلى شيئا) (^٢).