٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المشي أمام الجنازة: (حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن همام، عن منصور وبكر الكوفي وزياد وسفيان، كلهم يذكر أنه سمعه من الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
قال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.
وفي الباب عن أنس.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر هكذا رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، نحو حديث ابن عيينة.
وروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغيرهم من الحفاظ عن الزهري، أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة.
_________________
(١) (٢/ ١٨١ - ١٨٢).
[ ١ / ٤٦٨ ]
وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح.
قال أبو عيسى: وسمعت يحيى بن موسى يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة.
قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن ابن عيينة.
قال أبو عيسى: وروى همام بن يحيى هذا الحديث، عن زياد - وهو ابن سعد - ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام …
قال: وحديث أنس في هذا الباب غير محفوظ.
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان.
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث (^١) أخطأ فيه محمد ابن بكر، وإنما يروى هذا (^٢) عن يونس، عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة.
قال الزهري: وأخبرني سالم: أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.
قال محمد: هذا أصح) (^٣).
قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من ترجيح رواية الإرسال وذلك لأمور:
_________________
(١) في بعض النسخ: (حديث خطأ).
(٢) في بعض النسخ زيادة: (الحديث).
(٣) (٢/ ٢٥١ - ٢٥٣).
[ ١ / ٤٦٩ ]
أ - أن من أرسل أتقنُ ممن وصل، فمالك من أتقن الناس في الزهري، كيف وقد تابعه معمر ويونس، وهما أيضًا من المقدَّمين في حديث الزهري؟!
ب - أن بعض من وصل أخذ بعضُهم عن بعض؛ فابن جريج فيما يظهر أخذه عن سفيان بن عيينة أو زياد بن سعد.
ج - أن من وصله سلك الجادة، بخلاف من أرسل فقد خالف الجادة، فتكون روايته هي المقدَّمة.
د - أن الذين أرسلوا فصَلوا المرفوع من الموقوف، فكانت روايتهم للموقوف موصولة، بخلاف المرفوع فإنهم قد فصلوه وبينوا أنه مرسلٌ، فدل هذا على حفظهم وعلمهم، فتُقدّم روايتهم على غيرهم.
وإلى هذا ذهب النَّسَائِي، قال: (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر وقتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهري مرسلا.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا سفيان ومنصور وزياد وبكر، كلهم ذكر أنه سمعه من الزهري، يحدث أن سالما أخبره، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون بين يدي الجنازة.
بكر وحده لم يذكر عثمان.
قال لنا أبو عبد الرحمن: وهذا أيضًا خطأ، والصواب مرسل، وإنما أتى هذا عندي - والله أعلم - لأن هذا الحديث رواه الزهري عن سالم عن
[ ١ / ٤٧٠ ]
أبيه: أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال: "كان النبي ﷺ" إنما هو من قول الزهري.
قال ابن المبارك: الحفَّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قولٍ أخذنا به وتركنا قول الآخر.
قال لنا أبو عبد الرحمن: وذكر ابن المبارك هذا الكلام عند هذا الحديث) (^١).
وقد وقع في هذا الحديث اختلاف كثير، وقد استوفاه الدارقطني في كتابه "العلل" (^٢).
وخالفهم البيهقي، فرجّح الوصل، قال في "السنن الكبرى" - بعد أن ساق أسانيد هذا الخبر -: (وقد اختلف على ابن جريج ومعمر في وصل الحديث، فروي عن كل واحد منهما الحديث موصولا، وروي مرسلا، وقد قيل: عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري.
وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو ذر محمد بن محمد بن عبد الرحمن حفدة أبي القاسم المذكر، قالا: ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني الحافظ، ثنا علي بن الحسن الدرابجردي، ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا همام، عن سفيان يعني ابن عيينة ومنصور وزياد وبكر، كلهم ذكر أنه: سمع من الزهري، أن سالما أخبره، أن أباه أخبره، أنه رأى رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون بين يدي الجنازة، غير أن بكرا لم يذكر عثمان.
تفرد به همام وهو ثقة، واختلف فيه على عقيل ويونس بن يزيد، فقيل عن كل واحد منهما عن الزهري موصولا، وقيل مرسلا، ومن وصله واستقر
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).
(٢) (٦/ ٢٨٠ - ٢٨٦).
[ ١ / ٤٧١ ]
على وصله ولم يختلف عليه فيه وهو سفيان بن عيينة حجة ثقة والله أعلم) (^١).
٩ - وقال أيضًا في باب النهي عن البول قائما: (وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي ﷺ أبول قائمًا، فقال: "يا عمر، لا تبل قائما"، فما بلت قائما بعد.
وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث؛ ضعفه أيوب السختياني وتكلم فيه.
وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: ما بلت قائما منذ أسلمت.
وهذا أصح من حديث عبد الكريم) (^٢).
قلت: ما ذهب إليه أبو عيسى ظاهرٌ، فعبد الكريم لا يحتج به، وقد رواه عبيد الله بن عمر، وهو ثقةٌ ثبتٌ، عن نافع فوقفه، فتكون روايته هي الصحيحة.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها في (باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة) (^٣)، و(باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم) (^٤)، الحديث الثاني فيه.
الثاني: ترجيح رواية الأكثر، وهو كثيرٌ أيضًا في كتابه "الجامع"، وهو مسلكٌ مشهورٌ ومعروفٌ عند النقاد.
ومن الأمثلة على ذلك:
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٤/ ٣٥ - ٣٦).
(٢) (١/ ٢٨١).
(٣) (٢/ ١٦٥).
(٤) (٢/ ١٦٧).
[ ١ / ٤٧٢ ]
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الرخصة في ذلك - أي في تزويج المحرم -: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الاسم، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال، وبنى بها حلالا، وماتت بسرف، ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب.
وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا، أن النبي ﷺ تزوّج ميمونة وهو حلال) (^١).
وهذا أيضًا ما جاء في "العلل الكبير"، قال: (وسألت محمدا عن حديث يزيد بن الأصم، فقال: إنما روي هذا عن يزيد بن الأصم أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، ولا أعلم أحدا قال: عن يزيد بن الأصم عن ميمونة، غير جرير بن حازم. قال: قلت له: فكيف جرير بن حازم؟ قال: هو صحيح الكتاب، إلا أنه ربما وهم في الشيء) (^٢).
قلت: ضعف الترمذي رواية الوصل التي هي من طريق جرير بن حازم، وذلك بحكمه على حديثه بأنه غريب، لذا ذكره في "العلل الكبير"، ونقل عن شيخه البخاري ما يفيد ترجيح الإرسال؛ وذلك لأنَّه رواه غير واحدٍ مرسلًا عن يزيد بن الأصم، ومنهم الزهري كما في مسلم، ولأن من وصل هذا الخبر - وهو جرير بن حازم - له بعض الأوهام إذا حدث من حفظه، وهذا ما رجحه أيضًا الدارقطني (^٣).
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء
_________________
(١) (٢/ ١٧٠).
(٢) (٢٢٤).
(٣) ينظر: "صحيح مسلم" (١٤١١)، و"علل الدارقطني" (٩/ ٢٦٢).
[ ١ / ٤٧٣ ]
بالمزدلفة: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، أن ابن عمر صلى بجْمعٍ فجمع بين الصلاتين بإقامة، وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله.
قال محمد بن بشار: قال يحيى: والصواب حديث سفيان.
وفي الباب عن علي، وأبي أيوب، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وأسامة بن زيد.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر رواية سفيان أصح من رواية إسماعيل ابن أبي خالد، وحديث سفيان حديث حسن صحيح.
قال: وروى إسرائيل هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن عبد الله وخالد ابني مالك، عن ابن عمر.
وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث حسن صحيح أيضًا، رواه سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير.
وأما أبو إسحاق فإنما روى عن عبد الله وخالد ابني مالك، عن ابن عمر) (^١).
قلت: قدم رواية سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي، على رواية إسماعيل بن أبي خالد، وذلك لأنهما اثنان، وهما أيضًا أوثق في أبي إسحاق من إسماعيل بن أبي خالد.
_________________
(١) (٢/ ١٩١).
[ ١ / ٤٧٤ ]
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصوم بالشهادة: (حدثنا محمد ابن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: إني رأيت الهلال، قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " قال: نعم، قال: "يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا".
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن سماك، نحوه (^١).
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس فيه اختلاف، روى سفيان الثوري وغيره، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا) (^٢).
قلت: كما ذكر أبو عيسى أن الأكثر رووه مرسلًا، فرجح الإرسال، كما هو ظاهر صنيعه.
٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصائم يذرعه القيء: (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام".
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري حديث غير محفوظ.
وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث، عن زيد بن أسلم مرسلا، ولم يذكروا فيه: عن أبي سعيد.
_________________
(١) في بعض النسخ زيادة: (بهذا الإسناد).
(٢) (٢/ ٨٦).
[ ١ / ٤٧٥ ]
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث، سمعت أبا داود السجزي يقول: سألت أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به.
وسمعت محمدا يذكر، عن علي بن عبد الله، قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف.
قال محمد: ولا أروي عنه شيئا) (^١).
قلت: في هذا الحديث: الترجيح برواية الأكثر والأوثق، فالدّراوردي صدوق جيد الحديث، بخلاف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فهو متروك؛ كيف وقد تابع الدّراوردي: عبد الله بن زيد بن أسلم - وهو أقوى من أخيه أيضًا - وغير واحد.
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الرخصة في ذلك - يعني في البول قائما -: (حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال عليها قائما، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه، فدعاني حتى كنت عند عقيبه، فتوضأ ومسح على خفيه.
قال أبو عيسى: وسمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعًا يحدث بهذا الحديث، عن الأعمش، ثم قال وكيع: هذا أصحّ حديث روي عن النبي ﷺ في المسح.
وسمعت أبا عمار الحسين بن حريث، يقول: سمعت وكيعا، فذكر نحوه.
وهكذا روى منصور وعبيدة الضبي، عن أبي وائل، عن حذيفة، مثل رواية الأعمش.
_________________
(١) (٢/ ١٠١).
[ ١ / ٤٧٦ ]
وروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ، وحديث أبي وائل عن حذيفة أصح.
وقد رخص قوم من أهل العلم في البول قائمًا) (^١).
قلت: مع كون طريق المغيرة اتفق عليها اثنان وهما عاصم وحماد، ومع ذلك لم يذهب يصحح أبو عيسى روايتهما، بل رجح أن ذلك وهمٌ، وأن الصواب رواية الأعمش ومنصور؛ وذلك لكونهما أحفظ وأتقن، وقد تابعهما عبيدة الضبي أيضًا، بخلاف أبي بكر ابن خزيمة فإنه قد ذهب إلى تصحيح كلتا الروايتين (^٢)، وهذا ما يسلكه كثير من المتأخرين، بخلاف طريقة المتقدمين فإنهم يذهبون إلى الترجيح، لذا أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى.
ومثل ذلك ما جاء في الباب الذي قبله - باب النهي عن البول قائما -:
٦ - فقد قال أبو عيسى: (وفي الباب عن عمر وبريدة). ثم قال في نهاية الباب: (وحديث بريدة في هذا غير محفوظ) (^٣).
قلت: حديث بريدة أخرجه البزار قال: (حدثنا نصر بن علي، قال: أخبرنا عبد الله بن داود، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده".
وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه إلا سعيد بن عبيد الله،
_________________
(١) (١/ ٢٨٢).
(٢) "صحيح ابن خزيمة" (٦٣).
(٣) (١/ ٢٨١).
[ ١ / ٤٧٧ ]
ورواه عن سعيد: عبد الله بن داود، وعبد الواحد بن واصل، ولا نعلم رواه عن عبد الله إلا نصر بن علي) (^١).
قلت: قال الهيثمي: (رجال البزار رجال الصحيح) (^٢).
قال ابن سيد الناس بعد أن ذكر طريق البزار: (إن لم يكن لهذا الحديث علة فهو أقوى من حديث عائشة (^٣)، فإن سعيد بن عبيد الله احتج به البخاري، ووثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة) (^٤).
قلت: هذه الطريق معلولةٌ، وقد بين علتها أبو بكر البيهقي، فقال: (أخبرنا أبو زكريا بن المزكي، أبنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد ابن عبد الوهاب، أبنا جعفر بن عون، أبنا سعيد، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: "أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله".
وكذلك رواه الجريري، عن ابن بريدة، عن ابن مسعود.
ورواه سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ بمعناه، إلا أنه قال: "والنفخ في الصلاة" بدل المرور، ولم يقل: "أربع"، قال البخاري: هذا حديث منكر، يضطربون فيه) (^٥).
_________________
(١) "مسند البزار" (٤٤٢٤).
(٢) "مجمع الزوائد" (٢/ ٨٣).
(٣) يشير إلى حديث: "من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا".
(٤) "النفح الشذي" (١/ ١٣٩).
(٥) "السنن الكبرى" (٣٥٥٢).
[ ١ / ٤٧٨ ]
٧ - وقال أيضًا في باب كراهية ما يستنجى به: (حدثنا هناد، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن".
وفي الباب عن أبي هريرة، وسلمان، وجابر، وابن عمر.
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، الحديث بطوله، وقال الشعبي: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن".
وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث) (^١).
قلت: مع أن حفص بن غياث من الثقات المشهورين، إلا أن أبا عيسى مال إلى أن روايته غير محفوظة، وأن الأرجح رواية ابن علية، وهذا لأمرين:
الأول: أن ابن علية أتقن وأحفظ، وقد توبع على ذلك.
الثاني: أن معه زيادة علمٍ، فقد بيّن في هذا الخبر المرسلَ من الموصول، وبالتالي تكون روايته هي الأرجح، لذا لم يقل أبو عيسى أن حفص بن غياث قد وصل هذا الخبر، وأنها زيادة ثقة فتقبل.
وينظر الكلام على هذا مع زيادة تفصيلٍ في موضعه من "الجامع".
وينظر أيضًا: "صحيح مسلم" (^٢) فقد ساق الخلاف، و"التتبع" (^٣)
_________________
(١) (١/ ٢٨٧).
(٢) (٤٥٠).
(٣) "الإلزامات والتتبع" (٩٨).
[ ١ / ٤٧٩ ]
و"العلل" (^١) للدارقطني، و"الفصل للوصل" للخطيب البغدادي (^٢).
٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن فعلته، قال: "عمدا فعلته".
هذا حديث حسن صحيح.
قال أبو عيسى: وروى هذا الحديث علي بن قادم، عن سفيان الثوري، وزاد فيه: توضأ مرة مرة.
وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضًا، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة.
ورواه وكيع، عن سفيان، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.
وروى عبد الرحمن بن مهدي وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسل، وهذا أصح من حديث وكيع) (^٣).
قلت: وكيع من كبار الحفاظ، وقد زاد فوصل الخبر، ومع ذلك لم يقبل منه أبو عيسى هذه الزيادة، وإنما رجح رواية ابن مهدي المرسلة، وذلك لمزيد حفظه وإتقانه، كيف وقد توبع على ذلك؟!
_________________
(١) (٢/ ٣٥٢).
(٢) (٢/ ٦٢٤) وما بعدها.
(٣) (١/ ٣١٣).
[ ١ / ٤٨٠ ]